الغارة الأمريكيّة الكبرى على العالم الإسلامي.

 

 

بقلم / الصحفي والكاتب يحي أبوزكريا .

 

 

الإهداء

 

إلى كل المستضعفين في الأرض الذين يريدون صناعة راهنهم و مستقبلهم بعيدا عن الإرادة الأمريكية للهيمنة على العالم .

الفهرس .

 

1-            العالم الإسلامي بين الأمس و اليوم .

2-            المسلمون في الغرب و الإحتلال الأمريكي للعراق .

3 - أمريكا ستدمّر النظام الدولي والسلام العالمي .

4- أمريكا ومنطق إستعباد الشعوب .

5- أوروبا الغاضبة على أمريكا

شراء قنينة كولا معناه المساهمة في صناعة كروز أمريكي.

6- بين هولاكو 1258م وبوش 2003 م .

7- خطّة لهزم أمريكا برسم الحكّام العرب !

8- ما معنى أن تحتلّ أمريكا العراق !

9- ماذا لو لم يكن سعد الدين إبراهيم أمريكيّا !

10 - يصادرون مقدرّاتنا و نحن نتفرّج !

11 - أمريكا وإستحمار الشعوب الإسلاميّة.

12 - أوروبا القديمة وأمريكا الجديدة .

13 - بداية سقوط دولة آمرك أو أمريكا .

14 - سقوط جورج بوش الإبن !

15 - خبراء سويديون : أمريكا خسرت حربها على الإرهاب !

16- الفرنجة قادمون والجيوش العربية في عطلة !

17- أمريكا تتجسسّ على العالم من خلال أوروبا .

18 - حقيقة الأدلّة الأمريكيّة .

19 - إستئصاليّو الجزائر يطالبون أمريكا بمزيد من الإستئصال.

20- أغلبيّة السويديين ضدّ الحرب الأمريكية في أفغانستان .

21- الذي يرفض نظام الدبابة يجب أن يرفض نظام الشبح .

22 - أوروبا الباحثة عن دور في العصر الأمريكي .

23 - لماذا توحّدوا وتفرقنا !

24 - هكذا بدأت الحرب العالميّة ضدّ الاسلام والمسلمين ‍‍ ‍.

25- واشنطن حددّت ساعة الصفر .

26 - الغارة الكبرى على العالم الإسلامي !

27 - أوروبا والغارة الأمريكيّة المرتقبة على العراق .

28 - إفريقيا الباحثة عن دور في العصر الأمريكي  !

29- عالمنا العربي بين طاغيّة بلسان عربي و طاغية بلسان إفرنجي !

30 - أسباب تقدمّ الغرب وتقهقر الشرق ! .

31 - منتدى الناتو والخطر الأخضر.

32 - إعادة إنتاج الإستعمار في العالم الإسلامي .

33 - حقيقة الديموقراطيّة الأمريكيّة ! .

34 - صدّام حسين طاغية بإمتياز وأمريكا ملهمته  !

35 - أمريكا في الجزائر .

36 - الجزائر و التحالف الإستراتيجي مع أمريكا .

37 - الناتو والإتحّاد الأوروبي يفتحان أبوابهما للجزائر !

38- أوروبا بعد الحادي عشر من أيلول بين التبعيّة والإستقلال عن أمريكا .

39 - معلومات عن العالم الاسلامي بالجملة في الدوائر الغربيّة .

 

 

 

العالم الإسلامي بين الأمس و اليوم .

 

يعيش العالم الإسلامي اليوم وضعا معقدا ومربكا في كل تفاصيله , وقد أصبحت الجغرافيا التي تدين بالإسلام من طنجة وإلى جاكرتا ووصولا إلى روافد العالم الإسلامي في معظم القارات عرضة للإحتلال المباشر وغير المباشر عسكريّا وسياسيّا و إقتصاديّا وثقافيّا وأمنيّا , وقد كان الإعتقاد السائد أنّ العالم الإسلامي قد ودعّ وإلى الأبد الحركة الإستعمارية التوسعية الغربية والتي أرخت بظلالها علىعالمنا الإسلامي في القرن الماضي , والتي كانت سببا رئيسا في تراجع المشروع النهضوي والتنموي الإسلامي , كما كانت السبب في إنتاج نخب علمانية أتاحت للفكر الكولونيالي في كل أبعاده السياسية والثقافية والإقتصادية أن يستمر محركا لتفاصيل الدولة الحديثة المستقلة إسما وشكلا . ومما لا شكّ فيه فإنّ العالم الإسلامي قد تأثرّ إلى أبعد الحدود بالحركات الإستعمارية والإحتلالية التي جاءت من الغرب بحجّة نشر الحضارة والمدنية في واقع كله تخلّف حسب إدعاءات منظريّ الإستعمار الذين كانوا ملحقين بوزارات الخارجية في العواصم الغربيّة .

 ولم يغادر المحتلون عالمنا الإسلامي إلاّ بعد أن أطمأنوا أنّهم وضعوا دساتير هي من روح دساتيرهم وعينوا تكنوقراط وسياسيين في دوائر القرار في هذه الدولة وتلك وكلهم من الذين نهلوا من معين الثقافة الغربية الكولونياليّة , وقد أكملت هذه النخب مسيرة الحركة الإستعمارية فحاصرت الإسلام في عقر داره وعملت على تجفيف منابعه و ملاحقة الدعاة إلى ثقافته , ولم تكن هذه السيئة الوحيدة للحركات الإستعمارية بل هناك مجموعة سيئات سياسية وإقتصادية وثقافية وجيوسياسيّة , فعلى الصعيد السياسي لعب الإستعمار الغربي دورا كبيرا في صياغة الدساتير التي أصبحت مرجعا أساسا للدولة الحديثة في عالمنا الإسلامي , بل أنّ بعض الدساتير كانت نسخة طبق الأصل من الدساتير الغربية , وبطبيعة

الحال أوكلت مهمة شرح هذه الدساتير وتنفيذها لشخصيات إسلامية إسما وغربية قلبا ومضمونا درست في المعاهد الغربية وأستوعبت روح الحضارة الغربية , وهي الفئة التي عناها الفيلسوف الوجودي الفرنسي بقوله , كانت الدول الغربية الإستعمارية فيما مضى تبعث دباباتها إلى الدول الثالثيّة لنشر فكرها بالقوّة ثمّ تداركت الموقف وباتت تستورد أذكياء من تلك البلاد وتدرسّهم في جامعاتها ومعاهدها ثمّ توفدهم كحكّام لدول العالم الثالث وبهذا الشكل يتحققّ الغرض الإستعماري بدون دبابّة !

وعلى الصعيد الإقتصادي فقد أفرغت الحركات الإستعمارية خزائن البنوك من محتوياتها وخلفوا وراءهم دولا بلا موارد أو مقدرات , بل قاموا في بعض البلاد كدول المغرب العربي بتحطيم كافة الجرارات الزراعية لعدم إستخدامها في الإستصلاح الزراعي , وأملوا على كل دولة أن تنتج منتوجا واحدا أو إثنين ممّا يحتاج له المستعمر , فالجزائر على سبيل المثال وعندما كانت ترزح تحت الإستعمار الفرنسي كانت تصدّر القمح إلى كل الدول الأوربية وبنسبة ثمانين بالمائة , وبعد أن أستقلّت الجزائر باتت تستورد القمح بنسبة مائة بالمائة وأصبحت في المقابل تزرع العنب وتنتج الخمور التي مازالت فرنسا الدولة المستعمرة سابقا المشتري الأول لها .

 كما أنّ الدول الإستعماريّة ظلّت تحتفظ لنفسها بخرائط دقيقة عن مكان وجود الموارد الأوليّة من نفط وذهب وغاز ويورانيوم وحديد ومياه جوفيّة وغير ذلك من الأمور .

وعلى الصعيد الثقافي فإنّ معظم الدول التي كانت مستعمرة – بفتح الراء – تعاني اليوم من أزمة هويّة قلّ نظيرها أفضت إلى إنتاج حروب أهليّة بالجملة في أكثر من دولة إسلاميّة , كما أعادت الحركات الإستعمارية إحياء الإثنيات التي إنصهرت في بوتقة الإسلام على مدى أربع عشر قرنا , و إستغلّت التناقضات الداخليّة وتحولّت الأقليّات إلى إطارات سياسيّة وإيديولوجيّة أفادت الحركات الإستعمارية في وقت لاحق عندما دبّ الحنين في هذه الحركات بمعاودة الكرّة التي كانت قبل أزيد من قرن .

 وتمكنت الحركات الإستعماريّة من غرس بذور ثقافية وفكرية في التربة الإسلامية أينعت بعد حين تماما كما قال الجنرال الفرنسي شارل ديغول وهو يغادر الجزائر سنة 1962 تحت ضغط الثورة الجزائريّة : لقد تركت في الجزائر بذورا ستينع بعد حين .

وكانت هذه البذور هي التي شككّت لاحقا في هويّة الشعب الجزائري ذات البعدين العربي والإسلامي .

وعلى الصعيد الجيوسياسي ترك الإستعمار أزمة الحدود ملتهبة بين كل الدول الإسلاميّة تقريبا وهي التي سمّاها رئيس الديبلوماسية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر بعوامل التوتّر التي تفيد الإدارة الأمريكية عند الحاجة والضرورة . ومازالت أزمة الحدود بين الدول الإسلامية قائمة مهدّت لنشوء صراعات متفاقمة بل مازالت تهددّ بإندلاع صراعات حادة على المدى المتوسّط .

وإذا كانت هذه صورة موجزة ومختزلة عن العالم الإسلامي بالأمس فإنّه اليوم ومع بداية الألفية الثالثة لا يختلف كثيرا عن صورته في الماضي فالدول الإسلامية مازالت عرضة للإحتلال المباشر وما زال القسم الأكبر من العالم الإسلامي عرضة للغزو الإقتصادي والثقافي .

 فعلى صعيد الإحتلال العسكري فإنّ هناك ثلاث دول إسلامية محتلة إحتلالا مباشرا من قبل الدولة العبريّة و الولايات المتحدة  الأمريكية الوريث الشرعي للأمبراطورية البريطانية كما قال هنري كيسنجر في مقالة له عن النظام العالمي الجديد وهذه الدول هي فلسطين وأفغانستان والعراق , وهناك دول إسلامية تفتّت بسبب الولايات المتحدة الأمريكية ومساعيها وهي إندونسيا والتي إستقلّت عنها تيمور الشرقيّة و الصومال , كما أنّ هناك جمهوريات إسلامية تقبع تحت الإحتلال الروسي كالشيشان والتي لم تأخذ حظها من الإستقلال , على الرغم من أنّ الجمهوريات الكاثوليكية في الإتحاد السوفياتي السابق نالت إستقلالها بدعم من الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية .

