الإرهاب وليد النصّ القرآني أو الحكم الطغياني .

بقلم / يحي أبوزكريا .

 

الإهداء : إلى كل الذين يؤمنون بالثقافة
 ويرونها السبيل الوحيد نحو رفعتنا الحضاريةّ .

 

هذا الكتاب هو سلسلة مقالات كتبت في أوقات متفرقة
 يجمع بينها الهمّ الحضاري و الرغبة في إعادة البناء
 وفق أسس حضارية سليمة وموضوعية , مقالات من الشرق كما من الغرب .

 

يحي أبوزكريا .

إعادة إنتاج الإستعمار في العالم الإسلامي .

 

 

يعيش العالم الإسلامي اليوم وضعا معقدا ومربكا في كل تفاصيله , وقد أصبحت الجغرافيا التي تدين بالإسلام من طنجة وإلى جاكرتا ووصولا إلى روافد العالم الإسلامي في معظم القارات عرضة للإحتلال المباشر وغير المباشر عسكريّا وسياسيّا و إقتصاديّا وثقافيّا وأمنيّا , وقد كان الإعتقاد السائد أنّ العالم الإسلامي قد ودعّ وإلى الأبد الحركة الإستعمارية التوسعية الغربية والتي أرخت بظلالها علىعالمنا الإسلامي في القرن الماضي , والتي كانت سببا رئيسا في تراجع المشروع النهضوي والتنموي الإسلامي , كما كانت السبب في إنتاج نخب علمانية أتاحت للفكر الكولونيالي في كل أبعاده السياسية والثقافية والإقتصادية أن يستمر محركا لتفاصيل الدولة الحديثة المستقلة إسما وشكلا . ومما لا شكّ فيه فإنّ العالم الإسلامي قد تأثرّ إلى أبعد الحدود بالحركات الإستعمارية والإحتلالية التي جاءت من الغرب بحجّة نشر الحضارة والمدنية في واقع كله تخلّف حسب إدعاءات منظريّ الإستعمار الذين كانوا ملحقين بوزارات الخارجية في العواصم الغربيّة .

 ولم يغادر المحتلون عالمنا الإسلامي إلاّ بعد أن أطمأنوا أنّهم وضعوا دساتير هي من روح دساتيرهم وعينوا تكنوقراط وسياسيين في دوائر القرار في هذه الدولة وتلك وكلهم من الذين نهلوا من معين الثقافة الغربية الكولونياليّة , وقد أكملت هذه النخب مسيرة الحركة الإستعمارية فحاصرت الإسلام في عقر داره وعملت على تجفيف منابعه و ملاحقة الدعاة إلى ثقافته , ولم تكن هذه السيئة الوحيدة للحركات الإستعمارية بل هناك مجموعة سيئات سياسية وإقتصادية وثقافية وجيوسياسيّة , فعلى الصعيد السياسي لعب الإستعمار الغربي دورا كبيرا في صياغة الدساتير التي أصبحت مرجعا أساسا للدولة الحديثة في عالمنا الإسلامي , بل أنّ بعض الدساتير كانت نسخة طبق الأصل من الدساتير الغربية , وبطبيعة

الحال أوكلت مهمة شرح هذه الدساتير وتنفيذها لشخصيات إسلامية إسما وغربية قلبا ومضمونا درست في المعاهد الغربية وأستوعبت روح الحضارة الغربية , وهي الفئة التي عناها الفيلسوف الوجودي الفرنسي بقوله , كانت الدول الغربية الإستعمارية فيما مضى تبعث دباباتها إلى الدول الثالثيّة لنشر فكرها بالقوّة ثمّ تداركت الموقف وباتت تستورد أذكياء من تلك البلاد وتدرسّهم في جامعاتها ومعاهدها ثمّ توفدهم كحكّام لدول العالم الثالث وبهذا الشكل يتحققّ الغرض الإستعماري بدون دبابّة !

وعلى الصعيد الإقتصادي فقد أفرغت الحركات الإستعمارية خزائن البنوك من محتوياتها وخلفوا وراءهم دولا بلا موارد أو مقدرات , بل قاموا في بعض البلاد كدول المغرب العربي بتحطيم كافة الجرارات الزراعية لعدم إستخدامها في الإستصلاح الزراعي , وأملوا على كل دولة أن تنتج منتوجا واحدا أو إثنين ممّا يحتاج له المستعمر , فالجزائر على سبيل المثال وعندما كانت ترزح تحت الإستعمار الفرنسي كانت تصدّر القمح إلى كل الدول الأوربية وبنسبة ثمانين بالمائة , وبعد أن أستقلّت الجزائر باتت تستورد القمح بنسبة مائة بالمائة وأصبحت في المقابل تزرع العنب وتنتج الخمور التي مازالت فرنسا الدولة المستعمرة سابقا المشتري الأول لها .

 كما أنّ الدول الإستعماريّة ظلّت تحتفظ لنفسها بخرائط دقيقة عن مكان وجود الموارد الأوليّة من نفط وذهب وغاز ويورانيوم وحديد ومياه جوفيّة وغير ذلك من الأمور .

وعلى الصعيد الثقافي فإنّ معظم الدول التي كانت مستعمرة – بفتح الراء – تعاني اليوم من أزمة هويّة قلّ نظيرها أفضت إلى إنتاج حروب أهليّة بالجملة في أكثر من دولة إسلاميّة , كما أعادت الحركات الإستعمارية إحياء الإثنيات التي إنصهرت في بوتقة الإسلام على مدى أربع عشر قرنا , و إستغلّت التناقضات الداخليّة وتحولّت الأقليّات إلى إطارات سياسيّة وإيديولوجيّة أفادت الحركات الإستعمارية في وقت لاحق عندما دبّ الحنين في هذه الحركات بمعاودة الكرّة التي كانت قبل أزيد من قرن .

 وتمكنت الحركات الإستعماريّة من غرس بذور ثقافية وفكرية في التربة الإسلامية أينعت بعد حين تماما كما قال الجنرال الفرنسي شارل ديغول وهو يغادر الجزائر سنة 1962 تحت ضغط الثورة الجزائريّة : لقد تركت في الجزائر بذورا ستينع بعد حين .

وكانت هذه البذور هي التي شككّت لاحقا في هويّة الشعب الجزائري ذات البعدين العربي والإسلامي .

وعلى الصعيد الجيوسياسي ترك الإستعمار أزمة الحدود ملتهبة بين كل الدول الإسلاميّة تقريبا وهي التي سمّاها رئيس الديبلوماسية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر بعوامل التوتّر التي تفيد الإدارة الأمريكية عند الحاجة والضرورة . ومازالت أزمة الحدود بين الدول الإسلامية قائمة مهدّت لنشوء صراعات متفاقمة بل مازالت تهددّ بإندلاع صراعات حادة على المدى المتوسّط .

وإذا كانت هذه صورة موجزة ومختزلة عن العالم الإسلامي بالأمس فإنّه اليوم ومع بداية الألفية الثالثة لا يختلف كثيرا عن صورته في الماضي فالدول الإسلامية مازالت عرضة للإحتلال المباشر وما زال القسم الأكبر من العالم الإسلامي عرضة للغزو الإقتصادي والثقافي .

 فعلى صعيد الإحتلال العسكري فإنّ هناك ثلاث دول إسلامية محتلة إحتلالا مباشرا من قبل الدولة العبريّة و الولايات المتحدة  الأمريكية الوريث الشرعي للأمبراطورية البريطانية كما قال هنري كيسنجر في مقالة له عن النظام العالمي الجديد وهذه الدول هي فلسطين وأفغانستان والعراق , وهناك دول إسلامية تفتّت بسبب الولايات المتحدة الأمريكية ومساعيها وهي إندونسيا والتي إستقلّت عنها تيمور الشرقيّة و الصومال , كما أنّ هناك جمهوريات إسلامية تقبع تحت الإحتلال الروسي كالشيشان والتي لم تأخذ حظها من الإستقلال , على الرغم من أنّ الجمهوريات الكاثوليكية في الإتحاد السوفياتي السابق نالت إستقلالها بدعم من الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية .

وعلى الصعيد الإقتصادي فما زالت الشركات المتعددة الجنسيات الأمريكية في مجملها وصندوق النقد الدولي يتحكّم في إقتصاديّات العالم الإسلامي وقد أصبحت المساعدة الإقتصادية للعالم الإسلامي مقرونة بالرضوخ السياسي والإستجابة الكاملة لقرارات ومخططّات الإرادات الدوليّة , والأكثر من ذلك فإنّ البنوك الدولية ذات التمويل الأمريكي هي التي باتت تخطط المنهج الإقتصادي لهذه الدولة الإسلامية وتلك .

وثقافيّا فإنّ الإدارة الأمريكة وضعت مخططّا كاملا وإستراتيجية متعددة الأبعاد لإعادة تأهيل العالم الإسلامي ثقافيا وتربويّا وعلميّا , وكل دولة إسلامية تحاول الإنطلاق من مقوماتها الذاتية وتعمل على إستكناه أسرار التقنية وتحديدا تكنولوجيا السلاح فإنّها تدرج في خانة الدول المتمردّة وبالتالي هناك كمّ هائل من القوانين لمعاقبتها .

وبعد الحادي عشر من أيلول – سبتمبر خرجت أمريكا من دائرة الرغبة في بسط الإحتلال السياسي والإقتصادي والثقافي إلى الإحتلال العسكري , ومثلما كان العالم الإسلامي في بداية القرن الماضي عرضة للإستعمار والإحتلال فإنّه دشنّ بداية قرنه الحالي بإحتلال أمريكا لدول مفصلية إستراتيجيا وجيوسياسيّا في الجغرافيا الإسلامية وما زالت شهيتها مفتوحة إلى درجة أنّها أعادت عسكرييها المتقاعدين إلى الخدمة وفي العالم الإسلامي !

 

 

الإرهاب وليد النصّ القرآني أو الحكم الطغياني !

 

 

تحولّت ظاهرة الإرهاب في العالم العربي والإسلامي على وجه التحديد إلى أعقد ظاهرة سياسيّة و أمنيّة و إجتماعيّة , وقد أنتجت هذه الظاهرة سلسلة لا مثيل من الدراسات والمقالات و الإنشغالات الفكريّة والبحث عن الجذور التاريخية و السياسية لهذه الظاهرة , و ما كتب عن هذه الظاهرة هو أضعاف ما كتب عن المشروع النهضوي والتنموي في واقعنا العربي والإسلامي حيث بحث ثلّة من مفكرينا في آليات النهضة و مرّت بحوثهم بدون عناية فكريّة تذكر ربمّا لأنّ الذاكرة العربية والإسلامية مصابة بخدوش خطيرة وربمّا لأننا لا نولي المشاريع الكبرى أهميّة تذكر .

 ولعلّ أهم المراكز التي تناولت ظاهرة الإرهاب بالبحث و التنقيب هي مراكز الأبحاث و المعلومات التابعة لدوائر الإستخبارات العربية والغربية و تليها مراكز الدراسات الإستراتيجية ذات الإرتباطات المتعددّة ثمّ المراكز الإعلامية ودور النشر والمنتديّات الثقافيّة.   ولأننّا منشطرون دوما حتى في فكرنا وثقافتنا ومشاريعنا فإنّ البحوث التي وضعت حول ظاهرة الإرهاب هي الأخرى منشطرة حول نفسها , فللسلطات وأدواتها الفكرية والإعلامية رأي في هذا الموضوع وللمعارضات رأي وللباحثين آراء مختلفة . والقراءة المتأنيّة و الإستقرائيّة لمجمل ما كتب حول الإرهاب وجذوره تفضي إلى تعداد مدرستين مختلفتين حول الإرهاب وجذوره , فالمدرسة الأولى وهي المدرسة الرسمية السلطويّة فترى سواء عبرّت عن ذلك بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر أنّ النص القرآني وتراكمات التاريخ الإسلامي و الأصولية الإسلاموية الظلامية بتعبير الخطابات السلطوية الرسمية هي التي أنتجت الإرهاب وأفرزت فكر التكفير و الحكم على السلطة أحيانا وعلى المجتمع أحيانا أخرى بالردّة وبالتالي مشروعية قتال المرتدين , ويذهب هذا الخطاب الرسمي إلى أنّ الذين يمارسون العنف ضدّ السلطات القائمة ينطلقون من آيات قرآنية وأحاديث نبوية وسيرة السلف الصالح ويسقطون كل ذلك على الواقع المعيش ولعلّ أبرز آية تستخدم لشرعنة العنف ضدّ السلطات هي آيات سورة المائدة :

ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وفي آية أخرى هم الظالمون , وما إلى ذلك من الآيات . ولتقزيم أصحاب هذا الإتجاه تعمد السلطات إلى إستمالة أصحاب الطرح الإسلامي المعتدل و تحاول وأد تيّار العنف من خلال الحصول على الشرعية من المعتدلين والمتخندقين في خطّها مقابل بعض المناصب هنا وهناك وبعض الإمتيازات التي يحضى بها رجالات القرار دون غيرهم .

