الإرهاب وليد النصّ القرآني أو الحكم الطغياني .

بقلم / يحي أبوزكريا .

 

الإهداء : إلى كل الذين يؤمنون بالثقافة
 ويرونها السبيل الوحيد نحو رفعتنا الحضاريةّ .

 

هذا الكتاب هو سلسلة مقالات كتبت في أوقات متفرقة
 يجمع بينها الهمّ الحضاري و الرغبة في إعادة البناء
 وفق أسس حضارية سليمة وموضوعية , مقالات من الشرق كما من الغرب .

 

يحي أبوزكريا .

إعادة إنتاج الإستعمار في العالم الإسلامي .

 

 

يعيش العالم الإسلامي اليوم وضعا معقدا ومربكا في كل تفاصيله , وقد أصبحت الجغرافيا التي تدين بالإسلام من طنجة وإلى جاكرتا ووصولا إلى روافد العالم الإسلامي في معظم القارات عرضة للإحتلال المباشر وغير المباشر عسكريّا وسياسيّا و إقتصاديّا وثقافيّا وأمنيّا , وقد كان الإعتقاد السائد أنّ العالم الإسلامي قد ودعّ وإلى الأبد الحركة الإستعمارية التوسعية الغربية والتي أرخت بظلالها علىعالمنا الإسلامي في القرن الماضي , والتي كانت سببا رئيسا في تراجع المشروع النهضوي والتنموي الإسلامي , كما كانت السبب في إنتاج نخب علمانية أتاحت للفكر الكولونيالي في كل أبعاده السياسية والثقافية والإقتصادية أن يستمر محركا لتفاصيل الدولة الحديثة المستقلة إسما وشكلا . ومما لا شكّ فيه فإنّ العالم الإسلامي قد تأثرّ إلى أبعد الحدود بالحركات الإستعمارية والإحتلالية التي جاءت من الغرب بحجّة نشر الحضارة والمدنية في واقع كله تخلّف حسب إدعاءات منظريّ الإستعمار الذين كانوا ملحقين بوزارات الخارجية في العواصم الغربيّة .

 ولم يغادر المحتلون عالمنا الإسلامي إلاّ بعد أن أطمأنوا أنّهم وضعوا دساتير هي من روح دساتيرهم وعينوا تكنوقراط وسياسيين في دوائر القرار في هذه الدولة وتلك وكلهم من الذين نهلوا من معين الثقافة الغربية الكولونياليّة , وقد أكملت هذه النخب مسيرة الحركة الإستعمارية فحاصرت الإسلام في عقر داره وعملت على تجفيف منابعه و ملاحقة الدعاة إلى ثقافته , ولم تكن هذه السيئة الوحيدة للحركات الإستعمارية بل هناك مجموعة سيئات سياسية وإقتصادية وثقافية وجيوسياسيّة , فعلى الصعيد السياسي لعب الإستعمار الغربي دورا كبيرا في صياغة الدساتير التي أصبحت مرجعا أساسا للدولة الحديثة في عالمنا الإسلامي , بل أنّ بعض الدساتير كانت نسخة طبق الأصل من الدساتير الغربية , وبطبيعة

الحال أوكلت مهمة شرح هذه الدساتير وتنفيذها لشخصيات إسلامية إسما وغربية قلبا ومضمونا درست في المعاهد الغربية وأستوعبت روح الحضارة الغربية , وهي الفئة التي عناها الفيلسوف الوجودي الفرنسي بقوله , كانت الدول الغربية الإستعمارية فيما مضى تبعث دباباتها إلى الدول الثالثيّة لنشر فكرها بالقوّة ثمّ تداركت الموقف وباتت تستورد أذكياء من تلك البلاد وتدرسّهم في جامعاتها ومعاهدها ثمّ توفدهم كحكّام لدول العالم الثالث وبهذا الشكل يتحققّ الغرض الإستعماري بدون دبابّة !

وعلى الصعيد الإقتصادي فقد أفرغت الحركات الإستعمارية خزائن البنوك من محتوياتها وخلفوا وراءهم دولا بلا موارد أو مقدرات , بل قاموا في بعض البلاد كدول المغرب العربي بتحطيم كافة الجرارات الزراعية لعدم إستخدامها في الإستصلاح الزراعي , وأملوا على كل دولة أن تنتج منتوجا واحدا أو إثنين ممّا يحتاج له المستعمر , فالجزائر على سبيل المثال وعندما كانت ترزح تحت الإستعمار الفرنسي كانت تصدّر القمح إلى كل الدول الأوربية وبنسبة ثمانين بالمائة , وبعد أن أستقلّت الجزائر باتت تستورد القمح بنسبة مائة بالمائة وأصبحت في المقابل تزرع العنب وتنتج الخمور التي مازالت فرنسا الدولة المستعمرة سابقا المشتري الأول لها .

 كما أنّ الدول الإستعماريّة ظلّت تحتفظ لنفسها بخرائط دقيقة عن مكان وجود الموارد الأوليّة من نفط وذهب وغاز ويورانيوم وحديد ومياه جوفيّة وغير ذلك من الأمور .

وعلى الصعيد الثقافي فإنّ معظم الدول التي كانت مستعمرة – بفتح الراء – تعاني اليوم من أزمة هويّة قلّ نظيرها أفضت إلى إنتاج حروب أهليّة بالجملة في أكثر من دولة إسلاميّة , كما أعادت الحركات الإستعمارية إحياء الإثنيات التي إنصهرت في بوتقة الإسلام على مدى أربع عشر قرنا , و إستغلّت التناقضات الداخليّة وتحولّت الأقليّات إلى إطارات سياسيّة وإيديولوجيّة أفادت الحركات الإستعمارية في وقت لاحق عندما دبّ الحنين في هذه الحركات بمعاودة الكرّة التي كانت قبل أزيد من قرن .

 وتمكنت الحركات الإستعماريّة من غرس بذور ثقافية وفكرية في التربة الإسلامية أينعت بعد حين تماما كما قال الجنرال الفرنسي شارل ديغول وهو يغادر الجزائر سنة 1962 تحت ضغط الثورة الجزائريّة : لقد تركت في الجزائر بذورا ستينع بعد حين .

وكانت هذه البذور هي التي شككّت لاحقا في هويّة الشعب الجزائري ذات البعدين العربي والإسلامي .

وعلى الصعيد الجيوسياسي ترك الإستعمار أزمة الحدود ملتهبة بين كل الدول الإسلاميّة تقريبا وهي التي سمّاها رئيس الديبلوماسية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر بعوامل التوتّر التي تفيد الإدارة الأمريكية عند الحاجة والضرورة . ومازالت أزمة الحدود بين الدول الإسلامية قائمة مهدّت لنشوء صراعات متفاقمة بل مازالت تهددّ بإندلاع صراعات حادة على المدى المتوسّط .

وإذا كانت هذه صورة موجزة ومختزلة عن العالم الإسلامي بالأمس فإنّه اليوم ومع بداية الألفية الثالثة لا يختلف كثيرا عن صورته في الماضي فالدول الإسلامية مازالت عرضة للإحتلال المباشر وما زال القسم الأكبر من العالم الإسلامي عرضة للغزو الإقتصادي والثقافي .

 فعلى صعيد الإحتلال العسكري فإنّ هناك ثلاث دول إسلامية محتلة إحتلالا مباشرا من قبل الدولة العبريّة و الولايات المتحدة  الأمريكية الوريث الشرعي للأمبراطورية البريطانية كما قال هنري كيسنجر في مقالة له عن النظام العالمي الجديد وهذه الدول هي فلسطين وأفغانستان والعراق , وهناك دول إسلامية تفتّت بسبب الولايات المتحدة الأمريكية ومساعيها وهي إندونسيا والتي إستقلّت عنها تيمور الشرقيّة و الصومال , كما أنّ هناك جمهوريات إسلامية تقبع تحت الإحتلال الروسي كالشيشان والتي لم تأخذ حظها من الإستقلال , على الرغم من أنّ الجمهوريات الكاثوليكية في الإتحاد السوفياتي السابق نالت إستقلالها بدعم من الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية .

وعلى الصعيد الإقتصادي فما زالت الشركات المتعددة الجنسيات الأمريكية في مجملها وصندوق النقد الدولي يتحكّم في إقتصاديّات العالم الإسلامي وقد أصبحت المساعدة الإقتصادية للعالم الإسلامي مقرونة بالرضوخ السياسي والإستجابة الكاملة لقرارات ومخططّات الإرادات الدوليّة , والأكثر من ذلك فإنّ البنوك الدولية ذات التمويل الأمريكي هي التي باتت تخطط المنهج الإقتصادي لهذه الدولة الإسلامية وتلك .

وثقافيّا فإنّ الإدارة الأمريكة وضعت مخططّا كاملا وإستراتيجية متعددة الأبعاد لإعادة تأهيل العالم الإسلامي ثقافيا وتربويّا وعلميّا , وكل دولة إسلامية تحاول الإنطلاق من مقوماتها الذاتية وتعمل على إستكناه أسرار التقنية وتحديدا تكنولوجيا السلاح فإنّها تدرج في خانة الدول المتمردّة وبالتالي هناك كمّ هائل من القوانين لمعاقبتها .

وبعد الحادي عشر من أيلول – سبتمبر خرجت أمريكا من دائرة الرغبة في بسط الإحتلال السياسي والإقتصادي والثقافي إلى الإحتلال العسكري , ومثلما كان العالم الإسلامي في بداية القرن الماضي عرضة للإستعمار والإحتلال فإنّه دشنّ بداية قرنه الحالي بإحتلال أمريكا لدول مفصلية إستراتيجيا وجيوسياسيّا في الجغرافيا الإسلامية وما زالت شهيتها مفتوحة إلى درجة أنّها أعادت عسكرييها المتقاعدين إلى الخدمة وفي العالم الإسلامي !

 

 

الإرهاب وليد النصّ القرآني أو الحكم الطغياني !

 

 

تحولّت ظاهرة الإرهاب في العالم العربي والإسلامي على وجه التحديد إلى أعقد ظاهرة سياسيّة و أمنيّة و إجتماعيّة , وقد أنتجت هذه الظاهرة سلسلة لا مثيل من الدراسات والمقالات و الإنشغالات الفكريّة والبحث عن الجذور التاريخية و السياسية لهذه الظاهرة , و ما كتب عن هذه الظاهرة هو أضعاف ما كتب عن المشروع النهضوي والتنموي في واقعنا العربي والإسلامي حيث بحث ثلّة من مفكرينا في آليات النهضة و مرّت بحوثهم بدون عناية فكريّة تذكر ربمّا لأنّ الذاكرة العربية والإسلامية مصابة بخدوش خطيرة وربمّا لأننا لا نولي المشاريع الكبرى أهميّة تذكر .

 ولعلّ أهم المراكز التي تناولت ظاهرة الإرهاب بالبحث و التنقيب هي مراكز الأبحاث و المعلومات التابعة لدوائر الإستخبارات العربية والغربية و تليها مراكز الدراسات الإستراتيجية ذات الإرتباطات المتعددّة ثمّ المراكز الإعلامية ودور النشر والمنتديّات الثقافيّة.   ولأننّا منشطرون دوما حتى في فكرنا وثقافتنا ومشاريعنا فإنّ البحوث التي وضعت حول ظاهرة الإرهاب هي الأخرى منشطرة حول نفسها , فللسلطات وأدواتها الفكرية والإعلامية رأي في هذا الموضوع وللمعارضات رأي وللباحثين آراء مختلفة . والقراءة المتأنيّة و الإستقرائيّة لمجمل ما كتب حول الإرهاب وجذوره تفضي إلى تعداد مدرستين مختلفتين حول الإرهاب وجذوره , فالمدرسة الأولى وهي المدرسة الرسمية السلطويّة فترى سواء عبرّت عن ذلك بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر أنّ النص القرآني وتراكمات التاريخ الإسلامي و الأصولية الإسلاموية الظلامية بتعبير الخطابات السلطوية الرسمية هي التي أنتجت الإرهاب وأفرزت فكر التكفير و الحكم على السلطة أحيانا وعلى المجتمع أحيانا أخرى بالردّة وبالتالي مشروعية قتال المرتدين , ويذهب هذا الخطاب الرسمي إلى أنّ الذين يمارسون العنف ضدّ السلطات القائمة ينطلقون من آيات قرآنية وأحاديث نبوية وسيرة السلف الصالح ويسقطون كل ذلك على الواقع المعيش ولعلّ أبرز آية تستخدم لشرعنة العنف ضدّ السلطات هي آيات سورة المائدة :

ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وفي آية أخرى هم الظالمون , وما إلى ذلك من الآيات . ولتقزيم أصحاب هذا الإتجاه تعمد السلطات إلى إستمالة أصحاب الطرح الإسلامي المعتدل و تحاول وأد تيّار العنف من خلال الحصول على الشرعية من المعتدلين والمتخندقين في خطّها مقابل بعض المناصب هنا وهناك وبعض الإمتيازات التي يحضى بها رجالات القرار دون غيرهم .

ومقابل هذه المدرسة الرسمية التي تعطي للإرهاب بعدا دينيا هناك مدرسة قوامها مفكرون مستقلون ومعارضون وباحثون إجتماعيون وسياسيون يرون أنّ إرهاب السلطة هو الذي أنتج إرهاب المجتمع , وأنّ الديكتاتورية والتسلط والقمع والممارسات العدوانية والوحشيّة للحاكم وحاشيته هي التي أنتجت الإرهاب بدليل أنّ معظم الذين أطلقوا خطابات محاربة السلطة تعرضوا إلى أقسى أنواع التعذيب في السجون السلطوية , فبعضهم تمّ الإعتداء على كرامته وشرفه ,  وبعضهم تمّ حرمانه من نعمة الذريّة والإنجاب بالطرق المعروفة , ولا يمكن أن تلجأ السلطات الحاكمة في العالم العربي و الإسلامي إلى مصادرة مقدرات الشعوب و تسيّر الشعوب على أساس أنّها شعوب قاصرة مراهقة يتيمة تحتاج دوما إلى سوط الحاكم ليستقيم أمرها دون أن تتوقّع معارضات وردود من قبيل ما نراه في عالمنا العربي والإسلامي  .

وفي نظر هذه المدرسة فإنّ إنعدام الحريّة السياسيّة و الديموقراطية و الشفافيّة و مصادرة خيرات الناس وسرقة أرزاقهم وأقواتهم هي سبب العنف الأعمى الذي بات الميزة الأسمى و الأبرز لراهن عالمنا العربي والإسلامي , فالحاكم منع الناس من حرية التعبير والإنتقاد وإذا وجّه أي شخص نقدا بسيطا للحاكم فإنّ مآله سجون الحاكم التي أقامها بإحكام للقضاء على رجولة من يقرّون أنّ فيهم بعض رجولة , و التداول على السلطة ممنوع , فالسلطة حكر لحكامنا لا يتزعزعون عن كرسي الحكم إلاّ بموت أو إنقلاب أو دبابة أمريكيّة , و غير مصادرة الحكم وحرمان الشعب من صناعة قراره وسياسته الكبرى و الصغرى فإنّ الحاكم يلجأ إلى البطش والقمع و الظلم وسجن الأحرار .

و بالإنتقال إلى المتورطين في حركة العنف نجد أنّ معظمهم من المحرومين من أبسط مقومات الحياة فأغلبهم من القاطنين في البيوت القصديريّة والشعبية و الأحياء الفقيرة , وكثير منهم لا يجد عملا كريما ومقابل ذلك يشاهد هؤلاء الثروات الوطنية مغانم بين الحاكم العربي وأسرته و حاشيته , وإذا أرادت معارضة جادة أن تغيّر الأوضاع لصالحها فإنّ الدبابات التي أشتريت على أساس الدفاع عن الوطن أستخدمت ضدّ الشعوب المقموعة وبناءا عليه يخلص أصحاب المدرسة الثانية إلى القول بأنّ إرهاب السلطة وممارستها الطاغوتيّة هي التي أفرزت الإرهاب , فلو عدلت الحكومات العربية و وزعّت الثروة توزيعا عادلا على الناس و حكمت الناس بأطروحة سياسية يساهم الناس في إنتاجها لما ثارت شرائح من الناس ضدّ السلطات القائمة , ومشكلة الحاكم العربي كما تقول هذه المدرسة أنّه لا يسمع ولا يغادر قصره العاجي ليقابل الناس ويطلع على أخبارهم بل يكتفي بجلسة ساعة أو نصف ساعة مع مدير مخابراته الذي يزيّن له الكثير من الأمور .

وأكثر من ذلك فإنّ أصحاب المدرسة الثانية يرون أنّ السلطة صاحبة المدرسة الأولى وتأكيدا لخطابها السياسي وأدبياتها السياسية التي تنص على أنّ النصّ القرآني هو الذي أفرز الإرهاب أوجدت تيارات إسلامية مسلحة عنيفة وسخرتّها لخدمة مصالحها الإستراتيجية من جهة ولإدامة عمر العنف في واقعنا العربي والإسلامي ليكون العمل بقانون الطوارئ مبررا ولكي لا تطرح النخب السياسية مسألة الإسراع في الإنتخابات والإصلاحات بحجّة تدهور الوضع الأمني , و قد أعلن أحد رجال المخابرات في دولة عربية أنّ رئيسه في العمل أعطاه أمرا بإطلاق اللحية و التعود على إرتداء العباءة و إستخدام المسك الأظفر – وهو عطر يستخدمه المصلون عادة في المساجد – للشروع في مهمة معينة , وقد ساهمت الأجهزة الأمنية في أكثر من دولة عربية في إقامة جماعات إسلامية مسلحة لغرض سياسي وإستراتيجي قد يطول شرحه ويمكن القول أنّ رجل المخابرات في العالم العربي أطلق لحيته والإسلامي حلقها حتى إشتبه الأمر على كثير من الناس . وعلى الأرجح فإنّ السلطات القائمة في العالم العربي سوف تستمر في إستخدام هذه الورقة و التي من خلالها تحققّ العديد من الأهداف المتشعبة والمتداخلة ومنها :

التشكيك في مقومات الدين الإسلامي الحنيف وبالتالي تكرّس العلمنة والتغريب كبديل لا مناص منه للحكم والتغريب كما هو معروف البوابة الطبيعية نحو العمالة والإرتباط بالإرادات الدولية , و الإيهام بأنّ المجتمع يعيش مخاضا أمنيا وبالتالي حالة الطوارئ تصبح مبررة ومع هذه الحالة تلغى كل مصاديق الديموقراطية من حرية الإعلام والتظاهر والتجمهر والإنتخابات , وفوق هذا وذاك فإنّ إدامة الصراع في المجتمعات الإسلامية وخلق تيارات عنف إسلامية من شأنّه أن يقرّب المسافة بين كثير من حكامنا والدوائر الغربية حيث القاسم المشترك بات كبيرا بين الطرفين وهو محاربة الإسلام  , وفوق هذا وذاك فتحت عنوان محاربة الإرهاب يستباح الجميع وتقلّم أظافر الجميع و يقمع المعارضون المخلصون والصحفيون المخلصون ومريدو التغيير والإصلاح وإذا جرؤ شخص على الإعتراض يقال له : أنت إرهابي .

و إذا كان المخالف للسلطة إرهابيا فماذا تكون هذه السلطة التي تقتل بالجملة والمفرق ,   وتميت بالجملة  وتبكي المستضعفين بالجملة وتفقر بالجملة  وتفرض على الناس أن يعبدوا صنما واحدا لا شريك له , أليس إرهابا عندما تعمد هذه السلطات إلى فرض فكر أحادي شمولي على الناس , سؤال برسم السلطات العربية الديموقراطيّة جدّا !!!!!

 

 

 

الإسلام في الغرب ‍‍ ‍.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ما إن وقعت الأحداث الداميّة في الولايات المتحدة الأمريكيّة في الحادي عشر من أيلول – سبتمبر 2001 حتى سارعت وسائل الإعلام الغربيّة المرئية والمسموعة والمكتوبة إلى تخصيص حيّز كبير من اهتماماتها للإسلام والجماعات الإسلاميّة وأسامة بن لادن على وجه التحديد , فالقنوات السويدية بادرت إلى بث العديد من البرامج عن الإسلام والحركات الإسلاميّة في العالم العربي والإسلامي , كما خصّت قناة سويدية بن لادن زعيم تنظيم القاعدة بحصّة كاملة . وقد سارعت وسائل الإعلام في دول الشمال – السويد , الدانمارك , فنلندا , النرويج , إيسلندا  - إلى كتابة عشرات المقالات عن الإسلام والعالم الإسلامي وشارك في هذه الحملات الإعلاميّة عشرات الخبراء الغربيين بالعالم الإسلامي ومنطقة أفغانستان , وقد ذهبت فتاة سويدية الى الادعّاء بأنّها كانت على علاقة معاشرة مع أخ بن لادن المدعو سهلي بن لادن كمّا صرحت لجريدة أفتون بلادت السويدية الشعبيّة . و الملفت للنظر أنّ البرامج  المصورّة عن الإسلام والمسلمين كأنّها كانت معدّة سلفا و بين عشيّة وضحاها أصبح الإسلام والمسلمون الحدث الإعلامي الأول في معظم القنوات السويدية و في دول شمال أوروبا وأوروبا الغربيّة عموما . ولا يمكن على الإطلاق أن تكون هذه البرامج التي خرجت دفعة واحدة بريئة إذ أنّ هناك مخططّين يهدفون إلى إحداث صدام بين الإسلام والمسلمين في الغرب وبين الغرب والغربيين , وبشكل مفاجئ اختفى الحديث عن شارون و إجرامه والدولة العبريّة وتماديها في قتل الفلسطينيين وبذرائع جديدة هذه المرة . ويحاول الرسميون في السويد الظهور بمظهر المعتدل الذي لا يخلط بين فعل بعض الإرهابيين و الجاليّة العربية والمسلمة في السويد , وقد زارت السياسيّة السويدية الشهيرة وزيرة الاندماج منى سالين ومعها بعض السياسيين مسجد ستوكهولم مؤكدّة أنّ المسلمين في السويد لا داعي أن يشعروا بالخوف , كما أنّ السياسي السويدي زعيم حزب المحافظين السابق كارل بلد صرحّ للتلفزيون السويدي أنّ الإرهاب موجود في كل الديّانات ولا داعي لحصر الإرهاب بالإسلام . وإذا كان للرسميين ضروراتهم السياسيّة والانتخابيّة فإنّ الإعلاميين ووسائل الإعلام الغربية معروف أنّ لها امتدادات مغايرة وهي تساهم إلى أقصى درجة في جعل المسلمين والإسلام عدوّا يجب البطش به .  وقد نجحت الماكنة الإعلامية الغربية في جعل المسلمين كافة في خانة المعتدين المتربصيّن بالحضارة الغربية الراغبين في تدمير منجزات الحضارة الغربيّة . وبات من الصعوبة إقناع الغربيين اليوم بأنّ الإسلام دين حضارة وهو لا يستهدف على الإطلاق إلحاق الأذى بالآخرين مهما كانت عقيدتهم و توجهاتهم الإيديولوجيّة . لقد نجح اللوبي الصهيوني في بناء جدار برلين من فولاذ بين الغرب والإسلام وأستطاع أن يرجّح الكفة لصالحه في مواقع جغرافيّة لا حصر لها . ولا يملك المسلمون في الغرب أي وسيلة لردّ هذه الغارة الإعلاميّة عليهم وعلى دينهم , خصوصا في ظلّ الانحياز الكامل لطروحات الصهيونية واليمين المتطرّف . ويرى بعض المراقبين في العديد من العواصم الغربيّة أنّ اليمين المتطرف سينتعش في الأيّام المقبلة خصوصا وأنّ كثيرا من الخبراء هنا في الغرب يرون أنّ المعركة في بدايتها و أنّ ما يأتي سيكون أعظم بكثير . ونتيجة لكل هذه التوجهات أصيب المسلمون بحالة من الإحباط واليأس لغيّاب الناصر خصوصا وأنّ الدول العربية لم تبادر إلى دعوة العواصم الغربية بضرورة الحفاظ على مشاعر العرب والمسلمين بقدر ما راحت تبدي استعدادها لتقديم العون لأمريكا . لا شكّ أنّ ما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية هو عمل فردي اضطلعّ به بعض الأشخاص ولا يمكن تحميل مليار مسلم مسؤوليّة ما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية , وإذا كان بعض الرسميين في عواصم القرار في الغرب شبه مقتنعين بهذه المسألة إلاّ أنّهم لم يبذلوا أي جهد في سبيل وقف الحملات الإعلامية التي تستهدف المسلمين بمختلف مشاربهم ومذاهبهم . وقد بدأ بعض الكتّاب في الغرب يتحدثون مجددا عن صراع الحضارات وحروب الديانات وهم بذلك يعملون على معالجة الخطأ بالخطأ , والخارطة الإعلاميّة الغربية التي شرعت في حملة غير طبيعية ضدّ الإسلام والمسلمين تهمل كل التصريحات وكافة المواقف التي أطلقها علماء الإسلام والتي فيها دعوة الى التراحم والتعاون بين أبناء الإنسانيّة قاطبة , وراحوا ينقلون تصريحات لمن لا يعتّد بأعلميتهم وفقاهتهم .

إنّ السائد اليوم في أمريكا والغرب هو أجواء حرب عالميّة حقيقيّة , لكنّها حرب عالمية بين الحضارات والأفكار والإيديولوجيّات , وهذا المناخ الفكري والإعلامي المحتقن قد يمهّد لحرب حقيقيّة لا يعرف أحد مداها , ولعلّ الدعوة إلى إقامة تحالف دولي ضدّ الإرهاب قد يكون البداية لمثل هذه الحرب , قال عنها أحد منظرّي الحركة الصهيونية في يوم من الأيّام : فلتكن حرب بين المسلمين والمسيحيين يخرج منها اليهود منتصرين لريّادة العالم !

 

 

 

إلى فيصل القاسم

طغاتنا هم الوطن فكيف ندافع عن الوطن !

 

 

بعد غيبة قسرية تسببّ فيها هولاكو العصر يعود الزميل اللامع فيصل القاسم إلى إتجاهه المعاكس بموضوع يختزل حقيقة الفتنة الكبرى التي إندلعت بين كل الطبقات السياسيّة والثقافية في الوطن العربي حول شرعية ما قامت به أمريكا في العراق و قيامها بإستئصال الطاغيّة صدام حسين الذي حولّ أرض العراق إلى سجون ومقابر , والذي جرى في العراق هو ذهاب طاغية صغير محلي وحلّ محلّه طاغية كوكبي عولمي وسوف يقوم بغرس عشرات الصداميين ليطمئن على إستمرار مصالحه في العراق , تماما كما فعلت الحركات الإستعمارية التي أضطرّت لمغادرة أوطاننا وخلفّت وراءها شخصيات تحمل إسم محمد وخالد وعنتر لكن أدمغتها أدمغة ديغول و نيكسون و آدم سميت وغير ذلك .

والسؤال الذي طرحه فيصل القاسم حول حقيقة الأوطان جدير بالجواب عليه خصوصا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ أمتنا , ومبدئيّا يجب الإشارة إلى أنّ الإجماع في العالم العربي والإسلامي قائم على أنّ أمريكا هي الشيطان الأكبر بلا منازع , فهي التي تسلب قرار الشعوب ومقدرات الشعوب بأغاني الحياة وأهازيج الحريّة والذين يطبلون لها هم في الواقع حفنة من الذين طاولتهم بركات العطاء الأمريكي فأغنوا بعد فقر وشبعوا بعد جوع وأنتعلوا بعد حفي وستروا عوراتهم بعد عري وكل ذلك بفضل الدولار الأمريكي مقابل تقرير عن هذا الشخص أو تلك المنظمة أو هذه المسلكية السياسية وهلمّ جرّا .

كما أنّ الإجماع قائم في العالم العربي والإسلامي على أنّ الطغاة الذين يحكموننا حولّوا الوطن إلى شركة خاصة بهم وإلى بقرة حلوب لا تدّر العطاء إلاّ عليهم وعلى أولادهم , وبات الذي يوجّه نقدا للطاغية وسجونه وحاشيته وزبانيته وديوتيّه يقال له : أنت ضدّ الوطن وستسحل وتعاقب وتقصّ عورتك لأنّك ضدّ الوطن .

أي لذة مواطنة تبقى في نفسية العبيد والرقيق – وليس المواطنين – عندما يلجأ الطاغية إلى مصادرة كل تفاصيل الحياة حتى الحلم , فالعبد العربي إذا أراد جواز سفر عليه أن يتمهلّ كثيرا قبل أن تأتي الموافقة من دوائر الإستخبارات , وإذا أراد أن يبني بيتا عليه أن ينتظر عشرات السنين للحصول على كافة الموافقات وإذا أراد عملا عليه أن ينتظر حتى يوظّف كل أقرباء الديوتين الذين يحيطون بالطاغية ,  وإذا أراد طبابة فعليه أن ينتظر أن ترفق وزارة الصحة به , وإذا أراد كرامة فعليه أن يتخنث وإذا أراد أن يحسنّ مستواه الإقتصادي عليه أن يكون من حاشية هذا الأمير وهذا الوزير وهذا الحاكم , وإذا أراد أن يصون تروثه ويحضى بإستيراد شيئ ذي قيمة عليه أن يدفع لهذا وذاك من دوائر الطغاة , أمّا إذا أشكل على الطاغية الذي فرض نفسه على الناس عقودا تلو العقود فعليه أن يدرّب نفسه على الجلوس على القنينات المكسورة , لأنّ الطغاة في بلادنا متسخون إلى أبعد الحدود إلى درجة أنّ وسائل تعذيبهم متسخة , فربّ معارض عربي أجبروه أن يجامع أخته في المعتقل بطريقة شيطانية , وهناك من أعتدوا على إبنته أمام مرأى العسس والحرس , وهناك من أعتدوا على أمه , ناهيك عن الذين خطفوا وعذبوا ورموا في البحار بعد أن كبلّت أيديهم وسلمّت لذويهم شهادات الوفاة دون الجثة لأنّ سرّها تقاذفته الأمواج إلى مكان لجّي .

كيف يحبّ العبد العربي الوطن وطنه وقد صار ملكا للطاغية يتصرف فيه كيف يشاء , كيف يحبّ العبد العربي وطنه وهو يرى أبناء الطغاة حماة الوطن يخطفون العذارى من الشوارع وينتهكون الأعراض , و لبعضهم يخوت خاصة لهذا الغرض , كيف يحبّ العبد العربي وطنه وهو يرى أنّ الطغاة يوزعون أموال الأمة على جواري الأمة , فهذا يدفع لهذه العاهرة الإيطالية نصف مليون دولار وأخر يعطيها مليون دولار , والعجيب أنّ طغاتنا الذين حاربوا الوحدة العربية إنفتحوا على كل أسواق العهر الأوروبية وباتوا يستوردون الحسناوات والغيد الأمانيد من أسواق أوروبا وهناك قوم أثروا من هذه التجارة ويعتبرون أنّهم نجحوا إلى أبعد مدى في مجال العلاقات العامة .

كيف يحبّ العبد العربي وطنه وهو يرى الغربي وحامل الجنسية الأمريكية والغربية مبجلا محترما له الأولوية في المطارات والفنادق وتوفّر له الدولة العربيّة الراقصات والماجنات والمهرجين الذين يضحكونه تحت عنوان مقتضيات السياحة , بينما العبد العربي يهرول وراء لقمة العيش و يبلغ سمع الرئيس العربي أنّ العبيد لديهم مشاكل صحية وإقتصادية و إجتماعية , فيوصي بأنّ هذه المشاكل إستراتيجية وضرورية لحرمان العبد العربي من التفكير في كرسي الحكم , فيكفي أن يعيش الطاغية وأولاده , والعجيب أنّ الطاغية ينتج أبناءا طغاة فيهم من فساده وبغيه الكثير .