وعلى الصعيد الإقتصادي فما زالت الشركات المتعددة الجنسيات الأمريكية في مجملها وصندوق النقد الدولي يتحكّم في إقتصاديّات العالم الإسلامي وقد أصبحت المساعدة الإقتصادية للعالم الإسلامي مقرونة بالرضوخ السياسي والإستجابة الكاملة لقرارات ومخططّات الإرادات الدوليّة , والأكثر من ذلك فإنّ البنوك الدولية ذات التمويل الأمريكي هي التي باتت تخطط المنهج الإقتصادي لهذه الدولة الإسلامية وتلك .

وثقافيّا فإنّ الإدارة الأمريكة وضعت مخططّا كاملا وإستراتيجية متعددة الأبعاد لإعادة تأهيل العالم الإسلامي ثقافيا وتربويّا وعلميّا , وكل دولة إسلامية تحاول الإنطلاق من مقوماتها الذاتية وتعمل على إستكناه أسرار التقنية وتحديدا تكنولوجيا السلاح فإنّها تدرج في خانة الدول المتمردّة وبالتالي هناك كمّ هائل من القوانين لمعاقبتها .

وبعد الحادي عشر من أيلول – سبتمبر خرجت أمريكا من دائرة الرغبة في بسط الإحتلال السياسي والإقتصادي والثقافي إلى الإحتلال العسكري , ومثلما كان العالم الإسلامي في بداية القرن الماضي عرضة للإستعمار والإحتلال فإنّه دشنّ بداية قرنه الحالي بإحتلال أمريكا لدول مفصلية إستراتيجيا وجيوسياسيّا في الجغرافيا الإسلامية وما زالت شهيتها مفتوحة إلى درجة أنّها أعادت عسكرييها المتقاعدين إلى الخدمة وفي العالم الإسلامي !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المسلمون في الغرب و الإحتلال الأمريكي للعراق .

 

 

تعيش الدوائر الأمنية في العواصم الغربية هاجسا أمنيّا لا مثيل له ويتمثّل في دراسة هذه الدوائر لكافة الإحتمالات حول تفاعل العرب والمسلمين في الغرب مع بداية الإحتلال الأمريكي للعراق , وتدرك هذه الدوائر أنّ الجزء الأكبر من العرب والمسلمين مرتبطون بالتطورات الجاريّة في العراق والإحتلال الأمريكي له من خلال الفضائيات العربية وتحديدا تلك الفضائيات الخبريّة التي تنقل الحدث العراقي وتداعياته على مدار الساعة .

 وتخشى هذه الدوائر أن تكون للمسلمين المقيمين في الغرب ردّات فعل إنفعالية تجاه المصالح الأمريكية والبريطانية في العواصم الغربية والقيّام بما من شأنه أن يخلّ بالأمن القومي الغربي , ومنذ بلغت الدوائر الأمنية الغربية تفاصيل السيناريو الأمريكي في العراق و الجلسات والإجتماعات بين صناع القرار الأمني  قائمة تحسبّا لأي جديد قد يفرزه الغضب العربي والإسلامي في العواصم الغربيّة وخصوصا مع بداية الفضائيات العربية والإخبارية منها على وجه التحديد في نقل صور القتلى الأبرياء من العراق الذين ستطاولهم صواريخ توماهوك وغيرها من أسلحة الدمار الشامل الأمريكية التي سيتم تجريب بعضها لأوّل مرة في العراق .

 ورغم أنّ العرب والمسلمين مشدودون إلى أقصى مدى إلى الحدث العراقي وبداية الإحتلال الأمريكي للعراق إلاّ أنّه يمكن تصنيفهم كما يلي :

أولا : مسلمون ملتزمون حركيون قادرون على تحويل القول إلى فعل و النظرية إلى تطبيق.

ثانيا : مسلمون متعاطفون مع مظلومية الشعب العراقي ولا يملكون غير الدعاء والمشاركة في التظاهرات والحركات الإحتجاجيّة المناوئة للغطرسة الأمريكية في الشوارع الأوروبية .

ثالثا : قسم صغير من المسلمين قوامه فئة من العراقيين اللاجئين والأكراد والعرب العلمانيين المستغربين الذين يرون أنّ أمريكا قادمة إلى العراق لتخليص الشعب العراقي من الظلم والديكتاتورية وحكم البعث الأحادي .

 وحتى جزء كبير من هذه الفئة سيتراجع عن دعمه لأمريكا وحربها الإحتلالية على العراق , مع بداية سقوط الضحايا والأبرياء الواحد تلو الآخر جرّاء القنابل الأمريكية والبريطانية التي ستتهاطل على العراق بشكل مكثّف .

وسيكون لكل شريحة من الشرائح المذكورة طريقتها في التعاطي مع الإحتلال الأمريكي للعراق , ولا تستبعد بعض الدوائر الغربيّة أنّ تتحول العراق إلى ما يشبه أفغانستان في الثمانينيات من القرن الماضي – 1980 – وذلك عندما قام الجيش الأحمر بغزو أفغانستان وتوافد العرب والمسلمين على أفغانستان لنصرة الشعب الأفغاني والتصدّي للجيش الأحمر الإلحادي الذي أضطّر لمغادرة أفغانستان تحت ضربات المجاهدين الأفغان والعرب والمسلمين. وقد يتوجّه مئات العرب والمسلمين الذين يحملون الجنسيات الغربية إلى العراق وينضمّون إلى قوافل المجاهدين العرب والمسلمين المتطوعين لنصرة دار الإسلام في العراق .  وعلى صعيد آخر تتوقّع الدوائر الغربية أن يشهد الشارع الغربي غليانا كبيرا ضد الإحتلال الأمريكي للعراق وهو ما سوف يذكّر بأيام أمريكا في الفيتنام و الحرب الكوبية وغيرها من حروب أمريكا في العالم . ومن المتوقع أن يكون للمسلمين دور كبير في تحريك الشارع الغربي أقلا كما تشير التوقعات في محاولة لإيجاد ضغط سياسي ديبلوماسي على الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير والمتحالفين معهما من هواة تمزيق العالم العربي والإسلامي .

وإذا كانت الدوائر الغربية متيقنة عين اليقين أنّ الغضب العربي والإسلامي سيتجلى في الشوارع الغربية فإنّ ما يقلق هذه الدوائر هو إستهداف المصالح الأمريكية والبريطانية في العواصم الغربية , ولأجل ذلك جرى رفع درجة الحراسة الأمنية لسفارات أمريكا وبريطانيا في العواصم الغربية بالإضافة إلى توفير الحماية السريّة للشركات الأمريكية المتعددة الجنسيات في الدول الغربية .

ولا تخشى الدوائر الغربية من ردّات فعل المسلمين الطبيعيّة فحسب , بل تخشى من إنفجار الشارع الأوروبي ضد أمريكا حيث أظهرت الإستطلاعات في كل دولة غربيّة أنّ أكثر من ثمانين بالمائة من الأوروبيين هم ضد الإحتلال الأمريكي للعراق , والخشية أن يقع تحالف سياسي وإعلامي و ثقافي بين المسلمين في الغرب الذين يحمل معظمهم الجنسية الغربية والغربيين الأوروبيين ضدّ الشيطان الأكبر أمريكا التي أملى عليها جبروتها أن تدوس على صوت العقل وصوت الإنسانية الراغبة في السلام , وللإشارة فإنّ القساوسة والرهبان في الغرب والذين كانوا على إمتداد قرون وسنوات يؤثرون الصمت على الكلام باتوا يصرحون أنّ أمريكا هي الشيطان الأكبر بلا منازع .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أمريكا ستدمّر النظام الدولي والسلام العالمي .

 

 

في 14 آب – أغسطس سنة 1941 أصدر الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل تصريح الأطلنطي الذي بموجبه تأسسّت جمعية الأمم المتحدة والتي قامت على أساس حفظ السلام والأمن في العالم على قاعدة التعاون الدولي لإحقاق هذه المهمّة , و كان الرئيس الأمريكي روزفلت هو أولّ رئيس إستخدم عبارة جمعية الأمم المتحدة , كما أنّ أمريكا كانت أول من وقعّ على قرار إنشاء جمعية المتحدة ثمّ تلتها بريطانيا والإتحاد السوفياتي السابق والصين وأستراليا وبلجيكا وفرنسا وغيرها من الدول .

 وحسب علماء القانون فإنّ أمريكا أنشأت جمعية الأمم المتحدة لتوحيد الجهود الدوليّة ضد دول المحور والتي كانت على رأسها ألمانيّا . وأستطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تحشد وراءها كل الدول التي وقفت في ذلك الوقت ضدّ النزعة الهتلريّة التوسعيّة وتوافق المؤسسون وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية على أن تكون جمعية الأمم المتحدة هيئة دوليّة تضطلع بمهمة الحفاظ على السلام في العالم ويحكمها مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول المحبّة للسلام .

وفي مؤتمر يالطا الذي إنعقد في الفترة الممتدة بين 03 – 11 شباط – فبراير – 1945 والذي إشتركت فيه كل من أمريكا والإتحاد السوفياتي السابق وبريطانيا , تمت الدعوة إلى عقد لقاء موسع في سان فرانسيسكو مع دعوة الصين وفرنسا وهي الدول التي تتمتّع بحق النقض – الفيتو – في مجلس الأمن .

وتقوم جمعية الأمم المتحدة على الأهداف التاليّة :

أولا : حفظ السلم والأمن الدولي وذلك من خلال التعاون الدولي والتوافق الكامل بين كل الدول في حلحلة النزاعات الدوليّة .

ثانيا : تنمية العلاقات الدولية على قاعدة حقّ تقرير المصير والمساواة بين الشعوب .

ثالثا : التعاون الدولي في المجالات السياسية والثقافية والإقتصادية والإجتماعيّة في دائرة إحترام حقوق الإنسان .