ومقابل هذه المدرسة الرسمية التي تعطي للإرهاب بعدا دينيا هناك مدرسة قوامها مفكرون مستقلون ومعارضون وباحثون إجتماعيون وسياسيون يرون أنّ إرهاب السلطة هو الذي أنتج إرهاب المجتمع , وأنّ الديكتاتورية والتسلط والقمع والممارسات العدوانية والوحشيّة للحاكم وحاشيته هي التي أنتجت الإرهاب بدليل أنّ معظم الذين أطلقوا خطابات محاربة السلطة تعرضوا إلى أقسى أنواع التعذيب في السجون السلطوية , فبعضهم تمّ الإعتداء على كرامته وشرفه ,  وبعضهم تمّ حرمانه من نعمة الذريّة والإنجاب بالطرق المعروفة , ولا يمكن أن تلجأ السلطات الحاكمة في العالم العربي و الإسلامي إلى مصادرة مقدرات الشعوب و تسيّر الشعوب على أساس أنّها شعوب قاصرة مراهقة يتيمة تحتاج دوما إلى سوط الحاكم ليستقيم أمرها دون أن تتوقّع معارضات وردود من قبيل ما نراه في عالمنا العربي والإسلامي  .

وفي نظر هذه المدرسة فإنّ إنعدام الحريّة السياسيّة و الديموقراطية و الشفافيّة و مصادرة خيرات الناس وسرقة أرزاقهم وأقواتهم هي سبب العنف الأعمى الذي بات الميزة الأسمى و الأبرز لراهن عالمنا العربي والإسلامي , فالحاكم منع الناس من حرية التعبير والإنتقاد وإذا وجّه أي شخص نقدا بسيطا للحاكم فإنّ مآله سجون الحاكم التي أقامها بإحكام للقضاء على رجولة من يقرّون أنّ فيهم بعض رجولة , و التداول على السلطة ممنوع , فالسلطة حكر لحكامنا لا يتزعزعون عن كرسي الحكم إلاّ بموت أو إنقلاب أو دبابة أمريكيّة , و غير مصادرة الحكم وحرمان الشعب من صناعة قراره وسياسته الكبرى و الصغرى فإنّ الحاكم يلجأ إلى البطش والقمع و الظلم وسجن الأحرار .

و بالإنتقال إلى المتورطين في حركة العنف نجد أنّ معظمهم من المحرومين من أبسط مقومات الحياة فأغلبهم من القاطنين في البيوت القصديريّة والشعبية و الأحياء الفقيرة , وكثير منهم لا يجد عملا كريما ومقابل ذلك يشاهد هؤلاء الثروات الوطنية مغانم بين الحاكم العربي وأسرته و حاشيته , وإذا أرادت معارضة جادة أن تغيّر الأوضاع لصالحها فإنّ الدبابات التي أشتريت على أساس الدفاع عن الوطن أستخدمت ضدّ الشعوب المقموعة وبناءا عليه يخلص أصحاب المدرسة الثانية إلى القول بأنّ إرهاب السلطة وممارستها الطاغوتيّة هي التي أفرزت الإرهاب , فلو عدلت الحكومات العربية و وزعّت الثروة توزيعا عادلا على الناس و حكمت الناس بأطروحة سياسية يساهم الناس في إنتاجها لما ثارت شرائح من الناس ضدّ السلطات القائمة , ومشكلة الحاكم العربي كما تقول هذه المدرسة أنّه لا يسمع ولا يغادر قصره العاجي ليقابل الناس ويطلع على أخبارهم بل يكتفي بجلسة ساعة أو نصف ساعة مع مدير مخابراته الذي يزيّن له الكثير من الأمور .

وأكثر من ذلك فإنّ أصحاب المدرسة الثانية يرون أنّ السلطة صاحبة المدرسة الأولى وتأكيدا لخطابها السياسي وأدبياتها السياسية التي تنص على أنّ النصّ القرآني هو الذي أفرز الإرهاب أوجدت تيارات إسلامية مسلحة عنيفة وسخرتّها لخدمة مصالحها الإستراتيجية من جهة ولإدامة عمر العنف في واقعنا العربي والإسلامي ليكون العمل بقانون الطوارئ مبررا ولكي لا تطرح النخب السياسية مسألة الإسراع في الإنتخابات والإصلاحات بحجّة تدهور الوضع الأمني , و قد أعلن أحد رجال المخابرات في دولة عربية أنّ رئيسه في العمل أعطاه أمرا بإطلاق اللحية و التعود على إرتداء العباءة و إستخدام المسك الأظفر – وهو عطر يستخدمه المصلون عادة في المساجد – للشروع في مهمة معينة , وقد ساهمت الأجهزة الأمنية في أكثر من دولة عربية في إقامة جماعات إسلامية مسلحة لغرض سياسي وإستراتيجي قد يطول شرحه ويمكن القول أنّ رجل المخابرات في العالم العربي أطلق لحيته والإسلامي حلقها حتى إشتبه الأمر على كثير من الناس . وعلى الأرجح فإنّ السلطات القائمة في العالم العربي سوف تستمر في إستخدام هذه الورقة و التي من خلالها تحققّ العديد من الأهداف المتشعبة والمتداخلة ومنها :

التشكيك في مقومات الدين الإسلامي الحنيف وبالتالي تكرّس العلمنة والتغريب كبديل لا مناص منه للحكم والتغريب كما هو معروف البوابة الطبيعية نحو العمالة والإرتباط بالإرادات الدولية , و الإيهام بأنّ المجتمع يعيش مخاضا أمنيا وبالتالي حالة الطوارئ تصبح مبررة ومع هذه الحالة تلغى كل مصاديق الديموقراطية من حرية الإعلام والتظاهر والتجمهر والإنتخابات , وفوق هذا وذاك فإنّ إدامة الصراع في المجتمعات الإسلامية وخلق تيارات عنف إسلامية من شأنّه أن يقرّب المسافة بين كثير من حكامنا والدوائر الغربية حيث القاسم المشترك بات كبيرا بين الطرفين وهو محاربة الإسلام  , وفوق هذا وذاك فتحت عنوان محاربة الإرهاب يستباح الجميع وتقلّم أظافر الجميع و يقمع المعارضون المخلصون والصحفيون المخلصون ومريدو التغيير والإصلاح وإذا جرؤ شخص على الإعتراض يقال له : أنت إرهابي .

و إذا كان المخالف للسلطة إرهابيا فماذا تكون هذه السلطة التي تقتل بالجملة والمفرق ,   وتميت بالجملة  وتبكي المستضعفين بالجملة وتفقر بالجملة  وتفرض على الناس أن يعبدوا صنما واحدا لا شريك له , أليس إرهابا عندما تعمد هذه السلطات إلى فرض فكر أحادي شمولي على الناس , سؤال برسم السلطات العربية الديموقراطيّة جدّا !!!!!

 

 

 

الإسلام في الغرب ‍‍ ‍.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ما إن وقعت الأحداث الداميّة في الولايات المتحدة الأمريكيّة في الحادي عشر من أيلول – سبتمبر 2001 حتى سارعت وسائل الإعلام الغربيّة المرئية والمسموعة والمكتوبة إلى تخصيص حيّز كبير من اهتماماتها للإسلام والجماعات الإسلاميّة وأسامة بن لادن على وجه التحديد , فالقنوات السويدية بادرت إلى بث العديد من البرامج عن الإسلام والحركات الإسلاميّة في العالم العربي والإسلامي , كما خصّت قناة سويدية بن لادن زعيم تنظيم القاعدة بحصّة كاملة . وقد سارعت وسائل الإعلام في دول الشمال – السويد , الدانمارك , فنلندا , النرويج , إيسلندا  - إلى كتابة عشرات المقالات عن الإسلام والعالم الإسلامي وشارك في هذه الحملات الإعلاميّة عشرات الخبراء الغربيين بالعالم الإسلامي ومنطقة أفغانستان , وقد ذهبت فتاة سويدية الى الادعّاء بأنّها كانت على علاقة معاشرة مع أخ بن لادن المدعو سهلي بن لادن كمّا صرحت لجريدة أفتون بلادت السويدية الشعبيّة . و الملفت للنظر أنّ البرامج  المصورّة عن الإسلام والمسلمين كأنّها كانت معدّة سلفا و بين عشيّة وضحاها أصبح الإسلام والمسلمون الحدث الإعلامي الأول في معظم القنوات السويدية و في دول شمال أوروبا وأوروبا الغربيّة عموما . ولا يمكن على الإطلاق أن تكون هذه البرامج التي خرجت دفعة واحدة بريئة إذ أنّ هناك مخططّين يهدفون إلى إحداث صدام بين الإسلام والمسلمين في الغرب وبين الغرب والغربيين , وبشكل مفاجئ اختفى الحديث عن شارون و إجرامه والدولة العبريّة وتماديها في قتل الفلسطينيين وبذرائع جديدة هذه المرة . ويحاول الرسميون في السويد الظهور بمظهر المعتدل الذي لا يخلط بين فعل بعض الإرهابيين و الجاليّة العربية والمسلمة في السويد , وقد زارت السياسيّة السويدية الشهيرة وزيرة الاندماج منى سالين ومعها بعض السياسيين مسجد ستوكهولم مؤكدّة أنّ المسلمين في السويد لا داعي أن يشعروا بالخوف , كما أنّ السياسي السويدي زعيم حزب المحافظين السابق كارل بلد صرحّ للتلفزيون السويدي أنّ الإرهاب موجود في كل الديّانات ولا داعي لحصر الإرهاب بالإسلام . وإذا كان للرسميين ضروراتهم السياسيّة والانتخابيّة فإنّ الإعلاميين ووسائل الإعلام الغربية معروف أنّ لها امتدادات مغايرة وهي تساهم إلى أقصى درجة في جعل المسلمين والإسلام عدوّا يجب البطش به .  وقد نجحت الماكنة الإعلامية الغربية في جعل المسلمين كافة في خانة المعتدين المتربصيّن بالحضارة الغربية الراغبين في تدمير منجزات الحضارة الغربيّة . وبات من الصعوبة إقناع الغربيين اليوم بأنّ الإسلام دين حضارة وهو لا يستهدف على الإطلاق إلحاق الأذى بالآخرين مهما كانت عقيدتهم و توجهاتهم الإيديولوجيّة . لقد نجح اللوبي الصهيوني في بناء جدار برلين من فولاذ بين الغرب والإسلام وأستطاع أن يرجّح الكفة لصالحه في مواقع جغرافيّة لا حصر لها . ولا يملك المسلمون في الغرب أي وسيلة لردّ هذه الغارة الإعلاميّة عليهم وعلى دينهم , خصوصا في ظلّ الانحياز الكامل لطروحات الصهيونية واليمين المتطرّف . ويرى بعض المراقبين في العديد من العواصم الغربيّة أنّ اليمين المتطرف سينتعش في الأيّام المقبلة خصوصا وأنّ كثيرا من الخبراء هنا في الغرب يرون أنّ المعركة في بدايتها و أنّ ما يأتي سيكون أعظم بكثير . ونتيجة لكل هذه التوجهات أصيب المسلمون بحالة من الإحباط واليأس لغيّاب الناصر خصوصا وأنّ الدول العربية لم تبادر إلى دعوة العواصم الغربية بضرورة الحفاظ على مشاعر العرب والمسلمين بقدر ما راحت تبدي استعدادها لتقديم العون لأمريكا . لا شكّ أنّ ما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية هو عمل فردي اضطلعّ به بعض الأشخاص ولا يمكن تحميل مليار مسلم مسؤوليّة ما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية , وإذا كان بعض الرسميين في عواصم القرار في الغرب شبه مقتنعين بهذه المسألة إلاّ أنّهم لم يبذلوا أي جهد في سبيل وقف الحملات الإعلامية التي تستهدف المسلمين بمختلف مشاربهم ومذاهبهم . وقد بدأ بعض الكتّاب في الغرب يتحدثون مجددا عن صراع الحضارات وحروب الديانات وهم بذلك يعملون على معالجة الخطأ بالخطأ , والخارطة الإعلاميّة الغربية التي شرعت في حملة غير طبيعية ضدّ الإسلام والمسلمين تهمل كل التصريحات وكافة المواقف التي أطلقها علماء الإسلام والتي فيها دعوة الى التراحم والتعاون بين أبناء الإنسانيّة قاطبة , وراحوا ينقلون تصريحات لمن لا يعتّد بأعلميتهم وفقاهتهم .

إنّ السائد اليوم في أمريكا والغرب هو أجواء حرب عالميّة حقيقيّة , لكنّها حرب عالمية بين الحضارات والأفكار والإيديولوجيّات , وهذا المناخ الفكري والإعلامي المحتقن قد يمهّد لحرب حقيقيّة لا يعرف أحد مداها , ولعلّ الدعوة إلى إقامة تحالف دولي ضدّ الإرهاب قد يكون البداية لمثل هذه الحرب , قال عنها أحد منظرّي الحركة الصهيونية في يوم من الأيّام : فلتكن حرب بين المسلمين والمسيحيين يخرج منها اليهود منتصرين لريّادة العالم !

 

 

 

إلى فيصل القاسم

طغاتنا هم الوطن فكيف ندافع عن الوطن !

