الغارة الأمريكيّة الكبرى على العالم الإسلامي.

 

 

بقلم / الصحفي والكاتب يحي أبوزكريا .

 

 

الإهداء

 

إلى كل المستضعفين في الأرض الذين يريدون صناعة راهنهم و مستقبلهم بعيدا عن الإرادة الأمريكية للهيمنة على العالم .

الفهرس .

 

1-            العالم الإسلامي بين الأمس و اليوم .

2-            المسلمون في الغرب و الإحتلال الأمريكي للعراق .

3 - أمريكا ستدمّر النظام الدولي والسلام العالمي .

4- أمريكا ومنطق إستعباد الشعوب .

5- أوروبا الغاضبة على أمريكا

شراء قنينة كولا معناه المساهمة في صناعة كروز أمريكي.

6- بين هولاكو 1258م وبوش 2003 م .

7- خطّة لهزم أمريكا برسم الحكّام العرب !

8- ما معنى أن تحتلّ أمريكا العراق !

9- ماذا لو لم يكن سعد الدين إبراهيم أمريكيّا !

10 - يصادرون مقدرّاتنا و نحن نتفرّج !

11 - أمريكا وإستحمار الشعوب الإسلاميّة.

12 - أوروبا القديمة وأمريكا الجديدة .

13 - بداية سقوط دولة آمرك أو أمريكا .

14 - سقوط جورج بوش الإبن !

15 - خبراء سويديون : أمريكا خسرت حربها على الإرهاب !

16- الفرنجة قادمون والجيوش العربية في عطلة !

17- أمريكا تتجسسّ على العالم من خلال أوروبا .

18 - حقيقة الأدلّة الأمريكيّة .

19 - إستئصاليّو الجزائر يطالبون أمريكا بمزيد من الإستئصال.

20- أغلبيّة السويديين ضدّ الحرب الأمريكية في أفغانستان .

21- الذي يرفض نظام الدبابة يجب أن يرفض نظام الشبح .

22 - أوروبا الباحثة عن دور في العصر الأمريكي .

23 - لماذا توحّدوا وتفرقنا !

24 - هكذا بدأت الحرب العالميّة ضدّ الاسلام والمسلمين ‍‍ ‍.

25- واشنطن حددّت ساعة الصفر .

26 - الغارة الكبرى على العالم الإسلامي !

27 - أوروبا والغارة الأمريكيّة المرتقبة على العراق .

28 - إفريقيا الباحثة عن دور في العصر الأمريكي  !

29- عالمنا العربي بين طاغيّة بلسان عربي و طاغية بلسان إفرنجي !

30 - أسباب تقدمّ الغرب وتقهقر الشرق ! .

31 - منتدى الناتو والخطر الأخضر.

32 - إعادة إنتاج الإستعمار في العالم الإسلامي .

33 - حقيقة الديموقراطيّة الأمريكيّة ! .

34 - صدّام حسين طاغية بإمتياز وأمريكا ملهمته  !

35 - أمريكا في الجزائر .

36 - الجزائر و التحالف الإستراتيجي مع أمريكا .

37 - الناتو والإتحّاد الأوروبي يفتحان أبوابهما للجزائر !

38- أوروبا بعد الحادي عشر من أيلول بين التبعيّة والإستقلال عن أمريكا .

39 - معلومات عن العالم الاسلامي بالجملة في الدوائر الغربيّة .

 

 

 

العالم الإسلامي بين الأمس و اليوم .

 

يعيش العالم الإسلامي اليوم وضعا معقدا ومربكا في كل تفاصيله , وقد أصبحت الجغرافيا التي تدين بالإسلام من طنجة وإلى جاكرتا ووصولا إلى روافد العالم الإسلامي في معظم القارات عرضة للإحتلال المباشر وغير المباشر عسكريّا وسياسيّا و إقتصاديّا وثقافيّا وأمنيّا , وقد كان الإعتقاد السائد أنّ العالم الإسلامي قد ودعّ وإلى الأبد الحركة الإستعمارية التوسعية الغربية والتي أرخت بظلالها علىعالمنا الإسلامي في القرن الماضي , والتي كانت سببا رئيسا في تراجع المشروع النهضوي والتنموي الإسلامي , كما كانت السبب في إنتاج نخب علمانية أتاحت للفكر الكولونيالي في كل أبعاده السياسية والثقافية والإقتصادية أن يستمر محركا لتفاصيل الدولة الحديثة المستقلة إسما وشكلا . ومما لا شكّ فيه فإنّ العالم الإسلامي قد تأثرّ إلى أبعد الحدود بالحركات الإستعمارية والإحتلالية التي جاءت من الغرب بحجّة نشر الحضارة والمدنية في واقع كله تخلّف حسب إدعاءات منظريّ الإستعمار الذين كانوا ملحقين بوزارات الخارجية في العواصم الغربيّة .

 ولم يغادر المحتلون عالمنا الإسلامي إلاّ بعد أن أطمأنوا أنّهم وضعوا دساتير هي من روح دساتيرهم وعينوا تكنوقراط وسياسيين في دوائر القرار في هذه الدولة وتلك وكلهم من الذين نهلوا من معين الثقافة الغربية الكولونياليّة , وقد أكملت هذه النخب مسيرة الحركة الإستعمارية فحاصرت الإسلام في عقر داره وعملت على تجفيف منابعه و ملاحقة الدعاة إلى ثقافته , ولم تكن هذه السيئة الوحيدة للحركات الإستعمارية بل هناك مجموعة سيئات سياسية وإقتصادية وثقافية وجيوسياسيّة , فعلى الصعيد السياسي لعب الإستعمار الغربي دورا كبيرا في صياغة الدساتير التي أصبحت مرجعا أساسا للدولة الحديثة في عالمنا الإسلامي , بل أنّ بعض الدساتير كانت نسخة طبق الأصل من الدساتير الغربية , وبطبيعة

الحال أوكلت مهمة شرح هذه الدساتير وتنفيذها لشخصيات إسلامية إسما وغربية قلبا ومضمونا درست في المعاهد الغربية وأستوعبت روح الحضارة الغربية , وهي الفئة التي عناها الفيلسوف الوجودي الفرنسي بقوله , كانت الدول الغربية الإستعمارية فيما مضى تبعث دباباتها إلى الدول الثالثيّة لنشر فكرها بالقوّة ثمّ تداركت الموقف وباتت تستورد أذكياء من تلك البلاد وتدرسّهم في جامعاتها ومعاهدها ثمّ توفدهم كحكّام لدول العالم الثالث وبهذا الشكل يتحققّ الغرض الإستعماري بدون دبابّة !

وعلى الصعيد الإقتصادي فقد أفرغت الحركات الإستعمارية خزائن البنوك من محتوياتها وخلفوا وراءهم دولا بلا موارد أو مقدرات , بل قاموا في بعض البلاد كدول المغرب العربي بتحطيم كافة الجرارات الزراعية لعدم إستخدامها في الإستصلاح الزراعي , وأملوا على كل دولة أن تنتج منتوجا واحدا أو إثنين ممّا يحتاج له المستعمر , فالجزائر على سبيل المثال وعندما كانت ترزح تحت الإستعمار الفرنسي كانت تصدّر القمح إلى كل الدول الأوربية وبنسبة ثمانين بالمائة , وبعد أن أستقلّت الجزائر باتت تستورد القمح بنسبة مائة بالمائة وأصبحت في المقابل تزرع العنب وتنتج الخمور التي مازالت فرنسا الدولة المستعمرة سابقا المشتري الأول لها .

 كما أنّ الدول الإستعماريّة ظلّت تحتفظ لنفسها بخرائط دقيقة عن مكان وجود الموارد الأوليّة من نفط وذهب وغاز ويورانيوم وحديد ومياه جوفيّة وغير ذلك من الأمور .

وعلى الصعيد الثقافي فإنّ معظم الدول التي كانت مستعمرة – بفتح الراء – تعاني اليوم من أزمة هويّة قلّ نظيرها أفضت إلى إنتاج حروب أهليّة بالجملة في أكثر من دولة إسلاميّة , كما أعادت الحركات الإستعمارية إحياء الإثنيات التي إنصهرت في بوتقة الإسلام على مدى أربع عشر قرنا , و إستغلّت التناقضات الداخليّة وتحولّت الأقليّات إلى إطارات سياسيّة وإيديولوجيّة أفادت الحركات الإستعمارية في وقت لاحق عندما دبّ الحنين في هذه الحركات بمعاودة الكرّة التي كانت قبل أزيد من قرن .

 وتمكنت الحركات الإستعماريّة من غرس بذور ثقافية وفكرية في التربة الإسلامية أينعت بعد حين تماما كما قال الجنرال الفرنسي شارل ديغول وهو يغادر الجزائر سنة 1962 تحت ضغط الثورة الجزائريّة : لقد تركت في الجزائر بذورا ستينع بعد حين .

وكانت هذه البذور هي التي شككّت لاحقا في هويّة الشعب الجزائري ذات البعدين العربي والإسلامي .

وعلى الصعيد الجيوسياسي ترك الإستعمار أزمة الحدود ملتهبة بين كل الدول الإسلاميّة تقريبا وهي التي سمّاها رئيس الديبلوماسية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر بعوامل التوتّر التي تفيد الإدارة الأمريكية عند الحاجة والضرورة . ومازالت أزمة الحدود بين الدول الإسلامية قائمة مهدّت لنشوء صراعات متفاقمة بل مازالت تهددّ بإندلاع صراعات حادة على المدى المتوسّط .

وإذا كانت هذه صورة موجزة ومختزلة عن العالم الإسلامي بالأمس فإنّه اليوم ومع بداية الألفية الثالثة لا يختلف كثيرا عن صورته في الماضي فالدول الإسلامية مازالت عرضة للإحتلال المباشر وما زال القسم الأكبر من العالم الإسلامي عرضة للغزو الإقتصادي والثقافي .

 فعلى صعيد الإحتلال العسكري فإنّ هناك ثلاث دول إسلامية محتلة إحتلالا مباشرا من قبل الدولة العبريّة و الولايات المتحدة  الأمريكية الوريث الشرعي للأمبراطورية البريطانية كما قال هنري كيسنجر في مقالة له عن النظام العالمي الجديد وهذه الدول هي فلسطين وأفغانستان والعراق , وهناك دول إسلامية تفتّت بسبب الولايات المتحدة الأمريكية ومساعيها وهي إندونسيا والتي إستقلّت عنها تيمور الشرقيّة و الصومال , كما أنّ هناك جمهوريات إسلامية تقبع تحت الإحتلال الروسي كالشيشان والتي لم تأخذ حظها من الإستقلال , على الرغم من أنّ الجمهوريات الكاثوليكية في الإتحاد السوفياتي السابق نالت إستقلالها بدعم من الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية .

وعلى الصعيد الإقتصادي فما زالت الشركات المتعددة الجنسيات الأمريكية في مجملها وصندوق النقد الدولي يتحكّم في إقتصاديّات العالم الإسلامي وقد أصبحت المساعدة الإقتصادية للعالم الإسلامي مقرونة بالرضوخ السياسي والإستجابة الكاملة لقرارات ومخططّات الإرادات الدوليّة , والأكثر من ذلك فإنّ البنوك الدولية ذات التمويل الأمريكي هي التي باتت تخطط المنهج الإقتصادي لهذه الدولة الإسلامية وتلك .

وثقافيّا فإنّ الإدارة الأمريكة وضعت مخططّا كاملا وإستراتيجية متعددة الأبعاد لإعادة تأهيل العالم الإسلامي ثقافيا وتربويّا وعلميّا , وكل دولة إسلامية تحاول الإنطلاق من مقوماتها الذاتية وتعمل على إستكناه أسرار التقنية وتحديدا تكنولوجيا السلاح فإنّها تدرج في خانة الدول المتمردّة وبالتالي هناك كمّ هائل من القوانين لمعاقبتها .

وبعد الحادي عشر من أيلول – سبتمبر خرجت أمريكا من دائرة الرغبة في بسط الإحتلال السياسي والإقتصادي والثقافي إلى الإحتلال العسكري , ومثلما كان العالم الإسلامي في بداية القرن الماضي عرضة للإستعمار والإحتلال فإنّه دشنّ بداية قرنه الحالي بإحتلال أمريكا لدول مفصلية إستراتيجيا وجيوسياسيّا في الجغرافيا الإسلامية وما زالت شهيتها مفتوحة إلى درجة أنّها أعادت عسكرييها المتقاعدين إلى الخدمة وفي العالم الإسلامي !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المسلمون في الغرب و الإحتلال الأمريكي للعراق .

 

 

تعيش الدوائر الأمنية في العواصم الغربية هاجسا أمنيّا لا مثيل له ويتمثّل في دراسة هذه الدوائر لكافة الإحتمالات حول تفاعل العرب والمسلمين في الغرب مع بداية الإحتلال الأمريكي للعراق , وتدرك هذه الدوائر أنّ الجزء الأكبر من العرب والمسلمين مرتبطون بالتطورات الجاريّة في العراق والإحتلال الأمريكي له من خلال الفضائيات العربية وتحديدا تلك الفضائيات الخبريّة التي تنقل الحدث العراقي وتداعياته على مدار الساعة .

 وتخشى هذه الدوائر أن تكون للمسلمين المقيمين في الغرب ردّات فعل إنفعالية تجاه المصالح الأمريكية والبريطانية في العواصم الغربية والقيّام بما من شأنه أن يخلّ بالأمن القومي الغربي , ومنذ بلغت الدوائر الأمنية الغربية تفاصيل السيناريو الأمريكي في العراق و الجلسات والإجتماعات بين صناع القرار الأمني  قائمة تحسبّا لأي جديد قد يفرزه الغضب العربي والإسلامي في العواصم الغربيّة وخصوصا مع بداية الفضائيات العربية والإخبارية منها على وجه التحديد في نقل صور القتلى الأبرياء من العراق الذين ستطاولهم صواريخ توماهوك وغيرها من أسلحة الدمار الشامل الأمريكية التي سيتم تجريب بعضها لأوّل مرة في العراق .