ومنذ 1945 وأمريكا هي الممولّة المركزيّة لجمعية الأمم المتحدة بالإضافة إلى أنّ معظم الدول الأوروبية كانت تسبح في الفلك الأمريكي وحتى ألمانيا التي إستطاع الحلفاء إنهاءها عسكريا وتقسيمها إنضمت إلى المحور الأمريكي , فيما إنضمت ألمانيا الشرقيّة إلى الإتحاد السوفياتي السابق , وأصبح يوجد في جمعية الأمم المتحدة معسكران معسكر رأسمالي ليبيرالي قطبه أمريكا و معسكر شيوعي إشتراكي قطبه الإتحاد السوفياتي السابق , و الكتلة التي عرفت فيما بعد بكتلة عدم الإنحيّاز لم تكن في الواقع غير رافد من روافد الإتحاد السوفياتي السابق , وهذه المرحلة التي عرفت بمرحلة الصراع البارد بين موسكو وواشنطن كان هناك توافق كامل بين العاصمتين عاصمة كارل ماركس وعاصمة آدم سميث في إشارة إلى مؤسسي المذهبين الماركسي والرأسمالي , توافق في تقسيم الجغرافيا والخيرات والموارد الطبيعية , وعلى الرغم من أنّ الصراع البارد كان يصل أحيانا إلى أوجه إلاّ أنّ واشنطن وموسكو كانتا تهدئان الإيقاع عندما كان يصل إلى أوجه , وكان كل طرف منهما راض بالغنائم التي في حوزته , محققا ذاته من خلال هذه الغنائم .

لكن التطورات الدوليّة المذهلة والتداعيات التي حصلت في العالم من قبيل سقوط أمبراطوريّة كارل ماركس و تفتيت الإتحاد السوفياتي , و بداية تشكّل الإتحّاد الأوروبي وبداية خروج العديد من الدول الأوروبية من تحت العباءة الأمريكية باحثة عن ذاتها ودورها و الأزمة الإقتصادية العالمية و تفرّد واشنطن في صناعة القرارات العالميّة و تبوؤها عرش القوّة بدأ يشعر أمريكا بأنّه لا حاجة للعودة إلى جمعية الأمم المتحدة ما دامت أمريكا قادرة لوحدها على تنفيذ إستراتيجياتها .

وقد تجلى ذلك في التدخل الأمريكي في الصومال في العملية التي أطلقت عليها أمريكا عمليّة إعادة الأمل حيث لجأت أمريكا إلى التدخّل في الصومال دون العودة إلى جمعية الأمم المتحدة ثم ّ التدخل في أفغانستان ووصولا إلى الحرب الأمريكية في العراق وما سوف يعقب ذلك فيما لو نجحت واشنطن في تنفيذ إستراتيجياتها .

لقد آمنت واشنطن على سبيل المناورة بضرورة التعاون الدولي عندما كانت في حاجة إلى وضع حدّ للظاهرة الهتليريّة و عندما كان هناك قطب ثان في المعادلة الدوليّة , والآن وعندما إستفردت بالساحة الدوليّة فلا مناص من تفكيك كافة المرجعيات القانونية الدولية والمحافل الدولية بإعتبارها باتت تعتبر نفسها صانعة القانون و راعية العلاقات الدولية , كما ورد في كتاب الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون , أمريكا والفرصة التاريخية والذي قال فيه نيكسون : على أمريكا أن تحكم العالم .

إنّ قيام أمريكا بشنّ حرب على العراق دون قرار دولي بذلك ومع وجود معارضة واسعة لأعضاء دائمين في مجلس الأمن معناه لدى الفقهاء القانونيين الموت التلقائي لجمعية الأمم المتحدة و تلاشي المرجعية الدولية التي تنظر في الأزمات الدولية , وفوق هذا وذاك شرعنة الفوضى في العالم وغياب الشرعية والتي أقرتها أمريكا في سنة 1945 التي تنظر في القضايا الساخنة , و تصريح الأمين العام لجمعية الأمم المتحدة بأنّ واشنطن لا يحق لها شنّ حرب على العراق دون الرجوع إلى الأمم المتحدة هو إقرار بأنّ واشنطن التي ساهمت بالقسط الأكبر في تأسيس جمعية الأمم المتحدة لدعم مصالحها السياسية والإقتصادية والجيوسياسية هي نفسها الذي أطلقت رصاصة الرحمة على هذه الجمعية لأنّها باتت تعتبر نفسها الشرعية والقانون والمرجعيّة , وسوف تدخل العالم في فوضى سياسية وإقتصادية و إجتماعية قلّ نظيرها في التاريخ الراهن .

وسوف يسجّل التاريخ أنّ أمريكا التي أنشأت هيئة الأمم المتحدة هي عينها التي أسقطت هذه الهيئة وهي التي أسقطت النظام الدولي في سبيل أن تكون هي النظام الدولي الجديد !

 

 

 

 

 

 

 

أمريكا ومنطق إستعباد الشعوب .

 

 

منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية كدولة وكيّان بعد إبادة دمويّة  مطلقة للهنود الحمر السكان الأصليين في أمريكا و مفهوم القوّة هو أبرز رقم في معادلة السياسة و تركيبة القرار الأمريكي , وفي مفردات الثقافة الأمريكية أنّ هذه القوة ضرورة ومشروعة لبسط سلطة العدل و محاربة الأشرار طبعا العدل على المقاس الأمريكي والأشرار الذين يصنفهّم العقل الأمريكي في خانة الأشرار , وجذر هذه التركيبة الفكرية يعود إلى شعور الإنسان الأمريكي المحتل والمستعمر لأمريكا بعقدة الذنب تجاه إبادة مطلقة للهنود رجالا ونساءا وشيوخا وشبابا , وتكفيرا عن الجرائم الفظيعة في حق الهنود الحمر أوجد الأمريكان الجدد منطلقا فكريا لإجرامهم وأعتبروا بذلك الخير شرا والشر خيرا , وهذا ما يفسّر إعتبار أمريكا نفسها على حق دائما وتعتبر إرسال جحافلها العسكرية إلى القارات الخمس في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية وكوبا وأوروبا من باب الإنتصار لما تراه خيرا و خدمة للإنسان , ولعلّ أفضل من وصف الشخصية الأمريكية الإستعماريّة هو سيمون بوليفار أحد أبطال محاولات الإستقلال في أمريكا اللاتينية في أواسط القرن التاسع عشر والذي قال : يبدو أنّه كتب على الولايات المتحدة أن تقوم بتعذيب وإذلال القارة بإسم الحريّة !

وفي كتابه الشهير الديموقراطية في أمريكا والذي ألفّه في سنة 1840 قال توكفيل : إنّي لا أعرف شعبا يحتّل فيه حبّ المال حيزا كبيرا في قلوب الناس أكثر من هذا الشعب الأمريكي شعب يشكّل تجمعا من المغامرين والمضاربين . وتوكفيل الذي ولد في سنة 1805 وتوفيّ سنة 1859 هو كاتب وسياسي فرنسي , درس في الولايات المتحدة الأمريكية وعاد إلى فرنسا بكتاب الديموقراطية في أمريكا حيث عينّ في فرنسا وزيرا لخارجية فرنسا .

 هذه الشهادات وغيرها كثير و التي واكبت إنطلاقة أمريكا تؤكّد أنّ القوة هي السمة البارزة في السياسة الأمريكية ولم تتغيّر هذه السياسة بتاتا وتكفي قراءة متأنيّة لما كتبه نعوم شومسكي وروجي غارودي وجاك تني وبول فندلي عن أمريكا اليوم لإكتشاف أنّ أمريكا اليوم هي إمتداد لأمريكا القديمة التي قامت على أنقاض جماجم الهنود و غيرهم .

 وقد لا يكون من باب الصدفة ولع كل الرؤساء الأمريكيين الذين توالوا على الحكم في أمريكا على مشاهدة أفلام الغرب الأمريكي وأفلام رعاة البقر الذين يلاحقون الهنود الحمر ويشنقونهم ويتلذذّون بشنقهم , و في كتابه إيديولوجيا وإقتصاد قال نعوم شومسكي أنّ بنيامين فرانكلين أبو الأمة الأمريكية وبإسم التنوير طرد السكان الأصليين كي يفسح المكان لأمته .

 وعلى إمتداد مسلكيتها السياسيّة تحالفت أمريكا مع محاور الشر والقوة وتعذيب الآخرين تحالفت مع الفاشيّة الإيطاليّة وقد وصف السفير الأمريكي في روما بإيطاليا عام 1922 الفاشية بأنّها الثورة الشابة والجميلة  ومسحت مدينة  هيروشيما اليابانيّة يوم 02 أوت – أغسطس 1945 بفعل قنبلة نووية أمريكية  من الخارطة اليابانيّة , وفي الداخل الأمريكي قامت منظمة كولكس كلان الأمريكية بالدفاع عن سيادة الإنسان الأبيض وألحقوا أفظع الأضرار بالإنسان الأسود والذي كان الأمريكان يقومون بسرقته من براري إفريقيا ويبيعونه في أسواق النخاسة في الولايات المتحدة الأمريكية , وما زال السود محرومون من العديد من الإمتيازات السياسيّة وعلى رأسها رئاسة أمريكا نفسها.  لقد أدى إعتماد أمريكا على مبدأ القوة وبالمناسبة فهذا عنوان لكتاب وهو أمريكا ومبدأ القوة وضعه مستشار الأمن القومي الأسبق زبغينو برجنسكي , إلى تكريس هذا المبدأ في السياسة الأمريكية , حيث كلما كانت الإدارة الأمريكية تخيّر بين حلّ سياسي وديبلوماسي وحلّ عسكري أمني قمعي كانت تختار الحل العسكري القمعي والأمني وقد أحصى الباحثون العسكريون مئات التدخلات العسكرية الأمريكية في القارات الخمس , والتي كانت تؤكّد أنّ واشنطن مصابة حقيقة بداء الشيزوفرانيا السياسة فهي تدعو إلى دمقرطة العالم وتنصّب حكاما عسكريين , و تدعو إلى حكم الشعب والجماهير وتعيّن حكاما تابعين لها رغم أنوف الشعوب وإرادتهم وتطلعاتهم , تدعو إلى حكم الأغلبية و تكرّس حكم الأقليّات , تدعو إلى إحترام الخصوصيّات وتعمل على وأد الخصوصيّات من خلال عولمتها وكوكبيتها وسيطرتها على مقدرات العالم .

 وعلى الرغم من أنّ مبدأ القوة الذي كانت إعتمدته واشنطن منذ تأسيسها قد جلب لها الكثير من التقهقر والتراجع إلاّ أنّها ماضية في مسلكيتها القائمة على منطق إستعباد الشعوب وقد إزدادت تجبرا بعد إستفرادها بصناعة القرارات العالمية .