 

 

بعد غيبة قسرية تسببّ فيها هولاكو العصر يعود الزميل اللامع فيصل القاسم إلى إتجاهه المعاكس بموضوع يختزل حقيقة الفتنة الكبرى التي إندلعت بين كل الطبقات السياسيّة والثقافية في الوطن العربي حول شرعية ما قامت به أمريكا في العراق و قيامها بإستئصال الطاغيّة صدام حسين الذي حولّ أرض العراق إلى سجون ومقابر , والذي جرى في العراق هو ذهاب طاغية صغير محلي وحلّ محلّه طاغية كوكبي عولمي وسوف يقوم بغرس عشرات الصداميين ليطمئن على إستمرار مصالحه في العراق , تماما كما فعلت الحركات الإستعمارية التي أضطرّت لمغادرة أوطاننا وخلفّت وراءها شخصيات تحمل إسم محمد وخالد وعنتر لكن أدمغتها أدمغة ديغول و نيكسون و آدم سميت وغير ذلك .

والسؤال الذي طرحه فيصل القاسم حول حقيقة الأوطان جدير بالجواب عليه خصوصا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ أمتنا , ومبدئيّا يجب الإشارة إلى أنّ الإجماع في العالم العربي والإسلامي قائم على أنّ أمريكا هي الشيطان الأكبر بلا منازع , فهي التي تسلب قرار الشعوب ومقدرات الشعوب بأغاني الحياة وأهازيج الحريّة والذين يطبلون لها هم في الواقع حفنة من الذين طاولتهم بركات العطاء الأمريكي فأغنوا بعد فقر وشبعوا بعد جوع وأنتعلوا بعد حفي وستروا عوراتهم بعد عري وكل ذلك بفضل الدولار الأمريكي مقابل تقرير عن هذا الشخص أو تلك المنظمة أو هذه المسلكية السياسية وهلمّ جرّا .

كما أنّ الإجماع قائم في العالم العربي والإسلامي على أنّ الطغاة الذين يحكموننا حولّوا الوطن إلى شركة خاصة بهم وإلى بقرة حلوب لا تدّر العطاء إلاّ عليهم وعلى أولادهم , وبات الذي يوجّه نقدا للطاغية وسجونه وحاشيته وزبانيته وديوتيّه يقال له : أنت ضدّ الوطن وستسحل وتعاقب وتقصّ عورتك لأنّك ضدّ الوطن .

أي لذة مواطنة تبقى في نفسية العبيد والرقيق – وليس المواطنين – عندما يلجأ الطاغية إلى مصادرة كل تفاصيل الحياة حتى الحلم , فالعبد العربي إذا أراد جواز سفر عليه أن يتمهلّ كثيرا قبل أن تأتي الموافقة من دوائر الإستخبارات , وإذا أراد أن يبني بيتا عليه أن ينتظر عشرات السنين للحصول على كافة الموافقات وإذا أراد عملا عليه أن ينتظر حتى يوظّف كل أقرباء الديوتين الذين يحيطون بالطاغية ,  وإذا أراد طبابة فعليه أن ينتظر أن ترفق وزارة الصحة به , وإذا أراد كرامة فعليه أن يتخنث وإذا أراد أن يحسنّ مستواه الإقتصادي عليه أن يكون من حاشية هذا الأمير وهذا الوزير وهذا الحاكم , وإذا أراد أن يصون تروثه ويحضى بإستيراد شيئ ذي قيمة عليه أن يدفع لهذا وذاك من دوائر الطغاة , أمّا إذا أشكل على الطاغية الذي فرض نفسه على الناس عقودا تلو العقود فعليه أن يدرّب نفسه على الجلوس على القنينات المكسورة , لأنّ الطغاة في بلادنا متسخون إلى أبعد الحدود إلى درجة أنّ وسائل تعذيبهم متسخة , فربّ معارض عربي أجبروه أن يجامع أخته في المعتقل بطريقة شيطانية , وهناك من أعتدوا على إبنته أمام مرأى العسس والحرس , وهناك من أعتدوا على أمه , ناهيك عن الذين خطفوا وعذبوا ورموا في البحار بعد أن كبلّت أيديهم وسلمّت لذويهم شهادات الوفاة دون الجثة لأنّ سرّها تقاذفته الأمواج إلى مكان لجّي .

كيف يحبّ العبد العربي الوطن وطنه وقد صار ملكا للطاغية يتصرف فيه كيف يشاء , كيف يحبّ العبد العربي وطنه وهو يرى أبناء الطغاة حماة الوطن يخطفون العذارى من الشوارع وينتهكون الأعراض , و لبعضهم يخوت خاصة لهذا الغرض , كيف يحبّ العبد العربي وطنه وهو يرى أنّ الطغاة يوزعون أموال الأمة على جواري الأمة , فهذا يدفع لهذه العاهرة الإيطالية نصف مليون دولار وأخر يعطيها مليون دولار , والعجيب أنّ طغاتنا الذين حاربوا الوحدة العربية إنفتحوا على كل أسواق العهر الأوروبية وباتوا يستوردون الحسناوات والغيد الأمانيد من أسواق أوروبا وهناك قوم أثروا من هذه التجارة ويعتبرون أنّهم نجحوا إلى أبعد مدى في مجال العلاقات العامة .

كيف يحبّ العبد العربي وطنه وهو يرى الغربي وحامل الجنسية الأمريكية والغربية مبجلا محترما له الأولوية في المطارات والفنادق وتوفّر له الدولة العربيّة الراقصات والماجنات والمهرجين الذين يضحكونه تحت عنوان مقتضيات السياحة , بينما العبد العربي يهرول وراء لقمة العيش و يبلغ سمع الرئيس العربي أنّ العبيد لديهم مشاكل صحية وإقتصادية و إجتماعية , فيوصي بأنّ هذه المشاكل إستراتيجية وضرورية لحرمان العبد العربي من التفكير في كرسي الحكم , فيكفي أن يعيش الطاغية وأولاده , والعجيب أنّ الطاغية ينتج أبناءا طغاة فيهم من فساده وبغيه الكثير .

كيف يحب العبد العربي وطنه وهو يرى أنّ هذا الطاغية يتعامل مع النفط وكأنّه مائدته التي خصّها الله به , يأخذ منها ما يحلو له ويوزع على أبنائه وحواشيه .

كيف يحب العبد العربي وطنه وهو يسكن في البيوت القصديرية والمقابر والخيّام وأحيانا في السيارة ويتناوب هو وأخوه على الدخول على زوجاتهم لعدم وجود غرفة إضافية في البيت .

الوطن الذي لا يوفّر أمنا وطمأنينة وكرامة وثقافة وإنسانية لبنيه ليس وطنا يا فيصل , هل وعيت حبيبي فيصل لماذا تهزم الأوطان بسرعة , لأنّ العبد العربي عندما يخيّر بين طاغية يمنعه من الفتاة وطاغية يعطيه فتاة يختار الذي يعطيه الفتاة !!!!

لهذه الأسباب تراجعت صحافتنا يا فيصل !

 

يتناول الزميل فيصل القاسم في برنامجه المتألّق الإتجّاه المعاكس في مطلع الأسبوع موضوع الصحافة العربية ما لها وما عليها , باحثا عن العلل التي حالت دون أن تكون الصحافة سلطة رابعة كما تدعى في المحافل الإعلاميّة و السياسيّة و تحديدا في الغرب , والحقيقة المرّة التي يجب أن نقبلها على مضض أنّ الصحافة العربية لا يمكن إدراجها في أي خانة سلطويّة فلا هي سلطة رابعة ولا سلطة عاشرة ولا تملك أدنى سلطة على الإطلاق , وعندما قيل للصحافة سلطة فلأنهّا تستمّد قوتها وشرعيتها من القارئ الذي يدمن قراءتها , لكن ما هو عدد القرّاء في العالم العربي , وكم تسحب أكبر جريدة عربية في الوطن العربي  ! الإحصاءات الأخيرة والدقيقة لا تبشّر بالخير على وجه الإطلاق , بينما في السويد حيث أقيم يبدأ السويدي حياته الصباحيّة بقراءة الجريدة ورغم سيطرة الحاسوب و شبكة المعلوماتية على تفاصيل الحياة إلاّ أنّ الصحافة الورقيّة مازالت حاضرة بقوة مؤثرّة وفاعلة وضاغطة على كل الحكومات .

ومع إحترامنا لبعض الصحف العربية التي ناضلت في الداخل والخارج من أجل إحقاق إنسانية الإنسان العربي فإنّ أغلب الصحف العربية والرسمية منها على وجه التحديد هي مجرّد مؤسسّة حكوميّة وظيفتها تلميع سياسة هذه الحكومة وتلك وتمجّد مسلكيتها , وقد لعبت هذه الصحف أكبر الأدوار في تكريس الطغيان والإستبداد والديكتاتورية و التلفيق والدجل و الكذب , فهذه الصحف هي التي جعلت العديد من رؤسائنا الجهلاء المراهقين العسكريين المستبدين عباقرة و نزهاء ومؤمنين وطيبين , و بدل أن تتحوّل الصحافة العربية الرسمية على وجه التحديد إلى مواكبة حركة الشارع وإمداده بالمعلومات الحقيقية التي يخيفها الطغاة عنوة عن شعوبهم , إلاّ أنّها ذهبت إلى النفاق والمداهنة وتلميع صورة الرئيس وبالتالي الإستبداد والطغيان , كم هو عدد الصحف العربية التي تتحدث عن الطغاة ومكوثهم في الحكم عقدا وعقدين من الزمن وثلاث عقود إذا لم يزر قلاعهم عزرائيل أو دباّبة أمريكية , كم هو عدد الصحف العربية التي تتحدث عن سرقات وتجاوزات الطغاة ومغامراتهم الجنسية حتى أصبح حكامنا الأبطال الجدد لكاتب رجوع الشيخ إلى صباه , كم هو عدد الصحف العربية التي تحدثت عن المقابر الجماعية و السجون والكهوف والمنافي و الإعتقالات والإختطاف , هذا ناهيك على أنّ جلّ الصحف الرسمية مرتبطة مباشرة بأجهزة المخابرات ولو نشرنا القوائم التي بحوزتنا لملء الناس رعبا .

وفي الوقت الذي تمرّ فيه الشعوب العربية بمحن كبيرة تفضّل هذه الصحف الحديث عن مشروع زراعي دشنّه فخامة الرئيس هنا أو هناك , وفي الوقت الذي يسرق فيه كبراؤنا تتحدث هذه الصحف عن صغار السرقة لتحوير الرأي العام .

ويجوز لهذه الصحافة أن تتحدث عن الزراعة والمزارعين , و القمح والشعير و حوادث الطرقات و عدد الوفيات بفعل الحمّى , و لا يسمح لها أن تتحدث عن الحمى السياسية التي أنتجت الإستبداد , و الإيدز الذي أنتج التسلط والقمع , هل تعرف الصحافة الجزائرية شيئا عن مصير المفقودين الجزائريين , و هل كانت الصحافة المغربية تعرف شيئا عن عائلة الجنرال أوفقير التي سجنت في ظروف حالكة و سيئة  للغاية ولولا مليكة أوفقير بنت أوفقير صاحبة كتاب السجينة والذي ألفته في فرنسا لما عرف المغاربة والعرب شيئا عن سلطوية الحسن الثاني , وهل تعرف الصحافة التونسية شيئا عن عدد المعتقلين السياسيين في السجون التونسية , و هل تعرف الصحافة الأردنية واليمنية و الخليجية وكل الصحافة العربية تفاصيل الدهاليز السياسية و المؤامرات الدقيقة التي تحبك هنا وهناك و الإتصالات الفندقية مع قادة الكيان الصهيوني و غيرها من الحقائق .

لقد مارست صحافتنا لعبة الطغيان من خلال إمداد المواطنين العرب بمعلومات خاطئة لا تمّت بصلة إلى حياة الناس ومصائرهم , عندما كان بعض الرؤساء العرب يبيعون أوطاننا و مصائرنا للأمريكان كانت صحف عربية رسمية تتحدث عن مشكلة أسمهان في القاهرة ومن قتلها , و عندما كانت السلطات العربية تقتل معارضيها في السجون ودق الجماجم كانت بعض الصحف العربية تحدثنا عن مرض وردة الجزائرية , و عندما كانت الثروات تسرق وتهرّب إلى سويسرا وبعض البنوك الغربية كانت بعض الصحف تحدثنا عن فوائد الصيام في شهر رمضان .

إنّ الجزء الأكبر من صحافتنا العربية هي لسان حال الحكومات ليس إلاّ , فصحفنا وبشكل يومي تبدأ بصورة الرئيس , جاء الرئيس , ذهب الرئيس , أصيب الرئيس بعسر هضم , أعترضته مشكلة في الحمّام وتداركه رجال المخابرات وحلوا مشكلته !

وفوق هذا وذاك الأجدر بنا  أنّ نسمي صحافتنا العربية , صحافة كل شيء لا بأس بتعبير سكان المغرب العربي , و صحافة كل شيء على ما يرام بتعبير المشارقة , فهذه الصحافة الناطقة بإسم الحاكم لطالما قالت للمواطن العربي : أنت بألف خير سياستك بخير , إقتصادك بخير , ثقافتك بخير , مجتمعك بخير , أمنك بخير , مستقبلك بخير , و فجأة تدخل الفضائيات الغربية على المشهد و تقول بالأدلة والعينات الواقعية أنّ لا سياستنا ولا إقتصادنا ولا ثقافتنا ولا أمننا بخير , فيلعن المواطن العربي هذه الصحافة الكاذبة ويسميها

صحافة الخشب أي أنّها صحافة صيغت بلغة الخشب .