 ورغم أنّ العرب والمسلمين مشدودون إلى أقصى مدى إلى الحدث العراقي وبداية الإحتلال الأمريكي للعراق إلاّ أنّه يمكن تصنيفهم كما يلي :

أولا : مسلمون ملتزمون حركيون قادرون على تحويل القول إلى فعل و النظرية إلى تطبيق.

ثانيا : مسلمون متعاطفون مع مظلومية الشعب العراقي ولا يملكون غير الدعاء والمشاركة في التظاهرات والحركات الإحتجاجيّة المناوئة للغطرسة الأمريكية في الشوارع الأوروبية .

ثالثا : قسم صغير من المسلمين قوامه فئة من العراقيين اللاجئين والأكراد والعرب العلمانيين المستغربين الذين يرون أنّ أمريكا قادمة إلى العراق لتخليص الشعب العراقي من الظلم والديكتاتورية وحكم البعث الأحادي .

 وحتى جزء كبير من هذه الفئة سيتراجع عن دعمه لأمريكا وحربها الإحتلالية على العراق , مع بداية سقوط الضحايا والأبرياء الواحد تلو الآخر جرّاء القنابل الأمريكية والبريطانية التي ستتهاطل على العراق بشكل مكثّف .

وسيكون لكل شريحة من الشرائح المذكورة طريقتها في التعاطي مع الإحتلال الأمريكي للعراق , ولا تستبعد بعض الدوائر الغربيّة أنّ تتحول العراق إلى ما يشبه أفغانستان في الثمانينيات من القرن الماضي – 1980 – وذلك عندما قام الجيش الأحمر بغزو أفغانستان وتوافد العرب والمسلمين على أفغانستان لنصرة الشعب الأفغاني والتصدّي للجيش الأحمر الإلحادي الذي أضطّر لمغادرة أفغانستان تحت ضربات المجاهدين الأفغان والعرب والمسلمين. وقد يتوجّه مئات العرب والمسلمين الذين يحملون الجنسيات الغربية إلى العراق وينضمّون إلى قوافل المجاهدين العرب والمسلمين المتطوعين لنصرة دار الإسلام في العراق .  وعلى صعيد آخر تتوقّع الدوائر الغربية أن يشهد الشارع الغربي غليانا كبيرا ضد الإحتلال الأمريكي للعراق وهو ما سوف يذكّر بأيام أمريكا في الفيتنام و الحرب الكوبية وغيرها من حروب أمريكا في العالم . ومن المتوقع أن يكون للمسلمين دور كبير في تحريك الشارع الغربي أقلا كما تشير التوقعات في محاولة لإيجاد ضغط سياسي ديبلوماسي على الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير والمتحالفين معهما من هواة تمزيق العالم العربي والإسلامي .

وإذا كانت الدوائر الغربية متيقنة عين اليقين أنّ الغضب العربي والإسلامي سيتجلى في الشوارع الغربية فإنّ ما يقلق هذه الدوائر هو إستهداف المصالح الأمريكية والبريطانية في العواصم الغربية , ولأجل ذلك جرى رفع درجة الحراسة الأمنية لسفارات أمريكا وبريطانيا في العواصم الغربية بالإضافة إلى توفير الحماية السريّة للشركات الأمريكية المتعددة الجنسيات في الدول الغربية .

ولا تخشى الدوائر الغربية من ردّات فعل المسلمين الطبيعيّة فحسب , بل تخشى من إنفجار الشارع الأوروبي ضد أمريكا حيث أظهرت الإستطلاعات في كل دولة غربيّة أنّ أكثر من ثمانين بالمائة من الأوروبيين هم ضد الإحتلال الأمريكي للعراق , والخشية أن يقع تحالف سياسي وإعلامي و ثقافي بين المسلمين في الغرب الذين يحمل معظمهم الجنسية الغربية والغربيين الأوروبيين ضدّ الشيطان الأكبر أمريكا التي أملى عليها جبروتها أن تدوس على صوت العقل وصوت الإنسانية الراغبة في السلام , وللإشارة فإنّ القساوسة والرهبان في الغرب والذين كانوا على إمتداد قرون وسنوات يؤثرون الصمت على الكلام باتوا يصرحون أنّ أمريكا هي الشيطان الأكبر بلا منازع .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أمريكا ستدمّر النظام الدولي والسلام العالمي .

 

 

في 14 آب – أغسطس سنة 1941 أصدر الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل تصريح الأطلنطي الذي بموجبه تأسسّت جمعية الأمم المتحدة والتي قامت على أساس حفظ السلام والأمن في العالم على قاعدة التعاون الدولي لإحقاق هذه المهمّة , و كان الرئيس الأمريكي روزفلت هو أولّ رئيس إستخدم عبارة جمعية الأمم المتحدة , كما أنّ أمريكا كانت أول من وقعّ على قرار إنشاء جمعية المتحدة ثمّ تلتها بريطانيا والإتحاد السوفياتي السابق والصين وأستراليا وبلجيكا وفرنسا وغيرها من الدول .

 وحسب علماء القانون فإنّ أمريكا أنشأت جمعية الأمم المتحدة لتوحيد الجهود الدوليّة ضد دول المحور والتي كانت على رأسها ألمانيّا . وأستطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تحشد وراءها كل الدول التي وقفت في ذلك الوقت ضدّ النزعة الهتلريّة التوسعيّة وتوافق المؤسسون وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية على أن تكون جمعية الأمم المتحدة هيئة دوليّة تضطلع بمهمة الحفاظ على السلام في العالم ويحكمها مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول المحبّة للسلام .

وفي مؤتمر يالطا الذي إنعقد في الفترة الممتدة بين 03 – 11 شباط – فبراير – 1945 والذي إشتركت فيه كل من أمريكا والإتحاد السوفياتي السابق وبريطانيا , تمت الدعوة إلى عقد لقاء موسع في سان فرانسيسكو مع دعوة الصين وفرنسا وهي الدول التي تتمتّع بحق النقض – الفيتو – في مجلس الأمن .

وتقوم جمعية الأمم المتحدة على الأهداف التاليّة :

أولا : حفظ السلم والأمن الدولي وذلك من خلال التعاون الدولي والتوافق الكامل بين كل الدول في حلحلة النزاعات الدوليّة .

ثانيا : تنمية العلاقات الدولية على قاعدة حقّ تقرير المصير والمساواة بين الشعوب .

ثالثا : التعاون الدولي في المجالات السياسية والثقافية والإقتصادية والإجتماعيّة في دائرة إحترام حقوق الإنسان .

ومنذ 1945 وأمريكا هي الممولّة المركزيّة لجمعية الأمم المتحدة بالإضافة إلى أنّ معظم الدول الأوروبية كانت تسبح في الفلك الأمريكي وحتى ألمانيا التي إستطاع الحلفاء إنهاءها عسكريا وتقسيمها إنضمت إلى المحور الأمريكي , فيما إنضمت ألمانيا الشرقيّة إلى الإتحاد السوفياتي السابق , وأصبح يوجد في جمعية الأمم المتحدة معسكران معسكر رأسمالي ليبيرالي قطبه أمريكا و معسكر شيوعي إشتراكي قطبه الإتحاد السوفياتي السابق , و الكتلة التي عرفت فيما بعد بكتلة عدم الإنحيّاز لم تكن في الواقع غير رافد من روافد الإتحاد السوفياتي السابق , وهذه المرحلة التي عرفت بمرحلة الصراع البارد بين موسكو وواشنطن كان هناك توافق كامل بين العاصمتين عاصمة كارل ماركس وعاصمة آدم سميث في إشارة إلى مؤسسي المذهبين الماركسي والرأسمالي , توافق في تقسيم الجغرافيا والخيرات والموارد الطبيعية , وعلى الرغم من أنّ الصراع البارد كان يصل أحيانا إلى أوجه إلاّ أنّ واشنطن وموسكو كانتا تهدئان الإيقاع عندما كان يصل إلى أوجه , وكان كل طرف منهما راض بالغنائم التي في حوزته , محققا ذاته من خلال هذه الغنائم .

لكن التطورات الدوليّة المذهلة والتداعيات التي حصلت في العالم من قبيل سقوط أمبراطوريّة كارل ماركس و تفتيت الإتحاد السوفياتي , و بداية تشكّل الإتحّاد الأوروبي وبداية خروج العديد من الدول الأوروبية من تحت العباءة الأمريكية باحثة عن ذاتها ودورها و الأزمة الإقتصادية العالمية و تفرّد واشنطن في صناعة القرارات العالميّة و تبوؤها عرش القوّة بدأ يشعر أمريكا بأنّه لا حاجة للعودة إلى جمعية الأمم المتحدة ما دامت أمريكا قادرة لوحدها على تنفيذ إستراتيجياتها .

وقد تجلى ذلك في التدخل الأمريكي في الصومال في العملية التي أطلقت عليها أمريكا عمليّة إعادة الأمل حيث لجأت أمريكا إلى التدخّل في الصومال دون العودة إلى جمعية الأمم المتحدة ثم ّ التدخل في أفغانستان ووصولا إلى الحرب الأمريكية في العراق وما سوف يعقب ذلك فيما لو نجحت واشنطن في تنفيذ إستراتيجياتها .

لقد آمنت واشنطن على سبيل المناورة بضرورة التعاون الدولي عندما كانت في حاجة إلى وضع حدّ للظاهرة الهتليريّة و عندما كان هناك قطب ثان في المعادلة الدوليّة , والآن وعندما إستفردت بالساحة الدوليّة فلا مناص من تفكيك كافة المرجعيات القانونية الدولية والمحافل الدولية بإعتبارها باتت تعتبر نفسها صانعة القانون و راعية العلاقات الدولية , كما ورد في كتاب الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون , أمريكا والفرصة التاريخية والذي قال فيه نيكسون : على أمريكا أن تحكم العالم .

إنّ قيام أمريكا بشنّ حرب على العراق دون قرار دولي بذلك ومع وجود معارضة واسعة لأعضاء دائمين في مجلس الأمن معناه لدى الفقهاء القانونيين الموت التلقائي لجمعية الأمم المتحدة و تلاشي المرجعية الدولية التي تنظر في الأزمات الدولية , وفوق هذا وذاك شرعنة الفوضى في العالم وغياب الشرعية والتي أقرتها أمريكا في سنة 1945 التي تنظر في القضايا الساخنة , و تصريح الأمين العام لجمعية الأمم المتحدة بأنّ واشنطن لا يحق لها شنّ حرب على العراق دون الرجوع إلى الأمم المتحدة هو إقرار بأنّ واشنطن التي ساهمت بالقسط الأكبر في تأسيس جمعية الأمم المتحدة لدعم مصالحها السياسية والإقتصادية والجيوسياسية هي نفسها الذي أطلقت رصاصة الرحمة على هذه الجمعية لأنّها باتت تعتبر نفسها الشرعية والقانون والمرجعيّة , وسوف تدخل العالم في فوضى سياسية وإقتصادية و إجتماعية قلّ نظيرها في التاريخ الراهن .

وسوف يسجّل التاريخ أنّ أمريكا التي أنشأت هيئة الأمم المتحدة هي عينها التي أسقطت هذه الهيئة وهي التي أسقطت النظام الدولي في سبيل أن تكون هي النظام الدولي الجديد !

 

 

 

 

 

 

 

أمريكا ومنطق إستعباد الشعوب .

 

 

منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية كدولة وكيّان بعد إبادة دمويّة  مطلقة للهنود الحمر السكان الأصليين في أمريكا و مفهوم القوّة هو أبرز رقم في معادلة السياسة و تركيبة القرار الأمريكي , وفي مفردات الثقافة الأمريكية أنّ هذه القوة ضرورة ومشروعة لبسط سلطة العدل و محاربة الأشرار طبعا العدل على المقاس الأمريكي والأشرار الذين يصنفهّم العقل الأمريكي في خانة الأشرار , وجذر هذه التركيبة الفكرية يعود إلى شعور الإنسان الأمريكي المحتل والمستعمر لأمريكا بعقدة الذنب تجاه إبادة مطلقة للهنود رجالا ونساءا وشيوخا وشبابا , وتكفيرا عن الجرائم الفظيعة في حق الهنود الحمر أوجد الأمريكان الجدد منطلقا فكريا لإجرامهم وأعتبروا بذلك الخير شرا والشر خيرا , وهذا ما يفسّر إعتبار أمريكا نفسها على حق دائما وتعتبر إرسال جحافلها العسكرية إلى القارات الخمس في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية وكوبا وأوروبا من باب الإنتصار لما تراه خيرا و خدمة للإنسان , ولعلّ أفضل من وصف الشخصية الأمريكية الإستعماريّة هو سيمون بوليفار أحد أبطال محاولات الإستقلال في أمريكا اللاتينية في أواسط القرن التاسع عشر والذي قال : يبدو أنّه كتب على الولايات المتحدة أن تقوم بتعذيب وإذلال القارة بإسم الحريّة !

وفي كتابه الشهير الديموقراطية في أمريكا والذي ألفّه في سنة 1840 قال توكفيل : إنّي لا أعرف شعبا يحتّل فيه حبّ المال حيزا كبيرا في قلوب الناس أكثر من هذا الشعب الأمريكي شعب يشكّل تجمعا من المغامرين والمضاربين . وتوكفيل الذي ولد في سنة 1805 وتوفيّ سنة 1859 هو كاتب وسياسي فرنسي , درس في الولايات المتحدة الأمريكية وعاد إلى فرنسا بكتاب الديموقراطية في أمريكا حيث عينّ في فرنسا وزيرا لخارجية فرنسا .

 هذه الشهادات وغيرها كثير و التي واكبت إنطلاقة أمريكا تؤكّد أنّ القوة هي السمة البارزة في السياسة الأمريكية ولم تتغيّر هذه السياسة بتاتا وتكفي قراءة متأنيّة لما كتبه نعوم شومسكي وروجي غارودي وجاك تني وبول فندلي عن أمريكا اليوم لإكتشاف أنّ أمريكا اليوم هي إمتداد لأمريكا القديمة التي قامت على أنقاض جماجم الهنود و غيرهم .