والمفارقة الكبيرة هي أنّ أمريكا لا تريد على الإطلاق إجراء مراجعة لسياستها الخارجية القائمة على مبدأ القوة رغم ما ألحقته من أضرار بالشعوب في أمريكا اللاتينيّة و القارة الأسيوية في الفيتنام وغيرها و في القارة الإفريقية في الصومال وتوابعها وأخيرا في عالمنا الإسلامي فلسطين حيث الدولة العبرية تحارب بأسلحة أمريكية متطورّة الشعب الفلسطيني الأعزل و في أفغانستان و العراق .

ومبدأ القوّة الأمريكي سيدخل الإدارة الأمريكية في منعطفات خطيرة ينبئ ببداية التراجع الأمريكي خصوصا وأنّ واشنطن المنبهرة بقوتها وزعت قواتها في القارات الخمس وفتحت جبهات متعددة في العديد من المواقع الجغرافيّة الأمر الذي يؤشّر إلى بداية التفكك وقد تلتهم هذه القوة الأمريكية التي قامت على أساس الجبروت بإبتلاع نفسها وتلك سنّة الله في الخلق حيث قد تكون بداية السقوط في أوج القوّة كما تؤكّد حركة التاريخ .

 

 

 

 

 

 

 

 

أوروبا الغاضبة على أمريكا

شراء قنينة كولا معناه المساهمة في صناعة كروز أمريكي.

 

 

لم يحدث في تاريخ أوروبا أن تشكلّ إجماع شبه مطلق ضدّ أمريكا مثلما هو الحاصل الآن بعد شروع أمريكا في إحتلال العراق , و إذا كان الإعتراض على أمريكا في أوروبا في وقت سابق مقصور على التيارات و النخب الثقافية اليسارية , فقد بات الغضب على أمريكا سمة الشارع الأوروبي في الظرف الراهن , ولأوّل مرة تتوافق القوى السياسية اليمينية واليسارية والتي تقف في الوسط , والكنائس والتيارات الدينية بمختلف مذاهبها على الإعتراض الشامل على أمريكا سياسة وتوجهات عدوانية  , كما أنّه و لأول مرّة وفي معظم الدول الأوروبية تتقاطع فيه التوجهات الرسمية مع التوجهات الجماهيرية حيث أصبحت أمريكا دولة عدوانية بدائية بعد أن نجحت في تسويق نفسها أوروبيا في وقت سابق كدولة ديموقراية أولى في العالم .

 وتؤكّد إستطلاعات الرأي العام في معظم العواصم الأوروبية كألمانيا والسويد والنرويج وفنلندا والدانمارك وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليونان وغيرها أنّ أغلبية شعوب هذه الدول هيّ ضدّ أمريكا وسياستها العدوانية في العراق .

ففي السويد مثلا واكب بداية الحملة العسكريّة الأمريكية على العراق والشروع في قصف بغداد سلسلة من ردود الفعل الواسعة الرسمية والجماهيريّة في السويد , وقد بثّت القنوات السويدية الرسمية والخاصة صور بداية العدوان الأمريكي على العراق كما خصصّت العديد من البرامج السياسية بحضور سياسيين وعسكريين ورجال دين للحديث عن الحرب الأمريكية على العراق , كما أجرت القناة السويدية الرسمية حوارا مع أطفال العراق المقيمين في السويد والذين يحملون الجنسية السويدية والذين ذكروا أنّ جورج بوش سيقتل أقرباءهم و أهلهم في العراق وسط حضور علماء نفس سويديين يلاحقون تأثير الحروب على الأطفال المهاجرين , أمّا الصحف السويدية فقد إستنكرت في مجملها بداية الحرب وأجرت إستطلاعات واسعة حول بداية الضربة الأمريكية للعراق حيث رفضت الأغلبية السويدية هذه الحرب الظالمة كما وصفها حزب اليسار السويدي .

وقد إحتجّ رئيس الوزراء السويدي يوران بيرشون بشدّة على هذه الحرب وقال أنّه حزين للغاية لقيّام أمريكا بخرم مجلس الأمن وجمعية الأمم المتحدة , وأعتبر أنّ هذه الحرب الأمريكية ضدّ العراق ستجهز على حقوق الإنسان و الشعب العراقي , وقد توافقت كافة الأحزاب السويدية يسارها ويمينها ووسطها على إعتبار هذه الحرب ظالمة منتهكة لحقوق الإنسان وحق الشعوب في العيش  , و طالبت بعض الأحزاب السويدية ومنها حزب اليسار السويدي الحكومة السويدية بإتخاذ أشد المواقف والإجراءات ضد الولايات المتحدة الأمريكيّة . وقد إعتبر زعيم حزب المحافظين بو ليندغرين أنّ الحرب دائما خاسرة . وأعتبرت المعلقة في جريدة أفتون بلادت الذائعة الصيت هيلي كلين أنّ أمريكا ستكون الخاسر الأكبر في هذه الحرب الظالمة .

وعلى صعيد الردود الجماهيريّة فقد دعت المنظمات الجماهيريّة والجمعيات السويدية المتحالفة من أجل السلام في السويد إلى تظاهرات عارمة في السويد , حيث شهدت المدن الكبيرة كستوكهولم و مالمو وغوتنبورغ وغيرهما مظاهرات عارمة , وقد توافق الناشطون في تحالف من أجل السلام في العراق على إبقاء التظاهرات مستمرة على مدى الأيّام المقبلة في كل المدن السويديّة , وللإشارة فإنّ المتظاهرين ضدّ أمريكا في العاصمة السويدية ستوكهولم نصبوا مشانق وشنقوا قنينات الكولا الأمريكية في دعوة إلى مقاطعة البضائع الأمريكية , و في ألمانيا دعت قوى المجتمع المدني إلى ضرورة الإرتقاء بالإحتجاج على الإدارة الأمريكية إلى مستوى مقاطعة البضائع الأمريكية , وكما قال بعض الذين شاركوا في تظاهرات برلين ضد الحرب الأمريكية على العراق إنّه إذا كانت واشنطن قد خرمت مجلس الأمن وجمعية الأمم المتحدة فعلى الأقل يجب أن يخرم الأوروبيون صناعتها ومنتوجاتها الصناعية , وقد باتت المقالات في وسائل الإعلام المكتوبة في ألمانيا تتناول يوميا إرادة أمريكا في السطو على النفط العراقي , ولا يمكن حسب بعض الصحف الألمانية أن تهدف أمريكا إلى تحرير العراق وكيف يتمّ التحرير بقصف البيوت وقتل المدنيين الأبرياء  . وفي فرنسا إنطلقت حركة تلقائية بين الفرنسيين لمقاطعة كل ما له علاقة بالأمريكان , ولأول مرة يصبح الحديث عن أمريكا وعدوانيتها وجبروتها مباحا في وسائل الإعلام الفرنسية , ولم يحظ شخص في أوروبا بالتعليق عليه و الحديث عن سفاهته وإجرامه مثلما حظيّ به الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن , وهذا الشعور المعادي للسياسة الأمريكية ومنتوجاتها أيضا يزداد تجذرّا في الواقع الأوروبي و يتراكم يوما بعد يوم كلما تناقلت الفضائيات والتلفزيونات الغربية صور القتلى الأبرياء وآثار التدمير الأمريكي ضدّ الشعب العراقي .

وللإشارة فإنّ العدوان الأمريكي على العراق فرض نفسه على كل وسائل الإعلام الغربية التي خصصت أوقاتا إضافية لهذا الحدث وتجمع كافة التعليقات وبمختلف اللغات الأوروبية أنّ هذه الحرب غير عادلة , وأنّ أمريكا خدعت بعض العواصم الغربية عندما أكدّت لها واشنطن أنّ الحرب ستكون خاطفة ونظيفة , ومع بداية الحديث عن حرب طويلة فإنّ العواصم الغربية بدأت تخشى من تطور الموقف , خصوصا وأنّ التظاهرات المنددة بأمريكا ومقاطعة أمريكا متواصلة بل لقد تشكلت في كل عاصمة غربية  جمعيات تحالف من أجل السلام في العراق تقوم بالتنسيق فيما بينها وتدعو للتظاهر في يوم واحد , وقد لوحظ في التظاهرات السابقة التي شهدتها العديد من الدول الغربية أنّ المتكلمين في المهرجانات الخطابية هم من صناع القرار في بلادهم ومن المشرفين على الكنيسة الغربية التي عرّت جورج بوش الإبن وأعتبرت أن حربه على العراق لا تمتّ بصلة إلى الدين  كما قال رئيس الكنيسة السويدية في كلمة له أثناء تظاهرة سويدية ضدّ الحرب الأمريكية على العراق , كما علق سياسي أوروبي على ما يجري في العراق وقال أنّ أمريكا نسفت أسس الديموقراطية , فمن خروج الدولة من رحم الشعب كما هو مقتضى الديموقراطية إلى خروج الدولة من رحم الكروز كما هو التعريف الأمريكي الجديد للديموقراطية .

ولا شكّ في أنّ هذا المناخ السياسي العام في أوروبا أرخى بظلاله على تعامل الأوروبيين مع البضائع الأمريكية و تعتبر منظمة هجوم الأوروبية Attack المعارضة للأمركة والسياسة الأمريكية في كل تفاصيلها أنّ شراء قنينة كولا معناه المساهمة في صناعة صاروخ كروز أمريكي .

 

بين هولاكو 1258م وبوش 2003 م .

 

 

في شهر شبّاط – فبراير من عام 1258 م توجّه المغول بقيادة هولاكو المغولي إلى بغداد وأحتلوها بعد رفض الخليفة المعتصم الإذعان لإرادة هولاكو , وفور سيطرة هولاكو على بغداد جردّ أهلها من السلاح و قتلهم عن بكرة أبيهم و أحرق بغداد ومكتباتها ومبانيها ومعالمها الحضاريّة بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ البشريّة , و أدّى إحتلال هولاكو لبغداد إلى توقّف المسار السياسي والإقتصادي والثقافي والنهضوي العراقي و حولّ هولاكو بغداد إلى عاصمة حمراء نسبة لكثرة الدماء التي أريقت بعد أن كانت حاضرة إسلامية تتمتّع بهيبة كبيرة في جوارها الإقليمي وحتى الدولّي في ذلك الوقت .