لقد أصبحت صحافتنا العربية تماما كالحركة الحزبية الأحادية , و مثلما يحظى المتحزب للحزب الحاكم الأحادي الشمولي بإمتيازات كبيرة من أقوات الفقراء وسكان المقابر ,  يحظى الصحفي الذي يعمل في الصحافة العربية الموالية بإمتيازات وعطايا , ويكرم هذا القطيع من الصحفيين في أخر السنة في مهرجانات عامة من قبل الحاكم  لأنهم قدموا للحاكم خدمة حضارية جليلة و جعلوا منه رقما صعبا وضخما كضخامة سيئاته بعد أن كان صفرا مكعبا , و جعلوا منه صقرا بعد أن كان فرخ بطّ وصدق الشاعر الذي قال :

 عجبت لفرخ البط يعتلي نخلة   ويرقى إلى العلياء وهو وضيع .

 

أهميّة الثقافة للعرب في الغرب !

 

 

تعتبر الثقافة الركن الركين في الحضارة الإنسانية والتراث البشري , وعلى الدوام كان تقدم الأمم والشعوب يقاس بمدى إهتمامها بالثقافة التي شكلّت ماضيّا وستشكل حاضرا ومستقبلا أهم عامل من عوامل النهوض و الوثبة الحضارية .

ولم تتراكم الإخفاقات والإنتكاسات في الواقع العربي إلا بعدما بات ملف الثقافة مطويا وبعدما تمّ تجريد الثقافة من صلاحيتها في ترشيد مجالات الحياة المختلفة .

ولا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن أي دور للأمم والأفراد بمنأى عن الثقافة التي بها دون غيرها نلج الخارطة الكونية دون إلغاء خصائصنا ومميزاتنا .

وربما تزداد الحاجة إلى الثقافة في ديار الغربة والمنفى لأنّها ساعتها تصبح السيّاج الضروري لوقاية الفرد والمجموع من أعراض التلاشي والذوبان و الإنتهاء أيضا , وهي –أي الثقافة – ليست حقنة لمنح المناعة للكبار والصغار على حدّ سواء فقط بل هي الحافز بإتجاه التكامل وصون الهوية أيضا .

و في حالتنا- كجالية عربية- تصبح الثقافة أهم جسر يربطنا بوطننا العربي لنتفاعل مع قضاياه يمدّنا بأسباب الأصالة ونمده بأسباب المعاصرة وقد تكون النتيجة إكتشاف معادلة النهضة في واقعنا وهي المعادلة التي يصبو إليها الجميع .

و الثقافة ليست مجرّد إمتاع ومؤانسة كما يتصوّر كثيرون بل هي التي تعطي للشخصية الإنسانية بعدا عالميا وتتيح إيجاد جسور تواصل بين بني الإنسان والأكثر من ذلك فهي التي تقرّب الفجوات بين البشر بمختلف توجهاتهم العقائديّة والمذهبية والدينية وغيرها , ومن خلال تجوالي الكبير في أرصفة أوروبا لاحظت أنّ شرائح واسعة من الجالية العربية لا تهتّم بالثقافة على الإطلاق فأولادهم محرومون من الحاسوب الذي أصبح ضرورة أكثر من الماء أحيانا  ولا يكلّف أولياء الأمور إدماج أبنائهم في المنظومة التقنية المعاصرة بحجّة أنّ شراء الحاسوب قد يؤثّر على شراء الشقّة في الوطن الضائع , وقد سألت يوما بعضا من العرب كم منكم جلب حاسوبا لإبنه فكان الجواب بالنفي المطلق , بينما أخبرني مثقف سويدي أنّه أهدى إبنه البالغ من العمر ثلاث سنوات حاسوبا جديدا بذاكرة قوية للغاية , و مما يؤسّف له أنّ الكثير من العرب في الغرب لا يأبهون لا لمستجدات الثقافة في بلادهم ولا لمستجدات الثقافة في البلاد الغربية التي يقطنونها و كل همهم أن يجمعوا مالا بأي طريقة كانت شرعية وغير شرعيّة تارة من خلال المساعدة الإجتماعية وتارة من خلال الضحك على مؤسسات الضمان الإجتماعي , والغريب أنّ كثيرا من العرب يحرصون على التقاعد في الغرب ويقدمون كل الأعذار للمؤسسات الإجتماعية ومؤسسات الضمان الإجتماعي للحصول على التقاعد وهم لم يتجاوزوا سنّ الثلاثين والأربعين بينما العجوز السويدية التي تبلغ من العمر ستين سنة تعمل بجدّ ونشاط كالشاب تماما ولا تفكّر مطلقا في التقاعد لأنّها تعتقد أنّ العمل هو الحياة والحياة هي العمل , ومعضلة السواد الأعظم من العرب في الغرب أنّهم لا يدركون أهمية الثقافة في حياة الفرد والمجتمع , كما لا يدركون أنّ الثقافة في حدّ ذاتها غنى , والغنى ليس في الأوراق الخضراء والصفراء التي يجمعونها على حساب تكوين أسرة جاهلة بكل مفردات المعرفة الراهنة والماضوية .

وقد إنعكس الجهل المطبق بدور الثقافة على أولاد المهاجرين في الغرب الذين تركوا مقاعد الدراسة باكرا وأصبحوا بطالين أو يعيشون على حساب المؤسسات الإجتماعية بينما كانت أمامهم كل الفرص الحقيقية ليصبحوا مهندسين وأطباء و مفكرين وسياسيين , ولو أنّ هؤلاء الأبناء عاشوا في أجواء ثقافية أو أجواء تولي إهتماما بالثقافة لأدركوا قدسيّة العلم وبالتالي بذلوا مهجهم في سبيل الوصول إلى أعلى المراتب , ولأمكنهم أن يعودوا إلى بلادهم مستقبلا ويساهموا في إثراء الحركة العلمية والثقافية والتقنية والحضارية بشكل عام , وعندما يصبح أمل الشاب العربي أن يعمل في محلات ماكدونالدز أو بائع خضروات في خيمة عربية منصوبة في هذه الساحة الغربية أوتلك وأمامه فرص حقيقية للإنطلاق والنجاح فتلك مصيبة كبرى خصوصا إذا علمنا أنّ العلم في الغرب في متناول الجميع في النهار والليل ويستطيع المرء أن يجمع بين طلب والعمل .

 لكن إذا كان ربّ البيت لا يهتمّ بالثقافة بقدر ما يهتم بالتقاعد المبكرّ أو جمع المال بأي طريقة فأنّ له أن ينتج أبناء محبين للثقافة , ويبقى القول أنّ كثيرا من العرب أضاعوا على أنفسهم وعلى أولادهم فرصا حقيقيّة لبناء الشخصية المتكاملة المطلوبة في صناعة أي نهضة , وبعد ذلك لا يجب أن نتساءل لماذا نحن متأخرون كعرب في واقعنا العربي وفي الجغرافيا الغربية !!!!

 

حكامنّا صمّ بكمّ عميّ و هم لا يعقلون !

 

 

على الرغم من أنّ الزلزال العراقي يعّد من أبرز الأحداث السياسيّة في مطلع الألفيّة الجديدة , وعلى الرغم من أنّ الطغيان والتجبّر والديكتاتورية والقمع والتسلطّ والتعذيب والتشريد وسرقة أقوات الناس  - وما إلى ذلك من الصفات التي ميزّت الحكم العراقي بزعامة أبي المقابر صدّام حسين -  هو الذي أفضى إلى هذا الزلزال الذي تجسدّ في إنهيار كافة الدفاعات العراقية و إنهيار المقاومات المزعومة و في ظرف أيّام وصلت الدبابات الأمريكيّة إلى بغداد لتمرغّ تمثال صدام حسين في التراب و كذلك نظامه وجيشه ورجال إستخباراته الذين كانوا – لعنهم اللّه – يستأسدّون على الرجال والأطفال والنساء والشيوخ فيقتلون بالجملة والمفرّق إرضاء لأبي المقابر صدام حسين , ولعلّ برنارد لويس في كتابه مستقبل الشرق الأوسط قد أشار إلى هشاشة الدفاعات العربية بقوله أنّ حملة صغيرة لنابليون بونابرت على مصر أكدّت للغرب أنّ العالم العربي قابل للإحتلال بدون صعوبة تذكر .

وبدل أن يتعظّ حكامنا من الحالة العراقية فيعملون على إعدام كافة العوامل والمسببّات التي أفضت إلى الزلزال العراقي إلاّ أنّ ما حدث في العراق لم يحرّك ساكنا لدى دوائر القرار في عالمنا العربي , فلم نسمع عن إقدام الحكومات العربية على إجراء مصالحات شاملة مع المعارضات كل المعارضات , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب أصدروا عفوا شاملا وأطلقوا سراح كافة المعتقلين السياسيين وغيرهم من رجال وكهول ونساء وشيوخ وتقليص عدد السجون والمعتقلات والمقابر الجماعية , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب أصدروا قرارا بتقليم أظافر رجال المخابرات القمعيين والمعذبين و الظالمين وتحريم الإعتقال إلاّ بأمر من القضاء , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قررّوا التنازل عن مبدأ السلطة لنا إلى الأبد وأقروا مبدأ التداول على السلطة و تمكين الشعب من إختيار حكاّمه ومشروعه السياسي , ولم نسمع بأنّ السلطات العربية أصدرت قرارا يقضي بإعادة كافة المنفيين والمهجرّين والمنبوذين في أرصفة أوروبا وأمريكا , و لم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قرروا تخصيص ثروات الأوطان للشعوب وتمكين هذه الشعوب من الثروات المسلوبة والكفّ عن سرقة أقوات الناس , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب أصدروا أوامرهم إلى الجيوش والأجهزة الأمنية بترك الشارع حرا طليقا والكف عن تدخّل هذه الجيوش والأجهزة في رسم ملامح المشهد السياسي وترك السياسة للسياسيين , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قرروا إعتقال أي رجل مخابرات يؤذي أو يعذبّ مواطنا أو ينتهك حرمته و مواطنته ويذلّه ويدوس على رقبته , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قد أبعدوا أولادهم و أقربائهم من ولاية العهد والخلافة المرتقبة و العبث ببنات الفقراء و أعراض الناس وفرضهم ظلما وعدوانا على الناس كقادة مستقبليين , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قد وضعوا دساتير تحكمّ الشعب في صناعة مصيره ورسم سياساته كل سياساته .

ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قد إتعظّوا لما جرى لصديقهم صدّام حسين وبالتالي حماية الأوطان من أن ينتهي بها المطاف إلى الإستعمار و الإحتلال وقررّوا إرجاع أموال الشعوب المسروقة الموضوعة في حسابات غربية وتوزيعها مجددا على الفقراء والمستضعفين , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قرروا الشروع في مرحلة جديدة لا علاقة لها بماضيهم العفن والمتعفن المملوء بالقمع والديكتاتورية و الديماغوجيّة ولغة الخشب , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قد قرروا تحطيم تماثيلهم في الشوارع العامة وإلغاء العملات التي تحمل صورهم الباليّة , ولم نسمع بأنّهم قرروا وضع مناهج تربوية جديدة لا مكان فيها لبطولاتهم وإنتصاراتهم وإنقلاباتهم ودسائسهم وإستبدالها بمناهج عقلانية واعية تصنع الغد المشرق .

ولم نسمع بأنّهم قرروا الفصل بين السلطات القضائيّة و التنفيذية والتشريعية , و منح الفرصة للأكفاء والموهوبين و المقتدرين لإدارة شؤون الدولة , ولم نسمع بأنّ كبراءنا قد تابوا توبة نصوحا لله وتركوا أكل السحت و المال الحرام و أقوات الأجيال الراهنة والأجيال المستقبلية , ولم نسمع بأنهم قرروا الإحتفاظ بزوجة شرعية واحدة حفاظا لهم من الأيدز و السارس الأمريكي .

و لم نسمع بأنّ رؤساءنا قرروا أن يكون العدل هو المبدأ الذي تستند عليه الدولة , و لم نسمع بأنّهم تعهدوا أمام شعوبهم بأنّ أولادهم وزوجاتهم إذا سرقوا أقوات الناس فحدّ السرقة سيقام عليهم في الساحات العامة .

ولم نسمع بأنّهم قرروا رفع الحيف عن شعوبهم وعدم التعامل مع أمريكا , وعدم التوافق مع أمريكا في ظلمنا وتحقيرنا والإستخفاف بعقولنا في مقابل أن يقدموا لأمريكا كل ما تريد من أوطان ومقدرات و خيرات على قاعدة الظلم مقابل الركوع لأمريكا , وإحتقار الشعوب مقابل الرضوخ المطلق لأمريكا .

لكن رغم الإنصياع المطلق لأمريكا فإنّ هذه الأخيرة ستبدأ بقصّ شوارب حكامّنا , تمهيدا لإستعباد أوطاننا والعجيب أنّ أمريكا و بعد الزلزال العراقي وقبل مدّها يدها إلى شوارب حكامنّا لقصّها وحلقها فإنّ حكامنّا الودودين الطيبين مع أمريكا  بادروا وقصّوا وحلقوا شواربهم , ولم نسمع بأنّهم إخشوشنوا في وجه أمريكا مثلما يخشوشنون صبح مساء في وجه شعوبهم المستضعفة التي ملّت النظر إلى وجوههم بشارب وبدون شارب !!! !