 وقد لا يكون من باب الصدفة ولع كل الرؤساء الأمريكيين الذين توالوا على الحكم في أمريكا على مشاهدة أفلام الغرب الأمريكي وأفلام رعاة البقر الذين يلاحقون الهنود الحمر ويشنقونهم ويتلذذّون بشنقهم , و في كتابه إيديولوجيا وإقتصاد قال نعوم شومسكي أنّ بنيامين فرانكلين أبو الأمة الأمريكية وبإسم التنوير طرد السكان الأصليين كي يفسح المكان لأمته .

 وعلى إمتداد مسلكيتها السياسيّة تحالفت أمريكا مع محاور الشر والقوة وتعذيب الآخرين تحالفت مع الفاشيّة الإيطاليّة وقد وصف السفير الأمريكي في روما بإيطاليا عام 1922 الفاشية بأنّها الثورة الشابة والجميلة  ومسحت مدينة  هيروشيما اليابانيّة يوم 02 أوت – أغسطس 1945 بفعل قنبلة نووية أمريكية  من الخارطة اليابانيّة , وفي الداخل الأمريكي قامت منظمة كولكس كلان الأمريكية بالدفاع عن سيادة الإنسان الأبيض وألحقوا أفظع الأضرار بالإنسان الأسود والذي كان الأمريكان يقومون بسرقته من براري إفريقيا ويبيعونه في أسواق النخاسة في الولايات المتحدة الأمريكية , وما زال السود محرومون من العديد من الإمتيازات السياسيّة وعلى رأسها رئاسة أمريكا نفسها.  لقد أدى إعتماد أمريكا على مبدأ القوة وبالمناسبة فهذا عنوان لكتاب وهو أمريكا ومبدأ القوة وضعه مستشار الأمن القومي الأسبق زبغينو برجنسكي , إلى تكريس هذا المبدأ في السياسة الأمريكية , حيث كلما كانت الإدارة الأمريكية تخيّر بين حلّ سياسي وديبلوماسي وحلّ عسكري أمني قمعي كانت تختار الحل العسكري القمعي والأمني وقد أحصى الباحثون العسكريون مئات التدخلات العسكرية الأمريكية في القارات الخمس , والتي كانت تؤكّد أنّ واشنطن مصابة حقيقة بداء الشيزوفرانيا السياسة فهي تدعو إلى دمقرطة العالم وتنصّب حكاما عسكريين , و تدعو إلى حكم الشعب والجماهير وتعيّن حكاما تابعين لها رغم أنوف الشعوب وإرادتهم وتطلعاتهم , تدعو إلى حكم الأغلبية و تكرّس حكم الأقليّات , تدعو إلى إحترام الخصوصيّات وتعمل على وأد الخصوصيّات من خلال عولمتها وكوكبيتها وسيطرتها على مقدرات العالم .

 وعلى الرغم من أنّ مبدأ القوة الذي كانت إعتمدته واشنطن منذ تأسيسها قد جلب لها الكثير من التقهقر والتراجع إلاّ أنّها ماضية في مسلكيتها القائمة على منطق إستعباد الشعوب وقد إزدادت تجبرا بعد إستفرادها بصناعة القرارات العالمية .

والمفارقة الكبيرة هي أنّ أمريكا لا تريد على الإطلاق إجراء مراجعة لسياستها الخارجية القائمة على مبدأ القوة رغم ما ألحقته من أضرار بالشعوب في أمريكا اللاتينيّة و القارة الأسيوية في الفيتنام وغيرها و في القارة الإفريقية في الصومال وتوابعها وأخيرا في عالمنا الإسلامي فلسطين حيث الدولة العبرية تحارب بأسلحة أمريكية متطورّة الشعب الفلسطيني الأعزل و في أفغانستان و العراق .

ومبدأ القوّة الأمريكي سيدخل الإدارة الأمريكية في منعطفات خطيرة ينبئ ببداية التراجع الأمريكي خصوصا وأنّ واشنطن المنبهرة بقوتها وزعت قواتها في القارات الخمس وفتحت جبهات متعددة في العديد من المواقع الجغرافيّة الأمر الذي يؤشّر إلى بداية التفكك وقد تلتهم هذه القوة الأمريكية التي قامت على أساس الجبروت بإبتلاع نفسها وتلك سنّة الله في الخلق حيث قد تكون بداية السقوط في أوج القوّة كما تؤكّد حركة التاريخ .

 

 

 

 

 

 

 

 

أوروبا الغاضبة على أمريكا

شراء قنينة كولا معناه المساهمة في صناعة كروز أمريكي.

 

 

لم يحدث في تاريخ أوروبا أن تشكلّ إجماع شبه مطلق ضدّ أمريكا مثلما هو الحاصل الآن بعد شروع أمريكا في إحتلال العراق , و إذا كان الإعتراض على أمريكا في أوروبا في وقت سابق مقصور على التيارات و النخب الثقافية اليسارية , فقد بات الغضب على أمريكا سمة الشارع الأوروبي في الظرف الراهن , ولأوّل مرة تتوافق القوى السياسية اليمينية واليسارية والتي تقف في الوسط , والكنائس والتيارات الدينية بمختلف مذاهبها على الإعتراض الشامل على أمريكا سياسة وتوجهات عدوانية  , كما أنّه و لأول مرّة وفي معظم الدول الأوروبية تتقاطع فيه التوجهات الرسمية مع التوجهات الجماهيرية حيث أصبحت أمريكا دولة عدوانية بدائية بعد أن نجحت في تسويق نفسها أوروبيا في وقت سابق كدولة ديموقراية أولى في العالم .

 وتؤكّد إستطلاعات الرأي العام في معظم العواصم الأوروبية كألمانيا والسويد والنرويج وفنلندا والدانمارك وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليونان وغيرها أنّ أغلبية شعوب هذه الدول هيّ ضدّ أمريكا وسياستها العدوانية في العراق .

ففي السويد مثلا واكب بداية الحملة العسكريّة الأمريكية على العراق والشروع في قصف بغداد سلسلة من ردود الفعل الواسعة الرسمية والجماهيريّة في السويد , وقد بثّت القنوات السويدية الرسمية والخاصة صور بداية العدوان الأمريكي على العراق كما خصصّت العديد من البرامج السياسية بحضور سياسيين وعسكريين ورجال دين للحديث عن الحرب الأمريكية على العراق , كما أجرت القناة السويدية الرسمية حوارا مع أطفال العراق المقيمين في السويد والذين يحملون الجنسية السويدية والذين ذكروا أنّ جورج بوش سيقتل أقرباءهم و أهلهم في العراق وسط حضور علماء نفس سويديين يلاحقون تأثير الحروب على الأطفال المهاجرين , أمّا الصحف السويدية فقد إستنكرت في مجملها بداية الحرب وأجرت إستطلاعات واسعة حول بداية الضربة الأمريكية للعراق حيث رفضت الأغلبية السويدية هذه الحرب الظالمة كما وصفها حزب اليسار السويدي .

وقد إحتجّ رئيس الوزراء السويدي يوران بيرشون بشدّة على هذه الحرب وقال أنّه حزين للغاية لقيّام أمريكا بخرم مجلس الأمن وجمعية الأمم المتحدة , وأعتبر أنّ هذه الحرب الأمريكية ضدّ العراق ستجهز على حقوق الإنسان و الشعب العراقي , وقد توافقت كافة الأحزاب السويدية يسارها ويمينها ووسطها على إعتبار هذه الحرب ظالمة منتهكة لحقوق الإنسان وحق الشعوب في العيش  , و طالبت بعض الأحزاب السويدية ومنها حزب اليسار السويدي الحكومة السويدية بإتخاذ أشد المواقف والإجراءات ضد الولايات المتحدة الأمريكيّة . وقد إعتبر زعيم حزب المحافظين بو ليندغرين أنّ الحرب دائما خاسرة . وأعتبرت المعلقة في جريدة أفتون بلادت الذائعة الصيت هيلي كلين أنّ أمريكا ستكون الخاسر الأكبر في هذه الحرب الظالمة .

وعلى صعيد الردود الجماهيريّة فقد دعت المنظمات الجماهيريّة والجمعيات السويدية المتحالفة من أجل السلام في السويد إلى تظاهرات عارمة في السويد , حيث شهدت المدن الكبيرة كستوكهولم و مالمو وغوتنبورغ وغيرهما مظاهرات عارمة , وقد توافق الناشطون في تحالف من أجل السلام في العراق على إبقاء التظاهرات مستمرة على مدى الأيّام المقبلة في كل المدن السويديّة , وللإشارة فإنّ المتظاهرين ضدّ أمريكا في العاصمة السويدية ستوكهولم نصبوا مشانق وشنقوا قنينات الكولا الأمريكية في دعوة إلى مقاطعة البضائع الأمريكية , و في ألمانيا دعت قوى المجتمع المدني إلى ضرورة الإرتقاء بالإحتجاج على الإدارة الأمريكية إلى مستوى مقاطعة البضائع الأمريكية , وكما قال بعض الذين شاركوا في تظاهرات برلين ضد الحرب الأمريكية على العراق إنّه إذا كانت واشنطن قد خرمت مجلس الأمن وجمعية الأمم المتحدة فعلى الأقل يجب أن يخرم الأوروبيون صناعتها ومنتوجاتها الصناعية , وقد باتت المقالات في وسائل الإعلام المكتوبة في ألمانيا تتناول يوميا إرادة أمريكا في السطو على النفط العراقي , ولا يمكن حسب بعض الصحف الألمانية أن تهدف أمريكا إلى تحرير العراق وكيف يتمّ التحرير بقصف البيوت وقتل المدنيين الأبرياء  . وفي فرنسا إنطلقت حركة تلقائية بين الفرنسيين لمقاطعة كل ما له علاقة بالأمريكان , ولأول مرة يصبح الحديث عن أمريكا وعدوانيتها وجبروتها مباحا في وسائل الإعلام الفرنسية , ولم يحظ شخص في أوروبا بالتعليق عليه و الحديث عن سفاهته وإجرامه مثلما حظيّ به الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن , وهذا الشعور المعادي للسياسة الأمريكية ومنتوجاتها أيضا يزداد تجذرّا في الواقع الأوروبي و يتراكم يوما بعد يوم كلما تناقلت الفضائيات والتلفزيونات الغربية صور القتلى الأبرياء وآثار التدمير الأمريكي ضدّ الشعب العراقي .

وللإشارة فإنّ العدوان الأمريكي على العراق فرض نفسه على كل وسائل الإعلام الغربية التي خصصت أوقاتا إضافية لهذا الحدث وتجمع كافة التعليقات وبمختلف اللغات الأوروبية أنّ هذه الحرب غير عادلة , وأنّ أمريكا خدعت بعض العواصم الغربية عندما أكدّت لها واشنطن أنّ الحرب ستكون خاطفة ونظيفة , ومع بداية الحديث عن حرب طويلة فإنّ العواصم الغربية بدأت تخشى من تطور الموقف , خصوصا وأنّ التظاهرات المنددة بأمريكا ومقاطعة أمريكا متواصلة بل لقد تشكلت في كل عاصمة غربية  جمعيات تحالف من أجل السلام في العراق تقوم بالتنسيق فيما بينها وتدعو للتظاهر في يوم واحد , وقد لوحظ في التظاهرات السابقة التي شهدتها العديد من الدول الغربية أنّ المتكلمين في المهرجانات الخطابية هم من صناع القرار في بلادهم ومن المشرفين على الكنيسة الغربية التي عرّت جورج بوش الإبن وأعتبرت أن حربه على العراق لا تمتّ بصلة إلى الدين  كما قال رئيس الكنيسة السويدية في كلمة له أثناء تظاهرة سويدية ضدّ الحرب الأمريكية على العراق , كما علق سياسي أوروبي على ما يجري في العراق وقال أنّ أمريكا نسفت أسس الديموقراطية , فمن خروج الدولة من رحم الشعب كما هو مقتضى الديموقراطية إلى خروج الدولة من رحم الكروز كما هو التعريف الأمريكي الجديد للديموقراطية .

ولا شكّ في أنّ هذا المناخ السياسي العام في أوروبا أرخى بظلاله على تعامل الأوروبيين مع البضائع الأمريكية و تعتبر منظمة هجوم الأوروبية Attack المعارضة للأمركة والسياسة الأمريكية في كل تفاصيلها أنّ شراء قنينة كولا معناه المساهمة في صناعة صاروخ كروز أمريكي .

 

بين هولاكو 1258م وبوش 2003 م .

 

 

في شهر شبّاط – فبراير من عام 1258 م توجّه المغول بقيادة هولاكو المغولي إلى بغداد وأحتلوها بعد رفض الخليفة المعتصم الإذعان لإرادة هولاكو , وفور سيطرة هولاكو على بغداد جردّ أهلها من السلاح و قتلهم عن بكرة أبيهم و أحرق بغداد ومكتباتها ومبانيها ومعالمها الحضاريّة بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ البشريّة , و أدّى إحتلال هولاكو لبغداد إلى توقّف المسار السياسي والإقتصادي والثقافي والنهضوي العراقي و حولّ هولاكو بغداد إلى عاصمة حمراء نسبة لكثرة الدماء التي أريقت بعد أن كانت حاضرة إسلامية تتمتّع بهيبة كبيرة في جوارها الإقليمي وحتى الدولّي في ذلك الوقت .

 ولم يترك هولاكو سلاحا إلاّ وأستخدمه في سبيل إركاع العراقيين الذين كانوا يتصدون له , فبقر البطون وقطع الرقاب وجزّ الرؤوس و أحرق الأجساد , كما قسمّ الجغرافيا العراقيّة إلى قسمين المنطقة الجنوبية و كانت تابعة لبغداد والمنطقة الشماليّة وكانت تابعة للموصل و عينّ على رأس المنطقتين حاكمين مغوليين بمساعدة تركمان من الدول المجاورة للعراق – ما أشبه الليلة بالبارحة حيث يريد بوش تعيين حاكم عسكري أمريكي على العراق مع إعطاء الأتراك حقوق معينة ما زالت طيّ الكتمان في شمال العراق  -  .