 ولم يترك هولاكو سلاحا إلاّ وأستخدمه في سبيل إركاع العراقيين الذين كانوا يتصدون له , فبقر البطون وقطع الرقاب وجزّ الرؤوس و أحرق الأجساد , كما قسمّ الجغرافيا العراقيّة إلى قسمين المنطقة الجنوبية و كانت تابعة لبغداد والمنطقة الشماليّة وكانت تابعة للموصل و عينّ على رأس المنطقتين حاكمين مغوليين بمساعدة تركمان من الدول المجاورة للعراق – ما أشبه الليلة بالبارحة حيث يريد بوش تعيين حاكم عسكري أمريكي على العراق مع إعطاء الأتراك حقوق معينة ما زالت طيّ الكتمان في شمال العراق  -  .

و القائد المغولي هولاكو هو حفيد الطاغيّة المعروف جنكيزخان – مع الإشارة إلى أنّ جنكيزخان كان له شأن مع العراق تماما كما كان جورج بوش الأب الرئيس الأمريكي الأسبق قائد الحلفاء ضد العراق في أزمة الخليج الثانيّة و ها هو إبنه جورج بوش الإبن يكمل مسيرة أبيه تماما كما أكمل هولاكو مسيرة أبيه جنكيزخان -  وقد زحف هولاكو غربا بإتجاه بغداد وقتل عندما وصل إلى بغداد الخليفة العباسي المعتصم وأستولى على قصره وقتل كل رجاله و بعد أن أستتبّ له الأمر في العراق توجّه إلى سورية وغزا حلب وقتل رجال حلب الأشاوس الذين تصدوا له – مع الإشارة هنا إلى أنّ بوش الإبن وجه تهديده لسوريا في وقت سابق , ويهدف إلى إضعاف سورية بدولة عراقية متأمركة ودولة الكيان الصهيوني و عندما تصبح سوريا بين فكي الكماشة الأمريكية يسهل الإجهاز عليها حسب إستراتيجيي البنتاغون – ولولا ظهور السلطان قطز الذي لقنّ المغول درسا مؤلما وألحق بهم هزيمة نكراء لوصل هولاكو إلى مصر , تماما كما رددّ إستراتيجيو البنتاغون أنّ العراق تكتيك وإستراتيجيتنا السعودية ومصر .

ومن سنة 1258 م وإلى سنة 2003 م أي بعد 745 سنة تحديدا وبالضبط ها هو هولاكو يظهر مجددّا في شخصية الرئيس الأمريكي  جورج بوش الإبن  الذي أوفد عشرات الآلاف من جنوده إلى بغداد بحرا وجوا وأرضا لفتحها وغزوها ومن تمّ بسط السيطرة على المنطقة العربية وإعادة ترتيبها , و كهولاكو تماما لم يترك جورج بوش الإبن سلاحا فتاكا ومدمرا ومبرمجا ومتطورا إلاّ وأستخدمه , وها هي قنابله تصيب الأطفال والنساء والشيوخ لا فرق بين من هم سنة أو شيعة  أو مندائيّة أو مسيحيين أو أكراد , و أرسل جورج بوش عسكره إلى العتبات المقدسّة في العراق في النجف التي يرقد في ثراها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وكربلاء التي يرقد في ثراها الحسين بن علي بن أبي طالب صاحب معركة كربلاء الخالدة لتركيع أهلها .

ورغم هذه المجازر والمذابح في حق الأطفال الجائعين وفي حق الأمهات الثكالى وفي حق الشيوخ العاجزين يصرّ بوش على أنّه يريد إقامة حكم الشعب في العراق , ويتيح للشعب العراقي أن يحكم نفسه بنفسه , ويتضح كذبه أكثر عندما تكشف دوائر القرار الأمريكي أنّ الحكومة العراقيّة المقبلة جاهزة وأنّ أعضاءها أنتقوا بحكمة ودقة , وأنّ رموز المعارضة العراقية لا نصيب لهم في هذه الحكومة إذ أنّ واشنطن تريد إستخدام المعارضة العراقيّة ثمّ تكنسها و إنّ هذه الأكاذيب و الفضائح تضيف إلى جورج بوش الإبن سمة وصفة لم تكن موجودة في هولاكو وهذه الصفة هي الكذب والإفتراء , فهولاكو كان واضحا في تحديد هدفه تركيع بغداد وقتل أهلها وإحراق علومها و كتبها وتدمير معالمها الحضارية ومسخ أصالتها دون مراوغة , أمّا جورج بوش الإبن فهو كذّاب بإمتياز يفعل كل ما فعله هولاكو ويدعّي أنّه يهدف إلى تسليم عراق حرّ إلى معارضة عراقية خرجت من دائرة المساعدات الإجتماعية للمؤسسات الإجتماعية في الغرب إلى مساعدة وكالة الإستخبارات الأمريكية , لكن لم يقل بوش هولاكو ماذا سيفعل بعشرات الآلاف من جنوده على أرض العراق , لم يقل لماذا سال لعابهم للنفط العراقي الذي وضعت قواته يدها عليه في جنوب العراق وسوف يشرع  في بيعه , فمن سيقبض ثمن النفط حكومة صدام حسين أو حكومة جورج بوش الإبن !

 ماذا سيقول جورج بوش الإبن لأهالي القتلى والضحايا في الناصرية والنجف والبصرة و كربلاء , هل يريد جورج بوش أن يصل إلى بغداد على جثت العراقيين و جماجمهم , والعجيب أنّ هولاكو المعاصر بعد أن يسحق جماجم أطفال العراق يوزّع عليهم الحلويات و الخبز , وقد ذكرتني هذه الصورة بمنظر عناصر الجيش الفرنسي في حي القصبة الجزائري في قلب الجزائر العاصمة عندما كانوا يقتلون أبطال الجزائر الرجال وبعدها مباشرة يوزعون الشكولاطة على أطفال القصبة وغيرها من أحياء الجزائر الذين كانوا يرددون من الشرفات أقسمنا بالدماء أن تحيا الجزائر بعد أن يقوموا  بسحق الشكولاطة الفرنسية بأقدامهم .

وإذا كان هولاكو القديم قد واجه قطزا واحدا فإنّ هولاكو المعاصر سيواجه مئات القطزيين ويجب أن يكون كذلك و إلاّ توجّه هولاكو المعاصر إلى سوريا ولبنان والسعودية ومصر ليقتل رجالها و يسبي نساءها ويدمر أقصاها مع حلفائه ويبني مجددا هيكل سليمان , ويبدو أنّ هولاكو المعاصر قرأ بدايات هولاكو القديم ولم يقرأ مصيره ونهايته , و على الباغي تدو الدوائر .

ويبقى القول أنّه منذ 700 سنة وأزيد و جغرافيتنا العربية والإسلامية تستباح وتدمّر الأمر الذي عطل نهضتنا , والمصيبة الأكبر أنّ حكامنا الأشاوس هم السبب الأكبر لتكالب الأعداء علينا , ونأمل أن يأتي اليوم الذي نبيعهم في سوق النخاسة كما فعل عالم مصر العزّ بن عبد السلام والله لا يخلف الميعاد .

 

 

 

 

 

خطّة لهزم أمريكا برسم الحكّام العرب !

 

 

أمريكا لم ولن تكون قضاءا وقدرا ولا قوة مطلقة يصعب وقف جبروتها وعنجهيتها , إنّها بسهولة تتغذى من خلافاتنا التي كرسهاّ الحكام العرب في واقعنا , إنّها تتغذى من خيانات الحكام العرب الذين داسوا على تطلعّات شعوبهم وأرتضوا أن يكونوا دائما في الصف الأمريكي , في صف أعداء الأمة وثوابتها لأنّهم وبكل بساطة يستلهمون شرعيتهم من واشنطن وليس من شعوبهم ولذلك وضعوا كل المقدرات وكل الجغرافيا وكل الأراضي في خدمة واشنطن .

 ولا يوجد في سجلّهم أي صفحة بيضاء فكل صحائفهم سود , صحفهم تضجّ بالإجرام والإغتيالات والسرقات والقتل والسطو والتعذيب والملاحقات والترهيب و الرعب و مصادرة الأفكار والعقول وإحراق المصاحف ودواوين الشعر وكتب الفلاسفة والعلماء , ولأنّ تاريخهم أسود وبالتأكيد ستتوجّه أمريكا إلى عواصمهم لتقصّ شواربهم فأماهم فرصة واحدة لتكون توبتهم نصوحا ومقبولة من قبل الله ومن قبل الشعوب ومن قبل التاريخ , أمامهم فرصة واحدة للدخول إلى بوابات التاريخ كأبطال لا كديوثين وقواديّن لصالح الأمريكان , وهذه الفرصة تكمن في أن يعلنوا الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية وجيشها الذي يقوم حاليّا بإحتلال العراق ومن تمّ باقي المناطق العربية ليحولّ الشعوب العربية إلى عبيد لشطائره الخفيفة و غنائه الماجن , وفي هذا السياق المطلوب من الجيش القطري أن يغير على القوات الأمريكية في قاعدة السيلية والعديد هذه القواعد التي تختزل العقل العسكري الأمريكي , والمطلوب من الجيش السعودي أن يغير بقواته الجوية والأرضية و حتى البحرية على القواعد الأمريكية في عرعر والظهران والجيش الأمريكي الرابض على الحدود العراقية – السعودية , و المطلوب من الجيش الكويتي أن يحاصر الجيش الأمريكي في شمال الكويت ويقطع عنه الإمدادات , والمطلوب من الجيش الليبي أن ينزل مظلييه في البصرة و الفاو لصفع من وصلوا بطائراتهم في وقت سابق إلى طرابلس وبنغازي , والمطلوب من الجيش الجزائري أن يرسل قواته الخاصة المدربّة على أكل الثعابين والفئران إلى تخوم بغداد لأكل الأمريكان , و المطلوب من الجيش المغربي أن يبعث قواته الجوية لقصف البوارج الأمريكية في الخليج العربي , والمطلوب من الجيش المصري أن يبعث خيرة رجاله للتصدي للأمريكان الداخلين إلى العراق عبر شمال العراق , والمطلوب من الجيش اليمني أن يفلت زمام جنوده بإتجاه أراضي العراق لحماية أطفاله ونسائه وشيوخه , والمطلوب من الجيش التونسي أن يبعث رجاله إلى ثغرة من ثغور العراق لحماية الكيان العراقي من التمزق  و المطلوب من الجيش الإماراتي أن يتوجّه إلى القواعد الأمريكية في الخليج ويبددها عن بكرة أبيها , و المطلوب من الجيش الأردني أن يتصدى للأمريكان في الحدود العراقية – الأردنية ويضرم النار في القوات الأمريكية , والمطلوب من الجيش العماني أن يرسل فرقاطاته للتصدي للبواخر الحربية الأمريكية والبريطانية , والمطلوب من الجيش السوري واللبناني أن يركل القاعدة الأمامية للأمريكان الدولة العبرية , والمطلوب من الجيش الموريتاني أن يتوجّه إلى السفارة الأمريكية والعبرية ويحرقهما ومن تمّ يتوجّه إلى فلول العراق , والمطلوب من الجيش العراقي أن لا يخيّب آمال العرب والمسلمين و المطلوب من الجيش الفلسطيني أن يكمل مسيرة تحرير فلسطين من النهر إلى البحر , والمطلوب من الجيش الإيراني الذي نشأ على عقيدة أنّ أمريكا هي الشيطان الأكبر أنّ يبعث قواته الجوية للتصدي للأمريكان في الفاو البصرة والناصرية و المطلوب من الجيش التركي والباكستاني والماليزي والأندنسي والبنغالي و جيوش الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى أن تشارك بإسم الحفاظ على ثغور الإسلام في التصدي للأمريكان .