كيف يحب العبد العربي وطنه وهو يرى أنّ هذا الطاغية يتعامل مع النفط وكأنّه مائدته التي خصّها الله به , يأخذ منها ما يحلو له ويوزع على أبنائه وحواشيه .

كيف يحب العبد العربي وطنه وهو يسكن في البيوت القصديرية والمقابر والخيّام وأحيانا في السيارة ويتناوب هو وأخوه على الدخول على زوجاتهم لعدم وجود غرفة إضافية في البيت .

الوطن الذي لا يوفّر أمنا وطمأنينة وكرامة وثقافة وإنسانية لبنيه ليس وطنا يا فيصل , هل وعيت حبيبي فيصل لماذا تهزم الأوطان بسرعة , لأنّ العبد العربي عندما يخيّر بين طاغية يمنعه من الفتاة وطاغية يعطيه فتاة يختار الذي يعطيه الفتاة !!!!

لهذه الأسباب تراجعت صحافتنا يا فيصل !

 

يتناول الزميل فيصل القاسم في برنامجه المتألّق الإتجّاه المعاكس في مطلع الأسبوع موضوع الصحافة العربية ما لها وما عليها , باحثا عن العلل التي حالت دون أن تكون الصحافة سلطة رابعة كما تدعى في المحافل الإعلاميّة و السياسيّة و تحديدا في الغرب , والحقيقة المرّة التي يجب أن نقبلها على مضض أنّ الصحافة العربية لا يمكن إدراجها في أي خانة سلطويّة فلا هي سلطة رابعة ولا سلطة عاشرة ولا تملك أدنى سلطة على الإطلاق , وعندما قيل للصحافة سلطة فلأنهّا تستمّد قوتها وشرعيتها من القارئ الذي يدمن قراءتها , لكن ما هو عدد القرّاء في العالم العربي , وكم تسحب أكبر جريدة عربية في الوطن العربي  ! الإحصاءات الأخيرة والدقيقة لا تبشّر بالخير على وجه الإطلاق , بينما في السويد حيث أقيم يبدأ السويدي حياته الصباحيّة بقراءة الجريدة ورغم سيطرة الحاسوب و شبكة المعلوماتية على تفاصيل الحياة إلاّ أنّ الصحافة الورقيّة مازالت حاضرة بقوة مؤثرّة وفاعلة وضاغطة على كل الحكومات .

ومع إحترامنا لبعض الصحف العربية التي ناضلت في الداخل والخارج من أجل إحقاق إنسانية الإنسان العربي فإنّ أغلب الصحف العربية والرسمية منها على وجه التحديد هي مجرّد مؤسسّة حكوميّة وظيفتها تلميع سياسة هذه الحكومة وتلك وتمجّد مسلكيتها , وقد لعبت هذه الصحف أكبر الأدوار في تكريس الطغيان والإستبداد والديكتاتورية و التلفيق والدجل و الكذب , فهذه الصحف هي التي جعلت العديد من رؤسائنا الجهلاء المراهقين العسكريين المستبدين عباقرة و نزهاء ومؤمنين وطيبين , و بدل أن تتحوّل الصحافة العربية الرسمية على وجه التحديد إلى مواكبة حركة الشارع وإمداده بالمعلومات الحقيقية التي يخيفها الطغاة عنوة عن شعوبهم , إلاّ أنّها ذهبت إلى النفاق والمداهنة وتلميع صورة الرئيس وبالتالي الإستبداد والطغيان , كم هو عدد الصحف العربية التي تتحدث عن الطغاة ومكوثهم في الحكم عقدا وعقدين من الزمن وثلاث عقود إذا لم يزر قلاعهم عزرائيل أو دباّبة أمريكية , كم هو عدد الصحف العربية التي تتحدث عن سرقات وتجاوزات الطغاة ومغامراتهم الجنسية حتى أصبح حكامنا الأبطال الجدد لكاتب رجوع الشيخ إلى صباه , كم هو عدد الصحف العربية التي تحدثت عن المقابر الجماعية و السجون والكهوف والمنافي و الإعتقالات والإختطاف , هذا ناهيك على أنّ جلّ الصحف الرسمية مرتبطة مباشرة بأجهزة المخابرات ولو نشرنا القوائم التي بحوزتنا لملء الناس رعبا .

وفي الوقت الذي تمرّ فيه الشعوب العربية بمحن كبيرة تفضّل هذه الصحف الحديث عن مشروع زراعي دشنّه فخامة الرئيس هنا أو هناك , وفي الوقت الذي يسرق فيه كبراؤنا تتحدث هذه الصحف عن صغار السرقة لتحوير الرأي العام .

ويجوز لهذه الصحافة أن تتحدث عن الزراعة والمزارعين , و القمح والشعير و حوادث الطرقات و عدد الوفيات بفعل الحمّى , و لا يسمح لها أن تتحدث عن الحمى السياسية التي أنتجت الإستبداد , و الإيدز الذي أنتج التسلط والقمع , هل تعرف الصحافة الجزائرية شيئا عن مصير المفقودين الجزائريين , و هل كانت الصحافة المغربية تعرف شيئا عن عائلة الجنرال أوفقير التي سجنت في ظروف حالكة و سيئة  للغاية ولولا مليكة أوفقير بنت أوفقير صاحبة كتاب السجينة والذي ألفته في فرنسا لما عرف المغاربة والعرب شيئا عن سلطوية الحسن الثاني , وهل تعرف الصحافة التونسية شيئا عن عدد المعتقلين السياسيين في السجون التونسية , و هل تعرف الصحافة الأردنية واليمنية و الخليجية وكل الصحافة العربية تفاصيل الدهاليز السياسية و المؤامرات الدقيقة التي تحبك هنا وهناك و الإتصالات الفندقية مع قادة الكيان الصهيوني و غيرها من الحقائق .

لقد مارست صحافتنا لعبة الطغيان من خلال إمداد المواطنين العرب بمعلومات خاطئة لا تمّت بصلة إلى حياة الناس ومصائرهم , عندما كان بعض الرؤساء العرب يبيعون أوطاننا و مصائرنا للأمريكان كانت صحف عربية رسمية تتحدث عن مشكلة أسمهان في القاهرة ومن قتلها , و عندما كانت السلطات العربية تقتل معارضيها في السجون ودق الجماجم كانت بعض الصحف العربية تحدثنا عن مرض وردة الجزائرية , و عندما كانت الثروات تسرق وتهرّب إلى سويسرا وبعض البنوك الغربية كانت بعض الصحف تحدثنا عن فوائد الصيام في شهر رمضان .

إنّ الجزء الأكبر من صحافتنا العربية هي لسان حال الحكومات ليس إلاّ , فصحفنا وبشكل يومي تبدأ بصورة الرئيس , جاء الرئيس , ذهب الرئيس , أصيب الرئيس بعسر هضم , أعترضته مشكلة في الحمّام وتداركه رجال المخابرات وحلوا مشكلته !

وفوق هذا وذاك الأجدر بنا  أنّ نسمي صحافتنا العربية , صحافة كل شيء لا بأس بتعبير سكان المغرب العربي , و صحافة كل شيء على ما يرام بتعبير المشارقة , فهذه الصحافة الناطقة بإسم الحاكم لطالما قالت للمواطن العربي : أنت بألف خير سياستك بخير , إقتصادك بخير , ثقافتك بخير , مجتمعك بخير , أمنك بخير , مستقبلك بخير , و فجأة تدخل الفضائيات الغربية على المشهد و تقول بالأدلة والعينات الواقعية أنّ لا سياستنا ولا إقتصادنا ولا ثقافتنا ولا أمننا بخير , فيلعن المواطن العربي هذه الصحافة الكاذبة ويسميها

صحافة الخشب أي أنّها صحافة صيغت بلغة الخشب .

لقد أصبحت صحافتنا العربية تماما كالحركة الحزبية الأحادية , و مثلما يحظى المتحزب للحزب الحاكم الأحادي الشمولي بإمتيازات كبيرة من أقوات الفقراء وسكان المقابر ,  يحظى الصحفي الذي يعمل في الصحافة العربية الموالية بإمتيازات وعطايا , ويكرم هذا القطيع من الصحفيين في أخر السنة في مهرجانات عامة من قبل الحاكم  لأنهم قدموا للحاكم خدمة حضارية جليلة و جعلوا منه رقما صعبا وضخما كضخامة سيئاته بعد أن كان صفرا مكعبا , و جعلوا منه صقرا بعد أن كان فرخ بطّ وصدق الشاعر الذي قال :

 عجبت لفرخ البط يعتلي نخلة   ويرقى إلى العلياء وهو وضيع .

 

أهميّة الثقافة للعرب في الغرب !

 

 

تعتبر الثقافة الركن الركين في الحضارة الإنسانية والتراث البشري , وعلى الدوام كان تقدم الأمم والشعوب يقاس بمدى إهتمامها بالثقافة التي شكلّت ماضيّا وستشكل حاضرا ومستقبلا أهم عامل من عوامل النهوض و الوثبة الحضارية .

ولم تتراكم الإخفاقات والإنتكاسات في الواقع العربي إلا بعدما بات ملف الثقافة مطويا وبعدما تمّ تجريد الثقافة من صلاحيتها في ترشيد مجالات الحياة المختلفة .

ولا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن أي دور للأمم والأفراد بمنأى عن الثقافة التي بها دون غيرها نلج الخارطة الكونية دون إلغاء خصائصنا ومميزاتنا .

وربما تزداد الحاجة إلى الثقافة في ديار الغربة والمنفى لأنّها ساعتها تصبح السيّاج الضروري لوقاية الفرد والمجموع من أعراض التلاشي والذوبان و الإنتهاء أيضا , وهي –أي الثقافة – ليست حقنة لمنح المناعة للكبار والصغار على حدّ سواء فقط بل هي الحافز بإتجاه التكامل وصون الهوية أيضا .

و في حالتنا- كجالية عربية- تصبح الثقافة أهم جسر يربطنا بوطننا العربي لنتفاعل مع قضاياه يمدّنا بأسباب الأصالة ونمده بأسباب المعاصرة وقد تكون النتيجة إكتشاف معادلة النهضة في واقعنا وهي المعادلة التي يصبو إليها الجميع .

و الثقافة ليست مجرّد إمتاع ومؤانسة كما يتصوّر كثيرون بل هي التي تعطي للشخصية الإنسانية بعدا عالميا وتتيح إيجاد جسور تواصل بين بني الإنسان والأكثر من ذلك فهي التي تقرّب الفجوات بين البشر بمختلف توجهاتهم العقائديّة والمذهبية والدينية وغيرها , ومن خلال تجوالي الكبير في أرصفة أوروبا لاحظت أنّ شرائح واسعة من الجالية العربية لا تهتّم بالثقافة على الإطلاق فأولادهم محرومون من الحاسوب الذي أصبح ضرورة أكثر من الماء أحيانا  ولا يكلّف أولياء الأمور إدماج أبنائهم في المنظومة التقنية المعاصرة بحجّة أنّ شراء الحاسوب قد يؤثّر على شراء الشقّة في الوطن الضائع , وقد سألت يوما بعضا من العرب كم منكم جلب حاسوبا لإبنه فكان الجواب بالنفي المطلق , بينما أخبرني مثقف سويدي أنّه أهدى إبنه البالغ من العمر ثلاث سنوات حاسوبا جديدا بذاكرة قوية للغاية , و مما يؤسّف له أنّ الكثير من العرب في الغرب لا يأبهون لا لمستجدات الثقافة في بلادهم ولا لمستجدات الثقافة في البلاد الغربية التي يقطنونها و كل همهم أن يجمعوا مالا بأي طريقة كانت شرعية وغير شرعيّة تارة من خلال المساعدة الإجتماعية وتارة من خلال الضحك على مؤسسات الضمان الإجتماعي , والغريب أنّ كثيرا من العرب يحرصون على التقاعد في الغرب ويقدمون كل الأعذار للمؤسسات الإجتماعية ومؤسسات الضمان الإجتماعي للحصول على التقاعد وهم لم يتجاوزوا سنّ الثلاثين والأربعين بينما العجوز السويدية التي تبلغ من العمر ستين سنة تعمل بجدّ ونشاط كالشاب تماما ولا تفكّر مطلقا في التقاعد لأنّها تعتقد أنّ العمل هو الحياة والحياة هي العمل , ومعضلة السواد الأعظم من العرب في الغرب أنّهم لا يدركون أهمية الثقافة في حياة الفرد والمجتمع , كما لا يدركون أنّ الثقافة في حدّ ذاتها غنى , والغنى ليس في الأوراق الخضراء والصفراء التي يجمعونها على حساب تكوين أسرة جاهلة بكل مفردات المعرفة الراهنة والماضوية .

وقد إنعكس الجهل المطبق بدور الثقافة على أولاد المهاجرين في الغرب الذين تركوا مقاعد الدراسة باكرا وأصبحوا بطالين أو يعيشون على حساب المؤسسات الإجتماعية بينما كانت أمامهم كل الفرص الحقيقية ليصبحوا مهندسين وأطباء و مفكرين وسياسيين , ولو أنّ هؤلاء الأبناء عاشوا في أجواء ثقافية أو أجواء تولي إهتماما بالثقافة لأدركوا قدسيّة العلم وبالتالي بذلوا مهجهم في سبيل الوصول إلى أعلى المراتب , ولأمكنهم أن يعودوا إلى بلادهم مستقبلا ويساهموا في إثراء الحركة العلمية والثقافية والتقنية والحضارية بشكل عام , وعندما يصبح أمل الشاب العربي أن يعمل في محلات ماكدونالدز أو بائع خضروات في خيمة عربية منصوبة في هذه الساحة الغربية أوتلك وأمامه فرص حقيقية للإنطلاق والنجاح فتلك مصيبة كبرى خصوصا إذا علمنا أنّ العلم في الغرب في متناول الجميع في النهار والليل ويستطيع المرء أن يجمع بين طلب والعمل .

 لكن إذا كان ربّ البيت لا يهتمّ بالثقافة بقدر ما يهتم بالتقاعد المبكرّ أو جمع المال بأي طريقة فأنّ له أن ينتج أبناء محبين للثقافة , ويبقى القول أنّ كثيرا من العرب أضاعوا على أنفسهم وعلى أولادهم فرصا حقيقيّة لبناء الشخصية المتكاملة المطلوبة في صناعة أي نهضة , وبعد ذلك لا يجب أن نتساءل لماذا نحن متأخرون كعرب في واقعنا العربي وفي الجغرافيا الغربية !!!!

 

حكامنّا صمّ بكمّ عميّ و هم لا يعقلون !

 

 

على الرغم من أنّ الزلزال العراقي يعّد من أبرز الأحداث السياسيّة في مطلع الألفيّة الجديدة , وعلى الرغم من أنّ الطغيان والتجبّر والديكتاتورية والقمع والتسلطّ والتعذيب والتشريد وسرقة أقوات الناس  - وما إلى ذلك من الصفات التي ميزّت الحكم العراقي بزعامة أبي المقابر صدّام حسين -  هو الذي أفضى إلى هذا الزلزال الذي تجسدّ في إنهيار كافة الدفاعات العراقية و إنهيار المقاومات المزعومة و في ظرف أيّام وصلت الدبابات الأمريكيّة إلى بغداد لتمرغّ تمثال صدام حسين في التراب و كذلك نظامه وجيشه ورجال إستخباراته الذين كانوا – لعنهم اللّه – يستأسدّون على الرجال والأطفال والنساء والشيوخ فيقتلون بالجملة والمفرّق إرضاء لأبي المقابر صدام حسين , ولعلّ برنارد لويس في كتابه مستقبل الشرق الأوسط قد أشار إلى هشاشة الدفاعات العربية بقوله أنّ حملة صغيرة لنابليون بونابرت على مصر أكدّت للغرب أنّ العالم العربي قابل للإحتلال بدون صعوبة تذكر .

وبدل أن يتعظّ حكامنا من الحالة العراقية فيعملون على إعدام كافة العوامل والمسببّات التي أفضت إلى الزلزال العراقي إلاّ أنّ ما حدث في العراق لم يحرّك ساكنا لدى دوائر القرار في عالمنا العربي , فلم نسمع عن إقدام الحكومات العربية على إجراء مصالحات شاملة مع المعارضات كل المعارضات , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب أصدروا عفوا شاملا وأطلقوا سراح كافة المعتقلين السياسيين وغيرهم من رجال وكهول ونساء وشيوخ وتقليص عدد السجون والمعتقلات والمقابر الجماعية , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب أصدروا قرارا بتقليم أظافر رجال المخابرات القمعيين والمعذبين و الظالمين وتحريم الإعتقال إلاّ بأمر من القضاء , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قررّوا التنازل عن مبدأ السلطة لنا إلى الأبد وأقروا مبدأ التداول على السلطة و تمكين الشعب من إختيار حكاّمه ومشروعه السياسي , ولم نسمع بأنّ السلطات العربية أصدرت قرارا يقضي بإعادة كافة المنفيين والمهجرّين والمنبوذين في أرصفة أوروبا وأمريكا , و لم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قرروا تخصيص ثروات الأوطان للشعوب وتمكين هذه الشعوب من الثروات المسلوبة والكفّ عن سرقة أقوات الناس , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب أصدروا أوامرهم إلى الجيوش والأجهزة الأمنية بترك الشارع حرا طليقا والكف عن تدخّل هذه الجيوش والأجهزة في رسم ملامح المشهد السياسي وترك السياسة للسياسيين , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قرروا إعتقال أي رجل مخابرات يؤذي أو يعذبّ مواطنا أو ينتهك حرمته و مواطنته ويذلّه ويدوس على رقبته , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قد أبعدوا أولادهم و أقربائهم من ولاية العهد والخلافة المرتقبة و العبث ببنات الفقراء و أعراض الناس وفرضهم ظلما وعدوانا على الناس كقادة مستقبليين , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قد وضعوا دساتير تحكمّ الشعب في صناعة مصيره ورسم سياساته كل سياساته .

ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قد إتعظّوا لما جرى لصديقهم صدّام حسين وبالتالي حماية الأوطان من أن ينتهي بها المطاف إلى الإستعمار و الإحتلال وقررّوا إرجاع أموال الشعوب المسروقة الموضوعة في حسابات غربية وتوزيعها مجددا على الفقراء والمستضعفين , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قرروا الشروع في مرحلة جديدة لا علاقة لها بماضيهم العفن والمتعفن المملوء بالقمع والديكتاتورية و الديماغوجيّة ولغة الخشب , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قد قرروا تحطيم تماثيلهم في الشوارع العامة وإلغاء العملات التي تحمل صورهم الباليّة , ولم نسمع بأنّهم قرروا وضع مناهج تربوية جديدة لا مكان فيها لبطولاتهم وإنتصاراتهم وإنقلاباتهم ودسائسهم وإستبدالها بمناهج عقلانية واعية تصنع الغد المشرق .

ولم نسمع بأنّهم قرروا الفصل بين السلطات القضائيّة و التنفيذية والتشريعية , و منح الفرصة للأكفاء والموهوبين و المقتدرين لإدارة شؤون الدولة , ولم نسمع بأنّ كبراءنا قد تابوا توبة نصوحا لله وتركوا أكل السحت و المال الحرام و أقوات الأجيال الراهنة والأجيال المستقبلية , ولم نسمع بأنهم قرروا الإحتفاظ بزوجة شرعية واحدة حفاظا لهم من الأيدز و السارس الأمريكي .

و لم نسمع بأنّ رؤساءنا قرروا أن يكون العدل هو المبدأ الذي تستند عليه الدولة , و لم نسمع بأنّهم تعهدوا أمام شعوبهم بأنّ أولادهم وزوجاتهم إذا سرقوا أقوات الناس فحدّ السرقة سيقام عليهم في الساحات العامة .

ولم نسمع بأنّهم قرروا رفع الحيف عن شعوبهم وعدم التعامل مع أمريكا , وعدم التوافق مع أمريكا في ظلمنا وتحقيرنا والإستخفاف بعقولنا في مقابل أن يقدموا لأمريكا كل ما تريد من أوطان ومقدرات و خيرات على قاعدة الظلم مقابل الركوع لأمريكا , وإحتقار الشعوب مقابل الرضوخ المطلق لأمريكا .

لكن رغم الإنصياع المطلق لأمريكا فإنّ هذه الأخيرة ستبدأ بقصّ شوارب حكامّنا , تمهيدا لإستعباد أوطاننا والعجيب أنّ أمريكا و بعد الزلزال العراقي وقبل مدّها يدها إلى شوارب حكامنّا لقصّها وحلقها فإنّ حكامنّا الودودين الطيبين مع أمريكا  بادروا وقصّوا وحلقوا شواربهم , ولم نسمع بأنّهم إخشوشنوا في وجه أمريكا مثلما يخشوشنون صبح مساء في وجه شعوبهم المستضعفة التي ملّت النظر إلى وجوههم بشارب وبدون شارب !!! !

 

ساعد اللّه الشعب الجزائري .

 

 

لم يتنكّب شعب في التاريخ والراهن مثلما تنكبّ الشعب الجزائري بمختلف النكبات الطبيعيّة و السياسيّة والأمنية , وعلاقة الشعب الجزائري بالبلاء علاقة قديمة وضاربة في التاريخ فقد كانت الجزائر منذ التاريخ القديم عرضة للإحتلال الوندالي والروماني والبيزنطي وإحتلالات أخرى لم يسجلّها التاريخ , وبعد الفتح العربي والإسلامي للجزائر وذهاب طارق بن زيّاد الجزائري لفتح الأندلس عرفت الجزائر فترات عصيبة بعد سقوط الأندلس وشروع الأسبان في شنّ هجومات مستمرّة على الجزائر إنتهت ببسط السيطرة العثمانية على الجزائر إستمرّت قرابة خمس قرون و أنتهت بإحتلال فرنسي فظيع في تموز – يوليو 1830 حيث دشنّت فرنسا إحتلالها للجزائر بقتل أربع ملايين جزائري كانوا خلاصة المقاومين الجزائريين الذين رفضوا السيطرة الفرنسية على بلادهم وأستمرّ هذا الإحتلال الفرنسي جاثما على أرض الجزائر مدّة 130 سنة حيث خرج المستعمر الفرنسي من الجزائر بفضل أعظم ثورة عربية عرفها الراهن العربي وخرجت فرنسا من الجزائر سنة 1962 .

وبعد هذه الزلازل الإحتلالية والتوسعية والإستعمارية دخلت الجزائر مرحلة الزلازل السياسيّة حيث تحولّت الجزائر وبسبب موقعها الجيوسياسي الحساس وثرواتها الهائلة و الواسعة إلى محل إهتمام دولي وكثيرا ما كانت أطراف خارجية تعمل على زلزلة الواقع السياسي عبر آليات كثيرة قد لا تكون معروفة لكثيرين .

غير أنّ الزلزال السياسي الأفظع هو ذلك الذي أعقب إلغاء الإنتخابات التشريعية في سنة 1992 وهو الأمر الذي أنتج الفتنة الكبرى في الجزائر ما زالت تداعياتها تتوالى إلى يومنا هذا . وعلى إمتداد الفتنة الكبرى قتل أزيد من 300000 من الجزائريين بالإضافة إلى آلاف المخطوفين والمفقودين , و تشاء الظروف أن تدخل الطبيعة على خطّ الفتنة الكبرى فتربك الإنسان الجزائري وترفع من سقف معاناته إلى  أرفع حدّ يمكن أن يتصورّه الإنسان , وقد ثارت قوى الطبيعة في الجزائر بشكل لم يسبق له مثيل من فيضانات عارمة و زلازل خفيفة وشديدة أحزنت إلى أبعد الحدود الإنسان الجزائري الطيب الوديع المؤمن الصريح والتلقائي والذي كان على الدوام ضحيّة للزلازل السياسيّة والطبيعية وبالتأكيد لم يختر لا هذه ولا تلك .

غير أنّ الملاحظة الأساسيّة التي يمكن إدراجها في سيّاق التأملّ في النكبات الكبرى التي تحلّ بالجزائر أنّ الجزائري يرمي خلفه كل آرائه السياسية و معتقداته الفكرية وغيرها عندما يتعلق الأمر بإنقاذ الجزائر من نكباتها , وقد هرع الناس كل الناس إلى إنقاذ المستضعفين الذين سقطت الأسقف على رؤوسهم والأعمدة الأسمنتيّة على أبدانهم , وللإشارة فإنّ الفيضانات التي إجتاحت الجزائر قبل فترة وأودت بحياة المئات قدمت صورة ناصعة عن  الجزائري الإنسان الذي يضحّي من أجل غيره فربّ شاب رمي بنفسه في المياه المنهمرة والفائضة والسائرة كالريح من أجل إنقاذ عجوز هنا وطفل هناك , وهناك عشرات الأشخاص قضوا نحبهم وهم يضحون بأرواحهم من أجل إنقاذ غيرهم , وللأسف الشديد فإنّ الإعلام الغربي ومعه جزء كبير من الإعلام العربي عندما يتعلّق الأمر بخبر قتل في الجزائر ينشره على جناح سرعة الضوء وفي المقدمات في أكثر الأحيان , و عندما يتعلّق الأمر بتآلف الجزائريين فيما بينهم وتوحدّ الجزائريين فيما بينهم وتآزرهم وتراحمهم وإتفاقهم وإجتماعهم حول همّ واحد فإنّ هذه الصور لا تجد لها أي مكان لا في الإعلام الغربي ولا في الإعلام العربي .

و الواقع الذي لا يعرفه كثير من الناس أنّ الشعب الجزائري على الدوام كان متكاتفا و متحدّا والفتنة الكبرى التي عرفتها الجزائر هناك أطراف صنعتها في الداخل والخارج , وقد أكشف قريبا عن الأطراف الداخلية والخارجية التي كانت تعمل على تأجيج الفتنة الجزائرية وإطالة عمرها و تؤكّد هذه الأزمات الطبيعية وكيفية تعاطي الجزائريين معها أنّ الشعب الجزائري قادر على تجاوز كل أزماته , و الترفع عن كل الأحقاد والذي يواجه كارثة طبيعية ويتعاطى معها بكثير من العنفوان والتوحّد سيكون قادرا على التعاطي مع أزمة سياسية وتطويقها وبالتالي الإنتصار عليها وذلك قدر الجزائر والجزائريين .

 

 

ضرورة إعادة إنتاج الخطاب النهضوي.

 

تعالت الصيحات في عالمنا العربي والإسلامي بأنّه لا بديل لأوجاع العالم الإسلامي ومشكلاته غير الإسلام , وقد أقلقت هذه الصيحات وهذه الأطروحة العديد من النظم القائمة في خطّ طنجة – جاكرتا  ( خطّ عرض العالم الإسلامي ) . وراحت هذه النظم تكيد بأصحاب هذا الطرح وتزجّ بهم في غياهب السجن , وقد دافع أصحاب الطرح الإسلامي عن هذا الطرح بقولهم لقد جربنّا الإشتراكيّة فلم ننجح , وجربناّ الرأسماليّة فلم ننجح فعلام لا نجرّب الإسلام .

وحتى المفكرّون الغربيّون الذين تنبأّوا بإندارس الحضارة الغربيّة الوشيك , راحوا يشيرون إلى الخريطة الممتدّة من طنجة و إلى جاكرتا وبأنّها ستلعب دورا مهمّا في العقود المقبلة . ويملك العالم الإسلامي البديل الحضاري لمشكلات الإنسانيّة , وكما يقول أحد المفكرّين المسلمين فانّ مشكلة العالم العربي والإسلامي ليست فكريّة , وما نحتاج إليه هو أن يدرك الفرد المسلم المسؤوليّة الحضاريّة الملقاة على عاتقه , وينطلق من هذا المنطلق لإحقاق النهضة , وقد أدرك الغرب هذه المعادلة ولذلك راح يبعث برسائل إلى العواصم العربيّة والإسلاميّة بضرورة الحدّ من الظاهرة الإسلاميّة بل و القضاء عليها .

q       النهضة والواقع الإسلامي :

 

لقد ورثنا من الماضي أثقالا تلو الأثقال من الترسبّات الفكريّة , ولجأنا إليها في حلّ كل مشكلة تطرأ على واقعنا , ناسين أو متناسين أنّ الفكر وليد البيئة , والتراث الذي وصلنا إنّما عالج مشكلات كانت مطروحة في الحقبة التي وجد فيها , وتلك الحقب الماضيّة التي نستلهم منها كلّ علاج لجميع مشاكلنا , إنّما إكتنفتها ظروف خاصّة وحالا معينّة ومحددّة , وليس المفكّر هو الذي يعالج الواقع من منطلق كتاب دوّن في الطور الأوّل من العصر العبّاسي , بل الصحيح أن ينطلق هذا المفكّر من الواقع لحلّ المشكلة , دون التخلّي عن الثوابت الشرعيّة , وعن الكتاب والسنّة الصحيحة , إنّه من الخطأ بمكان أن ينطلق المفكّر من كتب عالجت المشاكل الإجتماعيّة في حقبة المماليك والتتّار ليستخرجّ منها الدواء الشافي لمجتمعاتنا . وتجدر الإشارة هنا أننّا لا نقصد البتّة لدى حديثنا عن الموروث الحضاري الكتاب والسنّة الصحيحة , بل المقصود هو النتاج الفكري الإسلامي الذي أنتجته العقول الإسلاميّة من صدر الإسلام وإلى يومنا هذا .

وليس المطلوب على الإطلاق التخلّي عن التراث , بل المطلوب إعمال العقل ومحاولة الإبداع في كل المجالات , ولعلّ تقصيرنا في مجال الإبداع وصياغة خطاب إسلامي عصري أدّى إلى  إرتماء النخب العربية والإسلامية في أحضان مدارس فكريّة لا تمّت بصلة إلى واقعنا العربي والإسلامي . وقد وجدت هذه النخب في الخطاب الغربي سهولة في الفهم وعصريّة في الطرح وإستيعابا لتفاصيل الحيّاة . وحجم الآفات التي تعصف بعالمنا الإسلامي من قبيل الأميّة والفقر و الجهل والمديونيّة وأزمة التغذيّة وكثرة الوفيّات وسوء توزيع الموارد الأوليّة والبطالة وقتل الوقت والبيروقراطيّة وما إلى ذلك , تتطلبّ فكرا يستوعب كل تفاصيل هذه الأدواء ويقدّم دواء شافيّا واقعيّا لا طوباويّا . وفي هذا السيّاق يلاحظ أنّ المفكرين المسلمين قد تنوعّت معالجتهم لمثل هذه القضايا بتنوّع مشاربهم الفكريّة , فهذا يقول أنّ المسألة تكمن في الصراع المذهبي , وأخر يراها في النظم السيّاسية , وثالث يراها في إنعدام المشروع التربوي , وما إلى ذلك من الآراء . ولا مخرج من كل هذا التوزّع إلاّ بثقافة جديدة قوامها كما قال المفكّر الجزائري الأستاذ مالك بن نبي إمّا أن نتغيرّ و إمّا أن نغيّر . ولابدّ لكي نبنيّ نهضة أن ننظر إلى واقعنا المعيش بدقّة وموضوعيّة , ونكفّ عن المدلهمّات التي أودت بفاعليتنا وإرادتنا , وكفانا تعطيلا للفكر والإبداع .