و القائد المغولي هولاكو هو حفيد الطاغيّة المعروف جنكيزخان – مع الإشارة إلى أنّ جنكيزخان كان له شأن مع العراق تماما كما كان جورج بوش الأب الرئيس الأمريكي الأسبق قائد الحلفاء ضد العراق في أزمة الخليج الثانيّة و ها هو إبنه جورج بوش الإبن يكمل مسيرة أبيه تماما كما أكمل هولاكو مسيرة أبيه جنكيزخان -  وقد زحف هولاكو غربا بإتجاه بغداد وقتل عندما وصل إلى بغداد الخليفة العباسي المعتصم وأستولى على قصره وقتل كل رجاله و بعد أن أستتبّ له الأمر في العراق توجّه إلى سورية وغزا حلب وقتل رجال حلب الأشاوس الذين تصدوا له – مع الإشارة هنا إلى أنّ بوش الإبن وجه تهديده لسوريا في وقت سابق , ويهدف إلى إضعاف سورية بدولة عراقية متأمركة ودولة الكيان الصهيوني و عندما تصبح سوريا بين فكي الكماشة الأمريكية يسهل الإجهاز عليها حسب إستراتيجيي البنتاغون – ولولا ظهور السلطان قطز الذي لقنّ المغول درسا مؤلما وألحق بهم هزيمة نكراء لوصل هولاكو إلى مصر , تماما كما رددّ إستراتيجيو البنتاغون أنّ العراق تكتيك وإستراتيجيتنا السعودية ومصر .

ومن سنة 1258 م وإلى سنة 2003 م أي بعد 745 سنة تحديدا وبالضبط ها هو هولاكو يظهر مجددّا في شخصية الرئيس الأمريكي  جورج بوش الإبن  الذي أوفد عشرات الآلاف من جنوده إلى بغداد بحرا وجوا وأرضا لفتحها وغزوها ومن تمّ بسط السيطرة على المنطقة العربية وإعادة ترتيبها , و كهولاكو تماما لم يترك جورج بوش الإبن سلاحا فتاكا ومدمرا ومبرمجا ومتطورا إلاّ وأستخدمه , وها هي قنابله تصيب الأطفال والنساء والشيوخ لا فرق بين من هم سنة أو شيعة  أو مندائيّة أو مسيحيين أو أكراد , و أرسل جورج بوش عسكره إلى العتبات المقدسّة في العراق في النجف التي يرقد في ثراها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وكربلاء التي يرقد في ثراها الحسين بن علي بن أبي طالب صاحب معركة كربلاء الخالدة لتركيع أهلها .

ورغم هذه المجازر والمذابح في حق الأطفال الجائعين وفي حق الأمهات الثكالى وفي حق الشيوخ العاجزين يصرّ بوش على أنّه يريد إقامة حكم الشعب في العراق , ويتيح للشعب العراقي أن يحكم نفسه بنفسه , ويتضح كذبه أكثر عندما تكشف دوائر القرار الأمريكي أنّ الحكومة العراقيّة المقبلة جاهزة وأنّ أعضاءها أنتقوا بحكمة ودقة , وأنّ رموز المعارضة العراقية لا نصيب لهم في هذه الحكومة إذ أنّ واشنطن تريد إستخدام المعارضة العراقيّة ثمّ تكنسها و إنّ هذه الأكاذيب و الفضائح تضيف إلى جورج بوش الإبن سمة وصفة لم تكن موجودة في هولاكو وهذه الصفة هي الكذب والإفتراء , فهولاكو كان واضحا في تحديد هدفه تركيع بغداد وقتل أهلها وإحراق علومها و كتبها وتدمير معالمها الحضارية ومسخ أصالتها دون مراوغة , أمّا جورج بوش الإبن فهو كذّاب بإمتياز يفعل كل ما فعله هولاكو ويدعّي أنّه يهدف إلى تسليم عراق حرّ إلى معارضة عراقية خرجت من دائرة المساعدات الإجتماعية للمؤسسات الإجتماعية في الغرب إلى مساعدة وكالة الإستخبارات الأمريكية , لكن لم يقل بوش هولاكو ماذا سيفعل بعشرات الآلاف من جنوده على أرض العراق , لم يقل لماذا سال لعابهم للنفط العراقي الذي وضعت قواته يدها عليه في جنوب العراق وسوف يشرع  في بيعه , فمن سيقبض ثمن النفط حكومة صدام حسين أو حكومة جورج بوش الإبن !

 ماذا سيقول جورج بوش الإبن لأهالي القتلى والضحايا في الناصرية والنجف والبصرة و كربلاء , هل يريد جورج بوش أن يصل إلى بغداد على جثت العراقيين و جماجمهم , والعجيب أنّ هولاكو المعاصر بعد أن يسحق جماجم أطفال العراق يوزّع عليهم الحلويات و الخبز , وقد ذكرتني هذه الصورة بمنظر عناصر الجيش الفرنسي في حي القصبة الجزائري في قلب الجزائر العاصمة عندما كانوا يقتلون أبطال الجزائر الرجال وبعدها مباشرة يوزعون الشكولاطة على أطفال القصبة وغيرها من أحياء الجزائر الذين كانوا يرددون من الشرفات أقسمنا بالدماء أن تحيا الجزائر بعد أن يقوموا  بسحق الشكولاطة الفرنسية بأقدامهم .

وإذا كان هولاكو القديم قد واجه قطزا واحدا فإنّ هولاكو المعاصر سيواجه مئات القطزيين ويجب أن يكون كذلك و إلاّ توجّه هولاكو المعاصر إلى سوريا ولبنان والسعودية ومصر ليقتل رجالها و يسبي نساءها ويدمر أقصاها مع حلفائه ويبني مجددا هيكل سليمان , ويبدو أنّ هولاكو المعاصر قرأ بدايات هولاكو القديم ولم يقرأ مصيره ونهايته , و على الباغي تدو الدوائر .

ويبقى القول أنّه منذ 700 سنة وأزيد و جغرافيتنا العربية والإسلامية تستباح وتدمّر الأمر الذي عطل نهضتنا , والمصيبة الأكبر أنّ حكامنا الأشاوس هم السبب الأكبر لتكالب الأعداء علينا , ونأمل أن يأتي اليوم الذي نبيعهم في سوق النخاسة كما فعل عالم مصر العزّ بن عبد السلام والله لا يخلف الميعاد .

 

 

 

 

 

خطّة لهزم أمريكا برسم الحكّام العرب !

 

 

أمريكا لم ولن تكون قضاءا وقدرا ولا قوة مطلقة يصعب وقف جبروتها وعنجهيتها , إنّها بسهولة تتغذى من خلافاتنا التي كرسهاّ الحكام العرب في واقعنا , إنّها تتغذى من خيانات الحكام العرب الذين داسوا على تطلعّات شعوبهم وأرتضوا أن يكونوا دائما في الصف الأمريكي , في صف أعداء الأمة وثوابتها لأنّهم وبكل بساطة يستلهمون شرعيتهم من واشنطن وليس من شعوبهم ولذلك وضعوا كل المقدرات وكل الجغرافيا وكل الأراضي في خدمة واشنطن .

 ولا يوجد في سجلّهم أي صفحة بيضاء فكل صحائفهم سود , صحفهم تضجّ بالإجرام والإغتيالات والسرقات والقتل والسطو والتعذيب والملاحقات والترهيب و الرعب و مصادرة الأفكار والعقول وإحراق المصاحف ودواوين الشعر وكتب الفلاسفة والعلماء , ولأنّ تاريخهم أسود وبالتأكيد ستتوجّه أمريكا إلى عواصمهم لتقصّ شواربهم فأماهم فرصة واحدة لتكون توبتهم نصوحا ومقبولة من قبل الله ومن قبل الشعوب ومن قبل التاريخ , أمامهم فرصة واحدة للدخول إلى بوابات التاريخ كأبطال لا كديوثين وقواديّن لصالح الأمريكان , وهذه الفرصة تكمن في أن يعلنوا الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية وجيشها الذي يقوم حاليّا بإحتلال العراق ومن تمّ باقي المناطق العربية ليحولّ الشعوب العربية إلى عبيد لشطائره الخفيفة و غنائه الماجن , وفي هذا السياق المطلوب من الجيش القطري أن يغير على القوات الأمريكية في قاعدة السيلية والعديد هذه القواعد التي تختزل العقل العسكري الأمريكي , والمطلوب من الجيش السعودي أن يغير بقواته الجوية والأرضية و حتى البحرية على القواعد الأمريكية في عرعر والظهران والجيش الأمريكي الرابض على الحدود العراقية – السعودية , و المطلوب من الجيش الكويتي أن يحاصر الجيش الأمريكي في شمال الكويت ويقطع عنه الإمدادات , والمطلوب من الجيش الليبي أن ينزل مظلييه في البصرة و الفاو لصفع من وصلوا بطائراتهم في وقت سابق إلى طرابلس وبنغازي , والمطلوب من الجيش الجزائري أن يرسل قواته الخاصة المدربّة على أكل الثعابين والفئران إلى تخوم بغداد لأكل الأمريكان , و المطلوب من الجيش المغربي أن يبعث قواته الجوية لقصف البوارج الأمريكية في الخليج العربي , والمطلوب من الجيش المصري أن يبعث خيرة رجاله للتصدي للأمريكان الداخلين إلى العراق عبر شمال العراق , والمطلوب من الجيش اليمني أن يفلت زمام جنوده بإتجاه أراضي العراق لحماية أطفاله ونسائه وشيوخه , والمطلوب من الجيش التونسي أن يبعث رجاله إلى ثغرة من ثغور العراق لحماية الكيان العراقي من التمزق  و المطلوب من الجيش الإماراتي أن يتوجّه إلى القواعد الأمريكية في الخليج ويبددها عن بكرة أبيها , و المطلوب من الجيش الأردني أن يتصدى للأمريكان في الحدود العراقية – الأردنية ويضرم النار في القوات الأمريكية , والمطلوب من الجيش العماني أن يرسل فرقاطاته للتصدي للبواخر الحربية الأمريكية والبريطانية , والمطلوب من الجيش السوري واللبناني أن يركل القاعدة الأمامية للأمريكان الدولة العبرية , والمطلوب من الجيش الموريتاني أن يتوجّه إلى السفارة الأمريكية والعبرية ويحرقهما ومن تمّ يتوجّه إلى فلول العراق , والمطلوب من الجيش العراقي أن لا يخيّب آمال العرب والمسلمين و المطلوب من الجيش الفلسطيني أن يكمل مسيرة تحرير فلسطين من النهر إلى البحر , والمطلوب من الجيش الإيراني الذي نشأ على عقيدة أنّ أمريكا هي الشيطان الأكبر أنّ يبعث قواته الجوية للتصدي للأمريكان في الفاو البصرة والناصرية و المطلوب من الجيش التركي والباكستاني والماليزي والأندنسي والبنغالي و جيوش الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى أن تشارك بإسم الحفاظ على ثغور الإسلام في التصدي للأمريكان .

 بهذه الطريقة ستنتهي أمريكا كقوة عظمى إستأسدت عندما تخنثّ حكام العرب والمسلمين , بهذه الطريقة سنصنع قوتنا ونبني غدنا , بهذه الطريقة سنكون الأوفر حظا في إدراة الحضارة الراهنة , بهذه الطريقة سنرد الإعتبار لكرامتنا وعزتنا ورجولتنا و نخوتنا .

هو قرار واحد يتخذه الحاكم العربي وسوف يجلب العزة لنا , ولا داعي أن يخاف هذا الحاكم العربي من السيد الأمريكي لأنّ خطوة من هذا القبيل لن تبقي أمريكا سيدة العالم , ولن تتيح لجورج بوش الإبن والطفل أن يصفع حكامنا الرجال !

وإذا عجز حكامنا عن إتخاذ قرار من هذا القبيل فليعلنوا أنّهم مخنثون , وليتركوا المهمة للشارع العربي والإسلامي الذي سيلتهم بالتأكيد الأمريكان وعبيدهم الحكام العرب !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ما معنى أن تحتلّ أمريكا العراق !

 

 

يشكّل إحتلال أمريكا للعراق و إستيلائها على هذه الجغرافيّا المهمّة و الإستراتيجية في خارطتنا العربيّة مقدمة خطيرة لمجموعة لا حصر لها من الإنزلاقات و الإنكسارات في الواقع العربي والإسلامي وعلى مدى المائة سنة المقبلة , ومثلما خلفّت الحركات الإستعمارية الفرنسية والبريطانية إرثا سلبيّا ما زلنا نعاني منه ومن تبعاته إلى يومنا هذا , فإن إستعمار أمريكا للعراق سيكون له مجموعة واسعة من التداعيات في العراق وفي الرقعة العربية وفي الرقعة الإسلامية بل في الرقعة العالميّة أيضا .

 فعلى الصعيد العراقي ستتأسسّ  دولة أمريكية في كل تفاصيلها بقيادة جنرال أمريكي غارنر متعاطف إلى أبعد الحدود مع الدولة العبرية بل ستكون هذه الدولة متحالفة قلبا وقالبا مع الدولة العبرية , وأوّل قرار سياسي ستقدم عليه هو تدشين العلاقات العراقيّة – الصهيونية ليتسنى بعدها للشركات الصهيونية الإستفادة من التركة العراقية , وبغض النظر عن هذا المسلك السياسي للحكومة العراقية المتأمركة , فإنّ الحكومة العراقية المرتقبة قد تمّ تعيين أعضائها مسبقا من قبل الأمريكان وتحديدا من قبل وكالة الإستخبارات الأمريكية , و معنى ذلك أنّ الديموقراطية التي تعني حتى في المفهوم الأمريكي حكم الشعب هي مجرّد قميص عثمان حمله الأمريكان لتحقيق مآربهم , ولا أدري كيف يفرض الأمريكان ديموقراطية من خلال الدبابة و الأباشي و الكروز و التوماهوك ويقتلون آلاف الأبرياء ثمّ يوزعون عليهم الماء , فما الفرق عندها بين الطغاة العرب والأمريكان .