 بهذه الطريقة ستنتهي أمريكا كقوة عظمى إستأسدت عندما تخنثّ حكام العرب والمسلمين , بهذه الطريقة سنصنع قوتنا ونبني غدنا , بهذه الطريقة سنكون الأوفر حظا في إدراة الحضارة الراهنة , بهذه الطريقة سنرد الإعتبار لكرامتنا وعزتنا ورجولتنا و نخوتنا .

هو قرار واحد يتخذه الحاكم العربي وسوف يجلب العزة لنا , ولا داعي أن يخاف هذا الحاكم العربي من السيد الأمريكي لأنّ خطوة من هذا القبيل لن تبقي أمريكا سيدة العالم , ولن تتيح لجورج بوش الإبن والطفل أن يصفع حكامنا الرجال !

وإذا عجز حكامنا عن إتخاذ قرار من هذا القبيل فليعلنوا أنّهم مخنثون , وليتركوا المهمة للشارع العربي والإسلامي الذي سيلتهم بالتأكيد الأمريكان وعبيدهم الحكام العرب !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ما معنى أن تحتلّ أمريكا العراق !

 

 

يشكّل إحتلال أمريكا للعراق و إستيلائها على هذه الجغرافيّا المهمّة و الإستراتيجية في خارطتنا العربيّة مقدمة خطيرة لمجموعة لا حصر لها من الإنزلاقات و الإنكسارات في الواقع العربي والإسلامي وعلى مدى المائة سنة المقبلة , ومثلما خلفّت الحركات الإستعمارية الفرنسية والبريطانية إرثا سلبيّا ما زلنا نعاني منه ومن تبعاته إلى يومنا هذا , فإن إستعمار أمريكا للعراق سيكون له مجموعة واسعة من التداعيات في العراق وفي الرقعة العربية وفي الرقعة الإسلامية بل في الرقعة العالميّة أيضا .

 فعلى الصعيد العراقي ستتأسسّ  دولة أمريكية في كل تفاصيلها بقيادة جنرال أمريكي غارنر متعاطف إلى أبعد الحدود مع الدولة العبرية بل ستكون هذه الدولة متحالفة قلبا وقالبا مع الدولة العبرية , وأوّل قرار سياسي ستقدم عليه هو تدشين العلاقات العراقيّة – الصهيونية ليتسنى بعدها للشركات الصهيونية الإستفادة من التركة العراقية , وبغض النظر عن هذا المسلك السياسي للحكومة العراقية المتأمركة , فإنّ الحكومة العراقية المرتقبة قد تمّ تعيين أعضائها مسبقا من قبل الأمريكان وتحديدا من قبل وكالة الإستخبارات الأمريكية , و معنى ذلك أنّ الديموقراطية التي تعني حتى في المفهوم الأمريكي حكم الشعب هي مجرّد قميص عثمان حمله الأمريكان لتحقيق مآربهم , ولا أدري كيف يفرض الأمريكان ديموقراطية من خلال الدبابة و الأباشي و الكروز و التوماهوك ويقتلون آلاف الأبرياء ثمّ يوزعون عليهم الماء , فما الفرق عندها بين الطغاة العرب والأمريكان .

 ثمّ من أين تستلهم الحكومة العراقية المتأمركة الجديدة شرعيتها  !

من وكالة الإستخبارات الأمريكية أو من الدبابة الأمريكية , ما دام الأمريكان قرروا كنس معظم العراقيين المعارضين والذين عاشوا حقيقة آلام المنفى وتعرضوا للتعذيب من مختلف التيارات الإسلامية واليسارية والقومية – وهناك طبقة سياسية عراقية معارضة ما زالت محافظة على طهرها السياسي وترفض التعامل مع المخابرات العراقية والأجهزة الأمنية الغربيّة – ومن المؤكّد أنّ الحكومة المتأمركة العراقية ستدخل في صراع مع هؤلاء النظيفين المحافظين على عراق موحّد يسع لكل أبنائه .

وبعد أن يستتبّ للأمريكان ما يريدون سيبدأون بتقطيع الجبنة العراقية بإعتراف قائد العمليات العسكرية ضدّ العراق تومي فرانكس , هذا غير وضعهم أيديهم على النفط العراقي وشروعهم في بيعه وسوف يقبض الأمريكان الثمن بالتأكيد على حساب الشعب العراقي .

وعلى الصعيد العربي سيعمد الأمريكان إلى تطويق كل المحاور العربية المعارضة للسياسة الأمبريالية و سياسة الكيان الصهيوني وعلى رأس هذه الدول سوريا وبعدها إيران , حيث ستصبح الحدود الغربية لسوريا معرضة دوما للإستنزاف من قبل الأمريكان ومواليهم في العراق , ومعنى ذلك أنّ الدول العربية التي مازالت تتحدث من منطلق الكرامة ستتلاشى الواحدة تلو الأخرى وسيصبح كل المناضلين ضدّ الكيان الصهيوني ملاحقين وربما معتقلين في غواتنانمو الأمريكية , وسوف تعمد أمريكا إلى وأد أي تيّار عربي أو إسلامي يؤمن بضرورة الإنطلاق من مقوماتنا النهضوية و مقاومة التطبيع , كما سترخي العنان للدول العربية المتأمركة, وسوف تزداد هذه الدول الأمريكية خنوعا وذلة وسجودا للأمريكان خوفا من أن تنفخ أمريكا على هذه العروش الأمريكية فتجعلها قاعا صفصفا .

 وسوف تسوّق واشنطن الدولة العبرية في الواقع العربي ولا يستبعد أن يتجول آرييل شارون رئيس الحكومة العبرية في العراق وفي الدولة العربية المتأمركة  وسط حماية رجال الأمن العرب المخنثين الذين برعوا في قمع شعوبهم وأبدعوا في إنتاج كل طرائق التعذيب في حق الأحرار من العالم العربي والإسلامي .

وعلى الصعيد الإسلامي ستعمل واشنطن على إستبدال العقيدة الإسلامية بما تسميه الواقعية الأمريكية المنتصرة لا قدرّ الله , وسوف يكون من الصعب بعدها الحديث عن أي دور للإسلام في الواقع السياسي أو الثقافي أو الإجتماعي , ستلغي واشتنطن المفردات الإسلامية بمفردات جديدة , و في زعمها فإنّ المنتصر يحق له أن يفرض رؤاه الثقافية والفكرية والإقتصادية و الإجتماعية و غير ذلك .

و عالميا فإنّ إحتلال أمريكا للعراق سيحوّل أمريكا إلى غول ذي شهيّة مطلقة يشرع في أكل كل الرقع الجغرافية , بل سوف يزداد جبروتا , فإذا تسنى للأمريكان أن يلحقوا هزيمة لا قدر الله بالعراق فسوف يكون في وسعهم إلحاق الأذى بسوريا ولبنان وإيران وغيرها من البلدان .

وعلى الشعوب العربية و الإسلامية أن تعي جيدا أنّه إذا تمكنّت أمريكا لا قدرّ الله من إحتلال العراق فإنّ إستراتيجيتنا وعقيدتنا وكرامتنا وديننا و حاضرنا ومستقبلنا ودورنا سيصاب في الصميم , وما على الشارع العربي والإسلامي إلا أن يدرك هذه التحديات ويبادر إلى إتخاذ المبادرات قبل فوات الأوان !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ماذا لو لم يكن سعد الدين إبراهيم أمريكيّا !

 

 

بسرعة وبدون خلفيات برأّ القضاء المصري الباحث المصري الدكتور سعد الدين إبراهيم الذي يحمل الجنسية الأمريكية من التهم المنسوبه إليه سابقا , و كان القضاء في وقت سابق قد قدمّ كل ما لديه من أدلّة وبراهين تثبت تهما معينة ضدّ سعد الدين إبراهيم , وحتى عندما تحركّت الإدراة الأمريكية للضغط في سبيل إطلاق سراحه صرحّ الرئيس المصري حسني مبارك : أنّ المسألة بيد القضاء والقضاء في مصر مستقّل .

 وتحول سعد الدين إبراهيم إلى قضيّة رأي عام في مصر والعالم العربي وتحولت قضيته إلى قضية سياسية أسالت الكثير من الحبر .

وفجأة وبدون إنذار ومع بداية قدوم السيّد الأمريكي إلى الجغرافيا العربية ليسوس المنطقة مباشرة وبدون جهاز تحكم من البيت الأبيض أطلق سراح سعد الدين إبراهيم , وأعلن القضاء المصري أنّه برئ من التهم المنسوبة إليه . فهل كان القضاء المصري سينهج هذا النهج لو كان سعد الدين إبراهيم مواطنا مصريا عاديا لا يحمل جنسيّة دولة تصفع حكامنا صباحا مساءا , وتقودهم كما تقاد عرائس الأراجوز ! هل كان سعد الدين إبراهيم سيغادر السجن لو كان مصريا بسيطا لا أمبراطورية تحميه !

 إنّ تصرف حكوماتنا العربية هذا يفسّر إلى أبعد الحدود سرّ إصطفاف ألاف العرب والمسلمين أمام السفارات الغربية للحصول على تأشيرات ثمّ إقامات فجنسيات الدول الغربية التي ستوفّر العزة للمواطنين العرب الذين أذلتهم أنظمتهم ولاحقت أنفاسهم , وأذاقتهم العلقم بكل ألوانه السياسية والإقتصادية والإجتماعية والأمنية .