والثقافة الصحيحة هي تلك التي تجعل صوب أعيننا ضرورة إنقاذ الإنسان المسلم من المصائب والمشاكل العويصة التي يتخبّط فيها اليوم  . وعلينا أن نركزّ على حقيقة الأزمة وصلب الإشكاليّة , وأن نتجنبّ المشاكل غير الواقعيّة التي إستنفذنا فيها الجهد والطاقة الفكريّة . فأيّهما أولى بالتفكير فيه القضاء على الأمراض المؤدية بملايين الأطفال في العالم الإسلامي , وإقامة صناعة تكفل لنا أن نعيش معتمدين على سواعدنا أم الإسترسال في الخلافات الفقهيّة المفرّقة لكيّان المسلمين .

 

q       حول المناهج التربويّة :

 

لقد وجدت في عالمنا العربي والإسلامي العديد من المعاهد التراثيّة التي كان لها الفضل الواسع في الحفاظ على الأصالة و تمطيط حركة الإجتهاد لتواكب العصرنة , ومن هذه المعاهد القرويين في المغرب الأقصى , وزوايا الجزائر والأزهر الشريف في مصر و جامع الزيتونة في تونس ومعاهد الأصالة في الجزيرة العربيّة وبقية الديار العربية والإسلاميّة , ولا يتناقش إثنان في أنّ هذه المعاهد أدّت دورها في الحفاظ على كيّان الأمّة الإسلاميّة وشخصيتها مقابل التغريب اللغوي والفكري , وأدّت دورها كذلك على مستوى تهييج النفوس وتثوير العزائم والهمم لمجابهة الهجمات الصليبيّة على عالمنا العربي والإسلامي .

ومازال تاريخنا يذكر بجلال شخصيات من قبيل الأمير عبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطابي وعمر المختار ومحمّد عبده وجمال الدين الأفغاني وخير الدين التونسي وما إلى ذلك من الشخصيّات العربيّة والإسلاميّة التي كان لها الباع الطويل في إقامة صرح النهضة المعاصرة . ويلاحظ على هذه المعاهد بعض الملاحظات نذكرها بإيجاز .

أولا : هذه المعاهد مازالت من حيث البرمجة التربويّة مقتصرة على ماكتبه القدامى , وفي هذا المجال ينبغي إدخال مواد علميّة في البرمجة لها صلة مباشرة بمشكلات العالم الإسلامي الراهنة .

ثانيّا : يتمّ الإقتصار في هذه المعاهد على ترديد ما يرد في المتون , دون أدنى محاولة لإثارة العقل , وإذا كان السلف قد أبدعوا فيحق للخلف أن يبدعوا أيضا .

ثالثا : بعض المعاهد لا تولي الإهتمام الكامل بالقرآن الكريم , فالقرآن مازال ولحدّ الآن مصدر الإنطلاق , ومصدر الثقافة الإسلاميّة ولذلك ينبغي أن يعود دوره الذي كان له أيّام السلف الصالح من هذه الأمّة .

رابعا: ضرورة تشجيع النبوغ والعبقريّة والتكفّل بأصحاب المواهب والملكات .

والنوابغ والعباقرة في معاهدنا التعليميّة هم الكفالة الوحيدة لإيصال هذا التراث الهائل لأجيالنا المستقبليّة .

أمّا التعليم العصري وإن حاكى المناهج التغريبيّة بحذافيرها , فإنّ له مساوئ ومحاسن . من حيث المحاسن , يمكن أن نتحدث عن الجانب العلمي والتكنولوجي الذي صار يدرّس في جامعات العالم العربي والإسلامي , ولكن الذي حدثّ أنّ التركيز على الجانب النظري أكثر منه على الجانب العملي , ويمكننا في هذا السيّاق أن نتحدثّ عن الأديب المصري طه حسين الذي ترك الأزهر الشريف وإلتحق بالجامعة المصريّة الحديثة , وأبدى إعجابه الشديد بالمناهج المعاصرة . والمجموعة التي تركت الأزهر الشريف وإلتحقت بالجامعة المصريّة إنّما فعلوا ذلك سأما من مناهج قالوا وقلنا , ذكروا وذكرنا التي كانت سائدة في الأزهر الشريف .

ويمكن حصر مساوئ الجامعات في كونها خرجّت جيلا من المستغربين الذين دعوا إلى الإنسلاخ التام عن التراث ونبذ الثقافة الإسلاميّة , وضرورة محاكاة الغرب حذو القدّة بالقدّة , ومن إطلعّ على كتاب : مستقبل الثقافة في مصر لطه حسين يدرك ما أشرت إليه.

كما أنّ العديد من المناهج التعليميّة الجامعيّة لم نساهم لا من قريب ولا من بعيد في وضعها , خاصّة العلوم الإنسانيّة التي تضجّ برؤى المفكريّن الغربيين والذين فرضوا علينا فرضا بسبب القحط الثقافي الذي يلّف واقعنا والحركة الإستعماريّة التي أخرتنا على مدى قرون  .

وقد هجرت العديد من الجامعات العربيّة والإسلاميّة الثقافة الإسلاميّة , بل هجرت اللغة العربيّة كما هو الحال في كثير من جامعات المغرب العربي حيث اللغة الفرنسيّة هيّ سيدّة الموقف . وكثيرا ما يكون الأساتذة المستعارون من الغرب أعضاء فاعلين في دوائر الإستخبارات العالميّة , فهم يؤدّون من ناحيّة وظيفة تغريب الأمة , وفي نفس الوقت يكتشفون النوابغ في بلادنا الإسلاميّة ليتم إستيرادهم الى الغرب , ليساهموا في بناء النهضة الغربيّة . والذين ينجون من هذه الإغراءات ينالهم ما نال علماء الذرّة المصريين الذين تمّت تصفيتهم من قبل الموساد الإسرائيلي .

وبناءا عليه فالتعليم الكلاسيكي فيه محاسن ومساوئ , والتعليم الجامعي العصري فيه محاسن ومساوئ أيضا , وهنا لابدّ من تصحيح المنظومة التربويّة كشرط محوري لبناء النهضة المرتقبة , فعلى صعيد التعليم الكلاسيكي علينا أن نخرج من دائرة التقوقع , وإيجاد خطاب بنّاء يسير يصل إلى العقول بيسر شديد , ويجب تنظيف التراث مما علق به من أشواب .

وفيما يخصّ التعليم العصري فينبغي أن ينسجم مع التعليم التراثي ويشكلان سويّة خطّا متكاملا باتجّاه البناء الحضاري , كما أنّ التعليم العصري يجب أن يخرج من دائرة الإنبهار بالغرب , ومن الناحيّة النظريّة فنحن نعتبر منتجين للفكر النظري والفلسفي وفق الكتاب والسنّة الصحيحة , ويبقى القول أنّ الإستفادة من الغرب تكون على صعيد الجنبة الصناعية والتقنيّة , ولكن دون أن يكون ذلك مدخلا باتجّاه السيطرة على قرارنا السياسي أو تحركنّا الدولي ..........

 

هذه ليست أمة الرعاع يا شيخ الأزهر .

 

وصف شيخ الأزهر الدكتور سيد طنطاوي الأمة الإسلامية بأمة الرعاع في إشارة إلى التطورات الأخيرة التي أنتجت الفتنة الكبرى فكريا وسياسيّا في عالمنا العربي والإسلامي , وبدل أنّ يحمّل سيد طنطاوي حكامنا وعلماءنا الذين يملكون تحويل القول إلى فعل , و الذين يصيغون توجهات الرأي العام بما لديهم من أدوات تأثير وقدرات خاصة فإنّه وجهّ سهامه للمستضعفين من عباد الله ناسيا المستكبرين .

 إذا كانت أمتنا رعناء بتعبير شيخ الأزهر فحكامنا أرعن وكثير من علمائنا أشد رعونة  وتحديدا أولئك العلماء الذين سخروا أنفسهم في خدمة السلطان وشرعنة أفعاله القبيحة والسكوت عن ظلمه حتى أصبحت الفتاوى الرسمية تابعة للخطاب السياسي الرسمي تتغيّر كلما أراد الحاكم ذلك .

عندما أصبح علماؤنا أو كثير من علمائنا ينتظرون عطايا السلطان و رواتب الحاكم وإمتيازات السلطة سخروا النص القرآني والنص النبوي في خدمة من لا يحمون بما أنزل الله  وجعلوا التنزيل في خدمة من  داسوا على التنزيل . لماذا لا يوجّه سيد طنطاوي رسالة أو فتوى إلى طغاتنا يدعوهم إلى التخلي عن طغيانهم وبغيهم وظلمهم وبطشهم ومكرهم وخبثهم , لماذا لا يصدر فتوى يحرّم بموجبها وجود العلم الإسرائيلي على أرض الكنانة , أو يصدر فتوى تنص على بطلان معاهدة كامب دافيد ويعتذر للرعاع عن تورط الأزهر في شرعنة هذه المعاهدة , لماذا لا يصدر فتوى يحرّم على الحكام الطغاة محاربة الرعاع المتظاهرين في الشوارع كل الشوارع ضد الإستعمار والإستحمار والإستكبار , وتكبيلهم ونقلهم إلى السجون لأنّ هؤلاء الرعاع يملكون حسّا وطنيا وإسلاميا مات عند الحاكم العربي , لماذا لا يصدر فتوى ضدّ ما تبثّه قنوات الطغاة الإعلاميّة من عهر ومجون وجنس وإلحاد أم ّ أنّ الرعاع هم المسؤولون عن كل ذلك !

هل الرعاع في العالم العربي والإسلامي هم الذين شيدّوا السجون والمعتقلات وأسترخصوا الروح البشرية وقتلوا بالجملة والمفرق !

هل الرعاع هم الذين باعوا الأوطان للأمريكان وتخاذلوا وركعوا وسلموا مقدرات الأمة السياسية والإقتصادية للأمريكي وغيره !

هل الرعاع هم الذين يحرصون على التطبيع و مد جسور التواصل مع الكيان الصهيوني !

هل الرعاع هم الذين سرقوا وخطفوا وسكنوا القصور ونكحوا العذارى وأكلوا الحرام وظلموا البلاد والعباد !

هل الرعاع هم الذين عطلوا شرع الله وداسوا على حدوده وأستوردوا المذاهب العفنة من هنا وهناك !

هل الرعاع هم الذين شيدوا بيوت الدعارة وأعطوا الحصانة للراقصات وحرموا المثقف الواعي لقمة العيش !

هل الرعاع هم الذين نكسوا مسيرتنا النهضوية والتنموية والثقافية والحضارية و الإجتماعية , و أقاموا مجتمع الخمس بالمائة الطبقي , حيث الحياة المرفهة للقططة السمينة والبقية إلى الجحيم !

هل الرعاع هم الذين أعطوا الرخصة تلو الرخصة للأمريكان حتى يشيدوا قاعدة عسكرية هنا وقاعدة هناك !

هل الرعاع هم الذين حولونا إلى شحاذين نستعطي أمريكا والبنوك الدوليّة و المؤسسات المالية الصهيونية !

هل الرعاع هم الذين لاحقوا العلماء المخلصين وزجّوا بهم في غياهب السجن وأستعاضوا عنهم بعلماء بسملتهم الثناء على السلطان وحوقلتهم التسبيح بأولياء الأمر المعتوهين !

هل الرعاع هم الذين بقوا في الحكم عشرين سنة وثلاثين سنة وحولوا الحكم إلى ملك عضوض و شركة لأهل الرئيس وولده وعشيقاته !

هل الرعاع هم الذين جاءوا على متن الدبابات والمؤامرات والإنقلابات و مراكز الإستخبارات الأمريكية والبريطانية إلى الحكم !

هل الرعاع هم الذين حولوا الأجهزة الأمنية إلى ذيل وتابع  للأجهزة الأمريكية وإمدادها بكل ما تحتاج !

هل الرعاع هم الذين عينوا علماء السوء في مواقع الفتوى وتبيان الأحكام , أم هو السلطان الذي أخذ يوزّع الصفراء والبيضاء على كثير من علمائنا الذين باركوا خطواته الأمريكية والشيطانية !

هل الرعاع هم الذين أقاموا بيوت دعارة قرب بيوت الله , وبيوت رقص أمام بيوت الله !

هل الرعاع هم الذين يأخذون من ميزانية الدولة ملايير الدولارات بحجّة مقتضيات مصروفات السيد الرئيس !

هل الرعاع هم الذين سكنوا في القصور العامرة مع النواهد والكواعب !

يا سيدنا الطنطاوي الرعاع مسؤولون عن شيئ واحد فقط هو صبرهم الطويل على الرعاع الحقيقيين الذين يحكموننا !!

هكذا تشترى ذمم الصحفيين !

 

فور ظهور مقالي السابق عن الصحفيين الذين يقبضون من الطغاة في إيلاف وصلتني مئات الرسائل تطالبني بالمضي قدما في تعرية ركائز الطغاة في العالم العربي , بإعتبار أنّ الطاغية ليس مشروعا فرديّا بل هو مشروع جماعي يفعّل طغيانه من خلال الصحفيين والكتّاب و الشعراء والمغنين والراقصين ووسائل الإعلام التي تمجّد من الفجر إلى غسق الليل السيّد الرئيس المحفوف بالعناية الإلهيّة السرمديّة .

 و لهذا الطاغية خبراء أغلبهم من رجال الإعلام والثقافة يعمدون إلى تأليه ذاته عبر سلسلة من المسلكيات التي تتجلى في وسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة والمقروءة , كما أنّ هؤلاء الخبراء يتولون تفسير نصوص وخطابات هذا الطاغية من خلال الرائي – التلفزيون – و يخصّون خطابات السيد الرئيس بتفسيرات وتوضيحات لا يخصّون بها كتاب الله المنزّل , و تصبح هذه الوسيلة العموميّة في خدمة السيّد الرئيس وتخصّه بكل صغيرة وكبيرة حول دخوله إلى الحمام وخروجه منه , و تدشينه لقنوات الصرف الصحّي وغيرها من المشاريع التي لا تتناسب وحجم ما لدينا من ثروات , وقد دخل كتّاب الأغنية الهابطة على خطّ الطغاة ووضعوا أغاني وأهازيج تمجّد السيد الرئيس باني النهضات و هادم اللذّات ومفرّق الجماعات ومدللّ الراقصات .

ولم يضطلع ثلّة من الصحفيين بتحويل الكثير من زعمائنا الأغبياء إلى عباقرة عصرهم و وحيدي دهرهم فحسب بل باتوا يقومون بدور رجال المخابرات وهنا بيت القصيد ! وقبل توضيح هذه النقطة يجب أن نشير إلى أنّ أفضل قارئ لما يكتبه الصحفيون العرب هم رجال الأجهزة الأمنيّة حيث توجد لدى دوائر الإستخبارات العربية أقسام خاصة بمتابعة كافة الجرائد و قراءة ما يكتبه كتّاب الرأي والأعمدة والبعض يضع تحت كل سطر معين خطّا أحمر وأحيانا أصفر وكل لون يرمز إلى شيئ معيّن يدور في أدمغة رجال الإستخبارات المتعودين على الظلام فقط , وقد دعيت ذات يوم إلى جهة أمنية في دولة عربية بسبب مقالات ناريّة كنت قد كتبتها , فعرفني الضابط الأمني الذي حققّ معي

 بقوله : أنا المكلّف بقراءة مقالاتك , وحدث الأمر عينه في دولة عربية أخرى فأدركت أنّ اللعبة واحدة في العالم العربي , والعجيب أنّ بعض الأجهزة ونظرا لدقّة معلوماتي و أحيانا كتاباتي عن أشياء وقعت بعد ذلك كانت تعتبر أنني إبن جلاّ وطلاع الثنايا , فأحيانا كنت في نظرها محرك المعارضة وأحيانا منظّر التحولات هنا وهناك !

ولأنّ رجال المخابرات العرب أفضل من يقرأ و يتابع و يؤرشف فإنّهم يسعون لإقامة علاقات وطيدة مع بعض رجالات الصحافة الذين ماتت ضمائرهم فتوجّه الدعوات إليهم في المناسبات الوطنية وغيرها و تسهلّ لهم مهمة الإلتقاء برجالات القرار , وبعد ذلك تقدّم لهؤلاء دعوات خاصة  في هذا الفندق وذاك المطعم مع هدايا جميلة وثمينة , وأثناء كل ذلك يتمّ إستمزاج رأي هذا الصحفي حول العمل مع الدولة ولا يقال له تعمل مع الجهاز الأمني بل مع الدولة على أساس تحريك الحسّ الوطني في نفسية هذا الصحفي , وحاجة الأجهزة الأمنية إلى إستخدام الصحفيين مرده إلى أنّ الأبواب كل الأبواب مفتوحة أمام الصحفي الذي يحمل بطاقة رسمية ويعمل في وسيلة إعلامية معينة , فالصحفي يستطيع أن يقابل الجميع من سياسيين وديبلوماسيين و إعلاميين و معارضين بصفته الصحفية وهذا ما لا يقدر عليه رجل المخابرات الذي يتوجسّ الجميع منه خيفة وهو في أصل تكوينه الفكري كالخفّاش لا يحب النور ولذلك يهمه الحصول على معلومات عبر وسائط والصحفي هو خير واسطة , وكثيرا ما يتوجّه الصحفي الذي سقط في شباك عناكب المخابرات بأسئلة إلى هذا الديبلوماسي أو ذاك المعارض أو إلى رئيس دولة معينة و تكون الأسئلة قد أعدّت سلفا في مطابخ الأفكار في دوائر الأبحاث والمعلومات والإستعلامات الإستخباراتية , والأكثر من ذلك فكثيرا ما تمد هذه الأجهزة هذا الصحفي الذي هو موقع رئيس تحرير أو غيره بمعلومات لينشرها لتحقيق غاية معينة والعجيب أنّ بعض هذه المعلومات ضدّ أمن الدولة ويحلو لجهاز أمن الدولة نشرها في خطة يستعصي فهمها على الشيطان نفسه .

ومقابل هذه الخدمات وغيرها يحصل هذا الصحفي على إمتيازات وهدايا ثمينة ورواتب موازية لراتبه الرسمي ويوظّف من يشاء و يحصل على شقّة لمن يشاء , و في بعض الأحيان تكلّف الأجهزة الأمنية ودوائر الأبحاث على وجه التحديد هذا المسؤول الإعلامي في هذه الصحيفة أو تلك بإعداد دراسة ما مهمة في نظر هذه الأجهزة فيسخّر هذا المسؤول كتّابا مرموقين بإعداد الدراسة وهم غافلون عن حقيقة الأمر ويقبضون الثمن مقابل ما فعلوه وعندما يسألون عن موعد طبع دراساتهم يأتي الجواب بأن سعر الورق صار غاليا وتمّ تأجيل الطبع بينما تكون الدراسة مصفوفة ومطبوعة في الدوائر الخاصة التي أوصت بإعداد هذه الدراسة , وبهذه الطريقة الجهنميّة تمّ توظيف المئات من الإعلاميين الذين كانوا يؤدون خدمات مجانية للأجهزة الأمنية دون أن يعرفوا ذلك وللإشارة فإنّ هناك ملفات خاصة في دوائر الإستخبارات البريطانية تحت عنوان الذين يخدمون بريطانيا مجانا .

وفي كثير من الأحيان تحولّت الوسائل الإعلامية إلى شركات مموهّة لدوائر الإستخبارات , بل إنّ بعض الضبّاط الأمنيين صاروا رؤساء تحرير , وقد أكتشفت أنّ نصف رؤساء الأحزاب المعارضة في دولة عربية هم من رجال المخابرات , وبهذا الشكل تضمن الدولة أنّ تظلّ المعارضة تحت عباءتها  كما الصحافة تماما .

وبناءا على ما ذكر بات العديد من الصحفيين منخرطين فعليا في اللعبة الأمنية بعضهم يتعامل مع الأجهزة الأمنية في بلاده والبعض منخرط في اللعبة الأمنية مع الأجهزة الأمنية العربية أو الغربية , ولو فتحنا السجلات وكشفنا عن الأسماء كما طالبني بعض القراء لكفر المواطن العربي بكل هذا الوهم الكبير الذي إسمه الإعلام العربي , و يبقى القول أنّ حصوننا مهددة و قلاعنا مخرومة وبيتنا أوهن من بيت العنكبوت وهذا ما يفسّر تراجعنا المذهل والمستمّر !

 

وفاة النظّام الرسمي العربي .

 

منذ بدايات القرن العشرين والمفكرّون العرب والمسلمون يجتهدون في دراسة عوامل النكسة وأسباب التقهقر , وقد تعددّت الآراء و تنوعّت بحسب البيئة الفكريّة والخلفيّة الثقافيّة و المرجعيّة المعرفيّة لهذا المفكّر وذاك .

 ومن أقرب المفكرين إلى راهننا العربي محمّد عابد الجابري الذي حملّ العقل العربي والإسلامي جزءا كبيرا من تراجعنا وهامشيتنا الحضاريّة في كتابه الخطاب العربي المعاصر و محمّد أركون الذي طالب بأنسنة الفكر الإسلامي والعربي للولوج في التركيبة الحضاريّة الراهنة . وبسبب إنعدام طقس الحريّة والأمن الفكري والثقافي في كل مواقعنا العربيّة فإنّ أحدا لم يجرؤ ويخصصّ كتابا عن دور النظام العربي الرسمي في تراجعنا في كافة تفاصيل حياتنا الثقافية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والحضارية .

 ومن الملاحظات الفارقة التي يمكن إدراجها في هذا السيّاق أنّ هناك علاقة عكسيّة بين الحكّام العرب وشعوبهم , بين النظام الرسمي العربي والرعيّة العربيّة , الأمّة تريد الكرامة والحكّام يريدون عصير الكرمة , والأمة تريد التحرير والحكّام يريدون الحرير , الأمّة تطالب بالقدس والحكّام العرب يكرسّون البؤس . وقد أدّى هذا الإفتراق بين خطّ الحكّام وخطّ الشعوب إلى اضطراب معادلة النهضة ونكوص المشروع الحضاري , حيث كانت على الدوام الأقليّة التي تصنع القرار العربي تفرض شروطها على الأغلبية المسحوقة التي لا تملك أن تعبرّ حتى عن أحلامها , وإذا فرضنا أنّ هذه الشعوب العربية المستضعفة أتيح لها أن تمارس اللعبة الإنتخابية , فإنّ صناع القرار سرعان ما يطيحون بخيّار الشعب إذا كان ما أختاره الشعب لا يتماشى مع توجهاتهم وإيديولوجيتهم مثلما حدث في الجزائر عندما أطاحت الدبّابة بصناديق الإقتراع , ومثلما حدث في العديد من الأقطار العربيّة .

وهذه العلاقة العكسيّة بين المنظومة السياسية الرسمية وبين الشعوب أرخت بظلالها على مسيرة الشعوب في خطّ تكاملها ومسيرة تنميتها . وهذا الطلاق البائن بين صنّاع القرار و الشعوب العربيّة لا يحصر في القضايا الصغرى وفي التفاصيل الصغيرة , بل يسحب على القضايا الكبرى , حيث عجزت هذه الأنظمة الرسميّة أن تكون على مستوى الشعوب وتطلعّات الأمة . كما حدث في قمّة بيروت الأخيرة التي عكست بوضوح الوفاة الرسميّة للنظام الرسمي العربي الذي عجز عن مقاومة ومجابهة أعرق وأفظع وأوّل عدو للعالم العربي وهو الكيّان الصهيوني الغاصب . بل في المقابل راحت هذه القمّة تطرح مبادرات للتسويّة في الوقت الذي يذبح فيه الشعب الفلسطيني عن بكرة أبيه . وإذا كان النظام الرسمي العربي فيما مضى يسعى لإمتصّاص النقمة الشعبيّة العارمة من خلال الخطب الرنّانة ومن خلال الأقوال لا الأفعال فإنّه في العصر الأمريكي الراهن تخلّى حتى عن الأقوال , وإذا كان هذا النظام الرسمي العربي كان فيما مضى يجهر بالنضال ويبطن الإستسلام , فإنّه في الراهن الأمريكي وفي العصر الأمريكي بات يجهر ويبطن المذلّة و الإستسلام والخنوع و التردّي.

كان الأولى بالحكّام العرب أنّ يوفّروا على الشعوب العربيّة مزيدا من الظنك والبؤس , وليدعّوا الشعب الفلسطيني الباسل يشقّ طريقه الذي اختاره بنفسه وخطّه بدماء شهدائه , وليرفعوا أيديهم عن الشعوب العربيّة التي تزداد فقرا فيما يزدادون هم غنى وثراء , وليعيشوا في أبراجهم محرومين من الحبّ المقدّس الذي ينشأ بين الحاكم العادل والرعيّة , وهذا لا يعني إطلاقا أنّ الشعوب بمنأى عمّا يحيط بها وصامتة عن الذين تسببوا في تراجعها وتقهقرها وتمكين الأعداء منها , فمثل هذه الظروف التي نحياها الآن أنتجت فيما مضى ثورات وزلازل , وحركة التاريخ كثيرا ما تعيد نفسها . وإذا كان هذا النظام الرسمي العربي عاجزا عن تحقيق التنميّة , ووضع حدّ للحركة الإستعماريّة الأمريكية الراهنة ودحر الإعتداءات الصهيونيّة فعليه أن يستقيل ويعلن إخفاقه , ويقدّم في ذلك بلاغا رسميّا للأمّة التي تحسن إختيار من يسوسها , وتعي جيدا من يلبسها ثوب العزّة ومن يلبسها ثوب العار والشنّار .

ثمّ إنّ الشعوب العربيّة واكبت مسيرة هذه الأنظمة العربيّة الرسميّة على مدى عهود وعقود , والأنظمة هي الأنظمة , والرسميون هم الرسميون وصنّاع القرار هم صنّاع القرار أو من صلبهم , والمنهج السياسي هو المنهج , والطريقة هي الطريقة , والقمع هو القمع , أما آن لهذه الشعوب أن تجددّ حياتها السياسيّة و صنّاع قرارها , وإذا كانت الانتفاضة الفلسطينية الباسلة وما تبعها من انتفاضات في كل الشوارع العربيّة والإسلاميّة والتطورات المتلاحقة التي حدثت في أفغانستان والعراق  قد أكدّت أنّ شارعنا العربي والإسلامي مازال يتمتّع بالحياة والحيويّة , أفلا يحق لهذا الشارع أن يساس من قبل من يملك الحياة ويبعثها في النفوس , لا من قبل الموتى الذي يتمّ إنعاش أبدانهم وعقولهم بالمصل الأمريكي والحقن البريطانيّة وغيرهما !!!

دعوة لحكامنّا المتعبين جدّا بالإستقالة .

 

 

على مدى عقود من الزمن أبلى حكامنا العرب الطيبون جدّا بلاءا حسنا , فقد كانوا يوصلون الليل بالنهار ويحرمون أنفسهم من متع العيش في سبيل إسعاد المواطن العربي , وقد نجحوا إلى أبعد الحدود في تحقيق العدل والمساواة والكرامة والسكن والصحة وحياة أفضل لكل المواطنين العرب , وفي ظرف وجيز تمكنوا من القضاء على الظلم و الإجهاز على منظومة المخابرات التي تتلذذّ بتعذيب المواطنين وزجوا بكل القساة العتاة في سجون خاصة , و في المقابل أطلقوا سراح كل الأبرياء والمظلومين وأخلوا كل الزنزانات العامة والإنفرادية , و رفعوا حالات الطوارئ بكل أشكالها و رفعوا القيود عن الإعلام و الحرية الصحفيّة , كما فسحوا المجال للتعدديّة السياسيّة و أقرّوا مبدأ التداول على السلطة ومبدأ حكم الشعب لنفسه , وقاموا بإرجاع كل الدبابات و العساكر إلى الثكنات , و أخلوا الشوارع من مناظر العسكريتاريا والمخبرين , و دعموا الوضع البرلماني وأتاحوا للنوّاب أن يناقشوا الوضع الحكومي والمسلكية السياسية للرئيس بكل حريّة ودون غرفة ثانية للمخابرات تلاحق وتملي في آن واحد  .

وبعد أن نجح حكامنا في إيجاد مناخ سياسي عادل وتعددي إنصرفوا إلى الثقافة فخصصوا لها ميزانية ضخمة وقرروا أن تكون الأولوية للثقافة والفكر لا للرقص والفن العفن , و أقسموا بالله أن لا تتحول أراضي الكنانة العربية إلى مراقص الفنانة , وحرروا الثقافة من الأدلجة والديماغوجية ولغة الخشب الحزبية الحاكمة , فأزدهر المسرح والرواية والقصيدة وبات الحرف العربي مزهوا بملابس من مختلف التيارات الفكرية في عرس بهيج لحرية الفكر , وجزى الله حكامنا خيرا أيضا عندما قرروا أن يخرجوا من حالة الأمية الحضارية وأمية الكتابة والقراءة والبيان التي كانوا عليها وقرروا مجددا الإلتحاق بمدارس محو الأمية ووقفوا جنبا إلى جنب مع الفلاح والميكانيكي وبائع الخضروات ليتعلموا لأنّه من قال أنا عالم فهو جاهل , وبعد أن بدأوا يستشعرون بلذاذة العلم قرروا أن تركّز فضائياتهم على الثقافة والفكر والشعر وترقية الإبداع وأعطوا أوامر لمدراء أجهزتهم الإعلامية أنّه لا نريد مجونا ورقصا خليعا وغناء الحب للمطربين العرب الذين لم يعرفوا الحب في حياتهم والذين لا يصمد زواجهم أكثر من أسبوع , وقررّ بناءا عليه حكامنا العرب الطيبون أن يتم إستحضار الأدباء والكتاب والشعراء وطلائع الأمة للمشاركة في ترقية الوعي الحضاري , و أصدروا قرارا بملاحقة الرسميين المنضوين تحت عباءة الحكم الذين يسرقون الآثار والمخطوطات ويبيعونها للإرادات الغربية .

 وقرروا جزاهم الله خيرا أن يزيلوا صورهم من الدنانير والدراهم لينقشوا بدلا عن صورهم صور أبي العلاء المعري و إبن خلدون والفارابي وأبي الطيب المتنبي وغيرهم من أساطين حضارتنا العربية المجيدة . وبعد أن رقوّا المشروع الثقافي إنطلقوا إلى المشروع الإقتصادي فقرروا إرجاع كل الأموال التي سرقوها إلى الشعب , وقرروا إستخدام أموالهم الخاصة لقضاء الديون التي رتبوها حتى على أجيالهم المستقبليّة , و قرروا توزيع الثروات توزيعا عادلا وعلى رأس هذه الثروات النفط , كما أصدروا قرارا جمهوريّا بالقضاء الكامل على سكنات المقابر والبيوت القصديرية , ووهبوا لكل مواطن بيتا محترما وكريما , وخصصوا مساعدة إجتماعية للعوائل الفقيرة , كما قرروا تزويج الشباب والشابات للقضاء على الزنا التي لطالما مارسوها وروجوا لها , كما قرروا توزيع الأراضي على الفلاحين لإستثمارها و الرقي بالزراعة , وفي ظرف ثلاثين سنة وعشرين سنة وعشر سنوات -  كل حاكم عربي ومدة حكمه – تمكنّ الحكام العرب من إحقاق النهضة السياسية والثقافية والإقتصادية ,  وعندما تأكدّ لهم أنّهم حققوا النهضة الشاملة , وأنهم باتوا يملكون قاعدة عسكرية وصناعية قويّة قرروا التوجه إلى فلسطين لتحريرها والتوجه إلى الدول العربية والإسلامية المحتلة من قبل المستعمرين الأمريكان وتحديدا في أفغانستان والعراق وتحقق لهم ذلك فحرروا بلادنا قاطبة من الإحتلالين الصهيوني و الأمريكي , و أسترجعوا عزتنا المفقودة وكرامتنا المهدورة ومجدنا الضائع ودورنا المفقود , وقد بذل حكامنا العرب مجهودات قلّ نظيرها وأبلوا في سبيل الله والوطن بلاءا حسنا , والحمد لله سيورثون أجيالنا المستقبليّة أوطانا بدون ديون وبدون إحتلال وبدون أمية وبدون جوع وبدون ظلم وبدون إستبداد.