 ثمّ من أين تستلهم الحكومة العراقية المتأمركة الجديدة شرعيتها  !

من وكالة الإستخبارات الأمريكية أو من الدبابة الأمريكية , ما دام الأمريكان قرروا كنس معظم العراقيين المعارضين والذين عاشوا حقيقة آلام المنفى وتعرضوا للتعذيب من مختلف التيارات الإسلامية واليسارية والقومية – وهناك طبقة سياسية عراقية معارضة ما زالت محافظة على طهرها السياسي وترفض التعامل مع المخابرات العراقية والأجهزة الأمنية الغربيّة – ومن المؤكّد أنّ الحكومة المتأمركة العراقية ستدخل في صراع مع هؤلاء النظيفين المحافظين على عراق موحّد يسع لكل أبنائه .

وبعد أن يستتبّ للأمريكان ما يريدون سيبدأون بتقطيع الجبنة العراقية بإعتراف قائد العمليات العسكرية ضدّ العراق تومي فرانكس , هذا غير وضعهم أيديهم على النفط العراقي وشروعهم في بيعه وسوف يقبض الأمريكان الثمن بالتأكيد على حساب الشعب العراقي .

وعلى الصعيد العربي سيعمد الأمريكان إلى تطويق كل المحاور العربية المعارضة للسياسة الأمبريالية و سياسة الكيان الصهيوني وعلى رأس هذه الدول سوريا وبعدها إيران , حيث ستصبح الحدود الغربية لسوريا معرضة دوما للإستنزاف من قبل الأمريكان ومواليهم في العراق , ومعنى ذلك أنّ الدول العربية التي مازالت تتحدث من منطلق الكرامة ستتلاشى الواحدة تلو الأخرى وسيصبح كل المناضلين ضدّ الكيان الصهيوني ملاحقين وربما معتقلين في غواتنانمو الأمريكية , وسوف تعمد أمريكا إلى وأد أي تيّار عربي أو إسلامي يؤمن بضرورة الإنطلاق من مقوماتنا النهضوية و مقاومة التطبيع , كما سترخي العنان للدول العربية المتأمركة, وسوف تزداد هذه الدول الأمريكية خنوعا وذلة وسجودا للأمريكان خوفا من أن تنفخ أمريكا على هذه العروش الأمريكية فتجعلها قاعا صفصفا .

 وسوف تسوّق واشنطن الدولة العبرية في الواقع العربي ولا يستبعد أن يتجول آرييل شارون رئيس الحكومة العبرية في العراق وفي الدولة العربية المتأمركة  وسط حماية رجال الأمن العرب المخنثين الذين برعوا في قمع شعوبهم وأبدعوا في إنتاج كل طرائق التعذيب في حق الأحرار من العالم العربي والإسلامي .

وعلى الصعيد الإسلامي ستعمل واشنطن على إستبدال العقيدة الإسلامية بما تسميه الواقعية الأمريكية المنتصرة لا قدرّ الله , وسوف يكون من الصعب بعدها الحديث عن أي دور للإسلام في الواقع السياسي أو الثقافي أو الإجتماعي , ستلغي واشتنطن المفردات الإسلامية بمفردات جديدة , و في زعمها فإنّ المنتصر يحق له أن يفرض رؤاه الثقافية والفكرية والإقتصادية و الإجتماعية و غير ذلك .

و عالميا فإنّ إحتلال أمريكا للعراق سيحوّل أمريكا إلى غول ذي شهيّة مطلقة يشرع في أكل كل الرقع الجغرافية , بل سوف يزداد جبروتا , فإذا تسنى للأمريكان أن يلحقوا هزيمة لا قدر الله بالعراق فسوف يكون في وسعهم إلحاق الأذى بسوريا ولبنان وإيران وغيرها من البلدان .

وعلى الشعوب العربية و الإسلامية أن تعي جيدا أنّه إذا تمكنّت أمريكا لا قدرّ الله من إحتلال العراق فإنّ إستراتيجيتنا وعقيدتنا وكرامتنا وديننا و حاضرنا ومستقبلنا ودورنا سيصاب في الصميم , وما على الشارع العربي والإسلامي إلا أن يدرك هذه التحديات ويبادر إلى إتخاذ المبادرات قبل فوات الأوان !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ماذا لو لم يكن سعد الدين إبراهيم أمريكيّا !

 

 

بسرعة وبدون خلفيات برأّ القضاء المصري الباحث المصري الدكتور سعد الدين إبراهيم الذي يحمل الجنسية الأمريكية من التهم المنسوبه إليه سابقا , و كان القضاء في وقت سابق قد قدمّ كل ما لديه من أدلّة وبراهين تثبت تهما معينة ضدّ سعد الدين إبراهيم , وحتى عندما تحركّت الإدراة الأمريكية للضغط في سبيل إطلاق سراحه صرحّ الرئيس المصري حسني مبارك : أنّ المسألة بيد القضاء والقضاء في مصر مستقّل .

 وتحول سعد الدين إبراهيم إلى قضيّة رأي عام في مصر والعالم العربي وتحولت قضيته إلى قضية سياسية أسالت الكثير من الحبر .

وفجأة وبدون إنذار ومع بداية قدوم السيّد الأمريكي إلى الجغرافيا العربية ليسوس المنطقة مباشرة وبدون جهاز تحكم من البيت الأبيض أطلق سراح سعد الدين إبراهيم , وأعلن القضاء المصري أنّه برئ من التهم المنسوبة إليه . فهل كان القضاء المصري سينهج هذا النهج لو كان سعد الدين إبراهيم مواطنا مصريا عاديا لا يحمل جنسيّة دولة تصفع حكامنا صباحا مساءا , وتقودهم كما تقاد عرائس الأراجوز ! هل كان سعد الدين إبراهيم سيغادر السجن لو كان مصريا بسيطا لا أمبراطورية تحميه !

 إنّ تصرف حكوماتنا العربية هذا يفسّر إلى أبعد الحدود سرّ إصطفاف ألاف العرب والمسلمين أمام السفارات الغربية للحصول على تأشيرات ثمّ إقامات فجنسيات الدول الغربية التي ستوفّر العزة للمواطنين العرب الذين أذلتهم أنظمتهم ولاحقت أنفاسهم , وأذاقتهم العلقم بكل ألوانه السياسية والإقتصادية والإجتماعية والأمنية .

إنّ الجنسية الغربية أصبحت ضمانة للمواطن العربي الذي يضطّر لترك وطنه الذي عاث فيه الطغاة فسادا ويصطبر السنة تلو السنة على فراق أسرته وكل هدفه أن يحمل الجنسية الغربيّة ليعود عزيزا إلى وطنه  , وإذا ما أعترضه رجال الأمن القومي المنهار ورجال المباحث الأشاوس على أبناء جلدتهم , يطلب المواطن سفير دولته الجديدة , وتكفي دقائق معدودات لتتحرّك ديبلوماسية هذه الدولة الغربية للذوذ عن مواطنها العربي الأصل أو المسلم الأصل .

ماذا لو عدل حكامنا وتخلوا عن طيشهم ورعونتهم وجبروتهم , ماذا لو أمروا كلابهم بالكف عن العضّ والنباح و الفتك بالمخالب , ماذا لو طالبوا بمواطنيهم المعتقلين في سجون أوروبا و أمريكا .

في موروثنا الحضاري أنّ الحاكم يجب أن يكون شجاعا و عالما ومثقفا , لكن حكامنا اليوم جهلاء جبناء , أبناء آوى شجعان على شعوبهم وعلى أبناء جلدتهم , شجعان في قتل المواطنين في الشوارع , شجعان في إطلاق الغازات المسيلة للدموع , شجعان في إعتقال المواطنين الشرفاء وتوفير الحماية لمزدوجي الجنسية , شجعان في خوزقة المواطنين في المعتقلات , شجعان في الإعتداء على النسوة المعتقلات في سجونهم , شجعان في قلع الأظافر والإعتداء الجنسي على المواطنين الشرفاء  , شجعان على قوت شعوبهم فيسرقونه ويصادرونه لأولادهم وزوجاتهم , لكن في الوقت نفسه أذلاّء لأمريكا يركعون لها خمسين مرة في اليوم ولا يركعون لربهم خمس مرات في اليوم , يحجون إلى البيت الأبيض عشرين مرة في السنة , ولا يحجون إلى البيت العتيق مرة في العمر , يزكوّن لأمريكا بإعطائها نفطنا وغازنا وفوسفاتنا وحديدنا و كل مواردنا ولا يدفعون قرشا واحدا للفقراء الذين تزدحم بهم شوارعنا العربية والذين يجمعون قوتهم من الزبالة يوميا حتى بات هذا طقسا مألوفا في شوارعنا العربية .

ثمّ كيف نتساءل بعد كل هذا وذاك لماذا نحن في موقع الذلّة الحضارية والنهضوية وغيرنا الغربي في موقع العزّة الحضارية والنهضوية , والجواب سهل وبسيط هو أنّ حكامنا يريدوننا أذلاء محبطين محدودبي الظهر , رؤوسنا في الأرض تماما كالنعامة , و إلاّ كيف نفسّر أن تقوم السلطات العربية بسجن المواطنين الأحرار وتسمح بالإعتداء الجنسي عليهم من قبل رجال الأمن المكبوتين اللواطيين , وتطلق سراح كل مواطن عربي يحمل جنسية أمريكا أو بريطانيا أو فرنسا , أليس ذلك إقرارا للذلة وتكريسا للركوع لهبل العصر أمريكا .

سؤال برسم حكامنا الآيلين إلى السقوط !

يصادرون مقدرّاتنا و نحن نتفرّج !

 

 

هنيئا للنظام الرسمي العربي الذي إستطاع بإمتياز أن يحولّ الشعوب العربية إلى شعوب تتفرّج على الحدث دون أن تصنعه , تستقبل الأعداء دون مقاومة , وتتيح للغازي الأمريكي أن يصيغ الجغرافيا و الأفكار والمنهج والمعتقد والعادات و الوجوه و نوعية الثيّات و الأكل وكل ما له علاقة بتفاصيل الحياة .

خلال عقود والنظام الرسمي العربي يعمل على وأد الرجولة وعلى تخنيث الأبطال وإخصاء الأحرار ومصادرة الفكر الواعي الطلائعي و تجفيف منابع القوة في هذه الأمة , فعل ذلك وبكل صراحة تواطؤ مع وكالة الإستخبارات الأمريكية و الموساد الإسرائيلي والدوائر الماسونية و كل الدوائر التي كانت تعمل منذ زمن في الخفاء على تمزيق العالم العربي والإسلامي وكأنّ مشروع سايكس بيكو لم يكفهم فخططّوا لمشروع أكبر وأعظم .

 ومن الخطأ بمكان أن نتصوّر أن ما ستقدم على فعله أمريكا في العراق وما بعد العراق رهن باللحظة الراهنة , بل هو وليد تخطيط مسبق وإستراتيجيات وضعت عندما كان حكامنا العرب يجتمعون في القمم العربية السابقة ويختلفون نهارا على جدول الأعمال ويتفقون ليلا على شرب أكؤس الصبابة المعتقة وسط العاهرات اللائي يحتفظن بمذكرات ستدخل التاريخ مستقبلا .

 كانوا يخططون عندما كانت الدول العربية تتآمر على بعضها البعض , عندما كانت كل دولة عربية في خلاف حدودي مع الأخرى , عندما كانت أجهزة المخابرات في هذه الدولة العربية تخطط لنسف الأمن القومي في الدولة العربية الأخرى .

هنيئا للنظام الرسمي العربي الذي جعل شريحة من أبناء جلدتنا تؤمن بأنّ أمريكا هي المهدي المنتظر , وشريحة أخرى متقاعسة عن أداء دورها , وشريحة أخرى معزولة في سجن السلاطين والحكام والجنرالات القساة البغاة العتاة الزناة الأباة على شعوبهم الأذلاّء لأمريكا والدولة العبريّة .

فاللوم ليس على واشنطن التي تستهدف تاريخنا وراهننا وحاضرنا ومستقبلنا وثقافتنا وجغرافيتنا ودورنا وسلاحنا ودماغنا وفكرنا و عقيدتنا وقرآننا و محمدنا , اللوم على النظام الرسمي العربي الذي شرعن الوجود الأمريكي في مواقعنا كل مواقعنا الجغرافية , اللوم على النظام الرسمي العربي الذي دمرّ العقول والكفاءات وعجز عن إقامة نهضة صناعية متكاملة وأحوجنا إلى الدجاج الأمريكي واللحم الأمريكي والدواء الأمريكي والخبز الأمريكي والعقل الإستراتيجي الأمريكي , اللوم على حكامنا البغاة مدمني الفياغرا و أفلام الخلاعة الذين منحوا أراضينا للأمريكان و جغرافيتنا لقوات التدخل السريع للحفاظ على كراسيهم وأمنهم القومي وأمن دولتهم بخرم أمن مجتمعهم , اللوم على حكامنا الذين راهنوا على حماية الأمريكان لهم بعد أن ألهوا جنودهم بالمخدرات والرشاوى وبيوت الدعارة وكل أنماط الفساد , اللوم على حكامنا الذين أبادوا اللغة العربية وفرضوا اللغة الأنجليزية , والذين قضوا على أم كلثوم و فرضوا مايكل جاكسون والذين حاربوا قناة الجزيرة وفتحوا المجال كل المجال لقنوات العهر الإيطالية والتركية و غيرها , اللوم على حكامنا الذين تخندقوا خلف شاكيرا و سلموا شعوبهم للأمريكان , اللوم على حكامنا الذين عجزوا عن إدارة العباد والبلاد وأستضافوا الأمريكان لكي يتولوا المهمة بإمتياز ويتولون هم دفع الفاتورة من أقوات ودماء الشعوب العربية والإسلامية , اللوم على حكامنا الذين أعجبتهم الشقروات الأمريكيات فباعونا ببضعة كيلوات من اللحم , تماما كما فعل ذلك الحاكم العربي الذي إستقدم فتاة أمريكية شقراء لدى زيارته إلى واشنطن فطلقته زوجته !