 

ساعد اللّه الشعب الجزائري .

 

 

لم يتنكّب شعب في التاريخ والراهن مثلما تنكبّ الشعب الجزائري بمختلف النكبات الطبيعيّة و السياسيّة والأمنية , وعلاقة الشعب الجزائري بالبلاء علاقة قديمة وضاربة في التاريخ فقد كانت الجزائر منذ التاريخ القديم عرضة للإحتلال الوندالي والروماني والبيزنطي وإحتلالات أخرى لم يسجلّها التاريخ , وبعد الفتح العربي والإسلامي للجزائر وذهاب طارق بن زيّاد الجزائري لفتح الأندلس عرفت الجزائر فترات عصيبة بعد سقوط الأندلس وشروع الأسبان في شنّ هجومات مستمرّة على الجزائر إنتهت ببسط السيطرة العثمانية على الجزائر إستمرّت قرابة خمس قرون و أنتهت بإحتلال فرنسي فظيع في تموز – يوليو 1830 حيث دشنّت فرنسا إحتلالها للجزائر بقتل أربع ملايين جزائري كانوا خلاصة المقاومين الجزائريين الذين رفضوا السيطرة الفرنسية على بلادهم وأستمرّ هذا الإحتلال الفرنسي جاثما على أرض الجزائر مدّة 130 سنة حيث خرج المستعمر الفرنسي من الجزائر بفضل أعظم ثورة عربية عرفها الراهن العربي وخرجت فرنسا من الجزائر سنة 1962 .

وبعد هذه الزلازل الإحتلالية والتوسعية والإستعمارية دخلت الجزائر مرحلة الزلازل السياسيّة حيث تحولّت الجزائر وبسبب موقعها الجيوسياسي الحساس وثرواتها الهائلة و الواسعة إلى محل إهتمام دولي وكثيرا ما كانت أطراف خارجية تعمل على زلزلة الواقع السياسي عبر آليات كثيرة قد لا تكون معروفة لكثيرين .

غير أنّ الزلزال السياسي الأفظع هو ذلك الذي أعقب إلغاء الإنتخابات التشريعية في سنة 1992 وهو الأمر الذي أنتج الفتنة الكبرى في الجزائر ما زالت تداعياتها تتوالى إلى يومنا هذا . وعلى إمتداد الفتنة الكبرى قتل أزيد من 300000 من الجزائريين بالإضافة إلى آلاف المخطوفين والمفقودين , و تشاء الظروف أن تدخل الطبيعة على خطّ الفتنة الكبرى فتربك الإنسان الجزائري وترفع من سقف معاناته إلى  أرفع حدّ يمكن أن يتصورّه الإنسان , وقد ثارت قوى الطبيعة في الجزائر بشكل لم يسبق له مثيل من فيضانات عارمة و زلازل خفيفة وشديدة أحزنت إلى أبعد الحدود الإنسان الجزائري الطيب الوديع المؤمن الصريح والتلقائي والذي كان على الدوام ضحيّة للزلازل السياسيّة والطبيعية وبالتأكيد لم يختر لا هذه ولا تلك .

غير أنّ الملاحظة الأساسيّة التي يمكن إدراجها في سيّاق التأملّ في النكبات الكبرى التي تحلّ بالجزائر أنّ الجزائري يرمي خلفه كل آرائه السياسية و معتقداته الفكرية وغيرها عندما يتعلق الأمر بإنقاذ الجزائر من نكباتها , وقد هرع الناس كل الناس إلى إنقاذ المستضعفين الذين سقطت الأسقف على رؤوسهم والأعمدة الأسمنتيّة على أبدانهم , وللإشارة فإنّ الفيضانات التي إجتاحت الجزائر قبل فترة وأودت بحياة المئات قدمت صورة ناصعة عن  الجزائري الإنسان الذي يضحّي من أجل غيره فربّ شاب رمي بنفسه في المياه المنهمرة والفائضة والسائرة كالريح من أجل إنقاذ عجوز هنا وطفل هناك , وهناك عشرات الأشخاص قضوا نحبهم وهم يضحون بأرواحهم من أجل إنقاذ غيرهم , وللأسف الشديد فإنّ الإعلام الغربي ومعه جزء كبير من الإعلام العربي عندما يتعلّق الأمر بخبر قتل في الجزائر ينشره على جناح سرعة الضوء وفي المقدمات في أكثر الأحيان , و عندما يتعلّق الأمر بتآلف الجزائريين فيما بينهم وتوحدّ الجزائريين فيما بينهم وتآزرهم وتراحمهم وإتفاقهم وإجتماعهم حول همّ واحد فإنّ هذه الصور لا تجد لها أي مكان لا في الإعلام الغربي ولا في الإعلام العربي .

و الواقع الذي لا يعرفه كثير من الناس أنّ الشعب الجزائري على الدوام كان متكاتفا و متحدّا والفتنة الكبرى التي عرفتها الجزائر هناك أطراف صنعتها في الداخل والخارج , وقد أكشف قريبا عن الأطراف الداخلية والخارجية التي كانت تعمل على تأجيج الفتنة الجزائرية وإطالة عمرها و تؤكّد هذه الأزمات الطبيعية وكيفية تعاطي الجزائريين معها أنّ الشعب الجزائري قادر على تجاوز كل أزماته , و الترفع عن كل الأحقاد والذي يواجه كارثة طبيعية ويتعاطى معها بكثير من العنفوان والتوحّد سيكون قادرا على التعاطي مع أزمة سياسية وتطويقها وبالتالي الإنتصار عليها وذلك قدر الجزائر والجزائريين .

 

 

ضرورة إعادة إنتاج الخطاب النهضوي.

 

تعالت الصيحات في عالمنا العربي والإسلامي بأنّه لا بديل لأوجاع العالم الإسلامي ومشكلاته غير الإسلام , وقد أقلقت هذه الصيحات وهذه الأطروحة العديد من النظم القائمة في خطّ طنجة – جاكرتا  ( خطّ عرض العالم الإسلامي ) . وراحت هذه النظم تكيد بأصحاب هذا الطرح وتزجّ بهم في غياهب السجن , وقد دافع أصحاب الطرح الإسلامي عن هذا الطرح بقولهم لقد جربنّا الإشتراكيّة فلم ننجح , وجربناّ الرأسماليّة فلم ننجح فعلام لا نجرّب الإسلام .

وحتى المفكرّون الغربيّون الذين تنبأّوا بإندارس الحضارة الغربيّة الوشيك , راحوا يشيرون إلى الخريطة الممتدّة من طنجة و إلى جاكرتا وبأنّها ستلعب دورا مهمّا في العقود المقبلة . ويملك العالم الإسلامي البديل الحضاري لمشكلات الإنسانيّة , وكما يقول أحد المفكرّين المسلمين فانّ مشكلة العالم العربي والإسلامي ليست فكريّة , وما نحتاج إليه هو أن يدرك الفرد المسلم المسؤوليّة الحضاريّة الملقاة على عاتقه , وينطلق من هذا المنطلق لإحقاق النهضة , وقد أدرك الغرب هذه المعادلة ولذلك راح يبعث برسائل إلى العواصم العربيّة والإسلاميّة بضرورة الحدّ من الظاهرة الإسلاميّة بل و القضاء عليها .

q       النهضة والواقع الإسلامي :

 

لقد ورثنا من الماضي أثقالا تلو الأثقال من الترسبّات الفكريّة , ولجأنا إليها في حلّ كل مشكلة تطرأ على واقعنا , ناسين أو متناسين أنّ الفكر وليد البيئة , والتراث الذي وصلنا إنّما عالج مشكلات كانت مطروحة في الحقبة التي وجد فيها , وتلك الحقب الماضيّة التي نستلهم منها كلّ علاج لجميع مشاكلنا , إنّما إكتنفتها ظروف خاصّة وحالا معينّة ومحددّة , وليس المفكّر هو الذي يعالج الواقع من منطلق كتاب دوّن في الطور الأوّل من العصر العبّاسي , بل الصحيح أن ينطلق هذا المفكّر من الواقع لحلّ المشكلة , دون التخلّي عن الثوابت الشرعيّة , وعن الكتاب والسنّة الصحيحة , إنّه من الخطأ بمكان أن ينطلق المفكّر من كتب عالجت المشاكل الإجتماعيّة في حقبة المماليك والتتّار ليستخرجّ منها الدواء الشافي لمجتمعاتنا . وتجدر الإشارة هنا أننّا لا نقصد البتّة لدى حديثنا عن الموروث الحضاري الكتاب والسنّة الصحيحة , بل المقصود هو النتاج الفكري الإسلامي الذي أنتجته العقول الإسلاميّة من صدر الإسلام وإلى يومنا هذا .

وليس المطلوب على الإطلاق التخلّي عن التراث , بل المطلوب إعمال العقل ومحاولة الإبداع في كل المجالات , ولعلّ تقصيرنا في مجال الإبداع وصياغة خطاب إسلامي عصري أدّى إلى  إرتماء النخب العربية والإسلامية في أحضان مدارس فكريّة لا تمّت بصلة إلى واقعنا العربي والإسلامي . وقد وجدت هذه النخب في الخطاب الغربي سهولة في الفهم وعصريّة في الطرح وإستيعابا لتفاصيل الحيّاة . وحجم الآفات التي تعصف بعالمنا الإسلامي من قبيل الأميّة والفقر و الجهل والمديونيّة وأزمة التغذيّة وكثرة الوفيّات وسوء توزيع الموارد الأوليّة والبطالة وقتل الوقت والبيروقراطيّة وما إلى ذلك , تتطلبّ فكرا يستوعب كل تفاصيل هذه الأدواء ويقدّم دواء شافيّا واقعيّا لا طوباويّا . وفي هذا السيّاق يلاحظ أنّ المفكرين المسلمين قد تنوعّت معالجتهم لمثل هذه القضايا بتنوّع مشاربهم الفكريّة , فهذا يقول أنّ المسألة تكمن في الصراع المذهبي , وأخر يراها في النظم السيّاسية , وثالث يراها في إنعدام المشروع التربوي , وما إلى ذلك من الآراء . ولا مخرج من كل هذا التوزّع إلاّ بثقافة جديدة قوامها كما قال المفكّر الجزائري الأستاذ مالك بن نبي إمّا أن نتغيرّ و إمّا أن نغيّر . ولابدّ لكي نبنيّ نهضة أن ننظر إلى واقعنا المعيش بدقّة وموضوعيّة , ونكفّ عن المدلهمّات التي أودت بفاعليتنا وإرادتنا , وكفانا تعطيلا للفكر والإبداع .

والثقافة الصحيحة هي تلك التي تجعل صوب أعيننا ضرورة إنقاذ الإنسان المسلم من المصائب والمشاكل العويصة التي يتخبّط فيها اليوم  . وعلينا أن نركزّ على حقيقة الأزمة وصلب الإشكاليّة , وأن نتجنبّ المشاكل غير الواقعيّة التي إستنفذنا فيها الجهد والطاقة الفكريّة . فأيّهما أولى بالتفكير فيه القضاء على الأمراض المؤدية بملايين الأطفال في العالم الإسلامي , وإقامة صناعة تكفل لنا أن نعيش معتمدين على سواعدنا أم الإسترسال في الخلافات الفقهيّة المفرّقة لكيّان المسلمين .

 

q       حول المناهج التربويّة :

 

لقد وجدت في عالمنا العربي والإسلامي العديد من المعاهد التراثيّة التي كان لها الفضل الواسع في الحفاظ على الأصالة و تمطيط حركة الإجتهاد لتواكب العصرنة , ومن هذه المعاهد القرويين في المغرب الأقصى , وزوايا الجزائر والأزهر الشريف في مصر و جامع الزيتونة في تونس ومعاهد الأصالة في الجزيرة العربيّة وبقية الديار العربية والإسلاميّة , ولا يتناقش إثنان في أنّ هذه المعاهد أدّت دورها في الحفاظ على كيّان الأمّة الإسلاميّة وشخصيتها مقابل التغريب اللغوي والفكري , وأدّت دورها كذلك على مستوى تهييج النفوس وتثوير العزائم والهمم لمجابهة الهجمات الصليبيّة على عالمنا العربي والإسلامي .

ومازال تاريخنا يذكر بجلال شخصيات من قبيل الأمير عبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطابي وعمر المختار ومحمّد عبده وجمال الدين الأفغاني وخير الدين التونسي وما إلى ذلك من الشخصيّات العربيّة والإسلاميّة التي كان لها الباع الطويل في إقامة صرح النهضة المعاصرة . ويلاحظ على هذه المعاهد بعض الملاحظات نذكرها بإيجاز .

أولا : هذه المعاهد مازالت من حيث البرمجة التربويّة مقتصرة على ماكتبه القدامى , وفي هذا المجال ينبغي إدخال مواد علميّة في البرمجة لها صلة مباشرة بمشكلات العالم الإسلامي الراهنة .

ثانيّا : يتمّ الإقتصار في هذه المعاهد على ترديد ما يرد في المتون , دون أدنى محاولة لإثارة العقل , وإذا كان السلف قد أبدعوا فيحق للخلف أن يبدعوا أيضا .