فجزاهم الله خير الجزاء , و بعد هذا العناء والتعب والجهاد والنضال والإستماتة من أجل المقدسّات يجب أن يستقيلوا و يتقاعدوا و والله وبالله وتالله فبعد إقدامهم على التقاعد ستقول شعوبهم : الحمد لله الذي أذهب عنّا الرجس !

 

 

يصادرون مقدرّاتنا و نحن نتفرّج !

 

 

هنيئا للنظام الرسمي العربي الذي إستطاع بإمتياز أن يحولّ الشعوب العربية إلى شعوب تتفرّج على الحدث دون أن تصنعه , تستقبل الأعداء دون مقاومة , وتتيح للغازي الأمريكي أن يصيغ الجغرافيا و الأفكار والمنهج والمعتقد والعادات و الوجوه و نوعية الثيّات و الأكل وكل ما له علاقة بتفاصيل الحياة .

خلال عقود والنظام الرسمي العربي يعمل على وأد الرجولة وعلى تخنيث الأبطال وإخصاء الأحرار ومصادرة الفكر الواعي الطلائعي و تجفيف منابع القوة في هذه الأمة , فعل ذلك وبكل صراحة تواطؤ مع وكالة الإستخبارات الأمريكية و الموساد الإسرائيلي والدوائر الماسونية و كل الدوائر التي كانت تعمل منذ زمن في الخفاء على تمزيق العالم العربي والإسلامي وكأنّ مشروع سايكس بيكو لم يكفهم فخططّوا لمشروع أكبر وأعظم .

 ومن الخطأ بمكان أن نتصوّر أن ما ستقدم على فعله أمريكا في العراق وما بعد العراق رهن باللحظة الراهنة , بل هو وليد تخطيط مسبق وإستراتيجيات وضعت عندما كان حكامنا العرب يجتمعون في القمم العربية السابقة ويختلفون نهارا على جدول الأعمال ويتفقون ليلا على شرب أكؤس الصبابة المعتقة وسط العاهرات اللائي يحتفظن بمذكرات ستدخل التاريخ مستقبلا .

 كانوا يخططون عندما كانت الدول العربية تتآمر على بعضها البعض , عندما كانت كل دولة عربية في خلاف حدودي مع الأخرى , عندما كانت أجهزة المخابرات في هذه الدولة العربية تخطط لنسف الأمن القومي في الدولة العربية الأخرى .

هنيئا للنظام الرسمي العربي الذي جعل شريحة من أبناء جلدتنا تؤمن بأنّ أمريكا هي المهدي المنتظر , وشريحة أخرى متقاعسة عن أداء دورها , وشريحة أخرى معزولة في سجن السلاطين والحكام والجنرالات القساة البغاة العتاة الزناة الأباة على شعوبهم الأذلاّء لأمريكا والدولة العبريّة .

فاللوم ليس على واشنطن التي تستهدف تاريخنا وراهننا وحاضرنا ومستقبلنا وثقافتنا وجغرافيتنا ودورنا وسلاحنا ودماغنا وفكرنا و عقيدتنا وقرآننا و محمدنا , اللوم على النظام الرسمي العربي الذي شرعن الوجود الأمريكي في مواقعنا كل مواقعنا الجغرافية , اللوم على النظام الرسمي العربي الذي دمرّ العقول والكفاءات وعجز عن إقامة نهضة صناعية متكاملة وأحوجنا إلى الدجاج الأمريكي واللحم الأمريكي والدواء الأمريكي والخبز الأمريكي والعقل الإستراتيجي الأمريكي , اللوم على حكامنا البغاة مدمني الفياغرا و أفلام الخلاعة الذين منحوا أراضينا للأمريكان و جغرافيتنا لقوات التدخل السريع للحفاظ على كراسيهم وأمنهم القومي وأمن دولتهم بخرم أمن مجتمعهم , اللوم على حكامنا الذين راهنوا على حماية الأمريكان لهم بعد أن ألهوا جنودهم بالمخدرات والرشاوى وبيوت الدعارة وكل أنماط الفساد , اللوم على حكامنا الذين أبادوا اللغة العربية وفرضوا اللغة الأنجليزية , والذين قضوا على أم كلثوم و فرضوا مايكل جاكسون والذين حاربوا قناة الجزيرة وفتحوا المجال كل المجال لقنوات العهر الإيطالية والتركية و غيرها , اللوم على حكامنا الذين تخندقوا خلف شاكيرا و سلموا شعوبهم للأمريكان , اللوم على حكامنا الذين عجزوا عن إدارة العباد والبلاد وأستضافوا الأمريكان لكي يتولوا المهمة بإمتياز ويتولون هم دفع الفاتورة من أقوات ودماء الشعوب العربية والإسلامية , اللوم على حكامنا الذين أعجبتهم الشقروات الأمريكيات فباعونا ببضعة كيلوات من اللحم , تماما كما فعل ذلك الحاكم العربي الذي إستقدم فتاة أمريكية شقراء لدى زيارته إلى واشنطن فطلقته زوجته !

اللوم على حكامنا الذين آمنوا بفقه النكاح وتركوا فقه الكفاح , الذين إعتنقوا فقه الجواري وتسليم الأمريكان كل البراري والذين يطلبون منا الآن أن نتفرج , نتفرج على جغرافيتنا وهي تسبى , تاريخنا وهو يصاغ في واشنطن , حكامنا وهم يصنعون في لانغلي , أطفالنا وهم يقتلون بلا ذنب ولا جريرة في بغداد ورام الله وجنين , نتفرج نعم نتفرج دون أن ننبس ببنت شفة , فلا يجوز التعليق على موت الآلاف بل الملايين في العراق , لا يجوز التعليق على دمار العراق , لكن ألا يعلمون أنّ كتمان الغيظ يحوّل الإنسان إلى قنبلة فتاكة تنفجر في وجه حكامنا السمان وفي وجه الأمريكان .

 وإنّ غدا لناظره قريب !

 

الفرنجة قادمون والجيوش العربية في عطلة !

 

يتعرّض الشعب الفلسطيني إلى غارة إستباحة وتذبيح لا مثيل لها في تاريخ البشريّة , ومنذ بداية محنته مع الجماعات الصهيونية الإرهابية ومن تمّ الكيّان الصهيوني الغاصب وهو يستنجد بالجيوش العربية التي نخرها الفساد والتي أقام رجالاتها أوشج العلاقات بالراقصات اللائي أضحين بإمتياز من عليّة القوم ويملكن كل الأرقام المباشرة لصنّاع قرارنا العربي المجيد , و في الوقت الذي تخذل فيه هذه الجيوش فلسطين وغيرها من روافد العالم العربي والإسلامي  فإنّ الشارع العربي والإسلامي من طنجة وإلى جاكرتا مع فلسطين قلبا وقالبا , ينتظر اللحظة التي يمدّ  فيها فلسطين بدمه وقلبه وشرايينه ودموعه وزاده ومؤونته , وأريد أن أقول لأطفال الجنة محمد الدرّة وإيمان حجو ولأطفال الحضارة والحجارة لا تراهنوا على الجيوش العربيّة , فمنذ خمسين سنة أي منذ القرار الدولي أو العار الدوّلي بتقسيم فلسطين وأجدادكم وبعدها أباؤكم ثمّ أنتم تراهنون على الجيوش العربيّة المهزومة .

وعندما يستغيث أبناء الجنّة في فلسطين بالجيوش العربيّة يأتيهم الردّ بأنّ الشرعيّة الدوليّة لا تسمح بأيّ تحرك  , وبأنّ الظروف السياسية والواقع المحلي لا يسمح والمعادلة الدوليّة لا تجيز , لكن عندما تدعو  واشنطن الجيوش العربيّة لتغيير واقع عربي هنا أو استباحة واقع إسلامي هناك , فانّ الجواب يكون لبيك وسعديك يا واشنطن فنحن طوع بنانك بالبنادق والمعلومات .

فرجاء لا تراهنوا على الجيوش العربيّة فهي منصرفة إلى حماية العروش بل لقد أضحت هيّ العروش نفسها , وأنصرفت إلى تتريس الكروش الجسمية وكروش البنوك بما سلبته من قوت المواطنين ونفط المواطنين ومستقبل المواطنين .

 إنّ الأنظمة العربية ومعها الجيوش العربية أرادوا أن يقبروا  التواصل بين الشعوب العربية والإسلاميّة وبين فلسطين  ويعدموا نصرة هذه الشعوب لفلسطين  . والعار كل العار أننّا نملك جيوشا عربية مدرعّة بأحدث المعدّات العسكريّة ومازلنا نحققّ التراجع تلو التراجع والنكسة تلو النكسة , وقد تحولّت الجيوش العربية إلى عبئ على أمتها وتطلعات شعوبها. وعندما أتأمّل صدور جنرالاتنا في العالم العربي والإسلامي أجدها معبّأة بالنياشين والميداليات من ذهب وفضة وقدور وصحون وغيرها من مواد خشبيّة وكلها إشارات على الإنجازات الكبرى و الانتصارات العظمى , لكن عندما أعود إلى الواقع أجد النكسة تلو النكسة والهزيمة تلو الهزيمة , والانقلاب تلو الانقلاب والعمالة تلو العمالة , وقد ساهمت العسكريتاريّا  في تكبيل القدرات والطاقات للإعتبارات التاليّة :

-  الاندماج الكامل بين النظام السياسي والمؤسسة العسكريّة , حتى أصبح النظام السياسي هو الجيش والجيش هو النظام السياسي . والذي يعمل النظر في خلفية الرؤساء العرب يجد أنّ كل الرؤساء العرب هم في الواقع عسكريون وخرجوا من رحم المؤسسة العسكريّة . وحتى الملوك الراهنون والمخضرمون تخرجوا من أرقى الأكاديميّات العسكريّة ويجيدون اللغة الأنجليزية والفرنسية أكثر من اللغة العربية .

-  استولت المؤسسّات العسكريّة عل ثلثي ميزانيّة الدولة وعملت المؤسسات العسكريّة على بقيّة المؤسسات , وكانت استراتيجيتها تكمن في  إضعاف المؤسسات والتيارات السياسيّة و قوى المجتمع المدني لتبقى هي الأقوى والأوحد .

-  أصبح الجيش عبارة عن أقليّة هي الطغمة التي عسكرت السياسة كما الاقتصاد كما المشروع الثقافي , وأغلبية من الجنود المستضعفين الذين هم أيضا جعلوا في خدمة الجنرالات , كم هو عدد الجنود الذين يحرسون الجنرالات وينظفّون حمّامات الجنرالات ويطبخون للجنرالات و يغرسون حدائق الجنرالات , ويسوقون سيارات الجنرالات وعشيقاتهم .

-      الطغمة والأمة صراع الأضداد , وقد أدخلت الطغمة الجيش في صراعات داخليّة جانبيّة .

-      الجيوش العربية تركت الهمّ الحضاري الكبير إلى الهم الداخلي حيث سلط الجيش على رقاب المواطنين .

-      بالإضافة إلى دخول هذه الجيوش في حروب الحدود مع الجيران العرب والمسلمين .

-  شلّ حركة التنميّة من خلال حركات الانقلاب التي كانت مزدهرة وكل حركة انقلابية تصل إلى السلطة تلغي ما فعلته السلطة الماضيّة وهكذا دواليك .

-  إستيلاء العسكر على صناعة القرار السياسي وتعيينهم للسياسيين الذين يتولون مناصب سياسيّة أو ديبلوماسيّة .

-      معاداة الحريّة وفرض حالة الطوارئ .  

-      تسمع من بعض الجنرالات العبارة التاليّة :

من الطبيعي أن يكون المرء جيّدا سياسيا إذا كان جيدا عسكريّا , وإذا لم يكن جيدا عسكريّا يستحيل أن يكون جيدا سياسيّا .

-      النزعة العسكريّة أنتجت أمراض الشلليّة والعشائريّة والجهويّة .

-  لو كان شارون يحتمل بنسبة 2 بالمائة أنّ هناك جيشا عربيّا سيتحرّك أو جيوش عربية ستتحرك لأنزل سقف إجرامه من ألف بالمائة إلى اثنين بالمائة .

-  العلاقة بين الجنرالات والرشوة والفساد , مثال تركيا , أندونسيا و الجزائر , رئيس هيئة الأركان اللبناني ميشال عون الذي اختفى في السفارة الفرنسية وسلب 200 مليون دولار من قوت اللبنانيين من البنك المركزي .

-      سماح العسكريين للسياسيين بالفساد ليسهل التأثير عليهم وترويضهم .

 

وما دمنا بصدد القضية الفلسطينيّة تقول الرواية أنّ الجيوش العربية التي ساهمت ورابطت على حدود فلسطين في الحرب العربية – الإسرائيليّة الأولى في حرب 48 كانت تطلب من الفلسطينيين أن يغادروا أرضهم إلى الشتات .

 

وللإشارة فإنّ الحرب العربية – الإسرائيليّة الأولى شارك فيها 35 ألف مقاتل إسرائيلي و 25 ألف مقاتل عربي كان يقاتلون بأسلحة فاسدة , وكان همّ القيادات العسكريّة البقاء في الحكم وجمع الأموال .

و عندما عرضت بعض الدول العربية مقترحات تسويّة على بن غوريون قال : لست مستعجلا من أجل التوقيع على اتفاقيّة سلام , فنحن اليهود يقول بن غوريون لسنا معرضّين لأيّ ضغط من أي نوع كان , وفي استطاعتي الانتظار عشرة أعوام أخرى ...

وبعد خمسين سنة مازال الفرنجة يتدافعون إلى جغرافيتنا والجيوش العربية في عطلة إلى إشعار آخر ...

 

الثقافة كسلاح نحو الديموقراطيّة .

 

 

ألقيت هذه الكلمة : الثقافة كسلاح نحو الديموقراطية في مركز أولف بالمة السويدي , بحضور وزير الهجرة السويدي يان كارلسون وذلك بمناسبة ليالي الثقافة في السويد .

 

مبدئيّا أريد أن أطرح سؤالا على كل واحد منّا , كيف يا ترى يكون شكل حياتنا بدون قصيدة جميلة , وبدون كتاب مؤنس , وبدون أفكار حيّة , وبدون مسرح متألق , وبدون رواية إنسانية مؤثرة , وبدون حوار الثقافات , ستكون حياتنا عندها وبدون الثقافة حياة جافة بدون معنى ولا مغزى . والثقافة هي التي تعطى للحياة البعد الجميل وهي التي تشعرنا بجمالية الإنسان في كل أبعادة وبجمالية الكون أيضا . والعلاقة بين الإنسان والثقافة علاقة قديمة للغاية بل هي ملازمة له منذ ميلاد الإنسان الأوّل , ومنذ اللحظة الأولى للإنسان تأسسّت معادلة مفادها أنّه لا إنسانية بدون ثقافة , ولا ثقافة بدون إنسان , ولأجل ذلك كانت الثقافة هي السلاح الذي إعتمده الإنسان في تأكيد ذاته وحريته , وتأكيد أنّه خلق ليعيش حرّا . وعلى إمتداد التاريخ البشري أستخدمت الثقافة لمواجهة الظلم وإحقاق العدل , لمواجهة الديكتاتورية وإحقاق الديموقراطية والحريّة , ويؤكّد التأريخ تاريخ الإنسان مهما كان لونه وشكله ودينه وقوميته أنّ المبدعين والمثقفين هم الذين قادوا التغيير وهم الذين مهدّوا للتطورات الكبرى التي عرفها التاريخ , والفلاسفة والأنبياء والشعراء والكتّاب والروائيون ماهم إلاّ بشرا من نوع خاص . هم  بشر يحملون همّا ثقافيا ويهدفون إلى تغيير حياة الإنسان نحو الأفضل . فمن أرسطو وسقراط وإلى إبن رشد ودانتون ومونتسكيو وأوغست ستراندبيري وغيرهم وقف المثقفون في وجه الديكتاتوريات , فالشاعر الجزائري مفدي زكريّا لطالما تحدّى الظلم بقصائده , ونجيب محفوظ المصري لطالما تحدّى واقعا غير مألوف برواياته , ولطالما تحدّت فيروز بصوتها في لبنان أصوات المدافع و الدبّابات , ولطالما شكلّ شعر نزار القبّاني السوري حالة نادرة من إرادة التغيير , كما أنّ قصائد محمود درويش و فدوى طوقان في فلسطين كانت مواكبة لنضال الشعب الفلسطيني . أنا لا أعتقد أن مصير البشرية سيكون مظلما , إنّ القصائد والأشعار والروايات والأفكار التي تحدّت العسكريتاريا في العالم الثالث ستتحوّل إلى منارات لأجيال الغد . وأكبر دليل على ذلك أنّ الأفكار والثقافات كانت وراء كل التغييرات الكبرى الإيجابية التي عرفها التاريخ , أمّا الحروب فقد أنتجها الساسة والعسكريون والمصابون بجنون العظمة .

وفي القارة التي جئتكم منها وبسبب الحصار المضروب على الكلمة المباشرة ,و بسبب تغييب الديموقراطية أصبحت القصيدة هي الأداة التي يعبّر بها الشاعر عن هموم الناس وقد تلقفها الناس مثلما حدث مع شعر أحمد فؤاد نجم الذي غنّاه إمام عيسى . وأصبحت المسرحية الشاشة التي يرى من خلالها الناس همومهم وأتراحهم وكذلك السبيل إلى خروجهم من ظلمات الديكتاتورية وإلى أنوار الحريّة والديموقراطيّة . وقد أدرك الديكتاتوريين حقيقة الأدوار الكبرى للمبدعين والمثقفين فسجنوهم وعذبوهم وقتلوهم ودفنوهم أحياء , متناسين أنّهم بذلك يقتلون أنبل ما في الوجود وفي الوقت نفسه يرخون العنان لصيحات مدويّة تفضي إلى أكبر تغيير , ومن هذا المنطلق لا يمكن أن نقول أنّ سقراط والمسيح وإبن رشد والسهروردي وغيرهم قد ماتوا , فالثقافة لا تموت قد تغيب لحظة لكن عندما تسطع أشعتها ولا أحد يستطيع أن يحجبها بعد ذلك .

وفي هذا السيّاق أقول أنّه ونظرا للتطورات التي تعرفها الساحة الدولية اليوم , يراد إقحام الثقافة في لعبة الموت , بينما الثقافة فعل حياة , وقد إنطلت اللعبة على بعض المثقفين فأرادوا تقسيم الساحة الثقافة العالمية إلى مدرستين : مدرسة حوار الحضارات ومدرسة صدام الحضارات , ولا شك أنّ مدرسة صدام الحضارات منتوج سياسي وليس ثقافيّا , ومنتوج دوائر لا تريد الخير للإنسانية , لأنّ الثقافة تدعو إلى الحب , إلى التلاقي , إلى الإحترام المتبادل , إلى التوافق على بناء الحضارة الراهنة بناءا يكرسّ إنسانية الإنسان , وفوق هذا وذاك فالثقافة مشروع سلام وحرية وأمن وأمان , والصدام سمة نائية عن الثقافة , بل الصدام مصطلح لا تعرفه الثقافة على الإطلاق .

 

 

أطالب إسبانيا بإرجاع سبتة ومليلة وجزيرة ليلى للمغرب !

 

 

في الوقت الذي تتبجّح فيه بعض الدول الغربية بإحترام الديموقراطية وحقوق الإنسان و عدم الإنسياق وراء المسلكيّة الأمنية في التعامل مع كثير من القضايا و في الوقت الذي تعلن فيه أنّها تختلف جملة وتفصيلا عن المنظومات السياسية والأمنية في العالم العربي , إلا أنّها وفي ممارساتها تكاد تشبه أخسّ الدول المتوحشّة في عالمنا العربي والإسلامي لجهة التعاطي مع الإنسان وأفكاره .

 وهذه المقدمّة تنطبق تماما على إسبانيا التي أقدمت على إعتقال الصحفي الإسباني السوري الأصل تيسير علوني بأدلة لا ترقى إلى مستوى الأدلة الواقعيّة الملموسة و المادية متهمّة إيّاه أنّه كان على صلة بتنظيم القاعدة بدون دليل اللهم إلاّ إستنادا على بعض المكالمات واللقاءات كان قد أجراها علوني بأعضاء في هذا التنظيم وذلك لغرض مهني بحت , إذ لا يعقل أن يسعى للكتابة عن هذا التنظيم وهو بعيد عنه وتصوراته وأفكاره , وفي تاريخ الصحافة العالمية قصص كثيرة مشابهة لقصّة تيسير علوني الذي وقع ضحية مؤامرة دولية قوامها واشنطن وتل أبيب و مدريد وبعض الدول الغربية والعربية على السواء , فأمريكا لم تعاقب عشرات الصحفيين الأمريكيين الذي عاشوا بين ظهرانيي الثورة الفيتناميّة وكتبوا عن هذه الثورة من داخلها , بل إنّ بعضهم عاش في الكهوف وتحت الأرض مع الثوار الفيتناميين الذين كانوا يلحقون بأمريكا وقواتها العسكريّة ضربات موجعة وقد عاد هؤلاء الصحفيون إلى بلادهم وكتبوا عن مشاهداتهم اليومية في أرقى الصحف الأمريكية , و هناك عشرات الصحفيين الفرنسيين عاشوا في كنف الثورة الجزائرية في أوج قوتها وإلحاقها أقوى الضربات بالجيش الفرنسي في الجزائر , وقد كانت فرنسا تسمي جيش جبهة التحرير الوطني الجزائري الذي قاد الجزائر إلى الحريّة بالجيش الإرهابي و الظلامي المتوحّش وما إلى ذلك من التسميات , وقد تمكنّ هؤلاء الصحفيون من كتابة أروع الكتب والمقالات عن الثورة الجزائرية وساهم بعضهم في إنتاج أفلام تاريخية عن الثورة الجزائرية ما زالت تشكل مرجعا في فهم الكثير من التطورات التي أحاطت بالثورة الجزائرية .

 وهناك عشرات الصحفيين تسللوا إلى الثورة الكوبية و عاشروا شي غيفار وبعضهم إقترب من أدولف هتلر وهو الإرهابي الخطير في العرف الأوروبي , و لا أحد كان يحاكم هؤلاء أو يتهمهم بالإرهاب بإعتبار أنّهم يؤدون وظيفتهم والتي تقوم أسسها على جواز الإتصال بالشيطان إذا إقتضت الضرورة الحصول على معلومة تفيد الرأي العام وتخدم الحقيقة التي ينشدها الإنسان في مطلقه , ولأنّ الصحفي القدير يملك تقنية و طريقة معينة في الوصول إلى المعلومة فقد بات رجال الأجهزة الأمنية يخطبون وده لمعرفة منحنيات هذه القضية هنا وهناك , و يبقى الشريف المحافظ على مبادئه وقدسية المهنة هو الذي لا يتورّط مع مثل هذه الأجهزة , و الواقع أن لا فرق بين عمل رجال الصحافة ورجال المخابرات فكلاهما يبحث عن المعلومة , غاية ما هناك فإنّ الصحفي يحصل على المعلومة ويبلّغها للرأي العام , و رجل المخابرات يحصل عليها بطريقته الخاصة ويبلّغ دوائر قرار ضيقة توصلها إلى الدوائر العليا وهكذا وتظلّ المعلومة حبيسة دوائر ضيقة الشيطان لا يعرف ماذا يدور داخلها , وعندما يعجز رجل المخابرات في الوصول إلى المعلومة لأنّ عنوانه مخيف والكل يتوجس منه خيفة فإنّه يلجأ إلى الصحفي القدير ليستأصل منه المعلومة عبر قاعدتي الترغيب والترهيب , وهذا ما جرى مع تيسير علوني الصحفي الذي تمكنّ من مقابلة بن لادن وبسهولة في وقت وضعت فيه المخابرات المركزية الأمريكية ملايير الدولارات لمعرفة مكانه !

وحتى بعض الصحفيين الغربيين الذين جرى إعتقالهم في الغرب بتهمة الإتصال بجماعات إرهابية أو ثورات إرهابيّة جرى إطلاق سراحهم وبرئّوا من التهم المنسوبة إليهم , ففي أواسط الخمسينيات إعتقلت الأجهزة الأمنية الفرنسية الكاتب الفرنسي روبر بارا الذي كتب العديد من التحقيقات عن الثورة الجزائرية حيث تسنى له أن يقابل قادة الثورة الجزائرية ونشر تحقيقاته في صحيفة – تموانياج كريتيان – و أعتقلته الأجهزة الأمنية الفرنسية في فرنسا وطالبته بالكشف عن كل معلوماته وما يعرفه عن الثوّار الجزائريين وأهتزّ الرأي العام الفرنسي لهذه المهزلة , وأطلق سراحه و برئ من التهم المنسوبة إليه وهي الإتصال بإرهابيين .

والشيئ نفسه حدث لجورج أرنو الكاتب و المخرج الفرنسي صاحب كتاب ثمن الخوف والذي حولّه إلى فيلم أيضا وفيه يدين فرنسا ويميط اللثام عن حقيقة حرب الجزائر , وقد جرى إعتقاله بنفس الحجّة وما فتئت السلطات الفرنسية أن أطلقت سراحه .

وعندما إستمات الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر في الدفاع عن الثورة الجزائرية , عرضت الأجهزة الأمنية على الرئيس الفرنسي شارل ديغول إعتقاله , فقال كلمته المشهورة :

لن أسمح بسجن فولتير في عهدي .

و هناك عشرات المحاكمات جرت لصحفيين تمكنوا من محاورة أعداء حكوماتهم ومناوئهم ثمّ برئّت ساحتهم , لأنّ ما يقوم به هؤلاء الصحفيون هو من مقتضيات العمل الصحفي الذي قد لا تستسيغه ولا تتفهمه الأجهزة الأمنية المتعودّة على الكتمان المطلق والسرية الكاملة .

وإذا كان عمل تيسير علوني الصحفي يعّد إرهابا وتواطؤا مع إرهابيين ! فماذا يسمى إحتلال إسبانيا لجزيرتي سبتة ومليلة و جزيرة ليلى أو الباقدونس !

أليس إرهابا أن تستولي دولة بقواتها العسكرية على جغرافيا ليست لها , بل تقر كل المواثيق والشواهد التاريخية و الأدلة المادية أنّها أراضي مغربية قلبا وقالبا , ورغم كل المحاولات التي بذلتها إسبانيا لفصل المغاربة سكان سبتة ومليلة عن أصالتهم المغربية لم تفلح في ذلك .

سبتة ومليلة مغربيتان إسما و مسمى , شكلا ومضمونا , فعلام تمارس إسبانيا الإرهاب في الإحتفظ بهما , وبمجرد أن حاولت الرباط التأكيد على مغربية جزيرة ليلى تحرّك الجيش الإسباني في سابقة خطيرة تذكّر بغزو إسبانيا لبلاد المغرب  العربي قبل قدوم الأتراك إلى هذه المنطقة .

وبإسمي كصحفي جزائري أطالب إسبانيا بردّ هذه الجزر وفورا للمغرب , ولتقارن إسبانيا ورئيس وزرائها خوسيه ماريا أثنار بين فعال تيسير علوني و فعالها الإستعماريّة ولتجب عندها : أيّ الفعال تندرج في سيّاق الإرهاب !

 

عودة محاكم التفتيش إلى إسبانيا .

-    دفاعا عن تيسير علوني - .

 

قف في الحياة و دون رأيك جاهدن

إنّ الحياة عقيدة و جهاد .

 

يختزل البيت الشعري المذكور أعلاه مسيرة الصحفي السوري تيسير علوني الذي كان مؤمنا إلى أبعد الحدود بقضايا أمته وكان يسعى جاهدا ومن خلال موقعه الصحفي  لتسليط الضوء على قضايا المظلومين و المستضعفين و تحديدا في الجغرافيا الإسلامية التي إستباحها الأمريكان في أفغانستان والعراق  .

وعلى رغم أعبائه الصحيّة فقد تكالبت الدنيا على تيسير علوني وتحديدا بعد تمكنّه من إجراء مقابلة مع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في أفغانستان والتي فتحت شهيّة عشرات الأجهزة الإستخباراتية في الغرب للإتصال بتيسير علوني ومحاولة الحصول على بعض المعلومات الدقيقة عن موقع أسامة بن لادن وطرائق تفكيره وحتى المواضيع البسيطة والتافهة أحيانا كانت تصبو إليها هذه الأجهزة على قاعدة أنّ كل معلومة ضرورية , فالمعلومة سواء كانت صغيرة أو كبيرة مفيدة وضروريّة لأجهزة عملها المعلومات والمعلومات فقط .

 وقد إتصلت العديد من الأجهزة الأمنية الغربية بتيسير علوني في أكثر من عاصمة ومن بينها العاصمة القطرية الدوحة , و كان علوني على الدوام ينتصر لمبادئه و القيّم التي نشأ عليها ونافح من أجلها , ولو أنّ صحفيّا غربيا حققّ ما حققّه علوني لبات هذا الغربي محطّ أنظار الدنيا و مرجعا في فهم العديد من القضايا , وأنا أعيش في الغرب وكنت على تماس بصحفيين جمعوا الدنيا من أطرافها بسبب سبق حققوه هنا أو هناك .

 وحتى المخابرات المركزية الأمريكية كان يهمها أمر تيسير علوني إلى أبعد الحدود وقد جرى تكليف ضباط أمنيين بريطانيين لمقابلة علوني وللأسف وصلوا إليه في عاصمة عربية – ولا يعرف إذا كان بالتواطؤ مع عاصمة هذه الدولة العربية أو أنّ أمننا القومي المستباح بات يتيح لكل جهاز أمني غربي أن يعبث بواقعنا – وفي كل هذه الإتصالات كان علوني صنديدا رافضا للإغراءات وبهارج الدنيا .

وعندما لم تؤد هذه الممارسات الإغرائية وغيرها إلى نتيجة بعينها لجأت الدوائر الأمنية الغربية إلى الخطة التالية وهي إعتقال تيسير علوني ومحاولة إبتزازه ومصه معلوماتيّا وهو الفنّ الذي برعت فيه الأجهزة الأمنية الغربية إلى أبعد الحدود حيث تملك قدرة على فك المعلومة من ذاكرة الشخص دون اللجوء إلى التعذيب كما تفعل المخابرات العربية المتمرسّة في تعذيب الإنسان بوحشية مطلقة , وقد كانت إسبانيا هي المكلفة بهذه المهمّة بإعتبار أن تيسير يحمل الجنسية الإسبانية , وإسبانيا متحالفة قلبا وقالبا مع الولايات المتحدة الأمريكية وهناك تنسيق على أرفع مستوى بين المخابرات الإسبانية و الأمريكية , وكثيرا ما كانت المخابرات الإسبانية تعتقل أشخاصا من المغرب العربي بطلب أمريكي وكان الأمريكان يحققون مع هؤلاء الأشخاص في الأراضي الإسبانية .

وكان تيسير علوني وقبل مغادرته الدوحة إلى إسبانيا قد تلقى شبه ضمانات من أعلى المستويات الإسبانية أن لا غبار عليه , وقد لجأ علوني للحصول على هذه الضمانات لعلمه أنّ الغرب بتابع كل صغيرة وكبيرة ويتابع الجزئيات كما الكليات , و أنّ لقاءه مع إبن لادن وإجرائه حوارا صحفيّا معه قد فتح عليه أعين كافة الأجهزة الأمنية وتحديدا في الغرب حيث الأمن القومي مقدّس , وحيث المعلومات أيضا مقدسة ومهمّة .