اللوم على حكامنا الذين آمنوا بفقه النكاح وتركوا فقه الكفاح , الذين إعتنقوا فقه الجواري وتسليم الأمريكان كل البراري والذين يطلبون منا الآن أن نتفرج , نتفرج على جغرافيتنا وهي تسبى , تاريخنا وهو يصاغ في واشنطن , حكامنا وهم يصنعون في لانغلي , أطفالنا وهم يقتلون بلا ذنب ولا جريرة في بغداد ورام الله وجنين , نتفرج نعم نتفرج دون أن ننبس ببنت شفة , فلا يجوز التعليق على موت الآلاف بل الملايين في العراق , لا يجوز التعليق على دمار العراق , لكن ألا يعلمون أنّ كتمان الغيظ يحوّل الإنسان إلى قنبلة فتاكة تنفجر في وجه حكامنا السمان وفي وجه الأمريكان .

 وإنّ غدا لناظره قريب !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أمريكا وإستحمار الشعوب الإسلاميّة.

 

 

تتعامل الولايات المتحدة الأمريكيّة مع العرب والمسلمين كما لو أنّهم مجموعة من الحمير الذين لا يملكون لا وعيا ولا ذكاءا ولا قدرة على قراءة الأحداث وأبعادها الباطنية والظاهريّة ولا فهم المكر السياسي الأمريكي المغلّف بحلو الحديث , وربمّا لأنّها قرأت في التاريخ العربي عن قبيلة بني حمير بتحريك الياء فظنّت أن الشعوب العربية والإسلامية تنتمي إلى فصيلة الحمير .

 و منذ إستلام واشنطن الكرة من الملعب البريطاني في العالم العربي والإسلامي وهي تستحمر العرب والمسلمين وقد وصلت إلى أقصى درجات الإستحمار عندما إستباحت الجغرافيا العربية والإسلامية وهي تدعّي أنّها تفعل ذلك من أجل المصلحة العليا للعرب و المسلمين . فأمريكا تحتّل أراضينا وتدعي أنّها تريد أن تحررّ شعوبنا من الطغاة الذين صنعتهم , و تقيم حكومات عميلة موالية لها سياسة و إقتصادا وثقافة وأمنا وإجتماعا وتربيّة وتعليما وهي تدّعي أنّها تريد إقامة نظام سياسي ديموقراطي حرّ من رحم الشعوب في البلاد العربية والإسلامية , وأمريكا المستحمرة -  بكسر الميم  - ما فتئت تدعم الكيّان الصهيوني بالسلاح والمال والموقف السياسي والدعم اللوجستي والأمني وهي تدعّي أنّها وضعت خارطة الطريق من أجل وضع مشروع الدولة الفلسطينية على الطريق المستقيم , بينما هي تهدف  إلى إحراق كل أوراق القوّة في المعادلة الفلسطينية حتى لا يبقى لدى المفاوض الفلسطيني أي ورقة وساعتها يقول له الصهاينة المتمرسون في لعبة الإذلال كأسيادهم الأمريكان المتخصصين في لعبة الورق التي سحبوها أيضا على المهزومين في العالم العربي عليك أن ترضخ للخيار الصهيوني  .

 وللإشارة فإنّ رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات في مفاوضات أوسلو طالب رئيس الحكومة العبريّة إسحاق رابين بوضع ملف القدس على طاولة المفاوضات , فقال له إسحاق رابين : إنّ ملف القدس شائك وطرحه قد ينسف المفاوضات وتقدمها ويستحسن تأجيلها , فوقع المفاوض الفلسطيني في الفخ , وفي وقت لاحق عندما طلب عرفات بملف القدس قيل له إنّ الموضوع لم يبحث في أوسلو .

أليس إستحمارا ما تقوم به أمريكا في أفغانستان والعراق و عموم البلاد الواقعة في خطّ طنجة – جاكرتا , ففي العراق تسرق الأموال المجمدة العراقية وتوزّع الفتات على العراقيين بحجّة الحصول على ما تكلفته في حربها على العراق , وتستولي على آبار النفط وتدعي أنّها ستعمل على إزدهار الإقتصاد العراقي , و تتعاقد وفي غياب حكومة عراقية شرعيّة مع الشركات الأمريكية على مشاريع متوسطة وبعيدة المدى في العراق , فمن سوف يحاسب هذه الشركات عندما تخلّ بأمور عديدة ولا يوجد بينها وبين أي عراقي عقد إقتصادي أو إستثماري أو ما شابه , أليس إستحمارا أن تأذن أمريكا بإحراق الأخضر واليابس في العراق و إتلاف المادة والروح حتى إذا عادت دورة الحياة إلى العراق يطلب من الحكومة العراقية التي تصنع على أيدي وأعين أمريكا أن تشترى كل صغيرة وكبيرة من الشركات الأمريكية , أليس إستحمارا أن تقوم أمريكا بكنس المعارضة العراقية التي وقفت مع واشنطن في الإطاحة بنظام الطاغية المجرم أبي المقابر صدام حسين , و تقوم وبطريقتها الخاصة في شرعنة إحتلالها للعراق , أليس إستحمارا أن تقوم أمريكا بإنتاج عوامل الحرب الأهلية والطائفية والمذهبية و العرقية في العراق حتى إذا تلاشى مشروعها الإحتلالي تلجأ إلى تقسيم العراق وبالتالي تضمن بقاءها المطلق في العراق , أليس إستحمارا أنّ تغمض أمريكا عينيها عن الكفاءات العراقية الواسعة الخبرة والمثقفة و التي ملأت الدنيا وتلجأ إلى خبراء أمريكان حارمة أهل العراق من إعمار وطنهم بأيديهم و توزيع ثروات بلادهم توزيعا عادلا و محكما .

أليس إستحمارا عندما تتحدث أمريكا عن عراق السلام وهي تخططّ لجعله قاعدة تنطلق منها جيوش الإطاحة بالنظام الإسلامي في إيران و ربما بالنظام السوري إذا إقتضت الضرورة . أليس إستحمارا أن تسكت أمريكا عن الطغاة الذين يسبحون في تيارها ويسبحّون بحمدها و تلتفت إلى بعض الطغاة الذين هي صنعتهم هي وغاية ما هناك إنتهى دورهم و إنتهت دورتهم السياسية و الخدماتيّة حسب مقتضيات السياسة الأمريكية . أليس إستحمارا عندما تنشر أمريكا ثقافتها القائمة على العنف والجنس والمخدرات – إنتاج هوليهود السينيمائي مثالا – وتطالبنا بإستئصال ثقافتنا والتي يقول الأمريكي جورج واشنطن عن أحد رموزها محمد بن عبد الله أنّه أعظم العظماء  في تاريخ البشريّة على وجه الإطلاق , و الذي قال عنه أيضا الفيلسوف برنارد شو : لو كان محمد موجودا لحلّ كل مشكلات العالم ريثما ينتهي من شرب فنجان قهوة .

أليس إستحمارا أن يصعد الأمريكان إلى الفضاء ويتصرفون في الأرض وفي الفضاء وينتجون كل أنواع الأسلحة البيولوجية والكيميائية و النووية والجرثومية العابرة للقارات والمحيطات و السماوات ويريدوننا أن نبقى حميرا أسوة ببني حمير – بتسكين الميم وفتح الياء أو بكسر الميم حسب فقه الإستحمار الأمريكي لا فرق -   !!!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أوروبا القديمة وأمريكا الجديدة .

 

 

 

لأوّل مرّة في تاريخ الصحافة الأوروبيّة تصبح أمريكا موضوعا يتناوله المحللون والكتّاب بكثير من النقد اللاذع أحيانا والجرئ أحيانا أخرى و إذا كان نقد أمريكا في السابق حكرا على الكتّاب والمثقفين اليساريين والقوميين و الوطنيين والماويين و الكنائسيين المحافظين وأتباع المذاهب والديانات الآسيوية كالبوذية والطاوية و الكونفوشيوسيّة فإنّ الكتّاب الليبيراليين الذين كانوا إلى وقت قريب معجبين بالحضارة الأمريكية و بالنمط الأمريكي في الحياة سخروا أقلامهم لفضح هذا النموذج الذي بات يستهدف الإنسان في كل أبعاده وفي نظر هؤلاء فإنّ الأمركة هي مشروع إستعماري جديد لا يختلف عن الإستعمار الأوروبي القديم لكن بأساليب جديدة , والعجيب أنّ هذه الآراء تصدر من لدن مفكرين غربيين في الوقت الذي بذلت فيه أمريكا مجهودات جبّارة عقب الحادي عشر من سبتمبر لإستمالة الرأي الغربي إليها حتى شبّه البعض التجيير الأمريكي الإعلامي والسياسي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر لصالحها بالهلوكست اليهودي و أسموه الهلوكست الأمريكي  , وقد إستطاعت تظاهرات 15 فبراير –  شبّاط 2003 المنددة بالغارة العسكرية الأمريكية المرتقبة على العراق أن ترخي بظلالها ليس على الخطّ الإعلامي والسياسي لمعظم الصحف الغربية بل أرخت بظلالها على صنّاع القرار في أوروبا الذين أضطرّوا إلى عقد قمّة طارئة الإثنين 17 فبراير 2003 في العاصمة البلجيكية بروكسل والتي تناولت موضوع العراق والغارة الأمريكية المرتقبة عليه في ضوء يقظة الشارع الأوروبي المعادي للحرب الأمريكية وقد أجمع القادة الأوروبيون على ضرورة أن تكون جمعية الأمم المتحدة هي مركز النظام العالمي وليس أمريكا .

جريدة أفتون بلادت الذائعة الإنتشار في السويد نشرت عنوانا عريضا جاء فيه : إستيقظ بوش , معتبرة أنّ أوروبا قالت بالإجماع لا لمنطق الحرب الأمريكي . وفي السياق ذاته صرحّ الصحفي والكاتب السويدي يان غيلو المشهور بكتابته ضدّ أمريكا بأنّ تظاهرات 15 فبراير شكلّت يوما أسودا في وجه المتعطشين للدماء , وأنّ الملايين في أوروبا قد تظاهروا صراحة ضدّ أمريكا .

وكانت هذه التظاهرات حاضرة  في كثير من الإتصالات بين المسؤولين الأوروبيين الذين إستوعبوا بسرعة البرق رسالة 15 فبراير , حيث جرى إتصال هاتفي بين رئيس وزراء السويد يوران بيرشون والمستشار الألماني شرودر , و بين وزير خارجية السويد و نظيرها الفرنسي , وقالت وزيرة خارجية السويد آنا ليند عقب التظاهرات المليونية في أوروبا أنّه ليس وقت الغارة العسكرية على الإطلاق ويجب إعطاء فرصة للمفتشين الدوليين ومنحهم الوقت الكافي للبحث عن أسلحة الدمار الشامل .

وقد حصل القادة الأوروبيون قبل ذهابهم للإجتماع الطارئ إلى بروكسل على تقارير مستفيضة عن التظاهرات العارمة في أوروبا لتكون حاضرة بقوّة على طاولة البحث في القمّة الطارئة التي إنعقدت في العاصمة البلجيكية في بروكسل . 

وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض القادة الأوروبيين شاركوا شعوبهم في التظاهرات المنددة بأمريكا كما فعل رئيس وزراء النرويج بوندفيك الذي إنضم إلى تظاهرة مناوئة لأمريكا في النرويج .

 وحسب خبير أوروبي فإنّ القادة الأوروبيين إذا لم يحسبوا حسابا لشعوبهم فعليهم أن يعدوا حقائب الخروج من دوائر القرار , لأنّ الناخب الأوروبي هو أهم لاعب في اللعبة السياسة في الغرب . و يقول هذا الخبير  أنّ تظاهرات 15 فبراير 2003  ستبقى خالدة في الذاكرة الأوروبية ك 11 سبتمبر مع الفارق , لكن في الوقت ذاته يقول هذا الخبير أنّ القادة الأوربيين أصبحوا فعلا بين المطرقة الأمريكية وسندان الشعوب الأوروبية المنددة بأمريكا .

و رغم حجم الضغوط السريّة و إحتجاجات الكواليس المبطنة والتي وصلت على حدّ التهديد من قبل أمريكا لبعض العواصم الغربية فإنّ هذه العواصم رفضت لحدّ الآن الإذعان للضغوط الأمريكية , و بناءا عليه فقد تلجأ واشنطن إلى تغيير موقفها من الإتحاد الأوروبي الذي بات يرهقها في المحافل الدوليّة , وللإشارة فإنّ أمريكا دعمت بقوة قيّام الإتحاد الأوروبي من منطلقات ثلاث أولها أن يكون هذا الإتحاد سابحا في دائرتها السياسية والإقتصادية , و ثانيا لإلحاق الدول الأوروبيّة الإشتراكية سابقا بهذا الإتحاد وبالتالي تنتصر الليبيرالية على الإشتراكيّة كما كانت تخططّ له واشنطن , وثالثا كانت واشنطن تخطط أن تتحولّ أوروبا الكبيرة إلى سوق كبيرة تستوعب بضائعها الإقتصادية و منتوجاتها الزراعية و غير ذلك , و إذا بدأ الإتحاد الأوروبي يخرج عن هذه المنطلقات فسوف تكون بداية الطلاق البائن بين أوروبا القديمة وأمريكا الجديدة !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بداية سقوط دولة آمرك أو أمريكا .