ثالثا : بعض المعاهد لا تولي الإهتمام الكامل بالقرآن الكريم , فالقرآن مازال ولحدّ الآن مصدر الإنطلاق , ومصدر الثقافة الإسلاميّة ولذلك ينبغي أن يعود دوره الذي كان له أيّام السلف الصالح من هذه الأمّة .

رابعا: ضرورة تشجيع النبوغ والعبقريّة والتكفّل بأصحاب المواهب والملكات .

والنوابغ والعباقرة في معاهدنا التعليميّة هم الكفالة الوحيدة لإيصال هذا التراث الهائل لأجيالنا المستقبليّة .

أمّا التعليم العصري وإن حاكى المناهج التغريبيّة بحذافيرها , فإنّ له مساوئ ومحاسن . من حيث المحاسن , يمكن أن نتحدث عن الجانب العلمي والتكنولوجي الذي صار يدرّس في جامعات العالم العربي والإسلامي , ولكن الذي حدثّ أنّ التركيز على الجانب النظري أكثر منه على الجانب العملي , ويمكننا في هذا السيّاق أن نتحدثّ عن الأديب المصري طه حسين الذي ترك الأزهر الشريف وإلتحق بالجامعة المصريّة الحديثة , وأبدى إعجابه الشديد بالمناهج المعاصرة . والمجموعة التي تركت الأزهر الشريف وإلتحقت بالجامعة المصريّة إنّما فعلوا ذلك سأما من مناهج قالوا وقلنا , ذكروا وذكرنا التي كانت سائدة في الأزهر الشريف .

ويمكن حصر مساوئ الجامعات في كونها خرجّت جيلا من المستغربين الذين دعوا إلى الإنسلاخ التام عن التراث ونبذ الثقافة الإسلاميّة , وضرورة محاكاة الغرب حذو القدّة بالقدّة , ومن إطلعّ على كتاب : مستقبل الثقافة في مصر لطه حسين يدرك ما أشرت إليه.

كما أنّ العديد من المناهج التعليميّة الجامعيّة لم نساهم لا من قريب ولا من بعيد في وضعها , خاصّة العلوم الإنسانيّة التي تضجّ برؤى المفكريّن الغربيين والذين فرضوا علينا فرضا بسبب القحط الثقافي الذي يلّف واقعنا والحركة الإستعماريّة التي أخرتنا على مدى قرون  .

وقد هجرت العديد من الجامعات العربيّة والإسلاميّة الثقافة الإسلاميّة , بل هجرت اللغة العربيّة كما هو الحال في كثير من جامعات المغرب العربي حيث اللغة الفرنسيّة هيّ سيدّة الموقف . وكثيرا ما يكون الأساتذة المستعارون من الغرب أعضاء فاعلين في دوائر الإستخبارات العالميّة , فهم يؤدّون من ناحيّة وظيفة تغريب الأمة , وفي نفس الوقت يكتشفون النوابغ في بلادنا الإسلاميّة ليتم إستيرادهم الى الغرب , ليساهموا في بناء النهضة الغربيّة . والذين ينجون من هذه الإغراءات ينالهم ما نال علماء الذرّة المصريين الذين تمّت تصفيتهم من قبل الموساد الإسرائيلي .

وبناءا عليه فالتعليم الكلاسيكي فيه محاسن ومساوئ , والتعليم الجامعي العصري فيه محاسن ومساوئ أيضا , وهنا لابدّ من تصحيح المنظومة التربويّة كشرط محوري لبناء النهضة المرتقبة , فعلى صعيد التعليم الكلاسيكي علينا أن نخرج من دائرة التقوقع , وإيجاد خطاب بنّاء يسير يصل إلى العقول بيسر شديد , ويجب تنظيف التراث مما علق به من أشواب .

وفيما يخصّ التعليم العصري فينبغي أن ينسجم مع التعليم التراثي ويشكلان سويّة خطّا متكاملا باتجّاه البناء الحضاري , كما أنّ التعليم العصري يجب أن يخرج من دائرة الإنبهار بالغرب , ومن الناحيّة النظريّة فنحن نعتبر منتجين للفكر النظري والفلسفي وفق الكتاب والسنّة الصحيحة , ويبقى القول أنّ الإستفادة من الغرب تكون على صعيد الجنبة الصناعية والتقنيّة , ولكن دون أن يكون ذلك مدخلا باتجّاه السيطرة على قرارنا السياسي أو تحركنّا الدولي ..........

 

هذه ليست أمة الرعاع يا شيخ الأزهر .

 

وصف شيخ الأزهر الدكتور سيد طنطاوي الأمة الإسلامية بأمة الرعاع في إشارة إلى التطورات الأخيرة التي أنتجت الفتنة الكبرى فكريا وسياسيّا في عالمنا العربي والإسلامي , وبدل أنّ يحمّل سيد طنطاوي حكامنا وعلماءنا الذين يملكون تحويل القول إلى فعل , و الذين يصيغون توجهات الرأي العام بما لديهم من أدوات تأثير وقدرات خاصة فإنّه وجهّ سهامه للمستضعفين من عباد الله ناسيا المستكبرين .

 إذا كانت أمتنا رعناء بتعبير شيخ الأزهر فحكامنا أرعن وكثير من علمائنا أشد رعونة  وتحديدا أولئك العلماء الذين سخروا أنفسهم في خدمة السلطان وشرعنة أفعاله القبيحة والسكوت عن ظلمه حتى أصبحت الفتاوى الرسمية تابعة للخطاب السياسي الرسمي تتغيّر كلما أراد الحاكم ذلك .

عندما أصبح علماؤنا أو كثير من علمائنا ينتظرون عطايا السلطان و رواتب الحاكم وإمتيازات السلطة سخروا النص القرآني والنص النبوي في خدمة من لا يحمون بما أنزل الله  وجعلوا التنزيل في خدمة من  داسوا على التنزيل . لماذا لا يوجّه سيد طنطاوي رسالة أو فتوى إلى طغاتنا يدعوهم إلى التخلي عن طغيانهم وبغيهم وظلمهم وبطشهم ومكرهم وخبثهم , لماذا لا يصدر فتوى يحرّم بموجبها وجود العلم الإسرائيلي على أرض الكنانة , أو يصدر فتوى تنص على بطلان معاهدة كامب دافيد ويعتذر للرعاع عن تورط الأزهر في شرعنة هذه المعاهدة , لماذا لا يصدر فتوى يحرّم على الحكام الطغاة محاربة الرعاع المتظاهرين في الشوارع كل الشوارع ضد الإستعمار والإستحمار والإستكبار , وتكبيلهم ونقلهم إلى السجون لأنّ هؤلاء الرعاع يملكون حسّا وطنيا وإسلاميا مات عند الحاكم العربي , لماذا لا يصدر فتوى ضدّ ما تبثّه قنوات الطغاة الإعلاميّة من عهر ومجون وجنس وإلحاد أم ّ أنّ الرعاع هم المسؤولون عن كل ذلك !

هل الرعاع في العالم العربي والإسلامي هم الذين شيدّوا السجون والمعتقلات وأسترخصوا الروح البشرية وقتلوا بالجملة والمفرق !

هل الرعاع هم الذين باعوا الأوطان للأمريكان وتخاذلوا وركعوا وسلموا مقدرات الأمة السياسية والإقتصادية للأمريكي وغيره !

هل الرعاع هم الذين يحرصون على التطبيع و مد جسور التواصل مع الكيان الصهيوني !

هل الرعاع هم الذين سرقوا وخطفوا وسكنوا القصور ونكحوا العذارى وأكلوا الحرام وظلموا البلاد والعباد !

هل الرعاع هم الذين عطلوا شرع الله وداسوا على حدوده وأستوردوا المذاهب العفنة من هنا وهناك !

هل الرعاع هم الذين شيدوا بيوت الدعارة وأعطوا الحصانة للراقصات وحرموا المثقف الواعي لقمة العيش !

هل الرعاع هم الذين نكسوا مسيرتنا النهضوية والتنموية والثقافية والحضارية و الإجتماعية , و أقاموا مجتمع الخمس بالمائة الطبقي , حيث الحياة المرفهة للقططة السمينة والبقية إلى الجحيم !

هل الرعاع هم الذين أعطوا الرخصة تلو الرخصة للأمريكان حتى يشيدوا قاعدة عسكرية هنا وقاعدة هناك !

هل الرعاع هم الذين حولونا إلى شحاذين نستعطي أمريكا والبنوك الدوليّة و المؤسسات المالية الصهيونية !

هل الرعاع هم الذين لاحقوا العلماء المخلصين وزجّوا بهم في غياهب السجن وأستعاضوا عنهم بعلماء بسملتهم الثناء على السلطان وحوقلتهم التسبيح بأولياء الأمر المعتوهين !

هل الرعاع هم الذين بقوا في الحكم عشرين سنة وثلاثين سنة وحولوا الحكم إلى ملك عضوض و شركة لأهل الرئيس وولده وعشيقاته !

هل الرعاع هم الذين جاءوا على متن الدبابات والمؤامرات والإنقلابات و مراكز الإستخبارات الأمريكية والبريطانية إلى الحكم !

هل الرعاع هم الذين حولوا الأجهزة الأمنية إلى ذيل وتابع  للأجهزة الأمريكية وإمدادها بكل ما تحتاج !

هل الرعاع هم الذين عينوا علماء السوء في مواقع الفتوى وتبيان الأحكام , أم هو السلطان الذي أخذ يوزّع الصفراء والبيضاء على كثير من علمائنا الذين باركوا خطواته الأمريكية والشيطانية !

هل الرعاع هم الذين أقاموا بيوت دعارة قرب بيوت الله , وبيوت رقص أمام بيوت الله !

هل الرعاع هم الذين يأخذون من ميزانية الدولة ملايير الدولارات بحجّة مقتضيات مصروفات السيد الرئيس !

هل الرعاع هم الذين سكنوا في القصور العامرة مع النواهد والكواعب !

يا سيدنا الطنطاوي الرعاع مسؤولون عن شيئ واحد فقط هو صبرهم الطويل على الرعاع الحقيقيين الذين يحكموننا !!

هكذا تشترى ذمم الصحفيين !

 

فور ظهور مقالي السابق عن الصحفيين الذين يقبضون من الطغاة في إيلاف وصلتني مئات الرسائل تطالبني بالمضي قدما في تعرية ركائز الطغاة في العالم العربي , بإعتبار أنّ الطاغية ليس مشروعا فرديّا بل هو مشروع جماعي يفعّل طغيانه من خلال الصحفيين والكتّاب و الشعراء والمغنين والراقصين ووسائل الإعلام التي تمجّد من الفجر إلى غسق الليل السيّد الرئيس المحفوف بالعناية الإلهيّة السرمديّة .

 و لهذا الطاغية خبراء أغلبهم من رجال الإعلام والثقافة يعمدون إلى تأليه ذاته عبر سلسلة من المسلكيات التي تتجلى في وسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة والمقروءة , كما أنّ هؤلاء الخبراء يتولون تفسير نصوص وخطابات هذا الطاغية من خلال الرائي – التلفزيون – و يخصّون خطابات السيد الرئيس بتفسيرات وتوضيحات لا يخصّون بها كتاب الله المنزّل , و تصبح هذه الوسيلة العموميّة في خدمة السيّد الرئيس وتخصّه بكل صغيرة وكبيرة حول دخوله إلى الحمام وخروجه منه , و تدشينه لقنوات الصرف الصحّي وغيرها من المشاريع التي لا تتناسب وحجم ما لدينا من ثروات , وقد دخل كتّاب الأغنية الهابطة على خطّ الطغاة ووضعوا أغاني وأهازيج تمجّد السيد الرئيس باني النهضات و هادم اللذّات ومفرّق الجماعات ومدللّ الراقصات .

ولم يضطلع ثلّة من الصحفيين بتحويل الكثير من زعمائنا الأغبياء إلى عباقرة عصرهم و وحيدي دهرهم فحسب بل باتوا يقومون بدور رجال المخابرات وهنا بيت القصيد ! وقبل توضيح هذه النقطة يجب أن نشير إلى أنّ أفضل قارئ لما يكتبه الصحفيون العرب هم رجال الأجهزة الأمنيّة حيث توجد لدى دوائر الإستخبارات العربية أقسام خاصة بمتابعة كافة الجرائد و قراءة ما يكتبه كتّاب الرأي والأعمدة والبعض يضع تحت كل سطر معين خطّا أحمر وأحيانا أصفر وكل لون يرمز إلى شيئ معيّن يدور في أدمغة رجال الإستخبارات المتعودين على الظلام فقط , وقد دعيت ذات يوم إلى جهة أمنية في دولة عربية بسبب مقالات ناريّة كنت قد كتبتها , فعرفني الضابط الأمني الذي حققّ معي

 بقوله : أنا المكلّف بقراءة مقالاتك , وحدث الأمر عينه في دولة عربية أخرى فأدركت أنّ اللعبة واحدة في العالم العربي , والعجيب أنّ بعض الأجهزة ونظرا لدقّة معلوماتي و أحيانا كتاباتي عن أشياء وقعت بعد ذلك كانت تعتبر أنني إبن جلاّ وطلاع الثنايا , فأحيانا كنت في نظرها محرك المعارضة وأحيانا منظّر التحولات هنا وهناك !