وقد غدرت المخابرات الإسبانية بتيسير علوني عندما تركته يدخل آمنا إلى وطنه الثاني إسبانيا وتعتقله في هذا الظرف و في الذكرى الثانية لأحداث الحادي عشر من أيلول –سبتمبر 2003 , وذلك في محاولة لإمتصاص ما لديه من معلومات , خصوصا وأنّ الأجهزة الأمنية الأمريكية ومعها الغربية تتوقّع عملا أمنيا كبيرا مشابها لأحداث الحادي عشر من أيلول – سبتمبر .

و للإشارة فإنّ سجل تيسير علوني الأمني نظيف في إسبانيا وقد حصل على جنسيتها , و معروف أنّ الجنسية الأوروبية لا تعطى للأجنبي المقيم إلاّ بعد موافقة الأجهزة الأمنية في هذا البلد الأوروبي أو ذاك على منح الجنسية لطالبها , والنظافة الأمنية شرط أساس في الحصول على الجنسية الغربيّة .

وإسبانيا التي أعادت محاكم التفتيش إلى العلن تركت كل القوانين التي تحكم مسلكيتها السياسية و رجحّت العامل الأمني على العامل السياسي والقانوني , وإنطلاقا من ذلك وضع تيسير علوني تحت دائرة الضوء والمراقبة وأخضعت كل مكالماته وإتصالاته الهاتفية للتنصت و التسجيل أيضا وبدعم أمني وتقني من أجهزة أمنية غربية , وبطبيعة الحال كان علوني يتلقى عشرات المكالمات من شخصيات إسلامية تؤمن بضرورة نهضة العالم الإسلامي وتؤمن بضرورة أن يصنع المسلمون راهنهم ومستقبلهم وليس الأمريكان , وأمر طبيعي أن يتلقى أي صحفي ناجح مئات الإتصالات من كل الناس بمختلف ألوانهم السايسية مادام هذا الصحفي هو همزة الوصل بين الرأي العام وبين صانعي الفعل السياسي والثقافي والإجتماعي وغيره .

وإسبانيا ومعها الغرب يعرفان أنّ الصحفي يحق له أن يقابل حتى الشيطان , و قد ورد في كل الدساتير الأوروبية وفي القوانين الكبرى كما تسمى في الغرب أنّ الأجهزة الأمنية لا يحق لها أن تسأل الصحفي عن مصدر معلوماته أو من يقابل , ولو حدث لصحفي غربي ما حدث لتيسير علوني لقامت الدنيا ولم تقعد ولأطاحت هذه المسألة برؤوس سياسية كبيرة .

لكن تيسير علوني مواطن عربي ومسلم ومواظب على صلاته وهو في القاموس الأمني الغربي مسلم ملتزم وبالتالي إحتمال تورطه في أعمال إرهابية وارد , وبهذا الشكل سيصبح كافة المسلمين الذين يؤدون الصلاة في الغرب مشبوهين أمنيا وتلك سابقة كبيرة وخطيرة في أوروبا .

ويبقى القول أن تيسير علوني فرجّ الله عنه ضحية عودة العمل بمحاكم التفتيش في إسبانيا وأوروبا وأمريكا , وضحية شهرته التي حققّها بتعب كبير ولم يكن راغبا فيها على الإطلاق , وهو الذي كان الحزن يلفّه خصوصا على ضياع هذه الأمة وتكالب المخالب الأمريكية والصهيونية عليها .

لقد تسنى لي أن أقابله في مبنى قناة الجزيرة في الدوحة مع الزميل فيصل القاسم , وكان كعادته حزينا مهموما إلى درجة أنّ قلبه أصيب بتعب كبير الأمر الذي  جعله يجري عملية جراحية فيه , وما إن بدأ يتعافى حتى جاءته طعنة من المخابرات الإسبانية التي إعتقلت رجلا تعرض لأكبر المتاعب في أفغانستان من أجل أن يعرّي أمريكا التي لطالمت ذبحت بقنابلها العنقودية الفقراء والجياع في أفغانستان .

و إذا كان تيسير علوني ضحية شخصية لإرهاب المخابرات الغربية فإنّ أخطر ما في الموضوع أنّ الضحية التالية ستكون قناة الجزيرة لحرمان العرب والمسلمين من أهم قناة تستنهضهم من سباتهم ولا ضير أن تبقى قنوات الغناء والطرب وتمجيد الحكام .

وعلى المثقفين والكتاب و المفكرين والشعراء و المبدعين في العالم العربي والإسلامي والغرب أن يسخروا أقلامهم وكل ما أتوا من طرق للإنتصار للمظلوم تيسير علوني ضحية معلوماته , وقديما قيل من كثرت معلوماته كثر أعداؤه !!!

وتحية لك يا تيسير في محاكم التفتيش الإسبانية .

 

بهذا الشكل توتّر أمريكا عالمنا العربي والإسلامي !

 

 

بداية الحديث : إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أبتليّت بأحد عشر أيلول – سبتمبر فهي قد أبلت العالم العربي والإسلامي بمئات أحد عشر أيلول – سبتمبر , و إذا كانت واشنطن قد أصيبت في برجين من أبراجها العاجيّة فهي قد أصابت كل أبراجنا الجغرافيّة والسياسيّة و الثقافيّة و الإقتصادية والأمنية والعسكريّة و التربوية ولم يبق لنا برج واحد نلوذ به فيما مازالت هي تحتفظ بكل الأبراج .....

 

تقوم السيّاسة الأمريكية كما يعترف بذلك أحد أبرز مشكلّيها هنري كيسنجر على إقامة أزرار إنفجار في مواقع السخونة وغيرها والتي لأمريكا فيها مصالح جيوسيّاسيّة واسعة , و أحيانا تلوذ أمريكا بتفجير هذه الأزرار ليتبركنّ الوضع السياسي في هذه المنطقة وتلك ومن تمّ يفضي ذلك إلى تسهيل مهمة أمريكا الجاهزة جيوشها دوما للتدخّل السريع .

وقد إعترف بعض ضبّاط المخابرات الأمريكان المتقاعدين كيف كانوا يلجأون إلى تفجير الكنائس في أمريكا اللاتينية لتأليب المسيحيين في هذه البلاد على الحركات الثوريّة الشيوعية التي كانت تحارب الوجود الأمريكي .

 و قد قامت السياسة الأمريكية على هذا المبدأ حيث تقوم دوائر صناعة الخطط الأمريكية الخارجية المتحالفة مع الشركات المتعددّة الجنسيات بإجراء مسح على خرائط الكرة الأرضية ويدرس كل إقليم على حدا , وكلمّا كان هذا الإقليم مستجمعا للثروات الظاهرة والباطنة كلما كان ذلك أدعى لكي توليه واشنطن العناية الكاملة , و في هذا السيّاق يقول أندري تولي صاحب كتاب الجوسسة الأمريكية , أنّه إذا دخلت مقرنا في لانغلي – مقّر المخابرات الأمريكية – فلا تتعجب إذا وجدت أشخاصا يتقنون عشر لغات بما في ذلك اللغة العربية , و يستطرد قائلا بل إنّ فينا فقهاء في القانون الإسلامي !

 ويقول في مجال آخر كل دولة يحيطها بالدراسة والتنقيب عن كل صغيرة وكبيرة فيها عشرون حكيما وخبيرا في مختلف شؤون الخبرة , فالملف المصري بيد مجموعة من المخبرين الأذكياء وعلماء النفس و الإجتماع شغلها الشاغل مصر وكذلك الجزائر و تونس وليبيا وإيران وسوريا ولبنان واليمن و ما إلى ذلك .

و حتى عندما يصادف هؤلاء الخبراء مقومات فتنة نائمة في هذه الدولة أو تلك يقومون بإحيائها وإحتضانها , و هذا ما يفسّر ولع الأمريكان في التعامل مع الأقليات والإثنيّات لا حبّا فيها و إرادة منها في منحها حقوقها بل لإتخاذها جسرا إلى تفعيل مصالحها هنا وهناك , و أدلّ برهان على ذلك هو قيام أمريكا بوأد حقوق الهنود الحمر و بعدهم السود , فإذا كانت هذه الأعراق لم تحصل على حقوقها في الجغرافيا الأمريكية فكيف يحصل الآخرون على هذه الحقوق !

وقد سمحت هذه السياسة بتفسيخ العالم العربي والإسلامي و إحياء المتناقضات و تهيئة كل إقليم عربي لمشروع حرب أهلية حقيقية , بل وتدخلت في صيّاغة النظم السياسية في العالم العربي والإسلامي , فأحيانا تصيغ نظاما قوميا وأحيانا نظاما شيوعيا وأحيانا نظاما إسلاميا لا علاقة له البتّة بالإسلام الحضاري وأحيانا تصيغ نظاما عائليّا عشائريّا , و على حدّ تعبير بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق في كتابه مبدأ القوّة والذي قال :

 لا تهمّ الإيديولوجيا بقدر ما تهمّ المصلحة الأمريكية و المصلحة الأمريكيّة فقط .

 ولأنّ أمريكا لا مبدأ لها فقد تعودّت أن تدوس على الذين قدمّوا لها خدمات جليلة و أبرز مصداق على ذلك تخليهم عن شاه إيران محمد رضا بهلوي الذي إستنجد بأطبائهم فمنعوه من دخول أمريكا للعلاج , و تخليهم عن ماركوس في الفليبين وإعتقالهم لنورييغا في بنما بعد أن كان ضابطا عميلا  للمخابرات الأمريكية بإمتياز , وعدم منحهم تأشيرة دخول لأمريكا بغية العلاج للرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري وهو الذي مكنّ لهم ولمخابراتهم في السودان .

ولطالما أشرفوا على صناعة الطغاة في واقعنا العربي والإسلامي و أمدوهم بالرعاية وتقنية قلع الأظافر و إحراق الأجساد وسكتوا عنهم دهرا , و عندما إقتضت المصلحة الأمريكية أن يرفعوا عقيرتهم بالتنديد راحوا ينددون ببوارجهم الحربيّة و طائراتهم وقنابلهم الفتّاكة وتحديدا ب 52 التي تدمّر أول ما تدمّر كل البنى التحتيّة الإقتصاديّة لتدعى الشركات الأمريكية بعدئذ لتعيد البناء بأقوات الأجيال الراهنة واللاحقة ولتكبّل هذا الوطن وذاك بمديونيّة ضخمة على مدى قرن بكامله وأبعد من ذلك  .

وفوق هذا وذاك فإنّ الولايات المتحدّة الأمريكية تتقن فنّ الإذلال بإحكام , فالحاكم العربي الذي تخصصّ في صناعة السجون و بقر البطون وحلق الذقون وتحويل العاقل إلى مجنون تحولّ إلى ساعي بريد للأمريكان و جاسوس بإمتياز , و كلما تريد واشنطن إذلال عاصمة عربية أو إسلامية غير مرضيّ عنها أمريكيّا فإنّ الإدارة الأمريكية توفد هذا الرئيس العربي أو ذاك لنقل رسالة أو تهديد ,  وفي كل الحالات والأحوال على هذا الرئيس العربي ساعي البريد أن يكتب تقريرا مفصلاّ عما سمعه في هذه العاصمة وتلك وماذا دار بينه وبين صنّاع القرار في تلك الدولة التي تريد منها واشنطن شيئا .

وكثير من رؤسائنا العرب يتهافتون بل يتقاتلون للعب دور ساعي البريد لواشنطن ورسائلها السياسيّة والأمنية , و عندها تنتقي واشطن الأكفأ أمنيا وإستخباراتيا والأقدم في الخدمة .

ولأجل ذلك تنظر أمريكا إلى الشعوب العربيّة والإسلامية بكثير من الإحتقار والإذلال و الإهانة و الشتيمة والتعالي والرفعة , على إعتبار أنّ هذه الشعوب يحكمها سعاة بريد لصالح الأمريكان , يحكمها جواسيس لأمريكا كشف عن بعضهم بوب وورد في كتاب عن المخابرات الأمريكية وفيه يقول أنّ المخابرات الأمريكية وظفّت بعض الرؤساء العرب وكانت تدفع لهم أجورا منتظمة في حسابات مختلفة .

و إذا تبينّت هذه الخلفيّة فكيف يسمح ساعي البريد هذا والجاسوس بإمتياز لأمته أن تنهض من مقوماتها الذاتية ومقدراتها الخاصة بعيدا عن خطّ الأمركة و التأمرك , بل سيكون دوره أن يجيّر كل الأمة وتاريخها وراهنها ومستقبلها لصالح العم السام لصالح الأمريكان , و عندما يطلب من سعاة البريد هؤلاء وهم كثر أن يدلوا بموقف أو تصريح لصالح هذه القضية المستضعفة أو تلك يجيبون بأن أمريكا ترصد وتراقب و نحن لا نقدر أن نزعجها , فهي وليّة نعمتنا , من ذا يدفع لنا المليون والمليار دولار !

ولعمري أعرف بعض الرؤساء العرب يجلسون كالنسوة الأسيرات أمام السفير الأمريكي في عاصمة بلادهم , ولأنّ السفير الأمريكي يعرف أنّه أمام ساعي بريد جاسوس ومرتزق فإنّه يرفع قدمه ونعله ويوجّه نعله إلى وجه الرئيس دون أن ينبس الرئيس ببنت شفة , وربّ سفير أمريكي في عاصمة عربية غيرّ منطلقات وسياسات وبرامج تربوية وإعلامية !

وساعي البريد هذا و عندما يغادر  السفير الأمريكي مكتبه , يتوجّه إلى رجال مخابراته ليسألهم هل وصل ترعيب الناس إلى الذروة , و لذلك تأسسّت المعادلة التي مفادها أنّ الرئيس الأمريكي يصفع رؤساءنا ورؤساؤنا يصفعون شعوبهم من باب الحفاظ على الكرامة والرجولة و هيبة الدولة و قدسية الجمهوريّة !!!!!

متى تنتهي الحروب الأهليّة الفكريّة بين الإنتليجانسيا العربية

لا شكّ أنّ الحكام العرب قد لعبوا أدوارا مصيريّة وعملاقة في تكريس التخلفّ الذي يلفّ الحالة العربية الراهنة و الذي سيستمّر مميزا لها في المدى المتوسط وربما البعيد ما لم تنتف مبررات التخلّف , والحاكم العربي عندما وصل إلى سدّة صناعة القرار بفضل الإنقلاب والدبابة و المؤامرة لم يكن من جملة تخطيطه أن ينهض بالأمة , بل قصارى ما كان يحلم به أن يجمع الدنيا من أطرافها وقد تحققّ ذلك لمعظم حكامنا الذي يطالبون زورا وبهتانا بضرورة إحترام إرادة الجماهير وهم فرضوا أنفسهم على هؤلاء الجماهير بالحديد والنار.

وإذا كان الحاكم العربي قد نال ما يستحّق من لعنات من قبل البسطاء والمثقفين على حدّ سواء , و توافقت الآراء على دوره المركزي في إرباك الأمة و أخذها إلى الهاوية , فإنّ النخب المثقفة العربية تأتي في المرتبة الثانية لجهة تحملها مسؤوليّة ضياع هذه الأمة التي أصبحت أتعس أمة أخرجت للناس بعد أن كانت خير أمة أخرجت للناس .

و مشكلة الإنتليجانسيا العربية بمختلف مشاربها الفكرية والإيديولوجية أنّها دخلت في حروب أهلية فيما بينها إنعكست سلبا على عقول الناس الذين توزعت رؤاهم وتصوراتهم بين ما تراه هذه النخبة وتلك , و قد أتاح هذا الإنشطار الفكري للغير المتربصّ بمواقعنا وحصوننا أن يلج إلينا بأبسط الوسائل , فالقومي كان يصّر أن لا خلاص للعالم العربي إلاّ بالقوميّة , و الرأسمالي الليبيرالي كان يصر أن لا خلاص لهذا العالم العربي إلاّ بالليبيرالية بشقيها المعتدل والمتوحّش  , والشيوعي يرى أن طريق المجد هو عبر إعتناق الشيوعية التي ما زال بعض الرفاق يعتقدون بجدواها الحضارية و أنّ الذي سقط هو النظام الشيوعي لا الإيديولوجيا الشيوعية , و الديموقراطي يرى أنّ الخلاص لن يتأتى إلاّ بإعتناق الديموقراطية بمفهومها الغربي وذلك يتطلبّ القفز على العادات و التقاليد في مجتمعاتنا البدائيّة كما يسمونها , و الإسلامي السني يرى أن لا مخرج من واقع التخلّف إلا بالرجوع إلى ثرات السلف الصالح من هذه الأمة , و الإسلامي الشيعي يرى أنّ الخلاص يكمن أيضا في العض بالنواجذ على الرؤية الإسلامية كما صاغها الإمام علي عليه السلام , وكل مدرسة فكرية و طائفة دينية و مجموعة أيديولوجية تقدم عشرات التبريرات و الأسباب والبراهين للتأكيد على إستقامة منطلقاتها وجدواها في الواقع المعيش , ومن الظلم بمكان إتهام بعض الإسلاميين بأنّهم وراء أزمة التكفير , فلطالما كفرّ الشيوعي الإسلامي و طبق عليه القصاص وحاسبه على لحيته وجلبابه , و لطالما كفر دعاة المجتمع المدني و الديموقراطي الإسلامي وفتحوا سجونهم للإسلاميين وفي أحيان كثيرة بدون ذنب ولا جريرة , وقد صرحّ الرئيس الجزائر ي الراحل محمد بوضياف لدى عودته من منفاه في المغرب إلى الجزائر : أنّ الديموقراطية تجيز لي إعتقال عشرين ألف من الإسلاميين الجزائريين والزجّ بهم في السجون , وأسميت عندها الديموقراطية الجزائرية و التونسية والموريتانية والمغربية و الليبية وغيرها بالديموعسكريتاريا .

وقد إختلفت هذه النخب في كل التفاصيل , في البديهيات كما في المسلمّات , في التفاصيل كما في الجزئيات , في الأصول كما في الفروع , في المقدمّات كما في النتائج .

و كل نخبة أصبح لديها مشروعها ورؤيتها و إستراتيجيتها إذا كان لديها إستراتيجية , ومن سنخ هذه النخب نشأت حكومات كانت تلعن بمجرد تأسيسها عمل الحكومات السابقة وتعيد صياغة المشروع الحكومي في بعديّه السياسي والإقتصادي من جديد .

ووصل الإختلاف بين نخبنا إلى عمق البديهيات , ولعلّ ذروة الإختلاف تجلّت في المشهد العراقي حيث إعتبرت نخبة عراقية أنّ الإحتلال الأمريكي للعراق جائز ومسوّغ بإعتباره أزاح طاغية مستبّدا عن حكم العراق وهذا وحده كاف ولا داعي للحديث في النتائج , فيما رأت نخب أخرى أنّ هذا الإحتلال غير مقبول ومرفوض جملة وتفصيلا , فردّ عليهم الفريق الأوّل بأنّ الأمر لا يعنيكم والعراق للعراقيين , وردّ الفريق الثاني بأنّ وجود

أمريكا في العراق سيؤثّر علينا في سوريا ولبنان وإيران وبقية المحيط العربي و الإسلامي , وعندها ردّ الفريق الأوّل على الفريق الثاني أن لعنة الله عليكم يا عملاء صدّام , و عقبّ الفريق الثاني على الأول بقوله وألف لعنة عليكم يا عملاء أمريكا ونتاج عمليات الإستنساخ في  أوكار وكالة الإستخبارات الأمريكية .

وفي الوقت الذي دخلت فيه هذه النخب في ملاعنة حقيقية فيما بينها , أخذت أمريكا تستحكم خطتها وتفعّل مشروعها من جهة ومن جهة أخرى فقدت هذه النخب وقارها الثقافي بإعتبار أنّ العقل الخرّاق كما كان يسميه المعتزلة يجب أن يستوعب كل الأفكار و الرؤى .

ولن يتأتى لنا صناعة فعل نهضوي حقيقي إلاّ إذا توافقنا على أنّ الفرد للمجموع والمجموع للفرد , وأنّ النخب كلها تكمّل بعضها بعضا وأن تلاقح الأفكار وإختلافها سنّة كونية وحضارية , وقد سئل أحد الصالحين لماذا خلق الله الإنسان الأبيض والأسود فقال : حتى لا ينسب العجز لله تعالى , و من سمات العقل البشري القدرة على الإختلاف والإئتلاف , ولا يجب أن نجعل من إختلافنا خندقا لحروب كثيرا ما أفضت إلى حروب أهلية حقيقية , ألم تبدأ الحرب الأهلية اللبنانية على صفحات الجرائد بين الكتاب والمثقفين !

ألم تبدأ حرب الجزائر على صفحات الجرائد ووسائل الإعلام المختلفة !

فلنجعل من الثقافة وسيلة للبناء لا الحرب , و عيب علينا أن ندعي الرقيّ بعقولنا و نحن أدنى بذلك بكثير !!

 

أسباب تقدمّ الغرب وتقهقر الشرق ! .

تقاس الديناميكيّة النهضويّة والتنمويّة و الملامح المستقبليّة في أي حقل جغرافي يقطنه مجموعة بشريّة بالإستراتيجيّة المتبعة والتي وضعها مجموعة من الناس لديهم قدرة خارقة على صناعة القيمومة الحضارية ومن شروط نجاح هذه الاستراتيجيّة و فعاليتها توافق هذه الاستراتيجيّة مع التركيبة الاجتماعيّة والخصائص الثقافيّة لهذه المجموعة البشريّة أو تلك . وبهذا المنطلق نضمن أن تكون الاستراتيجية منسجمة مع الواقع الاجتماعي ومستوعبة له وفي الأغلب موجهّة له باتجاه الأهداف الكبرى المرسومة وبدون ذلك تكون الإستراتيجيا مجرد يوتيبيا لا وجود لها إلا في بعض النتاجات الأدبية والفكرية وهي كثيرة إلى أبعد حدّ في التراث البشري .

لكن  هل نملك نحن في واقعنا العربي والإسلامي والثالثي استراتيجيّة حتى نضع أنفسنا هاهنا في موضع المقارنة مع الأخر الذي نعني به الكتلة الغربيّة على وجه التحديد !

ولماذا يستمر الفكر العربي وحتى الإسلامي ويسترسل في التركيز دائما على الثنائيات من قبيل الأصالة والمعاصرة , النقل والعقل , النص والاجتهاد , التعريب والتغريب , السلفيّة والتنوير ,الإسلام والعروبة , ووصولا إلى استراتيجيتنا واستراتيجيتهم أي نحن والأخر !  ألسنا في ألفية العولمة و القرية الكونية وذلك يستوجب إلغاء الخصوصيات و ما به تتحدد الهويّة وإذا كنا بلا استراتيجيّة فلا بأس بالاقتباس مادام العقل العربي والإسلامي تعطل مع رحيل أبي علي بن سينا !!

وكل هذه أسئلة نسمع صداها هنا وهناك في خطّ طنجة – جاكرتا . مبدئيا عندما نعمل النظر في خارطتنا جنوبا و في خارطتهم شمالا نستكشف مجموعة لا حصر لها من الملاحظات منها –

1-            كل التراجع في خط الجنوب وكل التقدم في خط الشمال .

2-             ثمانون بالمائة من البشر يقطنون في خط الجنوب وعشرون بالمائة في خط الشمال .

3-             جنوب مستهلك و شمال منتج .

 

4-     أغلبية خط الجنوب تعيش في خضم كل المعضلات البشريّة التي عرفها الإنسان منذ وجد على هذه البسيطة ,وأقليّة في الشمال تتمتع بكل ملذات الدنيا .

5-     أغلبية في خط الجنوب تعيش وفق لهجات لا علاقة لها بلغة التقنية ,و أقلية في خط الشمال نسيت لغتها – استخدمنا لفظ النسيان تجاوزا و إلاّ فهي تعض بالنواجذ على لغتها- و تفاعلت مع لغة الأرقام المنتجة والتي بفضلها تحولّت الطبيعة ومواردها إلى بضاعات تسوّق إلينا بالعملة الصعبة .

وما إلى ذلك من المفارقات بل المتناقضات التي لا يمكن إيجازها في هذا السياق وكل ما جئنا على ذكره يكشف عن فعّالية استراتيجيتهم و نكوص استراتيجيتنا بين قوسين .

لكن أليس استراتيجيتهم تهدف إلى بناء حضارة يستفيد منها بنو الإنسان  ! أليس القبول باستراتيجيّة الأخر المنتصرة أمر لابدّ منه ! لكن ما هي معالم استراتيجيتهم و معالم استراتيجيتنا !

عندما يمعن الإنسان الباحث النظر في آلية عمل الحضارة الغربية يدرك أنّ هذه الحضارة لم تنطلق من فراغ بل إنهّا وصلت إلى ما حققته بعد جهد مستفيض في كافة المجالات . فإذا أخذنا المثال السويدي نجد أن السويديين يقدسون العمل أيمّا تقديس , ويردد السويديون بإستمرار عبارة العمل هويتنا والهوية عملنا . ويضاف إلى ذلك حب غير طبيعي للعلم والاستكشاف والمعرفة , و تصرف الحكومة السويدية مبالغ خيالية على العلم والتعليم في نفس الوقت , وكل المجالات مفتوحة للراغبين في التحصيل العلمي , بل إنّ الحكومة تدفع للطالب راتبا شهريا وتفتح له كل المجالات للتحصيل العلمي حتى إذا أراد هذا الطالب إكمال دراساته خارج السويد .

فالعلم والعمل هما جناحا الاستراتيجية الغربية , وهما سببا التطور و النقلة النهضوية التي نراها في الغرب , وللأسف الشديد فانّ القيمتين المذكورتين تراجع رصيدهما في واقعنا العربي والإسلامي الأمر الذي أدىّ إلى اختلال التوازن في كل المجالات وربما تصحيح الأمور في واقعنا يتم بدءا من إعادة الاعتبار للعلم  والعمل على السواء .

والملاحظ أنّ هذا الانتصار الحضاري للكتلة الغربية بات مقرونا ببعد إيديولوجي يراد تعميمه على واقعنا العربي والإسلامي , ويخشى أن ينتهي بنا المطاف على الأمد البعيد إلى فقدان الإستراتيجيا والإيديولوجيا على حدّ سواء , فنبقى مهيضي الجناح نتفرّج على غيرنا وهم يصنعون الحاضر والمستقبل , فيما نكتفي نحن ببعض الإنجازات التاريخية والماضيّة !!!

 

إبادة شعب الشيشان .

 

 

يتعرض الشعب الشيشاني إلى أبشع عملية إبادة عرفها التاريخ وسط صمت كل الهيئات و المنظمات الدولية والحقوقية التابعة للإرادات الدولية والتي تقيم الدنيا ولا تقعدها إذا حدث حدث ما في البلاد العربية والإسلامية .

والشعب الشيشاني الذي يتعرض لكل أنواع العنجهية و البربرية الروسية    لا يطالب  بغير حقوقه المشروعة والتي حصلت عليها العديد من الجمهوريات التي كانت محسوبة على ما عرف بالإتحاد السوفياتي , ثم لو فرضنا أن الشعب في جيورجيا أو ليتوانيا هو الذي قام يطالب بحقوقه , لما قامت على الإطلاق القوات العسكرية الروسية بسحقه خوفا من الردع الغربي المقرون بالفعل خصوصا فيما يتعلق بمس حتى أحاسيسه .

و قد قوبلت المطالب الشيشانية بعناد الجنرالات الحمر الذين يصرون على إبادة الشيشان حتى لو أدى الأمر إلى استئصال هذه المنطقة من الخارطة القوقازية برمتها   وعلى الرغم من أن بوريس يلتسين المتوعك قد انسحب من الكرملين تاركا المهمة لسلفه بوتين إلا أنّ شيئا لم يتغير لجهة السياسة الروسية في الشيشان ,و يحاول  بوتين تكريس نفسه رئيسا من خلال أجساد الشيشانيين .

ومنطق الإستئصال السائد لدى موسكو ليس وليد الساعة , بل إنّ اضطهاد الروس للشيشان يعود إلى ما قبل مائة سنة.

و خيار موسكو هذه المرة  كان دمويا إلى أبعد الحدود ولم تبق قيد أنملة  للحلول السياسة المحتملة وحتى لما حاول الجنرال الكسندر ليبيد رئيس مجلس الامن القومي سابقا وفي عهد يلتسين الإشكال  على الأداء الروسي السيء في الشيشان وضعه وزيرالداخلية آنذاك اناتولي كوليكوف تحت المراقبة  و قد أوضحت هذه المسألة أن الطبقة السياسية في روسيا منقسمة إلى دعاة حل سياسي في الشيشان قوامهم بعض السياسيين , ودعاة حل

إستئصالي وهم أركان المؤسسة العسكرية و أركان الكرملين ودعائم الاستخبارات الروسية وحتى المافيا الروسية راحت تدفع باتجاه التصعيد في الشيشان لان ذلك يساعدها على تحقيق مآربها.

و عندما أخفقت المؤسسة العسكرية قمع المقاومة الشيشانية بالحدود الدنيا ,

قررت اللجوء إلى الحدود القصوى بزج كل القوات البرية والجوية في معركة غروزني  , وعندما تسنى لهذه القوات تحقيق أهدافها العسكرية شرعت في تحقيق الأهداف الأخرى والمتمثلة في الحرب التاريخية والجغرافية والإستراتيجية وذلك من خلال مسح غروزني مسحا كاملا وإخراجها من دائرة التاريح والجغرافيا . وقد حاول ستالين في السابق إبادة شعب الشيشان بنفي معظمه إلى سيبيريا إلاّ أنه مات والقضية الشيشانية سارية المفعول وعلى الرغم من تغير الظروف الدولية وتلاشي المنطق الستاليني إلا أن صنّاع القرار في موسكو يتعاطون مع الأمور بالعقلية القديمة الجافة والعنيدة.

وكان يجب أن يواكب الجنون الروسي في غروزني حملات سياسية وديبلوماسية وإعلامية عربيا وإسلاميا لوضع حد للإستهتار الروسي خصوصا وان هناك إجماعا على أنّ هناك إنتهاكات خطيرة أقترفت في الشيشان , غاية ما هناك فإنّ ما يفسر الصمت الدولي هو كون  الضحايا من المسلمين وهؤلاء في المنطق الدولي الراهن أرخص بضاعة…..

 

السياسة الفرنسية ازاء العالم العربي.

 

 

كان لوصول جاك شيراك إلى قصر الإليزيه في باريس بداية منعطف في السياسة الفرنسية تجاه  العالم العربي , وإذا كان بعض الإعلاميين الفرنسيين قد اصطلحوا على تسمية  فرانسوا متيران بأنّه صديق لليهود  , فإنّهم يصطلحون على تسمية جاك شيراك بأنه صديق للعرب والأصح أنّ متيران وشيراك صديقان لمصلحة فرنسا فقط . و تعمل فرنسا على التواجد في العالم العربي من خلال المحور السياسي ممثلا

بالدرجة الأولى في مفاوضات التسوية في الشرق الأوسط  , ومن خلال المحور الإقتصادي ممثلا في تعويم الإنتاج الفرنسي في كل المجالات في العالم العربي وتتخذ باريس من الموقف  السياسي مدخلا بإتجاه قطف الثمار الإقتصادية.

و تذكر السياسة الفرنسية الحالية إزاء العالم العربي بالسياسة الديغولية , ومعلوم أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك ينطلق من قاعدة ديغولية و معروف أيضا أن شيراك هو أحد أركان السياسة الديغولية و المتأثرين إلى أبعد الحدود بالجنرال الفرنسي شارل ديغول الذي كان يعتبر فرنسا هي جسر التواصل بين العالم العربي والغرب وقد جلبت لها هذه المعادلة العديد من الإمتيازات الاقتصادية والسياسية  وأهلتها لتلعب دورا كبيرا على الساحة الدولية في محاولة لكسر القاعدة التي تقول أنه وبعد سقوط الإتحاد السوفياتي أصبحت أمريكا هي المهندس الوحيد لكل القرارات العالمية , والزيارات التي كان يقوم بها الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى الشرق الأوسط و عواصم عربية أخرى تندرج في سياق البحث عن دور فرانكفوني مميز لفرنسا.