 

 

 

كل المقاييس التي يعتمد عليها خبراء الإستراتيجيا تشير إلى أنّ الولايات المتحدة الأمريكية مقبلة على سقوط حضاري وسياسي ممّا يمهّد لبروز قوى أخرى ومنها القوّة الإسلامية , وهذه المقاييس في غاية الدقّة إذ تستند إلى مؤشرّات واقعيّة معاصرة , وإلى مؤشرّات تاريخية تتمثّل في إستكمال الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية للدورة الحضاريّة والتي تمتّد بناءا على إستقراء شبه كامل لمدّة خمسة قرون – وقد بدأت النهضة الغربية وتحديدا قبل خمس قرون و مازالت مستمرة إلى يومنا هذا - , وكل هذه المؤشرّات الواقعيّة والتاريخيّة مردفة بالإجماع الشعبي العربي والإسلامي والبشري المناهض للسياسة الأمريكية القائمة على نظام مختّل يخدم طرفا واحدا وهو الولايات المتحدّة الأمريكية .

و إذا كانت الولايات المتحدّة الأمريكية تعتمد على إختلال توازن القوى لصالحها فإنّ السقوط الحضاري يكمن دائما في أوج القوّة الحضاريّة كما يذهب إليه أرنولد توينبي صاحب كتاب : تاريخ البشريّة .

 

الدورة الحضاريّة

 

إنّ الذي ينعم النظر في حركة التاريخ يتجلّى له بوضوح أنّ أقصى ما تعمرّه أيّ قوة حضاريّة هو خمس قرون , لتنتقل الدورة الحضاريّة إلى بقعة أخرى تكون قد إستجمعت شروط الإنطلاق النهضوي والحضاري . وهذا ما تجسدّ بالفعل في التاريخ البشري إذ أنّ المدرسة المسيحية سيطرت على الساحة الدولية في ذلك الوقت لمدّة خمس قرون وبعد ظهور الإسلام إنقرضت حضارة روما التي قامت على أساس الديّانة المسيحيّة فاسحة المجال أمام المدّ الإسلامي الذي يخضع هو الآخر لقوانين التاريخ وسنن الله في الكون , وقد تقلصّ هذا المدّ بفعل ظروف تاريخيّة معروفة للباحثين فعاودت التوجهّات الرومانيّة النهوض من جديد , لتتعثرّ مسيرتها بعد فتح الأندلس , ثمّ أنّ التوجهات ذات الموروث الروماني إستعادت أنفاسها لتسقط إلى حين أمام المدّ العثماني الإسلامي . وبعد أن أستكمل هذا المدّ دورته – يجب الإشارة إلى أنّ الخلافة العثمانية بدأت تبسط سيطرتها على الأقاليم إسلامية في القرن الخامس عشر الميلادي – تساقط لتنبعث من جديد القوة الغربية مشبعة بتراث المسلمين الفكري والسياسي ومشبعة بتجارب مستقاة من واقع التجربة الإنسانية الملئ بالأحداث . و مذ ذلك التاريخ و الحضارة الغربيّة هي المتحكمّة في مجريات الأمور الثقافية والصناعية والسياسية والعسكرية والتقنيّة و الأمنيّة .

وبعد هذه الدورة التامة التي ساد فيها الغرب فستميل هذه الدورة إلى جهة أخرى , خصوصا إذا علمنا أنّ شروط إنتقال هذه الدورة قد بدأت تتوفّر في الجهة التي تنتظر دورها في توجيه الحضارة الإنسانيّة المعاصرة . وقد تمكنّ العديد من المفكرين الغربيين من الوصول إلى هذه النتيجة كروبنسون وبرتراند رسل وروني دوبو و روجي غارودي وروني جينه وغيرهم .

 

الخلل الكبير

 

إنّ أعظم ما أنتاب الولايات المتحدة الأمريكية – والحديث عنها يشمل المتحالفين معها في الكتلة الغربية – هو إنعدام التوازن في مشروعها النهضوي , فبدل أن تهتم بالإنسان كجوهر إهتمّت به كعرض , مما يجعل التقنية المتطورة التي بلغتها تسير في غير هدى حضاري  , وهذا من شأنه أن يعرّض ليس أمريكا فحسب بل الإنسانية بكاملها لعملية الإنقراض الشاملة . وهذا الإنعدام في التوازن ولدّ التخطيط المشوّه , إذ أنّ أمريكا سخرّت آلاف الملايير من الدولارات لدعم التسلّح والترسانة العسكريّة على حساب المجالات الإجتماعيّة الأخرى وهذا ما أنتج طبقة فقيرة في المجتمع الأمريكي قد تتحوّل مع مرور الأيّام إلى قنبلة موقوتة في وجه الشركات الأمريكية الكبرى ذات النفوذ الواسع في السياسة الأمريكية .

 

الإنسداد السياسي

 

لا شكّ في أنّ السياسة الأمريكية تعتمد على الثوابت والمتغيرات , وفي بعض الأحيان فإنّ الثوابت تؤدّي إلى الإنسداد السياسي ما دامت تعتمد على القوة العسكرية التي هي ضرورة لتقويّة القرار السياسي .

وهذا المنطق وإن كان يفيد في بعض المراحل لكنّه ومع مرور الأيام ومع تغيّر الظروف الدولية يصبح عالة على أصحابه , لأنّه في خاتمة الدرب تجد أمريكا نفسها قويّة في جانب ومخفقة في مئات الجوانب الأخرى , ولا أدلّ على ذلك الإتحاد السوفياتي السابق الذي إعتمد على التسليح العسكري ليجد نفسه بلا خبز في نهاية المطاف , أو مثل الجزائر التي إعتمدت في عهد هواري بومدين على الصناعات الثقيلة مهملة الزراعة لتجد نفسها في نهاية المطاف بلا صناعة ولا زراعة .

وقد يقال هذا قيّاس مع الفارق بإعتبار أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تتسّم خطتها التنموية بالتكامل وهذا ما يجعل كافة المجالات الإقتصادية في وضع متميّز , إلاّ أنّ هذا الكلام يصبح ذا دلالة لو كانت أمريكا تتبع منهاجا غير ذاك المتبّع من قبلها , إذ المعروف أنّ أرباب المزارع يتلفون ملايين الأطنان من الحبوب والحنطة حفاظا على الأسعار المعروفة في السوق , فمادامت مصلحة الكبار هي التي تؤخذ في الحسبان فإنّ الأمور قد تنعكس سلبا على أمريكا .

 

مؤشرات السقوط الداخلي

 

عوامل كثيرة داخلية ترشحّ أمريكا للتساقط السريع مستقبلا نوجز منها ما يلي :

الهنود الحمر : المعروف أنّ الهنود الحمر وإلى يومنا هذا يطالبون بحقوقهم السياسية والإجتماعية , وإذا كان الصراع سابقا بين السكان الأصليين لأمريكا والدخلاء عليها يتم على شكل حرب عصابات وقتل بالجملة من قبل الدخلاء للهنود الحمر السكان الأصليين لأمريكا , إلاّ أنّه اليوم إنتظم في شكل تكتلات سياسية وتنظيمات هندية أمريكية أحرجت أمريكا في الداخل و الخارج , والولايات المتحدة الأمريكية التي تدّعي حماية الأقليات ونصرة حقوق الإنسان – الوجه الأخر للتدخّل الأمريكي في الدول الآمنة – إلاّ أنّها لم تأبه لمطالب الهنود الحمر الذين مازالوا يحتجون على السياسة الأمريكية تجاههم وما زالت تجمعاتهم في أمريكا وتحديدا في الغرب الأمريكي تتناقل حكايات إجرام العصابات الدخيلة في حق أجدادهم . والصراع بين السكان الأصليين و الدخلاء على أمريكا مرشّح للبروز في أي لحظة لأنّ عوامله مازالت قائمة , وقد يؤدّي هذا إلى خلق فجوة كبيرة في التركيبة الإجتماعية الأمريكية وقد تكون الترسانة العسكرية الأمريكية سببا آخر لإبادة أشخاص يحملون الهويّة الأمريكية .

 

القوة السوداء

 

ما زال السود في القارة المغتصبة ممنوعين من العديد من الحقوق السياسية , ولا يمكن ورغم الديموقراطية الأمريكية التي تحولتّ إلى معزوفة تقبل بوجود شخص أسود في البيت الأبيض الذي إحتكره البيضان فقط من رجالات القرار في أمريكا .

و ما زالت القوة السوداء تتعرض إلى إعتداءات من قبل المنظمات العنصرية التي تطالب بضرورة إخراج هؤلاء من أمريكا وإرجاعهم إلى إفريقيا .

وتسجّل الدوائر الرسمية بحذر شديد الإعتداءات على السود من قبل البيض والعكس صحيح , وقد أصبح رجال أمن متورطين في قتل شباب سود الأمر الذي فجرّ عشرات التظاهرات السوداء الغاضبة على الإدارة الأمريكية , وهذا التمزق والصراع العرقي واللوني مرشح لمزيد من الإتساع كما يقول علماء إجتماع أمريكيون .

 

صراع الكبار

 

قلّ من يعرف عن الصراع الشديد والمستتر بين الشركات الجبّارة التي تتحكّم في الإقتصاد الأمريكي وإقتصاديات العالم الثالث , ومصاديق هذا الصراع تكمن في الإنشطار السياسي بين الأمبراطوريات الماليّة , فبعضها يدعم  الحزب الجمهوري والبعض الآخر يدعم الحزب الديموقراطي وأخرى تدعم اللوبي الصهيوني وبينهما علاقة تحالف وثيقة , وأمتد هذا الصراع إلى خارج الخارطة الأمريكية وكل أمبراطورية مالية تملك رؤية إستراتيجية في كيفية إدارة السياسات والإقتصادات ولا سيّما في العالم العربي والإسلامي حيث الثروات الهائلة , والمفارقة أنّ كل شركة متعددة الجنسيات تملك مركزا إستراتيجيا يعمل فيه خبراء في الإستراتيجيا والجيوبوليتيكا . وقد تتضارب مصالح الكبار لينعكس ذلك على اللعبة السياسية الرسمية المتداخلة كثيرا مع البترودولار والمال ومصارده بشكل عام .

 

أمريكا دولة الجرائم

 

إنّ إنتشار الجريمة بشكل مذهل في الولايات المتحدة الأمريكية يدلّ على الإنكسار الرهيب في المجتمع الأمريكي , وعلى الطبقية في هذا المجتمع المخملي .

وبرغم الإجراءات المتخذة للحدّ من ظاهرة الجرائم إلاّ أنّ كل الإجراءات باءت بالفشل , وقد تتفاقم هذه الطبقية لتتّحول إلى ثورة إجتماعية كما حدث في فرنسا أيام الثورة الفرنسية , وقد تمكنّ كارل ماركس من تشخيص منتهى الرأسمالية عندما أشار إلى أنّ المجتمعات الرأسمالية ستثور على الوضع القائم , إلاّ أنّ كارل ماركس أخطأ النتيجة عندما قال إنّ هذه المجتمعات الرأسمالية وعندما تثور على الرأسمالية ستنتهي إلى الماركسية  والتي ماتت شأنها شأن الرأسمالية الآيلة إلى الموت . وتفاقم الطبقيّة لا يميّز الوضع العام في أمريكا فقط بل بات الهاجس اليومي في أوروبا أيضا , ومثل هذه النتيجة حتمية في مجتمع يفتقد إلى أدنى موازين العدالة , ولا يعترف بالفقراء والمنبوذين , بل إنّ الحياة للأقوى كما قال نيتشه ذات يوم . وقد تتلاقى صيحات المستضعفين في أمريكا وأوروبا والعالم الثالث أيضا وهو مؤشّر على الفصام النكد بين القيادة السياسية في أمريكا والمدعومة من قبل رجال الأعمال وبين الطبقات المسحوقة . وإذا غالطت أمريكا الرأي العام لديها بتوجيه أنظارهم إلى الساحة السياسية الدولية فسوف يأتي اليوم الذي يلتفت فيه المسحوقون في أمريكا إلى واقعهم ويحتجون عليه بقوة .

 

مؤشرات السقوط الخارجي

 

لئن كانت الحرب الكونية الثانيّة عونا لأمريكا في ضمّ أوروبا إليها , فإنّ الظروف الآن تغيرت بشكل قد يؤدّي إلى حدوث طلاق كامل بين أوروبا وأمريكا حيث بدأت أوروبا ترفع صوتها عاليا منددة بمحاولات السيطرة الأمريكية في المجالات السياسية والإقتصادية والثقافية , و مشروع أوروبا الموحدة يحمل في طياته إرادة الإنفصال عن أمريكا التي تفردت بصناعة كافة القرارات العالمية , وإذا إستطاعت أوروبا أن تؤطّر نفسها فسوف تفقد أمريكا الكثير من حيويتها في أوروبا , كما أن التنافس الإقتصادي بين اليابان وأمريكا مرشّح أن يتحوّل إلى صراع سياسي  لأنّ القوة الإقتصادية اليابانية المتدفقة تملي عليها إستغلال العامل الإقتصادي للتأثير على السياسة العالمية , وللتذكير فقط فإنّ العلاقة بين أمريكا وأوروبا كانت في بداية المطاف إقتصادية ثمّ تحولّت إلى نفوذ سياسي وعسكري .

ولم تتمكن الولايات المتحدة لحدّ الآن التغلغل إلى العمق الصيني ومازالت الصين حذرة من النشاط السياسي والإقتصادي والعسكري الأمريكي في القارة الآسيوية .

 والعالم الإسالامي من جهته تجلى له بوضوح أنّ أمريكا تستهدف إمتصاص خيراته و صياغته من جديد . وما زال هذا العالم يتكبّد الآثار السلبية للتوجهات الأمريكية البراغماتية القائمة على إفراغ العالم الإسلامي من المقومات النهضوية الفكرية والمادية .