ولأنّ رجال المخابرات العرب أفضل من يقرأ و يتابع و يؤرشف فإنّهم يسعون لإقامة علاقات وطيدة مع بعض رجالات الصحافة الذين ماتت ضمائرهم فتوجّه الدعوات إليهم في المناسبات الوطنية وغيرها و تسهلّ لهم مهمة الإلتقاء برجالات القرار , وبعد ذلك تقدّم لهؤلاء دعوات خاصة  في هذا الفندق وذاك المطعم مع هدايا جميلة وثمينة , وأثناء كل ذلك يتمّ إستمزاج رأي هذا الصحفي حول العمل مع الدولة ولا يقال له تعمل مع الجهاز الأمني بل مع الدولة على أساس تحريك الحسّ الوطني في نفسية هذا الصحفي , وحاجة الأجهزة الأمنية إلى إستخدام الصحفيين مرده إلى أنّ الأبواب كل الأبواب مفتوحة أمام الصحفي الذي يحمل بطاقة رسمية ويعمل في وسيلة إعلامية معينة , فالصحفي يستطيع أن يقابل الجميع من سياسيين وديبلوماسيين و إعلاميين و معارضين بصفته الصحفية وهذا ما لا يقدر عليه رجل المخابرات الذي يتوجسّ الجميع منه خيفة وهو في أصل تكوينه الفكري كالخفّاش لا يحب النور ولذلك يهمه الحصول على معلومات عبر وسائط والصحفي هو خير واسطة , وكثيرا ما يتوجّه الصحفي الذي سقط في شباك عناكب المخابرات بأسئلة إلى هذا الديبلوماسي أو ذاك المعارض أو إلى رئيس دولة معينة و تكون الأسئلة قد أعدّت سلفا في مطابخ الأفكار في دوائر الأبحاث والمعلومات والإستعلامات الإستخباراتية , والأكثر من ذلك فكثيرا ما تمد هذه الأجهزة هذا الصحفي الذي هو موقع رئيس تحرير أو غيره بمعلومات لينشرها لتحقيق غاية معينة والعجيب أنّ بعض هذه المعلومات ضدّ أمن الدولة ويحلو لجهاز أمن الدولة نشرها في خطة يستعصي فهمها على الشيطان نفسه .

ومقابل هذه الخدمات وغيرها يحصل هذا الصحفي على إمتيازات وهدايا ثمينة ورواتب موازية لراتبه الرسمي ويوظّف من يشاء و يحصل على شقّة لمن يشاء , و في بعض الأحيان تكلّف الأجهزة الأمنية ودوائر الأبحاث على وجه التحديد هذا المسؤول الإعلامي في هذه الصحيفة أو تلك بإعداد دراسة ما مهمة في نظر هذه الأجهزة فيسخّر هذا المسؤول كتّابا مرموقين بإعداد الدراسة وهم غافلون عن حقيقة الأمر ويقبضون الثمن مقابل ما فعلوه وعندما يسألون عن موعد طبع دراساتهم يأتي الجواب بأن سعر الورق صار غاليا وتمّ تأجيل الطبع بينما تكون الدراسة مصفوفة ومطبوعة في الدوائر الخاصة التي أوصت بإعداد هذه الدراسة , وبهذه الطريقة الجهنميّة تمّ توظيف المئات من الإعلاميين الذين كانوا يؤدون خدمات مجانية للأجهزة الأمنية دون أن يعرفوا ذلك وللإشارة فإنّ هناك ملفات خاصة في دوائر الإستخبارات البريطانية تحت عنوان الذين يخدمون بريطانيا مجانا .

وفي كثير من الأحيان تحولّت الوسائل الإعلامية إلى شركات مموهّة لدوائر الإستخبارات , بل إنّ بعض الضبّاط الأمنيين صاروا رؤساء تحرير , وقد أكتشفت أنّ نصف رؤساء الأحزاب المعارضة في دولة عربية هم من رجال المخابرات , وبهذا الشكل تضمن الدولة أنّ تظلّ المعارضة تحت عباءتها  كما الصحافة تماما .

وبناءا على ما ذكر بات العديد من الصحفيين منخرطين فعليا في اللعبة الأمنية بعضهم يتعامل مع الأجهزة الأمنية في بلاده والبعض منخرط في اللعبة الأمنية مع الأجهزة الأمنية العربية أو الغربية , ولو فتحنا السجلات وكشفنا عن الأسماء كما طالبني بعض القراء لكفر المواطن العربي بكل هذا الوهم الكبير الذي إسمه الإعلام العربي , و يبقى القول أنّ حصوننا مهددة و قلاعنا مخرومة وبيتنا أوهن من بيت العنكبوت وهذا ما يفسّر تراجعنا المذهل والمستمّر !

 

وفاة النظّام الرسمي العربي .

 

منذ بدايات القرن العشرين والمفكرّون العرب والمسلمون يجتهدون في دراسة عوامل النكسة وأسباب التقهقر , وقد تعددّت الآراء و تنوعّت بحسب البيئة الفكريّة والخلفيّة الثقافيّة و المرجعيّة المعرفيّة لهذا المفكّر وذاك .

 ومن أقرب المفكرين إلى راهننا العربي محمّد عابد الجابري الذي حملّ العقل العربي والإسلامي جزءا كبيرا من تراجعنا وهامشيتنا الحضاريّة في كتابه الخطاب العربي المعاصر و محمّد أركون الذي طالب بأنسنة الفكر الإسلامي والعربي للولوج في التركيبة الحضاريّة الراهنة . وبسبب إنعدام طقس الحريّة والأمن الفكري والثقافي في كل مواقعنا العربيّة فإنّ أحدا لم يجرؤ ويخصصّ كتابا عن دور النظام العربي الرسمي في تراجعنا في كافة تفاصيل حياتنا الثقافية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والحضارية .

 ومن الملاحظات الفارقة التي يمكن إدراجها في هذا السيّاق أنّ هناك علاقة عكسيّة بين الحكّام العرب وشعوبهم , بين النظام الرسمي العربي والرعيّة العربيّة , الأمّة تريد الكرامة والحكّام يريدون عصير الكرمة , والأمة تريد التحرير والحكّام يريدون الحرير , الأمّة تطالب بالقدس والحكّام العرب يكرسّون البؤس . وقد أدّى هذا الإفتراق بين خطّ الحكّام وخطّ الشعوب إلى اضطراب معادلة النهضة ونكوص المشروع الحضاري , حيث كانت على الدوام الأقليّة التي تصنع القرار العربي تفرض شروطها على الأغلبية المسحوقة التي لا تملك أن تعبرّ حتى عن أحلامها , وإذا فرضنا أنّ هذه الشعوب العربية المستضعفة أتيح لها أن تمارس اللعبة الإنتخابية , فإنّ صناع القرار سرعان ما يطيحون بخيّار الشعب إذا كان ما أختاره الشعب لا يتماشى مع توجهاتهم وإيديولوجيتهم مثلما حدث في الجزائر عندما أطاحت الدبّابة بصناديق الإقتراع , ومثلما حدث في العديد من الأقطار العربيّة .

وهذه العلاقة العكسيّة بين المنظومة السياسية الرسمية وبين الشعوب أرخت بظلالها على مسيرة الشعوب في خطّ تكاملها ومسيرة تنميتها . وهذا الطلاق البائن بين صنّاع القرار و الشعوب العربيّة لا يحصر في القضايا الصغرى وفي التفاصيل الصغيرة , بل يسحب على القضايا الكبرى , حيث عجزت هذه الأنظمة الرسميّة أن تكون على مستوى الشعوب وتطلعّات الأمة . كما حدث في قمّة بيروت الأخيرة التي عكست بوضوح الوفاة الرسميّة للنظام الرسمي العربي الذي عجز عن مقاومة ومجابهة أعرق وأفظع وأوّل عدو للعالم العربي وهو الكيّان الصهيوني الغاصب . بل في المقابل راحت هذه القمّة تطرح مبادرات للتسويّة في الوقت الذي يذبح فيه الشعب الفلسطيني عن بكرة أبيه . وإذا كان النظام الرسمي العربي فيما مضى يسعى لإمتصّاص النقمة الشعبيّة العارمة من خلال الخطب الرنّانة ومن خلال الأقوال لا الأفعال فإنّه في العصر الأمريكي الراهن تخلّى حتى عن الأقوال , وإذا كان هذا النظام الرسمي العربي كان فيما مضى يجهر بالنضال ويبطن الإستسلام , فإنّه في الراهن الأمريكي وفي العصر الأمريكي بات يجهر ويبطن المذلّة و الإستسلام والخنوع و التردّي.

كان الأولى بالحكّام العرب أنّ يوفّروا على الشعوب العربيّة مزيدا من الظنك والبؤس , وليدعّوا الشعب الفلسطيني الباسل يشقّ طريقه الذي اختاره بنفسه وخطّه بدماء شهدائه , وليرفعوا أيديهم عن الشعوب العربيّة التي تزداد فقرا فيما يزدادون هم غنى وثراء , وليعيشوا في أبراجهم محرومين من الحبّ المقدّس الذي ينشأ بين الحاكم العادل والرعيّة , وهذا لا يعني إطلاقا أنّ الشعوب بمنأى عمّا يحيط بها وصامتة عن الذين تسببوا في تراجعها وتقهقرها وتمكين الأعداء منها , فمثل هذه الظروف التي نحياها الآن أنتجت فيما مضى ثورات وزلازل , وحركة التاريخ كثيرا ما تعيد نفسها . وإذا كان هذا النظام الرسمي العربي عاجزا عن تحقيق التنميّة , ووضع حدّ للحركة الإستعماريّة الأمريكية الراهنة ودحر الإعتداءات الصهيونيّة فعليه أن يستقيل ويعلن إخفاقه , ويقدّم في ذلك بلاغا رسميّا للأمّة التي تحسن إختيار من يسوسها , وتعي جيدا من يلبسها ثوب العزّة ومن يلبسها ثوب العار والشنّار .

ثمّ إنّ الشعوب العربيّة واكبت مسيرة هذه الأنظمة العربيّة الرسميّة على مدى عهود وعقود , والأنظمة هي الأنظمة , والرسميون هم الرسميون وصنّاع القرار هم صنّاع القرار أو من صلبهم , والمنهج السياسي هو المنهج , والطريقة هي الطريقة , والقمع هو القمع , أما آن لهذه الشعوب أن تجددّ حياتها السياسيّة و صنّاع قرارها , وإذا كانت الانتفاضة الفلسطينية الباسلة وما تبعها من انتفاضات في كل الشوارع العربيّة والإسلاميّة والتطورات المتلاحقة التي حدثت في أفغانستان والعراق  قد أكدّت أنّ شارعنا العربي والإسلامي مازال يتمتّع بالحياة والحيويّة , أفلا يحق لهذا الشارع أن يساس من قبل من يملك الحياة ويبعثها في النفوس , لا من قبل الموتى الذي يتمّ إنعاش أبدانهم وعقولهم بالمصل الأمريكي والحقن البريطانيّة وغيرهما !!!

دعوة لحكامنّا المتعبين جدّا بالإستقالة .

 

 

على مدى عقود من الزمن أبلى حكامنا العرب الطيبون جدّا بلاءا حسنا , فقد كانوا يوصلون الليل بالنهار ويحرمون أنفسهم من متع العيش في سبيل إسعاد المواطن العربي , وقد نجحوا إلى أبعد الحدود في تحقيق العدل والمساواة والكرامة والسكن والصحة وحياة أفضل لكل المواطنين العرب , وفي ظرف وجيز تمكنوا من القضاء على الظلم و الإجهاز على منظومة المخابرات التي تتلذذّ بتعذيب المواطنين وزجوا بكل القساة العتاة في سجون خاصة , و في المقابل أطلقوا سراح كل الأبرياء والمظلومين وأخلوا كل الزنزانات العامة والإنفرادية , و رفعوا حالات الطوارئ بكل أشكالها و رفعوا القيود عن الإعلام و الحرية الصحفيّة , كما فسحوا المجال للتعدديّة السياسيّة و أقرّوا مبدأ التداول على السلطة ومبدأ حكم الشعب لنفسه , وقاموا بإرجاع كل الدبابات و العساكر إلى الثكنات , و أخلوا الشوارع من مناظر العسكريتاريا والمخبرين , و دعموا الوضع البرلماني وأتاحوا للنوّاب أن يناقشوا الوضع الحكومي والمسلكية السياسية للرئيس بكل حريّة ودون غرفة ثانية للمخابرات تلاحق وتملي في آن واحد  .