و عندما أندلعت الحرب العربية – الاسرائيلية سنة 1967 قرر الجنرال شارل ديغول عدم تصدير الأسلحة إلى منطقة الشرق الأوسط 

و كان ديغول يعتقد أن مبادرة إسرائيل بالهجوم قد خرق إلى أبعد  الحدود التوازن الذي كان قائما في المنطقة . و كان ديغول يرى أن إستمرار الصراع في الشرق الأوسط من شأنه أن يقوي القطبين و كان يقصد محور واشنطن ومحور موسكو.

و من وحي هذه الرؤى يحاول جاك شيراك رسم سياسته العربية , وفرنسا من خلال هذه السياسة  البراغماتية لا تهدف إلى مناصرة القضايا العربية كما يزعم البعض بل تهدف إلى زيادة إستثماراتها في الشرق الأوسط والعالم العربي . و بفضل هذا المنطق الديغولى نجحت

فرنسا في بيع بضائعها الصناعية والعسكرية و بملايير الدولارات . وتجدر الإشارة إلى أنّ فرنسا عندما تخير بين قضية عربية و قضية غربية فان خيارها الإستراتيجي و الأبدي هو الغرب و الغرب فقط  وذلك يتجلى بوضوح من خلال الملف الليبي والعراقي واللبناني وغيرها من الملفات و آخرها ما فاجأنا به رئيس وزراء فرنسا السابق ليونيل جوسبان في تل أبيب عندما راح يرد بشدة على المقاومة اللبنانية الشرعية.

صحيح أن فرنسا في مغازلتها للعالم العربي تهدف إلى منافسة الولايات المتحدة الأمريكية لكنها لا تهدف على الإطلاق إلى نصرة القضايا العربية . بل تهدف باريس أن تحل محل واشنطن في إمداد الأسواق العربية بكل الحاجيات وتتخذ من المواقف السياسية جسرا باتجاه تحقيق الأهداف الإقتصادية الكبرى.

 

أوروبا والاسلام.

 

 

على الرغم من أنّ دولا أوروبية عديدة قد إحتكّت بالعالم العربي و الإسلامي في فترة الحركة الإستعمارية والتي دامت في بعض البلدان أزيد من مائة عام , وعلى الرغم أيضا من أنّ هذه الدول قد جمعت تفاصيل الحياة الثقافية والسياسية و الإجتماعية و الأمنية و الجغرافية والحياتية وغيرها من المجالات عن العالم العربي و الإسلامي - و لو أنّ هذه المعلومات المجموعة تدوّن لكانت الحصيلة مجلدات ربما تتطلب سنوات لقراءتها - رغم كل ذلك فإنّ الدوائر  الغربية تعيد تشريح خارطة العالم العربي والإسلامي و تدرس حتى الجزئيات التي لا تخطر على بال , وقد كلفّ بهذه المهمة الجديدة الإنتيليجانسيا الغربية المتخصصة في قضايا الشرق ويساعدها في ذلك بعض الباحثين العرب الذين لا يشكل عندهم المبدأ قضية أساسية .

و من جملة القضايا التي أعدت للتشريح الإسلام بكل مذاهبه ومدارسه , والحركات التي تتبنىّ مشروع الإسلام السياسي وتطرح البديل الإسلامي كنموذج  للحكم . وليس الثورة الإيرانية هي وحدها التي نبهّت مراكز الدراسات في الغرب إلى ضرورة إعادة النظر في الإسلام السياسي  , بل مجمل التحولات والتغيرّات التي حصلت في خارطتي العالم العربي والإسلامي , وبالإضافة إلى ذلك فإنّ هناك وهما مركبّا بدأ يسيطر على الذهنية الغربية مفاده أن الإسلام عدو قادم  , و أنّ الغرب إنتهى من الخطر الأحمر ليواجه الخطر الأخضر, و قد زاد الأداء السياسي لبعض الحركات الإسلامية من تعميق هذه الذهنية , والتأكيد على أنّ الخطر الأخضر بات قاب قوسين من المنظومة الغربية في مختلف

 المجالات .

وقد زاد الفقه المزيّف المنتشر بين بعض الجاليات الإسلامية في تكريس النظرة التي جئنا على ذكرها ,حيث  إنّ بعض المسلمين في الغرب يلجاؤن إلى السرقة والسطو والإعتداء على حقوق الآخرين و الإتجار بالمخدرات على قاعدة  -مال الكافر حلال على المسلم -.

و قد عملت وسائل إعلام جبّارة محسوبة على اللوبي اليهودي في ترسيم هذه المعادلة وخلق توجّه مفاده بان  الحرب المقبلة ستكون بين الهلال والصليب وهي المكيدة الفخ التي وقع فيها أصحاب الهلال وأصحاب الصليب على حد سواء.

و لأنّ الغرب لا يخطو خطوته قبل أن يحللّ كل حيثيات الظاهرة , فقد بدأت مراكز الدراسات والمعلوماتية في جمع تفاصيل التفاصيل, وقد روى أحد العاملين في  أحد  هذه المراكز  كيف يتم دراسة ظاهرة المهدي  المنتظر وإحتمال حدوثها و مركز أخر يدرس ظاهرة الخلاف بين الجماعات الإسلامية في مصر, و محمد حسين فضل الله وما تثيره آراؤه في الوسط الشيعي  خصوصا والإسلامي عموما ,ومركز آخر يدرس منحنيات الصراع في الجزائر وإحتمال وصول الإسلاميين إلى السلطة في هذا البلد. أما نحن فكما قال شيخ الأزهر الأسبق محمد سليم البشري مازلنا نختلف حول غسل القدم ومسح القدم حتى لم يبق لنا في الأرض موطىء قدم…

 

بين الشيشان و تيمور الشرقية.

 

عندما إندلعت أعمال الشغب والعنف في تيمور الشرقية وطالب سكانها بضرورة الإنفصال عن أندونيسيا وإقامة كيّان مسيحي في المنطقة تحركّ الضمير العالمي والشرعية الدولية و المحافل الكونية وعواصم القرار في الغرب لإجبار أندونيسيا علىضرورة الإنصياع للأمر الواقع ومنح تيمور الشرقية إستقلالها ,ولم تكتف الإرادات الدولية بذلك بل أوفدت قوات دولية إلى تيمور الشرقية لمواكبة بناء الدولة الفتية و التي للإرادات الدولية فضل إقامتها ,و بسرعة فائقة أقرّت مساعدات لهذه الدولة التي لأجلها مارست الإرادات الدولية كل الضغوط الظاهرة والباطنة بغية دفع أندونيسيا باتجاه تحقيق آمال التيموريين.

وإذا إنتقلنا إلى المشهد الشيشاني نكتشف في ومضة عين العكس تماما , فسكاّن الشيشان الذين تعرضوا لأكبر عملية إبادة  , يملكون كل المبررات التاريخية والجغرافية والعقائدية والإجتماعية والثقافية والإقتصادية والجيوسياسية للإنفصال عن روسيا إلا أن الإرادات الدولية التي ناصرت التيموريين لم تحرك ساكنا في موضوع الشيشانيين , بل هناك تواطؤ مكشوف وغير مكشوف حول ضرورة المضي قدما في كسر المشروع الشيشاني ,ولم تقم هذه الإرادات الدولية بجزء يسير مما قامت به في تيمور الشرقية.

و بحسابات دقيقة بات يعرفها حتى العجائز في عالمنا العربي والإسلامي فإن أندونسيا دولة مسلمة و تفتيتها مطلوب بل هو إستراتيجية مركزية للإرادات الدولية , أما روسيا فمنذ أن دبّ التغريب في جسدها وروحها و هي تحظى بالرعاية الغربية وتقويتها استراتيجية مركزية أيضا.

والمعادلة هاهنا عقائدية بحتة ,و يبدو أنّ الغرب الذي أوهمنا بموت العقائد والإيديولوجيا و صدرّ ذلك إلينا عبر قوالب فكرية براقة هاهو يتحرك وفق عقيدة التفوق الحضاري الصليبي إذا صح التعبير .

وليس في وسع الإرادات الدولية أن توهمنا بعد اليوم أنها تتحرك وفق مقاييس العدالة الإنسانية وإنصاف الإنسان المعذب حيثما وجد , وقد أكدت السنوات الأخيرة أنّ العالم العربي والإسلامي هو المستهدف لا غير وهو المراد تركيعه و مصادرة خيراته!

وإذا كانت الإرادات الدولية تملك مشروعا متكاملا يستهدف تاريخ وجغرافيا وإقتصاديات الحقل الممتد من طنجة و إلى جاكرتا , وهي ماضية في سبيل تفعيل مشروعها , فالعجيب أن تصاب الإرادات العربية والإسلامية بالعجز وتكتفي بدور المتفرج في عالم باتت معادلته نكون أو لا نكون.

إن سقوط الروافد العربية جراء الهرولة والتطبيع , وسقوط الروافد الإسلامية جراء الإحراق والتدمير الكاملين مؤشر على أن الإرادات الدولية ستستمر راسمة المسارات كل المسارات في الألفية الثالثة ولأجل غير مسمى !!!!

الجالية العربية في السويد.

 

 

عندما يمعن المرء في ظاهرة الجالية العربية المتنامية بإضطراد في السويد يكتشف سلسلة من

المعادلات و المفارقات التي يمكن تحويلها إلى عمل مسرحي أو سينمائي وتصلح الدراما و

الكوميديا في توصيف هذه الحالة.

ويمكن القول أن هناك عالما عربيا بدأ يتشكل في المنفى مع فروق بسيطة جدا, وبدل أن تشكل المحطة السويدية منطلقا لبناء رؤية جديدة و ربما منهج جديد في الحياة يجمع بين أصالتنا ومعاصرة السويد ,إلا أن نفس الأفكار ,المناهج والعادات ,الوسائل والذهنيات ,العصبيات والقبليات , الطروحات والحزبيات ,المذهبيات والطرائق والخلافات الجهوية والقطرية انتقلت  معنا بحذافيرها إلى الواقع السويدي الجميل .

و يلاحظ المرء في  بعض الأحياء التي باتت حكرا على الجالية العربية و بقية الأجانب أنه لا فرق بين هذه الأحياء وبين بعض الأزقة في العالم العربي وربما لا تضطر السويد إلى فتح سفارات لها في العواصم العربية بل يجب أن تفتح هذه السفارات في الأحياء المذكورة آنفا وفي قلب السويد.

وما يؤسف له حقا تندر بعض المثقفين العرب في السويد بتقرير سويدي يتحدث عن أن أفشل و أكسل جالية في السويد هي الجالية العربية,إذ أن أفرادا عديدين من أبناء الجالية العربية يقدمون شتى الأعذار لمكتب العمل و مؤسسة الضمان و المؤسسة الاجتماعية حتى يعفون من الدراسة أو مزاولة مختلف الأعمال ليحصلوا فقط على راتب المؤسسة الاجتماعية آخر الشهر و هكذا دواليك إلى آخر حياتهم.

والمئات لجاؤا إلى ما يعرف في السويد بالطلاق المزيف , حيث يطلق المسلم زوجته أمام المحاكم السويدية وعلى الورق فقط  كما يقولون , ليتسنى له الحصول على شقة من مؤسسة الخدمات الاجتماعية يؤجرها بعد ذلك بالأسود ويسكن هو مع زوجته المطلقة زيفا, وهذا لا يعني أن السلطات السويدية لا علم لها بهذه الأمور بل هي تغض الطرف لأسباب استراتيجية لا يعرفها بالتأكيد كثير من العرب والمسلمين الراغبين فقط بجمع العملة الصعبة للخروج النهائي من دوائر الفقر .

أما وسائل الإحتيال الأخرى فحدث عنها ولا حرج , وربما الآن تأكد السويديون ومعهم الغربيون أن جحا من أصل عربي وليس تركيّا .

هذه التصرفات وغيرها جعلت السويديين ينظرون إلى الأجانب بنظرة إرتياب , ولو كانت دوائر القرار السويدي كتلك السائدة في العالم العربي و لا تتمتع باحترام القانون لكان البحر مصير كل هؤلاء الأجانب.

و حتى الإنشطار المذهبي تم نقله إلى السويد , ففي العاصمة ستوكهولم على سبيل المثال يوجد مسجد للسنة و مسجد آخر للشيعة ,حتى أن السلطات السويدية احتارت في بداية الأمر ولما ازداد حجم الظاهرة الإسلامية مع من تتعامل ,وتساءلت عمن يمثل المسلمين !!

وآخر ما يمكن الحديث عنه هو الفعاليات الثقافية ,حيث أصبح عمل الجمعيات الثقافية العربية هو نهب المساعدات  التي تحصل عليها من قبل الحكومة السويدية , حيث تقدم مؤسسات الثقافة السويدية دعما ماليا للجمعيات الثقافية للمهاجرين والعرب منهم ,

والعجيب أن معظم الجمعيات لمختلف الجاليات تكر و لا تفر في موضوع الهرولة باتجاه

المساعدات المالية,وطبعا كل جمعية تكتب تقارير عن الجمعيات الأخرى وكل شخص

يبدي طهره أمام السويديين  وكل ذلك بالمجان وربما تكريسا لمبدأ العوربة في السويد .

و قد تسنى لي أن أقوم باستبيان وسط الجالية العربية في إحدى المحافظات السويدية

حول ماذا يقرأ العرب!!  فوجدت أن 95 بالمائة لا يقرأون لا باللغة العربية ولا باللغة السويدية ,الأمر الذي جعلني أؤسس لمعادلة مفادها-

أن  الحضارة الغربية جاءتنا في أزمان غابرة إلى  عقر دارنا فما أستفدنا منها وذهبنا إلى عقر دارها  ونحن كما يقول المثل مازالت دار لقمان على حالها…….

 

        

 

المسلمون في فرنسا والتحديات الراهنة .

 

لقد أصبحت باريس التي تسمى عاصمة النور والديموقراطية اليوم أرضا لأكثرمن  4,5  مليون مواطن عنصري هم حصيلة مؤيدي موجة اليمين المتطرف والحركة العنصرية التي يقودها جون ماري لوبان والذين إلتفوا حول هذا التيار وأوصلوه إلى الجمعية الوطنية الفرنسية أو البرلمان بتعبير أخر.

وبسبب فعالية هذا التيار إعلاميا باتت باريس تنام وتصحو على جرائم التطرف والإرهاب والعنصرية وكراهية الجنس العربي والمسلم على وجه التحديد .هذا الجنس الذي يتفق كل الفرنسيين على أنه شارك مشاركة فعالة في مسيرة التنمية وإقامة المنشآت الصناعية والزراعية في فرنسا ,و بناة نهضة فرنسا هؤلاء أصبحوا مستهدفين و تتركز عليهم الحملات العنصرية لأنهم  مسلمون بالدرجة الأولى , ولكن ما هي قصة الإسلام في فرنسا؟

يذهب المؤرخون إلى أن فتح الأندلس لم يكن أخر أعمال المسلمين في الفتوحات الإسلامية في الجناح الغربي للدولة المسلمة بل بلغ من همة الجيش الإسلامي أن تخطىّ بقواته إلى جبال الأبواب أو البرتات وأراد فتح بلاد غالة و المراد بها فرنسا , ويشير المؤرخون إلى أنه في عصر الولاة في الأندلس الذين بلغ عددهم واحد وعشرون واليا أولهم عبد العزيز بن موسى أثناءها قام ثلاثة عشر واليا بأعمال الفتوح في بلاد  غالة أو فرنسا حاليا .

و لم تقف حركة الفتح الإسلامي إلا بعد انسحاب المسلمين في موقعة بلاط التي تسمى عند الغربيين بواتييه عام  732 ميلادي وبرغم هذا الانسحاب فقد بقيت أرجونة الواقعة جنوب غربي فرنسا محمية إسلامية وذلك لمدة عشرين سنة ,ولم ينسحب المسلمون من فرنسا إلا بعد قيام الدولة الأموية في الأندلس عام 765 ميلادي و كان ذلك بقرار من عبد الرحمان الداخل. و تابع الولاة المسلمون فتح بلاد الغال لكن لم يتسنى لهم على الإطلاق  وضع كامل اليد عليها .

وإذا كانت هذه لمحة موجزة عن بداية الاحتكاك بين فرنسا والعالم الإسلامي فما هو واقع المسلمين اليوم في فرنسا ؟

في السنوات الأخيرة أخذ الإسلام ينتشر بين الأوساط الفرنسية إلى درجة أن الذين أعتنقوا الإسلام من الفرنسيين بلغ  40,000فرنسيا من مختلف الإتجاهات والشرائح , وقد خصصت  بعض المنابر الإعلامية كالمجلة الكاثولكية الكبيرة – لاكتياليتي روليجيوز- أي مجلة الأحداث الدينية وصحيفة لوموند و مجلة فرانس بي آراب  أي فرنسا والدول العربية العديد من الدراسات عن الظاهرة الإسلامية الفرنسية.

و الفرنسيون الذين يتحولون إلى الإسلام ينتمون إلى الحركة الأكثر انتشارا المعروفة باسم العودة إلى الروحانيات ,و لإشباع نهمهم الروحي يبحثون في آن واحد عن الحقيقة والإنضباط فضلا عن العقيدة .

و يحتل المسلمون في فرنسا المرتبة الثانية بعد المسيحيين من حيث  الوزن الإجتماعي ويوجد من بين   4,5مليون مهاجر نحو مليونين  و نصف مسلم اغلبهم من أصول جزائرية ومغربية وتونسية وتركية و أفارقة و غيرهم.

و يؤثر المسلمون في المجتمع الفرنسي تأثيرا مباشرا مما حدا في كثير من الأحيان بالمتعصبين والعنصريين إلى اتخاذ مواقف عنصرية ضد المسلمين و يرفضون معاملة المهاجرين كأشخاص آدميين مثل غيرهم ووصلت هذه المعاملة العنصرية إلى حد إزهاق أرواح المسلمين و منعهم من الحياة الطبيعية الكريمة.

ويجمل أحد الباحثين التحديات الراهنة التي تواجه المسلمين في مجموعة أمور منها :

- الخوف من سيطرة اليمين المتطرف على مقاليد الأمور في فرنسا خصوصا وأنه

بات يتمتع بقاعدة عريضة في الشارع الفرنسي و باتت له امتدادات في وسائل

الإعلام و مؤسسات الدولة.

- إصرار الدولة الفرنسية على وضع حد لمصاديق الإسلام كالحجاب الذي صار لا يتماشى و علمانية فرنسا و اللغة العربية الذي صدر قرار من وزارة التربية الفرنسية ببداية إلغائها الأمر الذي يعرض مئات معلمي اللغة العربية للبطالة وعودتهم إلى بلادهم العربية.

- الهجوم الإعلامي المركز والمنظم والمتتابع ضد المسلمين في فرنسا , الأمر الذي جعل جزءا كبيرا من الشارع الفرنسي محتقنا ويبدو ذلك واضحا من خلال تصرفات الفرنسيين لدى رؤيتهم لمسلم في الطريق.

-يلعب اللوبي اليهودي دورا كبيرا في تحريك خيوط الفتنة و ويخشى المسلمون في فرنسا أن يكون هذا الهجوم الإعلامي عليهم ينطوي على استراتيجية مقبلة تدبّر ليلا في عاصمة النور والديموقراطية !!!!!!!

 

ديبلوماسي سويدي يترجم القرآن الكريم إلى اللغة السويديّة

 

 

صدرت باللغة السويدية في وقت سابق الترجمة الكاملة والرائعة للقران الكريم , وقد اضطلع بهذه الترجمة الرائعة الحاج محمد كنيت برنستروم mohamed  knut bernström  , وقد استغرق هذا العمل الجبّار عشر –10- سنوات من البحث المتواصل والتعمق في قواميس اللغة لتكون الترجمة كاملة لا شائبة فيها .

و كنيت برنستوم قضى 16 سنة من حياته كسفير للمملكة السويدية في المغرب.

و عن هذه الترجمة قال الديبلوماسي السويدي محمد برنستوم أنه عندما توجه إلى مكة في سنة 1988 بدأ يفكر في ماذا يجب عمله من أجل الإسلام بعد أن أسلم,

و كيف يقدم خدمة للإسلام ومن هنا بدأ تفكيره في ترجمة القران الكريم الى اللغة السويدية , وعندها بدأت رحلة الحاج محمد مع الألفاظ القرآنية حيث اشترى حاسوبا خاصا لهذا الغرض و  بدأ يطلّع على عشرات الترجمات للاستفادة منها في عمله , وكانت نتيجة جهوده أن قدمّ ترجمة رائعة للقران الكريم وقد حازت الترجمة على موافقة الأزهر الشريف .

غير أن رحلة العشر سنوات التي قضاها الديبلوماسي السويدي في ترجمة القران الكريم لم تكن يسيرة حيث أنه أضطر إلى التوقف كثيرا عند الألفاظ القرآنية التي تحمل أكثر من معنى و ذلك لانتقاء المعنى الصحيح و المراد من النص القرآني و إيصال كل ذلك إلى القراء باللغة السويدية , وقد تطلب ذلك العودة إلى التفاسير القرآنية .

وتكتسي هذه الترجمة أهمية خاصة خصوصا إذا علمنا أنّه يوجد في السويد حوالي350,000 مسلم يتكلم معظمهم اللغة السويدية,كما أن أبناء المهاجرين في السويد لا يتكلمون لغتهم الأصلية فهم بالإجماع يتحدثون اللغة السويدية .

و أعظم كلمة توقف عندها الديبلوماسي السويدي كما قال هي سبحانه , وهي كلمة إعجازية صغيرة في المبنى و كبيرة في المعنى وقد احتار في إيجاد لفظ مناسب لها من اللغة السويدية وبعد عناء طويل أصبحت كلمة سبحانه كالتالي باللغة السويدية –stor är  du I din  härlighet .

و نفس الترجمة تكشف عن مدى بلاغة القران الكريم باللغة العربية حيث إعجازه لا يتم إلا بها .

وتحدث هذا الديبلوماسي عن إقامته في المغرب حيث أشاد بالشعب المغربي و الحفاوة البالغة التي وجدها في المغرب. وعن مشروعه الكبير قال الحاج محمد كنيت برنستروم أنه

قضى أربعين سنة في العمل الديبلوماسي وان فكرة الترجمة ولدت في مكة عندما كان يؤدي فريضة الحج .

و بعد أن أكمل هذا المشروع و الذي صدر في حلّة قشيبة في العاصمة السويدية ستوكهولم , هاهو الديبلوماسي السويدي البالغ من العمر 79 سنة يقول أن مشروعه المقبل سيكون ترجمة السنة النبوية إلى اللغة السويدية حيث سيعكف رغم كبر سنه على ترجمة الأحاديث النبوية إيمانا منه أن ما يفعله فيه خدمة للإسلام ومحاولة لتبديد ما علق في أذهان الغربيين  من صور خاطئة عن الإسلام.

و إذا كان الحاج محمد كنيت برنستروم وقد بلغ من الكبر عتيّا و هو في أوج العطاء و يواصل رحلة البحث ,فلماذا شبابنا في العالم العربي والإسلامي يتقاعسون عن صناعة نهضتهم , ربما هذا يوضح قليلا سر نهضة الغرب وسر تقهقرنا….

 

 

مازال العراقيون في طليعة طالبي اللجوء السياسي والإنساني في السويد.

 

أصبحت قصص اللاجئين وكيفية وصولهم إلى السويد و مواطن اللجوء ضربا من الخيال و الأسطورة , وبين طالب اللجوء وموطن اللجوء عشرات المحطات , وكل محطة مغامرة في حد ذاتها .

وحتى عندما يصل اللاجئون إلى موطن اللجوء فلا أحد يستطيع الجزم أنّ الاستقرار

بات قاب قوسين أو أدنى , وبعد كل ذلك العناء الذي يكابده  اللاجئ ينتظره

عناء أكبر و كوابيس لا قبل له بها خصوصا إذا كان هذا اللاجئ برفقة زوجته وأولاده.

و على الرغم من أن المناطق الساخنة في العالم كثيرة للغاية إلا أنّ العراقيين مازالوا

في  صدر قائمة طالبي اللجوء في السويد , حيث أكدّت إحصائية لدائرة الهجرة السويدية أن عدد العراقيين الوافدين إلى السويد خلال العشرة أشهر الماضية قد بلغ 2810 شخصا من أصل 9073  شخصا وصلوا إلى السويد من دول أخرى وعبر طرق  مختلفة إلى السويد.

وتؤكد إحصائية دائرة الهجرة  أنه لا يوجد شيء في الأفق يدل على أن عدد طالبي اللجوء من العراقيين سينخفض في الشهور أو الأعوام المقبلة , بل إنّ عدد اللاجئين سيزداد.

والوصول إلى السويد ليس كل شيء بل إن طالب اللجوء يجب أن يقدم كل المبررات المقنعة التي دفعته إلى طلب اللجوء ,وعليه أن يكون صادقا في كل التفاصيل ,لأنّ دائرة الهجرة في السويد ومن خلال تجربتها العميقة مع اللاجئين باتت تميز بين الصادق والكاذب ,و كان العديد من اللاجئين في السابق يكفي أن يصممّوا قصة خيالية يتحول بموجبها بائع البطاطا في بلده إلى مناضل سياسي عريق واكب كل التطورات السياسية في بلده وكان عامل تأثير فيها , ويتحول النكرة إلى معرفة معرفّة بكل أدوات التعريف السياسي والثقافي .وكثيرا ما يدعي السوري أنه عراقي والمغربي أنه فلسطيني ويدعّي الأردني أنه لبناني و هكذا دواليك.

و بعد هذا الإحتكاك المتواصل مع قضية اللاجئين أصبح لدائرة الهجرة خبرة واسعة في التمييز بين الخيط الأبيض من الخيط الأسود , علما أن من يحصل على الإقامة في السويد ثم يتبين أنه قدم إسما مزورا و انتماءا قوميا مزورا تسقط إقامته ويعطى فرصة للدفاع عن نفسه مجددا و كل ذلك ينم على أن العدل هو مبدأ مقدس في السويد .

و تجدر الإشارة إلى أن السويد استقدمت آلاف العراقيين من مدينة رفحا السعودية

و الذين فروا من العراق أثناء حرب الخليج الثانية و أقاموا في الأراضي السعودية ,

كما منحت السويد حق اللجوء لآلاف العراقيين الذين هم في طليعة الجالية العربية في السويد .

و تزمع دائرة الهجرة إلى تضييق الخناق و بالاتفاق مع بقية الدول الأوروبية على طالبي اللجوء , على اعتبار أن السويد قدمت أكثر من مثيلاتها الأوروبيات  للاجئين من كل دول العالم.

 

ميزانية عملاقة لدعم الثقافة في السويد.

 

تولي الحكومة السويدية اهتماما كبيرا ومميزا بالثقافة وتخصص للشأن الثقافي مبالغ طائلة تقدر بملايين الكرونات أي ما يعادل عشرات ملايين الدولارات ,وتعتبر الميزانية المخصصة للثقافة في السويد من أعلى الميزانيات مقارنة بالدول الغربية الأخرى ,ولا مجال هاهنا للمقارنة لما يخصص للثقافة في العالم العربي.و بقرار من الحكومة والبرلمان في السويد تحصل هيئة الدولة لدعم الثقافة على مبالغ طائلة توزع كلها على المؤسسات الثقافية والفكرية والعلمية والأدبية والمسارح ودور النشر ومؤسسات من قبيل إتحاد كتاب السويد , المعهد السويدي للدراسات ,المعهد السينيمائي وما إلى ذلك من المؤسسات .

و حتى الثقافات المهاجرة كالثقافة العربية والفارسية والإفريقية بكل ألوانها والآسيوية بكل أشكالها تحصل على دعم هيئة الثقافة .

كما أن الجمعيات الثقافية التابعة للجاليات المهاجرة تتلقى دعما ماليا من مؤسسات دعم الثقافة , وهذا الدعم الحكومي الكبير لشؤون الثقافة جعل الثقافة في السويد فعالة ومنتجة في آن واحد , فلا يمكن أن يبقى أي مسرح سويدي في أي محافظة خلوا من النشاط المسرحي , كما أن مؤسسات الثقافة في حركية دائمة بحكم وجود الدعم الحكومي وبحكم وجود شرائح واسعة من الجمهور السويدي المحب للثقافة , وتجدر الإشارة إلى أن نسبة الأمية في السويد منعدمة.

و على صعيد آخر فان معظم البلديات في السويد تخصص 70 من المائة من ميزانيتها لدعم قضايا  التعليم والتربية,والمؤسسات التعليمية , كما أن التعليم متاح لكل الناس ومن مختلف الأعمار, والتعليم في السويد إجباري إلى أن يبلغ التلميذ السن السادسة عشرة و عندها يختار الطالب بين إكمال الدراسة  أو الدراسات المهنية والعملية ليختار مهنة يرغب فيها.

و من جميل العادات في السويد أن الطفل وبمجرد أن يولد تقوم الجهات الصحية المعنية برعاية الطفل  ومتابعة نموه إلى مرحلة متقدمة من العمر , بإهدائه كتابا ليكون أول هدية يتلقاها المولود في حياته.

و يضاف إلى هذا فان المكتبات العامة والتي توفر كتبا لكافة القراء و بكل لغات العالم موجودة في كل المناطق , ولا تخلو أي منطقة و محافظة من مكتبة كبيرة تحتوي على كل أصناف الكتب وفي مختلف المجالات ,كما يوجد أجنحة لكتب صادرة باللغات الأخرى غير السويدية للمهاجرين من مختلف الأمصار , وعندما تتوجه إلى الجناح العربي على سبيل المثال فانك تصادف كتب طه حسين, حنا مينا ,المنفلوطي , إحسان عبد القدوس , أدونيس , طاهر وطار ,يوسف إدريس و نجيب محفوظ ,أمين معلوف وغيرهم وغيرهم .كما أنه بوسع القاريء العربي في السويد أن يطالع كبريات الصحف العربية الصادرة في عواصم غربية وعربية,ونفس الأمربالنسبة للقارئ الفارسي والهندي وغيرهما.

وفي كل مكتبة خدمات انترنت مجانية و ما على الراغب في التواصل مع العالم والقيام برحلة في كواكب المعلومات إلا أن يحجز مكانا وبعدها ينطلق ومجانا في رحلة المعلومات.

وهذه المكتبات العامة تعير لمن يرغب كتبا ومجلات مجانا أيضا و بدون مقابل وكل ذلك تكريسا للثقافة ومن باب تحويل الثقافة إلى واقع جماهيري , وهو ما كان يحلم به بعض كتابنا العرب من أمثال توفيق الحكيم .

و للأجانب إسهام قد يراه البعض متواضعا في الحياة الثقافية السويدية حيث بات العديد من المهاجرين يكتبون باللغة السويدية وعرف أدب هؤلاء بالإقبال الشديد من قبل القراء السويديين ومن قبل المؤسسات الإعلامية كالإذاعة والتلفزيون ولعل الكاتب اليوناني تيودور كليفاتديس هو أحد الذين حازوا شهرة واسعة في السويد , وهو كثيرا ما يكتب عن الهجرة والغربة والاندماج في الآخر .