إنّ الجنسية الغربية أصبحت ضمانة للمواطن العربي الذي يضطّر لترك وطنه الذي عاث فيه الطغاة فسادا ويصطبر السنة تلو السنة على فراق أسرته وكل هدفه أن يحمل الجنسية الغربيّة ليعود عزيزا إلى وطنه  , وإذا ما أعترضه رجال الأمن القومي المنهار ورجال المباحث الأشاوس على أبناء جلدتهم , يطلب المواطن سفير دولته الجديدة , وتكفي دقائق معدودات لتتحرّك ديبلوماسية هذه الدولة الغربية للذوذ عن مواطنها العربي الأصل أو المسلم الأصل .

ماذا لو عدل حكامنا وتخلوا عن طيشهم ورعونتهم وجبروتهم , ماذا لو أمروا كلابهم بالكف عن العضّ والنباح و الفتك بالمخالب , ماذا لو طالبوا بمواطنيهم المعتقلين في سجون أوروبا و أمريكا .

في موروثنا الحضاري أنّ الحاكم يجب أن يكون شجاعا و عالما ومثقفا , لكن حكامنا اليوم جهلاء جبناء , أبناء آوى شجعان على شعوبهم وعلى أبناء جلدتهم , شجعان في قتل المواطنين في الشوارع , شجعان في إطلاق الغازات المسيلة للدموع , شجعان في إعتقال المواطنين الشرفاء وتوفير الحماية لمزدوجي الجنسية , شجعان في خوزقة المواطنين في المعتقلات , شجعان في الإعتداء على النسوة المعتقلات في سجونهم , شجعان في قلع الأظافر والإعتداء الجنسي على المواطنين الشرفاء  , شجعان على قوت شعوبهم فيسرقونه ويصادرونه لأولادهم وزوجاتهم , لكن في الوقت نفسه أذلاّء لأمريكا يركعون لها خمسين مرة في اليوم ولا يركعون لربهم خمس مرات في اليوم , يحجون إلى البيت الأبيض عشرين مرة في السنة , ولا يحجون إلى البيت العتيق مرة في العمر , يزكوّن لأمريكا بإعطائها نفطنا وغازنا وفوسفاتنا وحديدنا و كل مواردنا ولا يدفعون قرشا واحدا للفقراء الذين تزدحم بهم شوارعنا العربية والذين يجمعون قوتهم من الزبالة يوميا حتى بات هذا طقسا مألوفا في شوارعنا العربية .

ثمّ كيف نتساءل بعد كل هذا وذاك لماذا نحن في موقع الذلّة الحضارية والنهضوية وغيرنا الغربي في موقع العزّة الحضارية والنهضوية , والجواب سهل وبسيط هو أنّ حكامنا يريدوننا أذلاء محبطين محدودبي الظهر , رؤوسنا في الأرض تماما كالنعامة , و إلاّ كيف نفسّر أن تقوم السلطات العربية بسجن المواطنين الأحرار وتسمح بالإعتداء الجنسي عليهم من قبل رجال الأمن المكبوتين اللواطيين , وتطلق سراح كل مواطن عربي يحمل جنسية أمريكا أو بريطانيا أو فرنسا , أليس ذلك إقرارا للذلة وتكريسا للركوع لهبل العصر أمريكا .

سؤال برسم حكامنا الآيلين إلى السقوط !

يصادرون مقدرّاتنا و نحن نتفرّج !

 

 

هنيئا للنظام الرسمي العربي الذي إستطاع بإمتياز أن يحولّ الشعوب العربية إلى شعوب تتفرّج على الحدث دون أن تصنعه , تستقبل الأعداء دون مقاومة , وتتيح للغازي الأمريكي أن يصيغ الجغرافيا و الأفكار والمنهج والمعتقد والعادات و الوجوه و نوعية الثيّات و الأكل وكل ما له علاقة بتفاصيل الحياة .

خلال عقود والنظام الرسمي العربي يعمل على وأد الرجولة وعلى تخنيث الأبطال وإخصاء الأحرار ومصادرة الفكر الواعي الطلائعي و تجفيف منابع القوة في هذه الأمة , فعل ذلك وبكل صراحة تواطؤ مع وكالة الإستخبارات الأمريكية و الموساد الإسرائيلي والدوائر الماسونية و كل الدوائر التي كانت تعمل منذ زمن في الخفاء على تمزيق العالم العربي والإسلامي وكأنّ مشروع سايكس بيكو لم يكفهم فخططّوا لمشروع أكبر وأعظم .

 ومن الخطأ بمكان أن نتصوّر أن ما ستقدم على فعله أمريكا في العراق وما بعد العراق رهن باللحظة الراهنة , بل هو وليد تخطيط مسبق وإستراتيجيات وضعت عندما كان حكامنا العرب يجتمعون في القمم العربية السابقة ويختلفون نهارا على جدول الأعمال ويتفقون ليلا على شرب أكؤس الصبابة المعتقة وسط العاهرات اللائي يحتفظن بمذكرات ستدخل التاريخ مستقبلا .

 كانوا يخططون عندما كانت الدول العربية تتآمر على بعضها البعض , عندما كانت كل دولة عربية في خلاف حدودي مع الأخرى , عندما كانت أجهزة المخابرات في هذه الدولة العربية تخطط لنسف الأمن القومي في الدولة العربية الأخرى .

هنيئا للنظام الرسمي العربي الذي جعل شريحة من أبناء جلدتنا تؤمن بأنّ أمريكا هي المهدي المنتظر , وشريحة أخرى متقاعسة عن أداء دورها , وشريحة أخرى معزولة في سجن السلاطين والحكام والجنرالات القساة البغاة العتاة الزناة الأباة على شعوبهم الأذلاّء لأمريكا والدولة العبريّة .

فاللوم ليس على واشنطن التي تستهدف تاريخنا وراهننا وحاضرنا ومستقبلنا وثقافتنا وجغرافيتنا ودورنا وسلاحنا ودماغنا وفكرنا و عقيدتنا وقرآننا و محمدنا , اللوم على النظام الرسمي العربي الذي شرعن الوجود الأمريكي في مواقعنا كل مواقعنا الجغرافية , اللوم على النظام الرسمي العربي الذي دمرّ العقول والكفاءات وعجز عن إقامة نهضة صناعية متكاملة وأحوجنا إلى الدجاج الأمريكي واللحم الأمريكي والدواء الأمريكي والخبز الأمريكي والعقل الإستراتيجي الأمريكي , اللوم على حكامنا البغاة مدمني الفياغرا و أفلام الخلاعة الذين منحوا أراضينا للأمريكان و جغرافيتنا لقوات التدخل السريع للحفاظ على كراسيهم وأمنهم القومي وأمن دولتهم بخرم أمن مجتمعهم , اللوم على حكامنا الذين راهنوا على حماية الأمريكان لهم بعد أن ألهوا جنودهم بالمخدرات والرشاوى وبيوت الدعارة وكل أنماط الفساد , اللوم على حكامنا الذين أبادوا اللغة العربية وفرضوا اللغة الأنجليزية , والذين قضوا على أم كلثوم و فرضوا مايكل جاكسون والذين حاربوا قناة الجزيرة وفتحوا المجال كل المجال لقنوات العهر الإيطالية والتركية و غيرها , اللوم على حكامنا الذين تخندقوا خلف شاكيرا و سلموا شعوبهم للأمريكان , اللوم على حكامنا الذين عجزوا عن إدارة العباد والبلاد وأستضافوا الأمريكان لكي يتولوا المهمة بإمتياز ويتولون هم دفع الفاتورة من أقوات ودماء الشعوب العربية والإسلامية , اللوم على حكامنا الذين أعجبتهم الشقروات الأمريكيات فباعونا ببضعة كيلوات من اللحم , تماما كما فعل ذلك الحاكم العربي الذي إستقدم فتاة أمريكية شقراء لدى زيارته إلى واشنطن فطلقته زوجته !

اللوم على حكامنا الذين آمنوا بفقه النكاح وتركوا فقه الكفاح , الذين إعتنقوا فقه الجواري وتسليم الأمريكان كل البراري والذين يطلبون منا الآن أن نتفرج , نتفرج على جغرافيتنا وهي تسبى , تاريخنا وهو يصاغ في واشنطن , حكامنا وهم يصنعون في لانغلي , أطفالنا وهم يقتلون بلا ذنب ولا جريرة في بغداد ورام الله وجنين , نتفرج نعم نتفرج دون أن ننبس ببنت شفة , فلا يجوز التعليق على موت الآلاف بل الملايين في العراق , لا يجوز التعليق على دمار العراق , لكن ألا يعلمون أنّ كتمان الغيظ يحوّل الإنسان إلى قنبلة فتاكة تنفجر في وجه حكامنا السمان وفي وجه الأمريكان .

 وإنّ غدا لناظره قريب !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أمريكا وإستحمار الشعوب الإسلاميّة.

 

 

تتعامل الولايات المتحدة الأمريكيّة مع العرب والمسلمين كما لو أنّهم مجموعة من الحمير الذين لا يملكون لا وعيا ولا ذكاءا ولا قدرة على قراءة الأحداث وأبعادها الباطنية والظاهريّة ولا فهم المكر السياسي الأمريكي المغلّف بحلو الحديث , وربمّا لأنّها قرأت في التاريخ العربي عن قبيلة بني حمير بتحريك الياء فظنّت أن الشعوب العربية والإسلامية تنتمي إلى فصيلة الحمير .

 و منذ إستلام واشنطن الكرة من الملعب البريطاني في العالم العربي والإسلامي وهي تستحمر العرب والمسلمين وقد وصلت إلى أقصى درجات الإستحمار عندما إستباحت الجغرافيا العربية والإسلامية وهي تدعّي أنّها تفعل ذلك من أجل المصلحة العليا للعرب و المسلمين . فأمريكا تحتّل أراضينا وتدعي أنّها تريد أن تحررّ شعوبنا من الطغاة الذين صنعتهم , و تقيم حكومات عميلة موالية لها سياسة و إقتصادا وثقافة وأمنا وإجتماعا وتربيّة وتعليما وهي تدّعي أنّها تريد إقامة نظام سياسي ديموقراطي حرّ من رحم الشعوب في البلاد العربية والإسلامية , وأمريكا المستحمرة -  بكسر الميم  - ما فتئت تدعم الكيّان الصهيوني بالسلاح والمال والموقف السياسي والدعم اللوجستي والأمني وهي تدعّي أنّها وضعت خارطة الطريق من أجل وضع مشروع الدولة الفلسطينية على الطريق المستقيم , بينما هي تهدف  إلى إحراق كل أوراق القوّة في المعادلة الفلسطينية حتى لا يبقى لدى المفاوض الفلسطيني أي ورقة وساعتها يقول له الصهاينة المتمرسون في لعبة الإذلال كأسيادهم الأمريكان المتخصصين في لعبة الورق التي سحبوها أيضا على المهزومين في العالم العربي عليك أن ترضخ للخيار الصهيوني  .