وبعد أن نجح حكامنا في إيجاد مناخ سياسي عادل وتعددي إنصرفوا إلى الثقافة فخصصوا لها ميزانية ضخمة وقرروا أن تكون الأولوية للثقافة والفكر لا للرقص والفن العفن , و أقسموا بالله أن لا تتحول أراضي الكنانة العربية إلى مراقص الفنانة , وحرروا الثقافة من الأدلجة والديماغوجية ولغة الخشب الحزبية الحاكمة , فأزدهر المسرح والرواية والقصيدة وبات الحرف العربي مزهوا بملابس من مختلف التيارات الفكرية في عرس بهيج لحرية الفكر , وجزى الله حكامنا خيرا أيضا عندما قرروا أن يخرجوا من حالة الأمية الحضارية وأمية الكتابة والقراءة والبيان التي كانوا عليها وقرروا مجددا الإلتحاق بمدارس محو الأمية ووقفوا جنبا إلى جنب مع الفلاح والميكانيكي وبائع الخضروات ليتعلموا لأنّه من قال أنا عالم فهو جاهل , وبعد أن بدأوا يستشعرون بلذاذة العلم قرروا أن تركّز فضائياتهم على الثقافة والفكر والشعر وترقية الإبداع وأعطوا أوامر لمدراء أجهزتهم الإعلامية أنّه لا نريد مجونا ورقصا خليعا وغناء الحب للمطربين العرب الذين لم يعرفوا الحب في حياتهم والذين لا يصمد زواجهم أكثر من أسبوع , وقررّ بناءا عليه حكامنا العرب الطيبون أن يتم إستحضار الأدباء والكتاب والشعراء وطلائع الأمة للمشاركة في ترقية الوعي الحضاري , و أصدروا قرارا بملاحقة الرسميين المنضوين تحت عباءة الحكم الذين يسرقون الآثار والمخطوطات ويبيعونها للإرادات الغربية .

 وقرروا جزاهم الله خيرا أن يزيلوا صورهم من الدنانير والدراهم لينقشوا بدلا عن صورهم صور أبي العلاء المعري و إبن خلدون والفارابي وأبي الطيب المتنبي وغيرهم من أساطين حضارتنا العربية المجيدة . وبعد أن رقوّا المشروع الثقافي إنطلقوا إلى المشروع الإقتصادي فقرروا إرجاع كل الأموال التي سرقوها إلى الشعب , وقرروا إستخدام أموالهم الخاصة لقضاء الديون التي رتبوها حتى على أجيالهم المستقبليّة , و قرروا توزيع الثروات توزيعا عادلا وعلى رأس هذه الثروات النفط , كما أصدروا قرارا جمهوريّا بالقضاء الكامل على سكنات المقابر والبيوت القصديرية , ووهبوا لكل مواطن بيتا محترما وكريما , وخصصوا مساعدة إجتماعية للعوائل الفقيرة , كما قرروا تزويج الشباب والشابات للقضاء على الزنا التي لطالما مارسوها وروجوا لها , كما قرروا توزيع الأراضي على الفلاحين لإستثمارها و الرقي بالزراعة , وفي ظرف ثلاثين سنة وعشرين سنة وعشر سنوات -  كل حاكم عربي ومدة حكمه – تمكنّ الحكام العرب من إحقاق النهضة السياسية والثقافية والإقتصادية ,  وعندما تأكدّ لهم أنّهم حققوا النهضة الشاملة , وأنهم باتوا يملكون قاعدة عسكرية وصناعية قويّة قرروا التوجه إلى فلسطين لتحريرها والتوجه إلى الدول العربية والإسلامية المحتلة من قبل المستعمرين الأمريكان وتحديدا في أفغانستان والعراق وتحقق لهم ذلك فحرروا بلادنا قاطبة من الإحتلالين الصهيوني و الأمريكي , و أسترجعوا عزتنا المفقودة وكرامتنا المهدورة ومجدنا الضائع ودورنا المفقود , وقد بذل حكامنا العرب مجهودات قلّ نظيرها وأبلوا في سبيل الله والوطن بلاءا حسنا , والحمد لله سيورثون أجيالنا المستقبليّة أوطانا بدون ديون وبدون إحتلال وبدون أمية وبدون جوع وبدون ظلم وبدون إستبداد.

فجزاهم الله خير الجزاء , و بعد هذا العناء والتعب والجهاد والنضال والإستماتة من أجل المقدسّات يجب أن يستقيلوا و يتقاعدوا و والله وبالله وتالله فبعد إقدامهم على التقاعد ستقول شعوبهم : الحمد لله الذي أذهب عنّا الرجس !

 

 

يصادرون مقدرّاتنا و نحن نتفرّج !

 

 

هنيئا للنظام الرسمي العربي الذي إستطاع بإمتياز أن يحولّ الشعوب العربية إلى شعوب تتفرّج على الحدث دون أن تصنعه , تستقبل الأعداء دون مقاومة , وتتيح للغازي الأمريكي أن يصيغ الجغرافيا و الأفكار والمنهج والمعتقد والعادات و الوجوه و نوعية الثيّات و الأكل وكل ما له علاقة بتفاصيل الحياة .

خلال عقود والنظام الرسمي العربي يعمل على وأد الرجولة وعلى تخنيث الأبطال وإخصاء الأحرار ومصادرة الفكر الواعي الطلائعي و تجفيف منابع القوة في هذه الأمة , فعل ذلك وبكل صراحة تواطؤ مع وكالة الإستخبارات الأمريكية و الموساد الإسرائيلي والدوائر الماسونية و كل الدوائر التي كانت تعمل منذ زمن في الخفاء على تمزيق العالم العربي والإسلامي وكأنّ مشروع سايكس بيكو لم يكفهم فخططّوا لمشروع أكبر وأعظم .

 ومن الخطأ بمكان أن نتصوّر أن ما ستقدم على فعله أمريكا في العراق وما بعد العراق رهن باللحظة الراهنة , بل هو وليد تخطيط مسبق وإستراتيجيات وضعت عندما كان حكامنا العرب يجتمعون في القمم العربية السابقة ويختلفون نهارا على جدول الأعمال ويتفقون ليلا على شرب أكؤس الصبابة المعتقة وسط العاهرات اللائي يحتفظن بمذكرات ستدخل التاريخ مستقبلا .

 كانوا يخططون عندما كانت الدول العربية تتآمر على بعضها البعض , عندما كانت كل دولة عربية في خلاف حدودي مع الأخرى , عندما كانت أجهزة المخابرات في هذه الدولة العربية تخطط لنسف الأمن القومي في الدولة العربية الأخرى .

هنيئا للنظام الرسمي العربي الذي جعل شريحة من أبناء جلدتنا تؤمن بأنّ أمريكا هي المهدي المنتظر , وشريحة أخرى متقاعسة عن أداء دورها , وشريحة أخرى معزولة في سجن السلاطين والحكام والجنرالات القساة البغاة العتاة الزناة الأباة على شعوبهم الأذلاّء لأمريكا والدولة العبريّة .

فاللوم ليس على واشنطن التي تستهدف تاريخنا وراهننا وحاضرنا ومستقبلنا وثقافتنا وجغرافيتنا ودورنا وسلاحنا ودماغنا وفكرنا و عقيدتنا وقرآننا و محمدنا , اللوم على النظام الرسمي العربي الذي شرعن الوجود الأمريكي في مواقعنا كل مواقعنا الجغرافية , اللوم على النظام الرسمي العربي الذي دمرّ العقول والكفاءات وعجز عن إقامة نهضة صناعية متكاملة وأحوجنا إلى الدجاج الأمريكي واللحم الأمريكي والدواء الأمريكي والخبز الأمريكي والعقل الإستراتيجي الأمريكي , اللوم على حكامنا البغاة مدمني الفياغرا و أفلام الخلاعة الذين منحوا أراضينا للأمريكان و جغرافيتنا لقوات التدخل السريع للحفاظ على كراسيهم وأمنهم القومي وأمن دولتهم بخرم أمن مجتمعهم , اللوم على حكامنا الذين راهنوا على حماية الأمريكان لهم بعد أن ألهوا جنودهم بالمخدرات والرشاوى وبيوت الدعارة وكل أنماط الفساد , اللوم على حكامنا الذين أبادوا اللغة العربية وفرضوا اللغة الأنجليزية , والذين قضوا على أم كلثوم و فرضوا مايكل جاكسون والذين حاربوا قناة الجزيرة وفتحوا المجال كل المجال لقنوات العهر الإيطالية والتركية و غيرها , اللوم على حكامنا الذين تخندقوا خلف شاكيرا و سلموا شعوبهم للأمريكان , اللوم على حكامنا الذين عجزوا عن إدارة العباد والبلاد وأستضافوا الأمريكان لكي يتولوا المهمة بإمتياز ويتولون هم دفع الفاتورة من أقوات ودماء الشعوب العربية والإسلامية , اللوم على حكامنا الذين أعجبتهم الشقروات الأمريكيات فباعونا ببضعة كيلوات من اللحم , تماما كما فعل ذلك الحاكم العربي الذي إستقدم فتاة أمريكية شقراء لدى زيارته إلى واشنطن فطلقته زوجته !

اللوم على حكامنا الذين آمنوا بفقه النكاح وتركوا فقه الكفاح , الذين إعتنقوا فقه الجواري وتسليم الأمريكان كل البراري والذين يطلبون منا الآن أن نتفرج , نتفرج على جغرافيتنا وهي تسبى , تاريخنا وهو يصاغ في واشنطن , حكامنا وهم يصنعون في لانغلي , أطفالنا وهم يقتلون بلا ذنب ولا جريرة في بغداد ورام الله وجنين , نتفرج نعم نتفرج دون أن ننبس ببنت شفة , فلا يجوز التعليق على موت الآلاف بل الملايين في العراق , لا يجوز التعليق على دمار العراق , لكن ألا يعلمون أنّ كتمان الغيظ يحوّل الإنسان إلى قنبلة فتاكة تنفجر في وجه حكامنا السمان وفي وجه الأمريكان .

 وإنّ غدا لناظره قريب !

 

الفرنجة قادمون والجيوش العربية في عطلة !

 

يتعرّض الشعب الفلسطيني إلى غارة إستباحة وتذبيح لا مثيل لها في تاريخ البشريّة , ومنذ بداية محنته مع الجماعات الصهيونية الإرهابية ومن تمّ الكيّان الصهيوني الغاصب وهو يستنجد بالجيوش العربية التي نخرها الفساد والتي أقام رجالاتها أوشج العلاقات بالراقصات اللائي أضحين بإمتياز من عليّة القوم ويملكن كل الأرقام المباشرة لصنّاع قرارنا العربي المجيد , و في الوقت الذي تخذل فيه هذه الجيوش فلسطين وغيرها من روافد العالم العربي والإسلامي  فإنّ الشارع العربي والإسلامي من طنجة وإلى جاكرتا مع فلسطين قلبا وقالبا , ينتظر اللحظة التي يمدّ  فيها فلسطين بدمه وقلبه وشرايينه ودموعه وزاده ومؤونته , وأريد أن أقول لأطفال الجنة محمد الدرّة وإيمان حجو ولأطفال الحضارة والحجارة لا تراهنوا على الجيوش العربيّة , فمنذ خمسين سنة أي منذ القرار الدولي أو العار الدوّلي بتقسيم فلسطين وأجدادكم وبعدها أباؤكم ثمّ أنتم تراهنون على الجيوش العربيّة المهزومة .

وعندما يستغيث أبناء الجنّة في فلسطين بالجيوش العربيّة يأتيهم الردّ بأنّ الشرعيّة الدوليّة لا تسمح بأيّ تحرك  , وبأنّ الظروف السياسية والواقع المحلي لا يسمح والمعادلة الدوليّة لا تجيز , لكن عندما تدعو  واشنطن الجيوش العربيّة لتغيير واقع عربي هنا أو استباحة واقع إسلامي هناك , فانّ الجواب يكون لبيك وسعديك يا واشنطن فنحن طوع بنانك بالبنادق والمعلومات .

فرجاء لا تراهنوا على الجيوش العربيّة فهي منصرفة إلى حماية العروش بل لقد أضحت هيّ العروش نفسها , وأنصرفت إلى تتريس الكروش الجسمية وكروش البنوك بما سلبته من قوت المواطنين ونفط المواطنين ومستقبل المواطنين .

 إنّ الأنظمة العربية ومعها الجيوش العربية أرادوا أن يقبروا  التواصل بين الشعوب العربية والإسلاميّة وبين فلسطين  ويعدموا نصرة هذه الشعوب لفلسطين  . والعار كل العار أننّا نملك جيوشا عربية مدرعّة بأحدث المعدّات العسكريّة ومازلنا نحققّ التراجع تلو التراجع والنكسة تلو النكسة , وقد تحولّت الجيوش العربية إلى عبئ على أمتها وتطلعات شعوبها. وعندما أتأمّل صدور جنرالاتنا في العالم العربي والإسلامي أجدها معبّأة بالنياشين والميداليات من ذهب وفضة وقدور وصحون وغيرها من مواد خشبيّة وكلها إشارات على الإنجازات الكبرى و الانتصارات العظمى , لكن عندما أعود إلى الواقع أجد النكسة تلو النكسة والهزيمة تلو الهزيمة , والانقلاب تلو الانقلاب والعمالة تلو العمالة , وقد ساهمت العسكريتاريّا  في تكبيل القدرات والطاقات للإعتبارات التاليّة :

-  الاندماج الكامل بين النظام السياسي والمؤسسة العسكريّة , حتى أصبح النظام السياسي هو الجيش والجيش هو النظام السياسي . والذي يعمل النظر في خلفية الرؤساء العرب يجد أنّ كل الرؤساء العرب هم في الواقع عسكريون وخرجوا من رحم المؤسسة العسكريّة . وحتى الملوك الراهنون والمخضرمون تخرجوا من أرقى الأكاديميّات العسكريّة ويجيدون اللغة الأنجليزية والفرنسية أكثر من اللغة العربية .

-