والمجالات برمتها مفتوحة لمن أراد أن يدلي بدلوه من الأجانب والمهاجرين  في الشأن الثقافي وحتى السياسي ,غاية ما هناك هو غياب الفعالية لدى بعض المثقفين المهاجرين و العرب تحديدا الذين ربطوا إبداعهم بزمن المحنة وسط الديكتاتوريات التي عاشوا في خضمها , والآن وقد أتيح لهم الآمان والطمأنينة  فلا بأس في نظرهم بالتقاعد ,متناسين أن الهم الثقافي والإبداع الفكري هو حالة تلازم المبدع إلى اللحد .

و يعتبر الشعب السويدي من أكثر الشعوب عشقا للقراءة والمطالعة وشعاره الحياة تعني المطالعة والعمل و العكس صحيح ,وهذا يفسر إلى حد ما لماذا تقدموا ولماذا توقفنا وخرجنا بأيدينا من كل الخرائط !!!!!

 

بين الفاتيكان والدولة العبرية!

إلى وقت غير بعيد كان الفاتيكان يعتبر أن اليهود متورطون في قتل المسيح بن مريم عليه السلام  , وكانت بعض المؤسسات الدينية في الغرب تتحدث عن الخبث اليهودي و دور اليهود في ذبح الذين يدينون بالمسيحية تقربا للإله يهوه – ربّ اليهود - , ويضاف إلى هذه العقيدة المتجذرة في أقانيم كل الكنائس في الغرب والشرق فان الفاتيكان كان حريصا على عدم تعريض علاقاته بمسيحيي الشرق من جهة والدول العربية من جهة أخرى إلى ما يعكّر صفوها .

وكانت تل أبيب تلح وتصّر على تمتين العلاقات بينها وبين الفاتيكان لجهة إستكمال تحسين صورتها الكاملة في العواصم الغربية وكسب الرأي العام في الغرب .

·                   العداوة التاريخية :

موقف الفاتيكان تجاه الكيان الصهيوني كان  مغايرا كل المغايرة لمواقف العواصم الغربيّة , فالعواصم الغربيّة هي التي ساهمت في إنشاء الكيّان الصهيوني ورعايته و إيصاله إلى الموقع القويّ الذي يتمتع به الآن , وكانت المواقف الرسميّة الغربية تجاه الكيان الصهيوني تهدف إلى تعزيز المصالح الغربية في الشرق الأوسط ,بريطانيا مبدئيا ثمّ تلتها الولايات المتحدة الأمريكية . وبسبب علمانيّة الدول الغربية فان المواقف السياسية المؤيدة للكيان الصهيوني لم يلحظ  فيها موقف الفاتيكان الذي كان في السابق حذرا تجاه أي علاقة بالدولة العبريّة للأسباب المذكورة سابقا ,كما أن العواصم الغربيّة بما في ذلك واشنطن تتحرك في علاقتها بالكيان الصهيوني من منطق حجم المصالح المتبادلة والقواسم الإستراتيجيّة بين الطرفين , أما الفاتيكان الذي يمثل الرمز الروحي للمسيحيّة في كل الغرب فانه كان يعمل على التوفيق بين ما هو ديني و ما هو سياسي .

 

·                   تدويل القدس  :

 

بسبب العنجهية الصهيونية في بيت المقدس واحتكار اليهود للبيت العتيق الذي كان ذات يوم يجسد   تلاقي كل الأديان السماوية , فقد دعا الفاتيكان إلى تدويل القدس ومعنى ذلك اعتبار القدس ملكا للأديان السماويّة الثلاث وهي المسيحية والإسلام واليهودية , و ظلت تل أبيب تتهرب من هذه الفكرة و تعتبرها طوباويّة باعتبار أن الفكر الصهيوني قائم على فكرة أن القدس التي فيها هيكل سليمان هي ملك تاريخي لليهود و ما يدعو إليه الفاتيكان من شأنه أن يلغيّ أهم مقوّم من مقومات الفكر التلمودي . و دعوة الفاتيكان إلى تدويل قضية القدس جاءت من منطلق التحاور بين الأديان حيث يصّر الفاتيكان على هذا النهج . وقد اعتبر  عندها ديبلوماسي عربي أن هذه الدعوة من شأنها

إلغاء عروبة القدس لأنها تلغي أصالة القدس العربية و  معروف أن محور القضية الفلسطينية منذ انطلاقها هو التأكيد على عروبة القدس وإسلاميتها , وحسب هذا الخبير فان تعريب القدس لا يعني إلغاء الديانة المسيحية وحقها في التواجد في القدس و لا الديانة اليهودية أيضا بل إن هذا التعريب هو سياسي بالدرجة الأولى و صحيح أن دعوة  الفاتيكان إلى تدويل القدس قد شوشت قليلا على الدولة العبرية إلا أن الدعوة إلى تعريبها و أسلمتها هو ما يربك فعلا الكيان الصهيوني .

لكن المغالطة الفاتيكانية الأخرى هي أن فكرة تدويل القدس تجعل قضية القدس شأنا دوليا وليس عربيا وإسلاميا .

·                   الدولة العبرية والفاتيكان :

 

منذ أن شرع الكيان الصهيوني في تفعيل علاقته بالعالم الخارجي كان حريصا كل الحرص على إقامة علاقات طبيعية مع الفاتيكان رمز الغرب الكاثوليكي على وجه التحديد ,وعلى الرغم من أن الدولة العبرية استطاعت أن تقيم علاقات استراتيجية مع محاور غربية منذ نصف قرن تقريبا , إلا  أن العلاقة مع الفاتيكان كانت متأرجحة بسبب الموقف الفاتيكاني الصريح من مسألة الدور اليهودي في صلب المسيح , و لم يذب الجليد إلا في  المدة الأخيرة عندما قام البابا يوحنا بولس الثاني بزيارة فلسطين

المحتلة وفي استراتيجية الكيان الصهيوني فانّه لابد من الوصول إلى تكامل حقيقي مع الغرب لجهة جنيّ كل الإستفادات السياسية والاقتصاديّة و إكثار حلفاء الدولة العبرية ولن يتأتى ذلك إلا عبر إذابة كل الجليد مع الفاتيكان الذي هو المدخل الحساس لإنجاح هذه الإستراتيجية .

وتعي الدولة العبرية أهمية الدين في توجيه السياسات و صناعة القرارات وهي نفسها ترضخ للأحزاب الدينية الفاعلة في الخارطة السياسية العبرية ,  ومعروف أيضا أن تل أبيب دعّمت علاقتها مع روسيا من خلال الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسية التي لعبت دورا كبيرا في تحقيق التقارب بل التفاعل الروسي – الإسرائيلي .

ومن جهة أخرى فان الدولة العبرية حرصت على تفعيل علاقتها مع الفاتيكان لحرمان العرب من أهم متفهم لوجهة نظرهم في الغرب ,و معروف أن مؤسسة الفاتيكان كانت أول مؤسسة  غربية تستقبل وجوها فلسطينية وعربية كانت ممنوعة من دخول العواصم الغربية .

 

·                   اليهود وتهويد المسيحية :

في العقيدة اليهودية فان الدين المسيحي دين خرافي وأنّ أرواح معتنقيه مستباحة بأمر الرب يهوه الذي أمر اليهود بقتل الحوييم كما ورد في التوراة والتلمود وهم غير اليهود من البشر.

ولذلك حذرّت بعض المؤسسات الدينية في الغرب من مغبة التعاون مع اليهود , حتى أن البعض مثل بنيامين فريدمان يعتبر أن العقول الغربية تتعرض لغسيل مخ يهودي و أن اليهود لا يعملون فقط على تدمير المجتمعات الغربية بأفلام الإباحة الجنسية , بل في نيتهم تدمير معتقدات المسيحية و على رأسها أن اليهود هم الذين قتلوا المسيح بن مريم باعتراف التوراة والإنجيل _انتهى كلام بنيامين فريدمان-.

ولولا اللوبيات الإعلامية والسياسية اليهودية في الغرب لأنكشفت اللعبة و لكن يبدو أن مهارة تل أبيب أفضت إلى جعل الفاتيكان ومعه العنقود الغربي ينسون من قتل المسيح اللهم إلا إذا أصبح الفاتيكان مقتنعا بوجهة النظر الإسلامية في مسألة – ما قتلوه  وما صلبوه ولكن شبّه لهم _!!!

 

رمضان في السويد .

 

على الرغم من حداثة عهد المسلمين في السويد مقارنة ببعض الدول الغربية التي هاجر إليها العرب والمسلمون قبل مائة سنة كفرنسا مثلا , إلا أن الديانة الإسلامية أصبحت الثانية في السويد بعد المسيحية .و تقرّ القوانين السويدية بأحقيّة أداء المسلمين لكل مناسكهم و شعائرهم بدون نقيصة , بل أن الحكومة السويدية تقدم دعما بملايين الكرونات للمجلس الإسلامي الذي هو هيئة إسلامية تضم بين ظهرانيها عشرات الجمعيات الإسلامية . وللمسلمين في السويد مساجد في كل المحافظات السويدية بدءا من العاصمة السويدية أستكهولم و مرورا بمالمو في جنوب السويد إلى أوبسالا ويوتوبوري وهي من المدن الكبيرة الآهلة بالسكان .

ولدى بداية شهر رمضان تعلن عن ذلك الجمعيات الإسلامية التي تبادر أيضا إلى توزيع مواقيت الإمساك والإفطار , وتعلن عن فتح المساجد لأداء صلاة التراويح أو الأداء الجماعي للأدعية والأذكار كما تعودّ عليه المسلمون في بلادهم , أما وسائل الإعلام السويدية فهي تشير إلى بداية شهر رمضان عند المسلمين و خصوصا القناة الأولى السويدية التي تعودّت أيضا على نقل صلاة عيد الفطر لدى إنقضاء شهر رمضان .

و بدورها المحلات العربية و الفارسية والتركية وغيرها فإنها تتفنّن في بيع ما تعودّ عليه المسلمون في بلادهم من مواد غذائية وحلويات وكل ماله صلة بالعادات والتقاليد في شهر رمضان .وإذا كان الكهول وكبار السن من المسلمين على دراية تامة بأهمية شهر رمضان فان المشكلة في الأجيال العربية والإسلامية التي ولدت في السويد والتي انفصلت بشكل كامل عن المناخ والنسيج الثقافي الإسلامي و أندمجت كلية في المجتمع السويدي ,حتى أنها فقدت اللغة والعادات والتقاليد ,وهذه الفئة من الناس لا تعرف من شهر رمضان غير أنه إمساك اضطراري عن الطعام .

و يحزّ في النفس أن يجد المرء أشخاصا يحملون أسماء محمد و خالد وعلي وعمر وهم ينتهكون حرمة هذا الشهر بكل أنواع المحرمات التي تخطر على البال والتي لا تخطر ,الأمر الذي يجعل بعض السويديين وخصوصا في المدارس يسألون هؤلاء عن سبب عدم تطبيقهم لفرائض الإسلام ,وكأن السويديين أكثر فقاهة من الأجيال العربية والمسلمة التي فقدت هويتها ولم تكتسب حتى هوية الآخرين .

و إذا صادف وأن حلّ شهر رمضان في فصل الشتاء كما هو الآن فانه يكون يسيرا على المسلمين إذ أنهم يخرجون من بيوتهم إلى العمل أو الدراسة ويعودون إلى بيوتهم في الساعة الثالثة ظهرا ويكون عندها قد حان وقت الإفطار لأن الظلمة تطل على الناس في الساعة الثالثة بعد الظهيرة مباشرة ,وباعتبار أن المرأة كالرجل في السويد في كافة الحقوق والواجبات فإنّ المرأة بدورها تغادر بيتها للعمل أو الدراسة وتبرز عندها مشكلة كيفية إعداد الإفطار وقد يكون المنقذ الوجبات الخفيفة أو إعداد الإفطار ليلا بعد أن يكون الأطفال قد توجهّوا إلى النوم .

ولأن العربي والمسلم لا يستطيع إطلاقا تناسي أنه قدم من الشرق فان أول شيئ يقتنيه فور وصوله إلى السويد هو الهوائي المقعر –البرابول- حيث يرتبط رأسا بمسقط  رأسه و مسقط عاداته وثقافته ,وتوفر له القنوات الفضائية العربية بعض البرامج الترفيهية في شهر رمضان .

وعلى المسلم وهو يتابع هذه البرامج أن يراعي النظم السائدة في السويد فلا يجوز له إطلاقا إزعاج الجيران بعد الساعة العاشرة ليلا وذلك من خلال فتح الحنفيات أو الاستحمام أو رفع صوت الشاشة الصغيرة فقد يلجأ الجار المنزعج إلى استدعاء الشرطة و عندها تسجل نقطة سيئة على هذا الذي يزعج غيره ,أما أيام السبت والأحد فكل شيئ مباح بما في ذلك طقطقة  القدور والاستحمام بعد منتصف الليل .

وإذا كان العرب والمسلمون قد تعودّوا في بلادهم على الإفطار الجماعي والدعوات الجماعية والتزاور بين العائلات , فإن هذا الأمر يكاد يكون منعدما بين العوائل المسلمة في السويد حيث دخلت اعتبارات عديدة في إعادة صياغة أخلاق المسلم في السويد ,وحتى الرافض للتغيير والتغّير فان المجتمع السويدي يملك كل القدرات لتغيير الأفراد والمجموعات المسلمة بالتقسيط وعلى دفعات ,ليجد المسلم نفسه قد تطبعّ بطباع المجتمع الجديد دون أن يشعر .

وإذا كان بعض المسلمين حريصين في شهر رمضان على تأصيل قيم هذا الشهر في نفوس أولادهم ليكون أولادهم على صلة بقيمهم ودينهم فان آخرين أزاحوا من ذاكرتهم وحياتهم كل ما له علاقة بشهر رمضان وأصبحوا فرنجة أكثر من الفرنجة أنفسهم .ويفتقد المسلمون في السويد إلى الرعاية والإشراف المتقن حيث تصدّى لهذا الأمر قوم لا علاقة لهم بالفكر الإسلامي الحضاري و لا بالفقه الإسلامي في أبعاده الحضارية والإستراتيجية الأمر الذي أنعكس سلبا على الجالية المسلمة وجعلها تتراجع للأسف الشديد ,وما يفتك الظهر حقا هو الخلاف الشديد بين المدارس الإسلامية الفقهية حول بداية شهر رمضان وما يتفرع عنه من خلافات كبيرة ,هذا وناهيك عن غياب التنسيق الفعلي بين مختلف الجمعيات الإسلامية للنهوض بالمسلمين في السويد و قد أصبح في كل مدينة سويدية تقريبا مسجدان واحد لهذه الطائفة المسلمة والثاني لأخرى الأمر الذي جعل بعض المسؤولين السويديين يتساءلون أليس الإسلام دينا واحدا بشرّ به نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام و في بداية المطاف احتار هؤلاء السويديون مع من سيتحدثون في قضايا تتعلق بالمسلمين .

و إذا صادف وأن جاء شهر رمضان في شهر الصيف فتلك الطامة الكبرى بتعبير بعض المسلمين , فالمغرب يمتد أحيانا إلى الساعة الحادية عشر ليلا حيث يشق الصيام على المسلم في مثل هذا الوقت ولذلك يلجأ الكثيرون إلى السفر حتى يصدق عليهم قوله تعالى (من كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) .

لكن رمضان هذه السنة يبدأ بظلمة قد تستمر في ظل غياب الشمس إلى ظلمة الغروب وبين الظلمة والظلمة ضوء إيمان يسطع من شمال العالم يؤكد أنه لو خلت من الصالحين لخليت ……..

مشكلة الإستفادة من النخب

العلمية المهاجرة في السويد .

وجد عشرات المئات من الكفاءات العربية أنفسهم لاجئين في السويد فرارا من الواقع العربي الذي بات معروفا للجميع حتى للدوائر الغربية ,وإذا كانت هذه الطاقات العربية تنعم بالطمأنينة والآمان في ظل المجتمع السويدي فإنها تشكو من معضلة مازالت سارية المفعول ومازالت تقض مضاجع هذه الخبرات التي باتت تخشى على أدائها العلمي والعقلي أيضا.

و تكمن هذه المعضلة في عدم وجود مكان في خارطة سوق العمل لهذه الطاقات ,فحتى يتم الاعتراف بالطبيب أو المهندس ناهيك عن أصحاب الاختصاصات الإنسانية والاجتماعية و الفلسفية ,يجب أن يبدأوا من جديد في دورات تعليم اللغة السويدية قد تستمر سنوات للحصول على مؤهل باللغة السويدية يضمن استمرار صاحب الكفاءة في مزاولة عمله أو عمل أخر .

و لذلك كثيرا ما نصادف في السويد ليس هجرة من بلد إلى أخر , بل هجرة من دائرة إختصاص إلى دائرة أخرى أبعد ما تكون عن الدائرة الأولى , فالمتخصص في الموسيقى العربية والموشحات الأندلسية يصبح ممرضا , والطبيب يصبح مساعد ممرض بيطري والمهندس يصبح صاحب مشروع تجاري صغير قد يكون المحل للفلافل وغيرها ,أما أصحاب الاختصاصات الأخرى في مجال العلوم الإنسانية مثل علم النفس وعلم الإجتماع والإقتصاد , فهؤلاء يحتاجون أكثر من غيرهم في تأكيد ذاتهم و محاولة إيجاد موقع لهم أي موقع في دوائر العمل .

و هذه المعضلة أرخت بظلالها على دوائر القرار و المراكز المعنية حيث أجرت مؤسسة الإحصاء المركزي السويدي استطلاعا عاما لمعرفة مدى استفادة السويد من هذه الكفاءات المهاجرة ,وأتضح أن 80 بالمائة من هذه الكفاءات تعيش تحت وقع البطالة و على الأغلب فان العديد من هذه الكفاءات تحاول أن تخلق لنفسها شخصية جديدة و قد يكون ميلاد الشخصية الجديدة لاعلاقة له البتة  بالشخصية القديمة .و كانت بعض الصحف السويدية في وقت سابق أشارت إلى أن العديد من المهاجرين الذين وجدوا وظائف يتقاضون رواتب أدنى بكثير من رواتب السويديين , علما أن أصحاب الأسماء المهاجرة أو الأجنبية أقل حظا في الحصول على عمل إلى درجة أن بعض الإيرانيين أضطروا إلى تغيير أسمائهم إلى أسماء سويدية للحصول على وظائف على اعتبار أن العديد من أرباب العمل عنصريون ولا يستسيغون وجود أجانب في شركاتهم  , وللإشارة فان القطاع الخاص هو المستحوذ على سوق العمل بالمطلق و التوظيف يتم أحيانا من منظور عنصري.

و تحظر الحكومة السويدية ممارسة التمييز العنصري و يحق للأجنبي الذي يمارس التمييز ضده أن يرفع دعوى على رب العمل السويدي ذي التوجهات العنصرية .غير أن المشكلة لا تكمن هاهنا بل تكمن في ضياع مستقبل النخبة العربية التي كانت تأمل أنها في ظل أجواء الحرية والطمأنينة أن تؤكد نفسها و تسترسل في العطاء و الإبداع ,لكن إتضح لهذه النخبة أن تأكيد الذات في الواقع الغربي هو أعقد وأصعب من الهجرة الجغرافية ,وأن الحضارة الغربية ورغم سمة الاعتراف بالآخر التي تميزها نظريا إلى أن الانغلاق هو السمة الواقعية و خصوصا لجهة التعامل مع القادمين من العالم العربي والإسلامي .

ويبقى القول أن على السويد أن تضع استراتيجية للاستفادة من هذه الطاقات العربية والمهاجرة عموما وعلى الفور وأن لا تكون الأنظار موجهة إلى من هم في صلب المهاجرين حفاظا على التوازن السكاني .

و المدخل الصحيح إلى التوازن السكاني هو التوازن النفسي والعملي ,وقد وعدت الحكومة السويدية بإيجاد مناصب عمل للمهاجرين و مساعدة الراغبين في فتح شركات خاصة على تحقيق مرادهم .

لكن هل يتحقق ذلك أم يستمر هم النخبة العربية متواصلا و كأن العوربة لعنة جديدة تلاحق أصحابها حتى لو كانوا لاجئين في الإيسكيمو.!!!!

 

منتدى الناتو والخطر الأخضر.

 

 

في أوائل التسعينات وعندما تفكك حلف وارسو كما تفككت الأمبراطورية السوفياتية السابقة برز حلف الناتو أو حلف الأطلسي كأقوى حلف في العالم له استراتيجيته و مخططاته و ميزانيته و مشاريعه وسياساته الخاصة .

وبسبب الفراغ الحاصل في مجال الأحلاف العسكرية فقد تحولّ منتدى الناتو إلى أهم حلف عسكري وتدل على ذلك نشاطاته المتزايدة وامتداده ليشمل دول أوروبا الشرقية سابقا.وتهيمن على منتدى الناتو الولايات المتحدة الأمريكية التي مازالت ترى أنها صاحبة الفضل على أوروبا والتي لولا مشروع مارشال الأمريكي لظلت أوروبا في خانة الدول المتخلفة .

و خلفية تشكيل حلف الناتو كانت سياسية في بداية المطاف , إذ بعد الحرب الكونية الثانية وبداية امتداد الإتحاد السوفياتي باتجاه أوروبا الشرقية ,شعرت الولايات المتحدة الأمريكية ومعها دول أوروبا الغربية بدنو الخطر الأحمر إلى عقر الدار الأوروبية ولمواجهة الخطر الأحمر تّم تشكيل حلف الناتو لمواجهة الإيديولوجيا الحمراء والترسانة العسكرية الحمراء أيضا.

و إذا كان الخطر الأحمر قد زال إلى الأبد وباتت دول أوروبا الشرقية تتكالب للانضمام إلى حلف الناتو , وحتى روسيا وقعت اتفاق شراكة مع الناتو فما داعي لبقاء الناتو وحرصه على مزيد من التوسع والإستقواء.

و للإجابة على هذا السؤال لابد من أعمال النظر في تصريحات مسؤولي الناتو والتدقيق في البيانات الختامية لمؤتمرات منتدى الناتو و فحص الدراسات التي يصدرها الناتو.

مبدئيا تحرص بعض الدراسات على القول أن حلف الناتو وبعد تفكّك الاتحاد السوفياتي السابق أصبحت وظيفته تكمن في الحفاظ على الأمن القومي للكتلة الغربية و الحؤول دون وقوع أحداث مشابهة لتلك التي وقعت أثناء الحرب الكونية الأولى والثانية والتي كانت أوروبا مسرحا لها .

وهناك بعض الدراسات التي قام بها الناتو و بعض مؤسسات الدراسات التي تتعاون مع منتدى الناتو تفيد بأن الخطر الأحمر أصبح اليوم خطرا أخضرا , وأن الخطر الأخضر أخطر بكثير من الخطر الأحمر , وتفترض بعض هذه الدراسات أن تعم الأصولية العالم العربي والإسلامي واحتمال أن تندلع مواجهات بين الكتلة العربية الإسلامية مع الكتلة الغربية .

وبعض هذه الدراسات تحمل الرائحة الأمريكية وفيها بصمات لبعض صناّع القرار السابقين في أمريكا و الذين باتوا يتعاونون مع مراكز الدراسات الإستراتيجية .

وهناك محاولات حثيثة لتوجيه الناتو في منحنيات بيانيّة مضادة للعالم العربي والإسلامي , وكانت بعض قمم الناتو وضعت مخططات عسكرية عن كيفية التدخل السريع في هذا الإقليم أو ذاك في حال انهارت الأوضاع الأمنية أو نشبت مشاكل من أي قبيل كانت.

واللافت للنظر أن أحد الباحثين من تل أبيب ذكر في بحث له أن أمنيته أن يدخل الناتو في حرب مع كتلة العالم العربي والإسلامي لتضمن الدولة العبرية بذلك ضعف الكتلتين الغربية والإسلامية ثم تستفرد هي بعدها بالسيادة على البحر الأبيض المتوسط و الذي يعتبر قاسما جغرافيا مشتركا بين الكتلة الغربية وعديد من الدول العربية.

و أشد ما يخشاه المراقبون أن يتحول الناتو إلى مؤسسة أمريكية في صيغة الشركة المتعددة الجنسيات , و رغم أن فرنسا تعمل على زحزحة الاستفراد الأمريكي بمنحنيات الناتو إلا أنها في النهاية تقبل صاغرة بما تخطط له واشنطن. وكانت واشنطن في وقت سابق أعطت الضوء الأخضر لدخول المجر وتشيكيا و بولندا إلى منتدى الناتو و تحفظت على انضمام رومانيا وسلوفينيا . وكانت فرنسا وايطاليا اعترضتا على سياسة أمريكا الناتوية حيث تسعى واشنطن للانفراد بصناعة سياسة الناتو العسكرية والأمنية وغيرها  ويبدو أن واشنطن وحدها تأكل العنب والبقية تتفرج على اللعبة فقط.

ومن هذا المنطلق يخشى أن تجير واشنطن الناتو في حروبها المفتوحة شرقا وغربا وحتى في الفضاء مستقبلا…..  

 

الإسلام دين إحياء وليس دين قتل !

 

لم يتحوّل دين من الأديّان إلى موضوع للإثارة و الأخذ والردّ والجدل مثلما أصبحت عليه

اليوم حال الإسلام في الجغرافيا التي تدين بالإسلام وفي الجغرافيا الغربيّة بل في جغرافيّا المذاهب الدينيّة و المذاهب الإنسانيّة على حدّ سواء  , و إذا كان الإسلام في مراحل نموّه و إمتداده إرتبط بالتحضّر و الفكر و الثقافة , فإنّه في الثلث الأخير من القرن الفارط و بدايات القرن الحالي إرتبط أو أريد ربطه بالإرهاب والقتل والإعتداء والإختطاف و تمّ تجريده من كل القيّم الحضارية التي كرسّها هو في الفكر الإنساني , وقدمّ الإسلام على أنّه دراكولا الجديد الذي لا يؤمن إلاّ بالقتل و التجني على الآخرين والسطو على أموالهم وخيراتهم وساهمت ممارسات المحسوبين على هذا الدين السلبيّة و المشوهّة في تكريس مفهوم الإسلام دراكولا الذي تعمل مؤسسات ذكيّة على أن نشر هذه الصفّة وتعميمها .

وإذا كانت إستراتيجيات الآخر الذي يهمّه وأد الإسلام و تجريده من أبعاده الإنسانية والفكرية والحضارية واضحة ولها ما يبررها بحكم أنّ الصراع الفكري والمذهبي والديني صفة ملازمة لحركة الإنسان والتاريخ منذ بدايتها , فإنّ ما يدعو إلى التأمّل هو قيام مجموعات من المحسوبين على الإسلام على التساهل في موضوع القتل وأخذهم من الإسلام ما يبررّ هذه المسلكيّة العدوانية و التي لا يقرّها لا الإسلام ولا نصوصه القرآنية و لا نصوصه النبويّة ولا إجماعات العلماء المتقدمين والمتأخرين .

مبدئيّا تجدر الإشارة إلى أنّ الأصل في وجود الإسلام وقيامه هو البناء لا الهدم , التكامل لا التناقص , الإحياء لا القتل , تقديس الروح البشريّة لا إمتهانها , حرمة الدماء والأموال والأعراض لا إنتهاكها , إقامة العدل و تحقير الظلم , ولم يحتط الإسلام في شيئ مثلما أحتاط في الدماء وجعل إزهاق الروح الواحدة كإزهاق أرواح البشر جميعا , ولم يشرّع الإسلام التعدّي على الآخرين اللهمّ إلاّ بمقدار الدفاع عن الأرض والعرض وحتى في حالات الدفاع عن الأرض والعرض هناك مجموعة شروط يجب الإلتزام بها منها حرمة التعدي على النساء والأطفال وحرمة قطع الأشجار  و إلحاق الرعب بالآخرين .

والذي حدث بعد وفاة رسول الإسلام – ص- أنّه تمّ التجاوز عن النص إلى التأويل , وتمّ التجاوز عن سيرة المصطفى – ص- إلى سيّر بعض أدعياء العلم والفقاهة , و بهذا الشكل كثرت المذاهب و الطوائف والملل والنحل والتفسيرات والتأويلات حتى أصبح الإسلام إسلامات و الدين ديانات و الرأي آراء والوحي الواحد الذي يمثلّه جبرائيل مجموعات من الوحي , وأصبحت كل طائفة وكل ملة وكل نحلة تقتبس من مصادر التشريع القرآن والسنة على وجه التحديد ما يقوّي موقف هذه الطائفة وتلك الملّة وذينك النحلة , و أصبح القرآن الذي وجد ليكون أساسا للرؤية الكونية مطيّة لتبرير التصرفات الطائشة للكثير من المسلمين , و يؤكّد التاريخ العربي والإسلامي أنّ ما أقترفه المحسوبون على الإسلام في حق إسلامهم أكثر ممّا أقترفه الفرنجة والمغول في حق الإسلام , و من يقرأ كتب الملل والنحل للشهرستاني و الفرق بين الفرق للإسفراييني البغدادي والملل والنحل لإبن حزم الأندلسي يدرك كم كان المحسوبون على الإسلام يتقاتلون بسبب تأويل خاطئ هنا , وفتوى باطلة هناك , و تفسير غير ناضج لهذا النص وهكذا دواليك .

ومع مرور القرون تشكلّت رؤى إسلامية ونظريات إسلامية ومفاهيم إسلامية مردّها ومرجعها قرون التفتتّ و الإفتراق و التقاتل والتباغض , وبدل أن نعود إلى إسلام الوحي الذي أوجد المنطلقات التي جئنا على ذكرها في بداية الحديث العدل وتقديس الروح الإنسانية و عدم جواز الإعتداء على الآخر , تغيرّت المنطلقات , وأصبح قتل المسلم جائزا لأنّه لا يؤدي الصلاة وإحراق وجه المرأة مباحا لأنها لا ترتدي الحجاب , و قتل الفرنسي أو الأمريكي مستساغا لأنّهما مسيحيان , و ما إلى ذلك , ولو كان المولى عزّ وجلّ يعامل خلقه بهذا المنطق لأبادهم من أول وهلة أوجدهم فيها , بينما إختار خطّ الإقناع والمحاججة و التبليغ الحكيم وأرسل لهذه المهمّة عشرات الآلاف من الأنبياء والرسل وكلفهم بفتح حوار طويل مع البشرية حول قضايا الوجود و ما بعد الوجود , وماهيّة الإنسان و الهدف السامي من إيجاده و ما إلى ذلك من التفاصيل .

وهذا ما يفسّر رفقة رسول الإسلام محمد بن عبد الله – ص -  بمشركي قريش و العفو عنهم لدى فتح مكة و إحسانه للنصارى و مبادرته لمساعدتهم ماديّا وحياتيا , وحتى اليهود عاشوا في كنف دولته في المدينة المنورّة حياة كريمة قبل أن يبادروا إلى حركة سرية لتدمير المجتمع الإسلامي في الداخل الإسلامي فعوقبوا لتصرفاتهم لا ليهوديتهم .

إنّ إنحراف قطاع كبير من المسلمين عن مقاصد الشريعة الحقة و لجوئهم إلى التأويلات الناشئة في عصر الفتنة وإسقاطهم تلك التأويلات على واقعنا المعيش هو الذي ألحق الأذى الكبير بالإسلام وحولّه من دين حضاري إلى دين يصادر الحضارة .

والعجيب أنّ الذي يتيح لنفسه قتل المسلم أو غير المسلم لم يرق ولن يرقى إلى درجة الإجتهاد التي تتيح له صناعة الفتوى أو إستنباط الحكم الشرعي اللازم لمثل هذا الفعل أو ذاك , فمعظم الذين يقومون بأعمال عنف هم مثيقفو أشرطة لبعض الغلاة الذين يقدمون الإسلام على أنّه دين سيف وليس دين قلم , دين إمتهان الروح وليس دين تقديس الروح, دين صدام وليس دين حوار .