 وللإشارة فإنّ رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات في مفاوضات أوسلو طالب رئيس الحكومة العبريّة إسحاق رابين بوضع ملف القدس على طاولة المفاوضات , فقال له إسحاق رابين : إنّ ملف القدس شائك وطرحه قد ينسف المفاوضات وتقدمها ويستحسن تأجيلها , فوقع المفاوض الفلسطيني في الفخ , وفي وقت لاحق عندما طلب عرفات بملف القدس قيل له إنّ الموضوع لم يبحث في أوسلو .

أليس إستحمارا ما تقوم به أمريكا في أفغانستان والعراق و عموم البلاد الواقعة في خطّ طنجة – جاكرتا , ففي العراق تسرق الأموال المجمدة العراقية وتوزّع الفتات على العراقيين بحجّة الحصول على ما تكلفته في حربها على العراق , وتستولي على آبار النفط وتدعي أنّها ستعمل على إزدهار الإقتصاد العراقي , و تتعاقد وفي غياب حكومة عراقية شرعيّة مع الشركات الأمريكية على مشاريع متوسطة وبعيدة المدى في العراق , فمن سوف يحاسب هذه الشركات عندما تخلّ بأمور عديدة ولا يوجد بينها وبين أي عراقي عقد إقتصادي أو إستثماري أو ما شابه , أليس إستحمارا أن تأذن أمريكا بإحراق الأخضر واليابس في العراق و إتلاف المادة والروح حتى إذا عادت دورة الحياة إلى العراق يطلب من الحكومة العراقية التي تصنع على أيدي وأعين أمريكا أن تشترى كل صغيرة وكبيرة من الشركات الأمريكية , أليس إستحمارا أن تقوم أمريكا بكنس المعارضة العراقية التي وقفت مع واشنطن في الإطاحة بنظام الطاغية المجرم أبي المقابر صدام حسين , و تقوم وبطريقتها الخاصة في شرعنة إحتلالها للعراق , أليس إستحمارا أن تقوم أمريكا بإنتاج عوامل الحرب الأهلية والطائفية والمذهبية و العرقية في العراق حتى إذا تلاشى مشروعها الإحتلالي تلجأ إلى تقسيم العراق وبالتالي تضمن بقاءها المطلق في العراق , أليس إستحمارا أنّ تغمض أمريكا عينيها عن الكفاءات العراقية الواسعة الخبرة والمثقفة و التي ملأت الدنيا وتلجأ إلى خبراء أمريكان حارمة أهل العراق من إعمار وطنهم بأيديهم و توزيع ثروات بلادهم توزيعا عادلا و محكما .

أليس إستحمارا عندما تتحدث أمريكا عن عراق السلام وهي تخططّ لجعله قاعدة تنطلق منها جيوش الإطاحة بالنظام الإسلامي في إيران و ربما بالنظام السوري إذا إقتضت الضرورة . أليس إستحمارا أن تسكت أمريكا عن الطغاة الذين يسبحون في تيارها ويسبحّون بحمدها و تلتفت إلى بعض الطغاة الذين هي صنعتهم هي وغاية ما هناك إنتهى دورهم و إنتهت دورتهم السياسية و الخدماتيّة حسب مقتضيات السياسة الأمريكية . أليس إستحمارا عندما تنشر أمريكا ثقافتها القائمة على العنف والجنس والمخدرات – إنتاج هوليهود السينيمائي مثالا – وتطالبنا بإستئصال ثقافتنا والتي يقول الأمريكي جورج واشنطن عن أحد رموزها محمد بن عبد الله أنّه أعظم العظماء  في تاريخ البشريّة على وجه الإطلاق , و الذي قال عنه أيضا الفيلسوف برنارد شو : لو كان محمد موجودا لحلّ كل مشكلات العالم ريثما ينتهي من شرب فنجان قهوة .

أليس إستحمارا أن يصعد الأمريكان إلى الفضاء ويتصرفون في الأرض وفي الفضاء وينتجون كل أنواع الأسلحة البيولوجية والكيميائية و النووية والجرثومية العابرة للقارات والمحيطات و السماوات ويريدوننا أن نبقى حميرا أسوة ببني حمير – بتسكين الميم وفتح الياء أو بكسر الميم حسب فقه الإستحمار الأمريكي لا فرق -   !!!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أوروبا القديمة وأمريكا الجديدة .

 

 

 

لأوّل مرّة في تاريخ الصحافة الأوروبيّة تصبح أمريكا موضوعا يتناوله المحللون والكتّاب بكثير من النقد اللاذع أحيانا والجرئ أحيانا أخرى و إذا كان نقد أمريكا في السابق حكرا على الكتّاب والمثقفين اليساريين والقوميين و الوطنيين والماويين و الكنائسيين المحافظين وأتباع المذاهب والديانات الآسيوية كالبوذية والطاوية و الكونفوشيوسيّة فإنّ الكتّاب الليبيراليين الذين كانوا إلى وقت قريب معجبين بالحضارة الأمريكية و بالنمط الأمريكي في الحياة سخروا أقلامهم لفضح هذا النموذج الذي بات يستهدف الإنسان في كل أبعاده وفي نظر هؤلاء فإنّ الأمركة هي مشروع إستعماري جديد لا يختلف عن الإستعمار الأوروبي القديم لكن بأساليب جديدة , والعجيب أنّ هذه الآراء تصدر من لدن مفكرين غربيين في الوقت الذي بذلت فيه أمريكا مجهودات جبّارة عقب الحادي عشر من سبتمبر لإستمالة الرأي الغربي إليها حتى شبّه البعض التجيير الأمريكي الإعلامي والسياسي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر لصالحها بالهلوكست اليهودي و أسموه الهلوكست الأمريكي  , وقد إستطاعت تظاهرات 15 فبراير –  شبّاط 2003 المنددة بالغارة العسكرية الأمريكية المرتقبة على العراق أن ترخي بظلالها ليس على الخطّ الإعلامي والسياسي لمعظم الصحف الغربية بل أرخت بظلالها على صنّاع القرار في أوروبا الذين أضطرّوا إلى عقد قمّة طارئة الإثنين 17 فبراير 2003 في العاصمة البلجيكية بروكسل والتي تناولت موضوع العراق والغارة الأمريكية المرتقبة عليه في ضوء يقظة الشارع الأوروبي المعادي للحرب الأمريكية وقد أجمع القادة الأوروبيون على ضرورة أن تكون جمعية الأمم المتحدة هي مركز النظام العالمي وليس أمريكا .

جريدة أفتون بلادت الذائعة الإنتشار في السويد نشرت عنوانا عريضا جاء فيه : إستيقظ بوش , معتبرة أنّ أوروبا قالت بالإجماع لا لمنطق الحرب الأمريكي . وفي السياق ذاته صرحّ الصحفي والكاتب السويدي يان غيلو المشهور بكتابته ضدّ أمريكا بأنّ تظاهرات 15 فبراير شكلّت يوما أسودا في وجه المتعطشين للدماء , وأنّ الملايين في أوروبا قد تظاهروا صراحة ضدّ أمريكا .

وكانت هذه التظاهرات حاضرة  في كثير من الإتصالات بين المسؤولين الأوروبيين الذين إستوعبوا بسرعة البرق رسالة 15 فبراير , حيث جرى إتصال هاتفي بين رئيس وزراء السويد يوران بيرشون والمستشار الألماني شرودر , و بين وزير خارجية السويد و نظيرها الفرنسي , وقالت وزيرة خارجية السويد آنا ليند عقب التظاهرات المليونية في أوروبا أنّه ليس وقت الغارة العسكرية على الإطلاق ويجب إعطاء فرصة للمفتشين الدوليين ومنحهم الوقت الكافي للبحث عن أسلحة الدمار الشامل .

وقد حصل القادة الأوروبيون قبل ذهابهم للإجتماع الطارئ إلى بروكسل على تقارير مستفيضة عن التظاهرات العارمة في أوروبا لتكون حاضرة بقوّة على طاولة البحث في القمّة الطارئة التي إنعقدت في العاصمة البلجيكية في بروكسل . 

وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض القادة الأوروبيين شاركوا شعوبهم في التظاهرات المنددة بأمريكا كما فعل رئيس وزراء النرويج بوندفيك الذي إنضم إلى تظاهرة مناوئة لأمريكا في النرويج .

 وحسب خبير أوروبي فإنّ القادة الأوروبيين إذا لم يحسبوا حسابا لشعوبهم فعليهم أن يعدوا حقائب الخروج من دوائر القرار , لأنّ الناخب الأوروبي هو أهم لاعب في اللعبة السياسة في الغرب . و يقول هذا الخبير  أنّ تظاهرات 15 فبراير 2003  ستبقى خالدة في الذاكرة الأوروبية ك 11 سبتمبر مع الفارق , لكن في الوقت ذاته يقول هذا الخبير أنّ القادة الأوربيين أصبحوا فعلا بين المطرقة الأمريكية وسندان الشعوب الأوروبية المنددة بأمريكا .

و رغم حجم الضغوط السريّة و إحتجاجات الكواليس المبطنة والتي وصلت على حدّ التهديد من قبل أمريكا لبعض العواصم الغربية فإنّ هذه العواصم رفضت لحدّ الآن الإذعان للضغوط الأمريكية , و بناءا عليه فقد تلجأ واشنطن إلى تغيير موقفها من الإتحاد الأوروبي الذي بات يرهقها في المحافل الدوليّة , وللإشارة فإنّ أمريكا دعمت بقوة قيّام الإتحاد الأوروبي من منطلقات ثلاث أولها أن يكون هذا الإتحاد سابحا في دائرتها السياسية والإقتصادية , و ثانيا لإلحاق الدول الأوروبيّة الإشتراكية سابقا بهذا الإتحاد وبالتالي تنتصر الليبيرالية على الإشتراكيّة كما كانت تخططّ له واشنطن , وثالثا كانت واشنطن تخطط أن تتحولّ أوروبا الكبيرة إلى سوق كبيرة تستوعب بضائعها الإقتصادية و منتوجاتها الزراعية و غير ذلك , و إذا بدأ الإتحاد الأوروبي يخرج عن هذه المنطلقات فسوف تكون بداية الطلاق البائن بين أوروبا القديمة وأمريكا الجديدة !