إنّ في القرآن الكريم أروع صور الحوار بين الله والشيطان , بين الله وآدم و بين الله وجميع أنبيائه , و إذا كان الحوار بين الله والإنسان جائزا بمنطق القرآن , فإنّ الحوار بين الإنسان والإنسان واجب بل أشدّ وجوبا . وما جئنا على ذكره لا يلغي مسؤولية العديد من السلطات العربية و الأجهزة الأمنية العربية في الترويج لإسلام القتل والذبح والتجاوزات حتى تبررّ إستمرار حالات الطوارئ , و تؤكّد أن إيديولوجيتها الإشتراكية أو البعثية أو الليبيرالية هيّ أولى بالإتبّاع من الإسلام الحضاري الذي ظلمه بنوه الذين حولوه إلى دكّان

للإرتزاق , ومصيبة الإسلام في واقعنا الراهن أنّه أبتلي بقلة الرجال الذين يرتقون إلى مستوى حضاريته , ولا يمكن للإسلام أن ينزل إلى مستوانا المنحّط , فإمّا أن نرتفع إلى مستواه فنعزّ ونرتفع ,  أو نبقى في الحضيض مع إسلام من صناعة أوهامنا وساعتها ماذا سنقول لرسول الإسلام – ص- عندما يسأل يوم القيامة قائلا : أمتي , أمتي  !!!!!

 

 

العرب ومعركة المستقبل !

 

يعيش العالم العربي والإسلامي اليوم مرحلة من أعقد مراحله حيث التراجع سيّد الموقف في كل التفاصيل , وقد أصبحت النكسة بل النكسات ملازمة لحياتنا السياسية و الإقتصادية و الثقافية و الإجتماعية ناهيك عن الأمنيّة والعسكريّة , وكلما أوغلنا في قطاع معين نكتشف حجم التراجع فيه , و حجم التخلف أيضا , فقطاع السياسة لا يحتاج إلى تقديم أدلّة و مبررات لكشف حجم التراجع فيه , فالوجوه هي الوجوه , والبرامج هي البرامج , و المناورات هي المناورات , وعندما تطالب الشعوب العربية بالتغيير يقوم رسميونا بإضافة عبارات جديدة إلى مسمياتهم الإيديولوجية التي يحكموننا بها , فيصبح الحزب الدستوري الإشتراكي الحزب الدستوري الديموقراطي والحزب الوطني الإشتراكي الحزب الوطني الديموقراطي , و جبهة التحرير الوطني حزب جبهة التحرير الوطني , و تصبح المملكة الوراثية مملكة دستورية , و المملكة العائلية مملكة وطنية و ما إلى ذلك من التغييرات التي تطاول الظاهر دون المضمون , و الشكل دون الجوهر , و إذا إستماتت جماهيرنا في المطالبة بالتغيير , يقوم رئيس الجمهورية بإقالة رئيس الحكومة في الساعة الواحدة ظهرا ويعينه رئيسا للحكومة بمرسوم جديد في الساعة الثانية ظهرا في نفس اليوم  – ساعة واحدة للضحك على الذقون و تخدير الجماهير – ويقوم رئيس الحكومة بجلب نفس الأشخاص ويعين من كان وزيرا للزراعة وزيرا للثقافة فيخلط بين أبي الطيب المتنبي و البطاطا , و يصبح وزير الإقتصاد السابق وزيرا للموارد المائيّة و هلمّ جرّا و يبقى الرئيس هو الرئيس , و النهج هو النهج , و السياسة هي السياسة , وفي الوقت الذي تعلن فيه الحكومات عن إلغاء محاكم أمن الدولة ترفع ميزانية الأجهزة الأمنية لرفع عدد المخبرين الذين سكنوا في كل الزوايا والشوارع و حتى حركة القططة والكلاب الشاردة باتت مرصودة .

 ولم يكتف القيمّون على هذه السياسات على القفز على ضرورات التغيير ومواكبة العصر , بل خلقوا تيارات فكرية و إعلامية وثقافية لا تناقش إلا  قضايا الماضي الذي هو في حكم العدم كما يقول الفلاسفة , فعلى الصعيد السياسي فإنّ الغالب على نقاشاتنا هو الماضي و العهود البائدة و الحق مع من كان مع علي أو أبي بكر , وصممت برامج إعلامية للحديث عن الماضي و الغوص في تفاصيله , فهذا شاهد على العصر وذاك شاهد على القرن , و ذلك شاهد على المرحلة , ولم أشاهد أي برنامج يتحدث عن المستقبل و يستشرف لنا المرحلة المقبلة في كل تفاصيلها , وفي الغرب وحده يوجد أزيد من ثلاثة آلاف مركز إستشرافي يعنى بالدراسات المستقبلية بما في ذلك مستقبل العالم العربي والإسلامي , أمّا في العالم العربي فلا يوجد أي مركز يتولى قراءة المستقبل لا قريبه ولا متوسطه ولا بعيده .

في خطابنا السياسي مازال حاكمنا يحدثنا عن بداياته , وكيف قام بإنقلابه مع زملائه الذين إنقلب عليهم وقتلهم عن بكرة أبيهم , وما زال رؤساء الحكومات يحدثوننا عن إنجازاتهم السابقة في عهد الحرب الباردة وسياسة القطبين , و مازال مثقفونا يحدثوننا عن إزدهار الثقافة في عهد الأندلس , ومازال خطباؤنا في المساجد يحدثوننا عن صراعات الصحابة و دور البيضاء والصفراء في إثارة الفتن بين المسلمين .

 لقد أصبح الماضي مرجعيتنا وثقافتنا وزاويتنا وركننا الركين , وحتى حكامنا يذكروننّا بالماضي لأنّهم منذ الماضي وهم يحكموننا , ومنذ نعومة أظفاري وأنا أشاهد الكثير من الرؤساء الذين يحكموننا حتى أنّ الكثير منهم لم تتغيّر ملامحه بحكم طلاء الشعر الممتاز الذي يستخدمونه ويستورد لهم خصيصا وكان الأولى بهم أن يستخدموا الحنّاء لأنّها من الماضي .

أما في الغرب فهاجسهم المستقبل , الفضاء , القرية الكونية , القرية الفضائية , دراسات بالجملة والمفرّق عن الزراعة في هذا الإقليم الغربي سنة 2030 , الصناعة في ذاك الإقليم في سنة 2040 , كيفية إستثمار الطاقة الشمسية في المجالات كافة , والأكثر من ذلك دراسات عن آفاق العالم العربي والإسلامي برؤى غربية قحّة .

بسبب كل ما جئنا على ذكره وغيره كثير فقدنا دورنا راهنا ومستقبلا , فنحن خارجون من كل الخرائط الثقافية و السياسية والإقتصادية و الأمنية والإستراتيجية , ثمّ إذا أردنا بداية الإصلاح في عالمنا العربي والإسلامي فمن أين نبدأ فالعفونة في كل مكان !

 المنظومة السياسيّة متهرئة من أساسها وقوامها التملق والمحسوبية و القمع والديكتاتورية بالإضافة إلى أنّ الأجهزة الأمنية المتواطئة مع السيد الرئيس هي التي تسيّر ما يعرف بالدول تسامحا في بلادنا , والإقتصاد قوامه عصابات من رجال مخابرات وسياسة وضباط عسكريون يمسكون بإقتصاد أمّة بكاملها , والثقافة هي أكثر العناصر مظلومية في واقعنا العربي ويكفي النظر إلى مصاديق الثقافة و أحوال المثقفين الذين لا يجدون قوت يومهم لندرك مأسويّة الثقافة في بلدنا , أمّا أمننا فهو مخروم من أساسه وتكفي دبابة أمريكية واحدة لتطيح بأي رئيس عربي يخشوشن على شعبه فقط و يحني الرقبة أمّام الأمريكي صانع القضاء و القدر العربيين والإسلاميين .

كنّا نأمل أن نبدأ مسارنا مع بداية الألفية الثالثة بشكل صحيح في ضوء التجارب والأخطاء السابقة , لكن لو يبعث أجدادنا من القرن العاشر وقبله وبعده لوجدوا الحال هي الحال ,  والظرف هو الظرف ,  والفكر هو الفكر ,  و الطرح هو الطرح , والمرض هو المرض ,  والإستبداد هو الإستبداد , وما زلنا نختلف بين يجوز ولا يجوز حتى أصبحت أمة محمد كالعجوز !!

 

 

ملوكنا وملوكهم .

 

منذ نعومة أظفارنا و نحن نشاهد في شاشاتنا الوطنيّة جدّا صور رؤسائنا , ولا يخلو برنامج أو تقرير أو خبر إلاّ وفيه لفخامة الرئيس نصيب كبير من الحديث , إستقبل السيد الرئيس , ودعّ السيد الرئيس , دشنّ السيد الرئيس مجاري الصرف الصحّي , و أمر السيّد بإقامة مراحيض عامة للمواطنين , وغرس السيّد الرئيس شجرة تشاء الصدف أن لا تنمو أبدا تماما كالحركة التنمويّة في بلادنا و التي تتقدّم إلى الخلف دوما , ويكفي تدقيق بسيط في إحصاءات التنمية وحجم الديون لندرك خطورة التراجع والتقهقر العربيين في كافة المجالات .

و إذا تركنا الشاشة الوطنية جدّا والتي تخلط بين المقرئ الحصري و المطرب عمرو ديّاب , وبين المطرب رابح درياسة و شارل أزنافور و توجهنا إلى مدارسنا الوطنية جدا , نصادف أيضا صورة السيد الرئيس ونبدأ صباحنا بالدعاء له و إبداء تحيّة التقديس لحضرته بينما هو قابع في سريره الحريري الوثير بعد سهرات حمراء أين منها ليالي هارون الرشيد المظلوم مقابل رؤسائنا , فهذا رئيس عربي كانت لديه مائتان محظيّة أي جاريّة وكان يدخل عليهنّ وهنّ في الحمّام الجماعي عاريّات حتى نصحه رئيس عربي آخر أن يتقّي الله ويكتفي بزوجة واحدة , و هذا رئيس عربي يجمع البيضاوات والسمروات و الشقروات في مسبح عام ويحلو له إبصارهنّ وهنّ يسبحنّ عاريات , و البعض بات يستورد ممثلات رائعات الحسن والجمال , و هذا رئيس يحلو له التفرّج على أفلام خاصة إلى الساعة الخامسة صباحا وعندما يرفع آذان الصبح يكرع آخر كأس فودكا ثمّ يخلد إلى النوم إلى الساعة الثانية عشر تاركا إمرة البلاد لأجهزة المخابرات التي تقوم باللازم وزيادة , وهذا رئيس يحلو له دعوة مطربات اللائي يعملنّ بائعات هوى بإمتياز تحت عنوان مطربات وفنانات و آخر أغنية لا تغنيها المطربة طبعا بل يغنيها السيد الرئيس و مطلع كلماتها عيونك مقابل الوطن على صيغة النفط مقابل الدواء الأمميّة , وهذا رئيس يختار من مجلات الأزياء ما يحلو له من الغيد الأمانيد , أمّا أبناء الرؤساء فقد تطوروا وباتوا يستوردون الحسان عبر شبكة المعلوماتية مباشرة و من كل الأصناف , ومع كل ذلك كنّا في مدارسنا نغنّي للسيد الرئيس ونعتبر نزواته من ضرورات الوجاهة و مقتضيات الرئاسة , و من الإبتدائية و إلى الجامعة كان السيّد الرئيس رفيقا لنا نذكره في مناهجنا وفي فترات إستراحتنا , وحتى في الحمامات كنّا نصادف صورته المقدسّة , لكن كنّا نقول من الحرام بمكان أن نجعل صورة هذا الطاهر في مواقع النجاسة !!!

و في فترة خدمة العلم كانت صورة السيد الرئيس حاضرة , ويجوز للمواطن أن يسبّ الله ورسوله و ملائكته وعرشه و قرآنه لكن لا يجوز له مطلقا ذكر السيد الرئيس بأي نقيصة وإنّ ذلك يكلف ذاكر الرئيس بسوء الكثير الكثير , بين الإختفاء و القتل والدفن في المقابر الجماعية و كل وسائل التعذيب الوحشية يجوز إستعمالها في ذامّ السيد الرئيس أو منتقده , و عند موتنا ونحن نلحد لا نلقنّ الشهادة بحيث نلقى عليها الله , بل يقال لنا إذا جاءكم منكر ونكير فقولوا : السيد الرئيس ربنا و زعيمنا الأوحد ونبينا المرتجى .

هذا في بلادنا حيث ملوكنا ورؤساؤنا أرباب من دون الله , أمّا في الغرب فالملك رمزي لا يحكم بل يتجول في الطرقات , فمنذ سنوات وأنا أعيش في السويد لم أشاهد البتّة صور الملك كارل غوستاف في الشاشات الفضيّة , غاية ما هناك أشاهده في العاشر من كانون الأول – ديسمبر من كل عام عندما يقوم بتوزيع جائزة نوبل كل سنة , و يجوز لي أنا الجزائري المقيم في السويد أن أذمّه وأنتقده بل أطالب بإلغاء الملكيّة إذا شئت و أنام مطمئن قرير العين لا أخاف دركا ولا أحزن , الملوك في الغرب يعيشون بين الناس ويتجولون في الشوارع , و يمكن لأيّ مواطن أن يحدد موعدا معهم ليراهم ويفطر معهم , ولا يلتقون كل صباح مع مدراء الأجهزة الأمنية ليحصلوا على جردة بأسماء المقتولين والمقموعين لتطمئن قلوبهم , و لا يلتقون بمدراء البنوك ليحولوا أموال النفط والغاز و أقوات الفقراء إلى حسابات خاصة بهم و زوجاتهم وأولادهم , ولا يلتقون برؤساء الحكومات ليغيروا هذا الوزير وذاك الوزير , وهذا البوّاب وذاك جامع الزبالة والقمامة من المستوعبات , فالملوك في الغرب لا يتدخلون في شيئ , أما في بلادنا فهم كل شيئ , الملوك والرؤساء هم بمثابة رأس الدولة و يديها ومفاصلها وأقدامها و أذرعها و خلاياها و نخاعاتها و كرياتها البيض والحمر , وهذا ما يفسّر لماذا تنهار دولنا بسرعة الضوء عندما ينهار ملوكنا وحكامنا إما موتا أو إسقاطا بفعل دبابة أمريكية , فهم الدولة و الدولة هم لقد غيبّوا المؤسسّات الحقيقية التي تحافظ على ديمومة الدولة وصيروتها بعدهم .

ملوكهم لا يحكمون شيئا وملوكنا يحكمون كل شيئ , ملوكهم يقرأون كثيرا وملوكنا لا يقرأون شيئا وقد حرمهم الله نعمة البيان ونعمة الكتابة والقراءة , إذا تكلموا بان جهلهم , و إذا كتبوا فالمصيبة أعظم .

ولأنّهم كذلك فهم يريدون رعيّة من سنخهم , فالقائد العظيم يوجد منطقيا الأمة العظيمة , والقائد الخائن الجاهل الأمي الأمني العسكري الطمّاع سارق أقوات الناس يوجد أمة هزيلة ضعيفة سريعة الإنهيار , وهذا ما يفسّر الإنهيار الشامل الذي يميزّ واقعنا العربي والإسلامي من طنجة وإلى جاكرتا !!!!

 

 

 

موت الثقافة في العالم العربي !

لم تتنكّب حالة في العالم العربي مثلما تنكبّت الثقافة العربية التي أصبحت كالقدس تماما مهملة منسيّة ثانويّة بعيدة عن كل إهتمام رسمي و حتى جماهيري , ولموت الثقافة بكل تفاصيلها ومصاديقها أسباب كثيرة ولعلّ أهمها السعي الحثيث للنظام الرسمي العربي لوأدها وشنق منتجيها و مفعلّيها على شكل رواية و مقالة و مسرح وقصيدة و مناظرة و مجادلة و حوار و كتاب وما إلى ذلك من تمظهرات الثقافة وتجلياتها .

 والنظام الرسمي العربي المولع بالأحاديّة والشموليّة و البيداغوجيّة و الدوغمائيّة أجهز على كل ما له صلّة بالإبداع وحصر الإبداع في الخطّ السياسي والإعلامي والإيديولوجي الذي يؤمن به , فالقصيدة التي لا تمجّد السيّد الرئيس هي قصيدة مشبوهة , و البيت الشعري الذي لا يسبّح بحمد هذا الملك وذاك الأمير ليس بيتا من الشعر ولا يمكن أن يرى النور في فضائيات و إذاعات و صحف هذا الأمير وذاك الملك , والرواية التي لا تتحدث عن بطولات السيد الرئيس ومجد الحزب الحاكم و فتوحات النظام السيّاسي ليست رواية و الأغنية التي لا تمجّد السيد الرئيس الفاتح العربي صاحب النياشين الوهميّة ليست أغنية والمقالة التي لا تركّز على الإنتصار الحضاري والنهضوي الذي حققّه السيد الرئيس ليست مقالة ...

 و قد خلق النظام الرسمي العربي فضائيات تتناول الفنّ والفنانين أكثر مما تتناول الثقافة والمثقفين علما أنّ السلف الصالح في هذه الأمة قالوا : أخبث الكسب كسب الزمّارة , أي الكسب الحاصل من الغناء والطرب . و الحاكم العربي عندما يأمر بإقامة فضائيّات لا تعنى إلاّ بالطرب والرقص الشرقي العاهر والداعر لا يهدف إلى إراحة المواطنين المسحوقين المظلومين و المحتقرين ببطشه وطغيانه و إفراحهم بقدر ما يهدف إلى إيجاد بضاعة رخيصة في المجتمع وتسفيه عقول المواطنين حتى لا يرقى عقلهم إلى إكتشاف مؤامراته و سرقاته و جهله , وكلمّا عمّ الجهل كلمّا إستمرّ إستبداده وإستتر جهله و غشاوته , وفي يوم من الإيّام كنت أتفاوض مع مدير تلفزيون عربي حول برنامج كان يفترض أن أنشطّه , فقال لي هامسا خوفا من وجود أجهزة تنصّت داخل مكتبه إنّ الجهات العليا لا ترغب في مثل هذا البرنامج , فقلت له بصوت مرتفع طبعا إنّ الجهات العليا تشجّع العهر والدعارة الثقافية و الفنيّة حتى يدوم حكمها , وهل طالت أعمارهم السيّاسيّة إلاّ بفضل سياسة التجهيل التي طبقّوما ويكرسونّها في واقعنا كل واقعنا  , و ما زلت أتذكّر كيف طلب حاكم عربي من مخرج سينيمائي أن يكثر من عدد القبلات في أفلامه ومسلسلاته حتى تنطلق شهوات الناس إلى أبعد مدى وبالتالي يتجنّب الناس التنكيت عن الحكومة وأدائها السياسي .

يخطئ من يتصوّر أنّ الصدفة والصدفة وحدها هي التي تقف وراء تسفيه الثقافة والمسرح والبرامج الإعلامية و التلفزيونية و النصوص الأدبية , إنّ ذلك كل ذلك يرتبط بإستراتيجية كاملة لدوائر القرار العربي التي تريد فضائيات لا تصدح إلا بالغناء و أشير هنا أنّ فضائية عربية إتصلت بي لأدلي برأيي في حدث سياسي فظلّ معّد البرنامج يتوسلنّي حتى لا أتطرق إلى القيادة السياسية في البلد الذي توجد فيه هذه الفضائيّة – طبعا هذه الفضائيّة غير الجزيرة القطرية أقول هذا الكلام لأنّ الكثير تعودّ أن يراني في فضائيّة الجزيرة , إنّما أقصد فضائيّة أخرى - , وإذا تركنا الإعلام المرئي جانبا وهو أداة مهمّة وفاعلة من أدوات إبراز الفعل الثقافي و تطرقنا إلى الإعلام المكتوب فالكارثة أشدّ وأعظم , فالأحاديّة السياسيّة و الإعلامية هي سيّدة الموقف في معظم البلاد العربيّة والإسلامية وفي هذه الحالة فإنّ رئيس التحرير المعيّن من قبل الجهات العليا هو أشبه بجنرال لديه تعليمات ودساتير وملاحظات لها أول وليس لها آخر , فالمجال مفتوح ومفسوح للمتخندقين فقط في خطّ الموالاة والتحزّب لفقه السلطة و دستورها أمّا الشريحة الواسعة من المبدعين والمفكرين – لابدّ من الإشارة هاهنا أنّ صاحب الإبداع و الفكر والعطاء المتواصل يأبى أن يكون تابعا لحكم أو معارضة ولذلك تجده منبوذا من قبل الحكم والمعارضة على السواء – و بهذه الطريقة يتكرس فكر الببغّاء وثقافة الإجترار البعيدة عن النظرة النقديّة والأفكار الإحتجاجيّة التي بها دون غيرها تزدهر الثقافة و تتقدم حركة الفكر ولولا الأخذ والردّ والإيراد في الفكر البشري لما تطورّت المدارس الكلاميّة و الفلسفية والشعرية و الفنيّة وغيرها .

وفي بعض البلاد العربية التي إزدهرت فيها الصحافة الخاصة كلبنان مثلا , فقطاع كبير من هذه الصحافة وإن لم يكن تابعا للحكومة اللبنانية لكنّه كان تابعا لدول عربية أخرى ما فتئت تموّل وتقدم الدعم المالي لهذه الصحف التي تفتح أبوابها لمفكرين أو كتّاب يرضى عنهم هذا النظام المموّل ومن كانوا في صف المنبوذين يحارب نتاجهم إلى أبعد الحدود , وربمّا في قول الرئيس اللبناني الأسبق شارل الحلو لبعض أعمدة الصحافة اللبنانية : مرحبا بكم في وطنكم الثاني لبنان ما يشير إلى هذه الإشكالية .

لقد أفسد مال النظام الرسمي العربي و البترودولار الثقافة العربية إلى أبعد الحدود , فربّ حاكم عربي يخصصّ ملايين الدولارات يوزعّها على ثلّة من الكتّاب والمفكرين لدراسة فكره العملاق و توجهاته الحضارية و دماغه المبدع! والعجيب يستغرق هؤلاء سنين عديدة في دراسة ظاهرة هذا الحاكم وذاك الحاكم , وبدل أن ينصرف جهد الكتّاب والمبدعين إلى دراسة عوامل النهضة وآليّات صناعة الحضارة برؤى ثاقبة بعيدة عن فقه التكرار والإجترار وإعادة إنتاج موروثنا الثقافي , فإننا نصرف الجهد والطاقة في إستكشاف عبقرية من خلقهم الله سفهاء صما بكمّا عميّا فهم لا يبصرون .

وللأسف الشديد البترول الذي أنتج لنا ملايير الملايير من الدولارات – تشير إحصاءات دقيقة أنّ الوطن العربي وفي غضون الخمسين سنة الماضيّة جنى ملايير الملايير من الدولارات -  لم نستخدم جزءا بسيطا منه في إنتاج ثقافة واعية هادفة , فالمهرجانات الثقافية في عرف كل الدول العربية تعني رقص الراقصات وزعيق المطربين ونهيق الفنانين البطّالين الذين لا يتعدّى مستوى أشهرهم التعليم الإبتدائي , و إستضافة بافاروتي وشاكيرا و غيرهما , وفي الوقت الذي يتبرّع فيه أمراؤنا وكبراؤنا بملايين الدولارات على الجامعات الأمريكية والبريطانية فإنّهم لا يقدمون دينارا واحدا لمراكز ثقافية عربية إنطلقت بجهود مخلصين لصناعة الفعل الثقافي ,  و في الوقت الذي يوزع فيه أولئك مئات آلاف الدولارات على عارضات الأزياء والراقصات والفنانات فإنّ بعض المثقفين لا يجدون قوت يومهم .

والعجيب أنّ بعض حكامنا تحولوّا بقدرة قادر إلى كتّاب ومثقفين وروائيين ورفعوا  شعار الثقافة نحن !

والفكر نحن !

والأبطال نحن !

 والفن نحن !

 والأنبياء نحن !

 والرسل نحن !

والفلاسفة نحن !

والآلهة نحن !

و الدولة نحن !

والعبقريّة نحن !

و لا نملك إلاّ أن نقول :

على الفكر والفلسفة و النبوة والثقافة ألف سلام , ألف سلام , ألف رحمة وألف رحمة وإنا للّه وإنّا إليه راجعون !!!!

 

 

الصحفيون الذين يقبضون من الطغاة طغاة أيضا .

 

على إمتداد حياتي الصحفية في الجزائر والعالم العربي والغرب تعرفت إلى العديد من الصحفيين الجزائريين والعرب والذين بات بعضهم بين عشية وضحاها من أهل النعمة والترف ويعيشون في بحبوحة من العيش تاركين وراءهم شعارات من قبيل نصرة المستضعفين وفضح الطغاة وإستخدام القلم للإنتصار للقضايا الكبرى , والأغرب أنني عملت مع بعض أرباب الصحف كانت صحفهم تقوم على بعدين الإسلام والعروبة , وكانوا يمتطون الشبح و لديهم عشرات الحسابات هنا وهناك في مختلف العواصم التي يترددون عليها , وهناك من كان يفطر مع نظام عربي ويتغذى مع آخر و يتعشى مع ثالث وهلمّ جرّا ..

وكثيرا ما كانت الأجهزة الأمنية في الوطن العربي تسعى لإقامة علاقات مع صحفيين وتتحقق الخدمة المتبادلة يحصل على إثرها الصحفي على إمتيازات و عطاءات من الأموال المسروقة من الشعوب المستضعفة , وقد أحسنت النظم العربية في إستخدام العديد من الصحفيين والأقلام ومن خلال هؤلاء الصحفيين الطغاة أيضا مررت السلطات عشرات المشاريع والرؤى وتحولّ الصحفيون إلى مروضين , يروضّون الإنسان العربي لصالح الطغاة والقبول بكل ما يصدر عنهم .

وقد وقع تداخل بين المال والصحافة , وبين الأجهزة الأمنية ودوائر السلطة والصحافة , إلى درجة أنّ الصحافة لم تصبح سلطة رابعة بقدر ما أصبحت حصان طروادة السلطة والتي كانت تشرعن ما تقدم عليه هذه السلطة من خلال توجيهات الصحافة و تبريرات الصحافة , وحصل الصحفيون الذين خانوا أمتهم ومبادئهم على فيلات وسيارات وعلاوات ومناصب و أضواء هنا وهناك ومرافقة للسيد الرئيس في رحلاته الإستجمامية إلى الدول الغربية وغيرها , و إذا كان هذا وضع الصحافة الرسمية فإنّ صحف المعارضة لم تسلم من الإختراق من قبل الأجهزة الأمنية الغربية والسفارات العربية حيث وصلت المبالغ التي حصل عليها بعض رؤساء التحرير إلى حدود الخيال وكل ذلك كان يتم تحت عنوان هديّة و دعم لهذه الصحيفة وتلك , ومازلت أتذكّر كيف حصل رئيس تحرير جريدة عربية مرموقة على مبلغ ثلاثين مليون دولار من رئيس عربي , وأخر كان ينتظر في البلاط الأميري يومين ليحضى بمقابلة الأمير أو ولي العهد ليحصل على حصته من أقوات الشعوب المسروقة , وهناك من حصل على سيارة وهناك من حصل على بيت وإمتلأت بطون العديد من الصحفيين من الحرام , ويستوي في هذا أصحاب كل الإتجاهات , والذي أعجب له أنّ الماركسي كان يقبض من دولة ليبيرالية و الإسلامي من دولة ماركسية أو إشتراكية والقومي من دولة قطرية , وبسطاء الناس عندما يقرأون بعضا من هذه الصحف يحلو لهم ما يرد فيها ولا يعرفون أنّها جزء من ألاعيب الأجهزة الأمنية التي تنص إستراتيجيتها على إستراتيجية اللاإستراتيجية .

و قد سألني أحد الصحفيين العرب لماذا لم تستقّر في صحيفة معينة فأجبته بأنّ مصيبتي أنني أعرف أكثر من غيري وأحيانا تكون المعرفة وكثرة المعلومات مضرّة , ولهذا إنتهى بي المطاف في شمال العالم , وعلم الله لو أنني أفتح كل الملفات وأتكلم بشكل مباشر لأنهارت الكثير من الأسماء , وكثير ما كان بعض رؤساء تحرير يعترضون على أمريكا سياستها وبعد ذلك يتغذون مع السفير الأمريكي في عاصمة بلادهم , وكان يعمل معي صحفي عربي في جريدة مرموقة فسألت عنه يوما فقيل لي إشترى بيتا رائعا في أحد أحياء لندن الراقية وقد كان بالكاد يجد قوتا لأولاده .

وكثيرا ما أفسد المال الرسمي العربي المسروق من أفواه المستضعفين الذمم وقد دخل على خط الصحافة العربية والإعلام العربي المرئي مال الإستخبارات الأمريكية حتى بتنا نسمع عن صحفيي ومثقفي الإستخبارات الأمريكية العرب . وعندما يدمن الصحفي العربي المال الحرام يحلو له ذلك خصوصا وأنّه عندما يحضى برضا السلطات فإنّه يدخل في دائرة إمتيازاتها ونعمها و للسلطة نعيم وبريق خاص كثيرا ما ينطلي على الذين لا يتقون الله ولا يؤمنون حقيقة باليوم الآخر , لكن إذا لم يفضحهم الحاضر فسوف يفضحهم التاريخ والمستقبل , وفي هذا السياق أقول لا فرق بين هذا الطاغية وذاك الطاغية , فإذا كان الصحفي يعيب على حركة الظلم في هذا الموقع العربي عليه أن يعيب الظلم في أي مكان و لا فرق هنا بين الطاغية صدّام حسين المعتوه المجرم وبقية الطغاة فكلهم في الظلم عرب !

والصحفي الشحّاذ الذي يقبض هدية أو عطيّة من طاغية مستبد أو من جهاز أمني قمعي هو صحفي طاغ أيضا بل كلب وحقير , لأنّه خان أهم سمة في المهنة وهي عدم بيع المبادئ الكبرى التي لأجلها قام الفكر الحق والثقافة الحقّة .

ولا يجب أن نلعن الطغاة الذين صادروا حياتنا ومقدراتنا , بل علينا أن نلعن أي صحفي قبض أي مبلغ حتى لو كان ضئيلا من أي طاغية كان في المشرق العربي أو المغرب العربي , وعلينا أن نلعن أي صحفي يمجّد الظلم و يسكت عن الظالمين بل ويشرعن ظلمهم , كما فعلت حفنة من الصحفيين مع صدام حسين أبي المقابر أو مع أمريكا مخترعة المقابر , أو أي طاغية وجد على وجه البسيطة , فالحرّ يجب أن يبقى ويموت حرّا , ولعن الله أموال كل الطغاة إذا كانت ستخرس الحق .

وما زلت أتذكّر عندما كنت محاصرا في وطني الجزائر ممنوعا من السفر , إلتقيت بوزير الداخلية الجزائر في ذلك الوقت فقال لي : أطلب ما تريد نعطيك , فقلت له إعطني جواز سفري , فقال لي عجيب أمرك أعرض عليك الدنيا وتريد المنفى , فقلت له أن ألقى ربي منفيّا خير لي من أن ألقاه خائنا مجرما في زمرة المجرمين , ومنذ عقدين وأنا أجول الأمصار مات الكثير من أهلي وإبني الكبير , ورغم كل ذلك يستحيل أنّ أقول لأيّ طاغية كائن من كان : أنت رمز العدالة , كما حدث مع طغاة العالم العربي , ومن هذا المنطلق فكل صحفي يقبض من الطغاة هو طاغية وعلينا أن نلعنه كما نلعن الطغاة .