 

أمريكا والكيّان الصهيوني

 

لقد إستفاد الكيان الصهيوني من اللوبي اليهودي الواسع النفوذ في الولايات المتحدة الأمريكية , وللعلم فإنّ العديد من المنظمات المسيحية الأمريكية بدأت تستشعر الخطر الصهيوني على أمريكا نفسها وعلى العقيدة النصرانية , وبدأت تتحدث عن الأخطار المحدقة بالنصرانية كتوجّه عقائدي وسياسي , وقد تدخل هذه التوجهات المسيحية المستيقظة في صراع سياسي مع اللوبي اليهودي في أمريكا لينعكس ذلك تذبذبا على المسار السياسي الأمريكي.

 

تفككّ التركيبة الإجتماعية في أمريكا

 

لا يمكن للشعوب الهجينة أن يستمر تجانسها خصوصا في ظلّ غيّاب عقيدة واحدة تنصهر فيها كل الفروقات العرقيّة , والولايات المتحدة الأمريكية يسود فيها شعب متباعد الأطراف هذا الشعب الذي تشكل من هجرات متباينة من مختلف المناطق الأوروبية والإفريقية والآسيوية , وهذا التباعد العرقي يصحبه تباعد ديني وعقائدي , إذ أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تكاد تشبه الهند في عدد الديانات والمذاهب والتيارات الفكرية والفلسفية السائدة فيها , والشيئ الوحيد الذي ما زال يحافظ على التماسك  بين أعراق الشعب الأمريكي هو المصلحة الإقتصادية , وأي ضعف إقتصادي حقيقي في أمريكا قد ينعكس سلبا على تماسك الأعراق فيها .

 

كوارث غير منتظرة

 

يؤكّد خبراء الزلازل والبراكين أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ستتعرّض في السنوات المقبلة إلى بعض الكوارث الطبيعية إذ أنّها تقع في خط طول 40 والأقاليم الواقعة في هذا الخط ستشهد نشاطا زلزاليّا رهيبا في السنوات المقبلة . وإذا أضفنا إلى هذه الكوارث المحتلمة ما يلم بأمريكا من أمراض خطيرة وفتاكة فإنّ أمريكا ستكون مرشحّة إلى ضربات السماء أيضا , ولا يمكننا إستبعاد الوعود الربانية القاضيّة بنهاية الظلم والإستبداد سواء بسنن الطبيعة أو غيرها من العوامل , ويبيّن القرآن الكريم في قصص الماضين أنّ هناك علاقة طرديّة بين تفاقم الظلم والسقوط الحضاري الأكيد , وكثيرا ما يربط القرآن الكريم بين ظلم الأمراء وسقوط الأمم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سقوط جورج بوش الإبن !

 

 

أكدّت التظاهرات المنددّة بالغارة الأمريكية على العراق والتي شهدتها معظم العواصم العالميّة في كل القارات والتي كانت أشبه بإستفتاء حقيقي حول السياسة الأمريكية في العالم أنّ الرئيس الأمريكي جورج بوش لا يملك أدنى قاعدة شعبية على الصعيد العالمي , حيث دلّت التظاهرات العالمية وبوضوح أنّ السياسة الأمريكية غير مقبولة لا أوروبيّا ولا عربيا ولا إسلاميّا ولا أمريكيا على صعيد القارة الأمريكية برمتها ولا آسيويا ولا أوستراليّا.

 ولم يسبق أن تدافع الناس في كل القارات وبهذا الزخم للتعبير عن شيئ واحد : لا للسياسة الأمريكية التي تتخذ من الحرب وسيلة لحلحلة الأزمات الدوليّة , لا لمنطق الشرطي الوحيد الذي يريد أن يدير العالم حسب مصالحه الإستراتيجية , لا لأمريكا الجديدة التي تحتقر الآخرين وتستقدمهم – تسمهم بالقدم - , لقد فتحت أمريكا بمنطقها الأعوج كل الجبهات عليها , ولم تجتمع سابقا قوى المجتمع المدني والمنظمات الأهلية والسياسية على شيئ مثلما أجمعت على سقوط جورج بوش وسياسة السوبرمان التي يقودها . لقد هتف العالم بكل لغاته وبكل ثقافاته وبكل دياناته وبكل مذاهبة وبكل أعراقه وبكل أفكاره وبكل مراكزه الدينية ومرجعياته الفقهية والسياسيّة :

لا لجورج بوش , لا لإحياء حركة الإستعمار , لا لإستحمار الشعوب , لا لسرقة أقوات الناس ونفطهم بداعي الحفاظ على العالم الذي ستبددّه الترسانة النووية الأمريكية إذا إستمرت أمريكا في قيادة العالم بهذه الطريقة .

لقد أصبح جورج بوش أمام تحدي خطير إن هو أقدم على الحرب , فهو سيخرم مجلس الأمن وجمعية الأمم المتحدّة , وسيخرم إجماع البشرية التي توافقت على معارضة فصيحة لقرار الحرب الأمريكي .

إنّ صحوة شعوب العالم وإعتراضها على منطق الإستحمار الأمريكي الجديد دليل على أنّ منطق الأحاديّة الأمريكي بدأ يتلاشى , وأنّ إقدام بوش على أي خطوة ضدّ الشعب العراقي معناه دخوله في مواجهة مع شعوب العالم كافة التي تعرف كيف تردّ على أمريكا في اللحظة المناسبة .

وأشدّ ما أخشاه أن تلجأ الدوائر الأمريكية إلى لعبة أمنية جديدة تتخذّها ذريعة لضرب العراق , تماما كما حدث بين الداي الجزائري والسفير الفرنسي في الجزائري , عندما زار هذا الأخير الداي الجزائري وطالب الداي الجزائري ممثل فرنسا بتسديد الديون الجزائرية لفرنسا وبينما كان الداي يروّح عن وجهه بالمروحة إنفلتت منه وتوجهت إلى وجه السفير الفرنسي حيث أعتبرت فرنسا أنّ الداي الجزائري صفع سفير فرنسا , وكان ذلك سببا لغزو فرنسا للجزائر سنة 1830 . وقد تلجأ واشنطن إلى ما به تغيّر أمزجة الشعوب الرافضة لمذهبها الجديد القائم على سياسة الصفعة وفي الوجه مباشرة .

ومهما ستكون عليه الترتيبات الأمريكية اللاحقة فإنّ واشنطن لا يمكنها أن تنسى تاريخ 15 فبراير – شباط 2003 عندما صرخت الشعوب بكل لغات أهل الأرض : لا لأمريكا.

ومثلما كشفت هذه التظاهرات عن مدى سقوط السياسة الخارجيّة الأمريكية فقد دلّت أيضا على أنّ صدقية أمريكا في العالم قد تلاشت وتبددّت , ولا يمكن للشطائر الأمريكية الخفيفة المنتشرة عالميا والتي يقبل الناس على أكلها يوميا أن تنسي هؤلاء الناس المجازر الأمريكية في كل مناطق المعمورة , ولذلك خرج الناس زرافات ووحدانا مرددين شعارا واحدا : لا للحرب , لا لسياسة راعي البقر , لا لسياسة وأد الهنود والمستضعفين في الأرض .

ويبقى القول أنّ عاهرات أوروبا اللائي صرخنّ ضد الرئيس الأمريكي بوش هنّ أشرف من الرؤساء العرب الذين لاذوا بالصمت وشعارهم الدائم : نعم لأمريكا , و يعيش وليّ نعمتنا جورج بوش !

 

 

خبراء سويديون : أمريكا خسرت حربها على الإرهاب !

 

 

مع قرب حلول الذكرى الثانيّة لأحداث أيلول – سبتمبر 2001 التي ألمّت بالولايات المتحدّة الأمريكية بدأت الصحف الغربية عموما والسويديّة خصوصا تخصصّ حيزا من إهتماماتها لهذا الحدث الذي مازالت تداعياته تتوالى , وقد أجرت صحيفة أفتون بلادت  Aftonbladet  الشهيرة في السويد حوارات  مع مجموعة من الخبراء الذين يعملون في المعهد السويدي الحكومي للأزمات و قد تركزّ الحوار حول نجاح أمريكا في سياستها الإستئصالية ضدّ من أسمتهم بالإرهابيين , و مما قالته برجيتا داريل  الخبيرة السويدية في المعهد المذكور للجريدة بتاريخ 16 آب – أغسطس 2003 للجريدة المذكورة أنّ الولايات المتحدة الأمريكية أخفقت في القضاء على من تسميهم بالإرهابيين بل إنّ هؤلاء هم الذين إنتصروا على أمريكا نفسيّا وإعلاميّا ونجحوا في إرباك أمريكا في العديد من المواقع .

وأستطردت قائلة أنّ أعداء أمريكا نجحوا في بث الهلع والخوف في المجتمع الأمريكي وهذه تحسب على أمريكا لا لها , و هي معضلة لأول مرة يواجهها بشكل حقيقي المجتمع الصناعي كما قالت داريل , وحسب داريل دائما فإنّ المجتمع الأمريكي بات معقدّا من العنف الذي يستهدفه وبات هذا الأمر مسيطرا على تفكيره وشعوره والدليل على ذلك هو ربط إنقطاع الكهرباء في مدينة نيويورك بالإرهاب مباشرة بعد إنقطاع التيّار الكهربائي , و إنتقال معسكر الخوف إلى المجتمع الأمريكي دليل على نجاح أعداء أمريكا في خطتهّم .

وطالب خبراء سويديون الولايات المتحدة الأمريكية بإجراء مراجعة شاملة لسياستها لأنّ النتائج تكون على الدوام من سنخ المقدمّات , وأنّ منطق القوة و إتخاذه كمبدأ لحلحلة الأزمات من شأنه أن يراكم العنف و يعطيه المشروعيّة المفقودة , و في هذا السيّاق تقول السيدة إيفا من حزب اليسار السويدي أنّ أمريكا لا يمكنها أن تتحول إلى شرطي يحكم العالم و يسيره وفق مزاجه , كما أنّ مبدأ الدوس على الدول المؤسسّة و العضوة في جمعية الأمم المتحدة من شأنه أن يرجّح كفة المنطق الأحادي الذي باتت تتزعمّه الولايات المتحدة الأمريكية .

وتعتبر الخبيرة الحكومية برجيتا داريل أنّ حالة القلق سوف تستمر في المجتمع الأمريكي وهذا مؤشّر خطير على المدى المتوسط والبعيد وللإشارة فإنّ داريل تعتبر خبيرة في شؤون أزمات المجتمع أيضا .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفرنجة قادمون والجيوش العربية في عطلة !

 

 

 

 

يتعرّض الشعب الفلسطيني إلى غارة إستباحة وتذبيح لا مثيل لها في تاريخ البشريّة , ومنذ بداية محنته مع الجماعات الصهيونية الإرهابية ومن تمّ الكيّان الصهيوني الغاصب وهو يستنجد بالجيوش العربية التي نخرها الفساد والتي أقام رجالاتها أوشج العلاقات بالراقصات اللائي أضحين بإمتياز من عليّة القوم ويملكن كل الأرقام المباشرة لصنّاع قرارنا العربي المجيد , و في الوقت الذي تخذل فيه هذه الجيوش فلسطين وغيرها من روافد العالم العربي والإسلامي  فإنّ الشارع العربي والإسلامي من طنجة وإلى جاكرتا مع فلسطين قلبا وقالبا , ينتظر اللحظة التي يمدّ  فيها فلسطين بدمه وقلبه وشرايينه ودموعه وزاده ومؤونته , وأريد أن أقول لأطفال الجنة محمد الدرّة وإيمان حجو ولأطفال الحضارة والحجارة لا تراهنوا على الجيوش العربيّة , فمنذ خمسين سنة أي منذ القرار الدولي أو العار الدوّلي بتقسيم فلسطين وأجدادكم وبعدها أباؤكم ثمّ أنتم تراهنون على الجيوش العربيّة المهزومة .

وعندما يستغيث أبناء الجنّة في فلسطين بالجيوش العربيّة يأتيهم الردّ بأنّ الشرعيّة الدوليّة لا تسمح بأيّ تحرك  , وبأنّ الظروف السياسية والواقع المحلي لا يسمح والمعادلة الدوليّة لا تجيز , لكن عندما تدعو  واشنطن الجيوش العربيّة لتغيير واقع عربي هنا أو استباحة واقع إسلامي هناك , فانّ الجواب يكون لبيك وسعديك يا واشنطن فنحن طوع بنانك بالبنادق والمعلومات .

فرجاء لا تراهنوا على الجيوش العربيّة فهي منصرفة إلى حماية العروش بل لقد أضحت هيّ العروش نفسها , وأنصرفت إلى تتريس الكروش الجسمية وكروش البنوك بما سلبته من قوت المواطنين ونفط المواطنين ومستقبل المواطنين .

 إنّ الأنظمة العربية ومعها الجيوش العربية أرادوا أن يقبروا  التواصل بين الشعوب العربية والإسلاميّة وبين فلسطين  ويعدموا نصرة هذه الشعوب لفلسطين  . والعار كل العار أننّا نملك جيوشا عربية مدرعّة بأحدث المعدّات العسكريّة ومازلنا نحققّ التراجع تلو التراجع والنكسة تلو النكسة , وقد تحولّت الجيوش العربية إلى عبئ على أمتها وتطلعات شعوبها. وعندما أتأمّل صدور جنرالاتنا في العالم العربي والإسلامي أجدها معبّأة بالنياشين والميداليات من ذهب وفضة وقدور وصحون وغيرها من مواد خشبيّة وكلها إشارات على الإنجازات الكبرى و الانتصارات العظمى , لكن عندما أعود إلى الواقع أجد النكسة تلو النكسة والهزيمة تلو الهزيمة , والانقلاب تلو الانقلاب والعمالة تلو العمالة , وقد ساهمت العسكريتاريّا  في تكبيل القدرات والطاقات للإعتبارات التاليّة :

-   الاندماج الكامل بين النظام السياسي والمؤسسة العسكريّة , حتى أصبح النظام السياسي هو الجيش والجيش هو النظام السياسي . والذي يعمل النظر في خلفية الرؤساء العرب يجد أنّ كل الرؤساء العرب هم في الواقع عسكريون وخرجوا من رحم المؤسسة العسكريّة . وحتى الملوك الراهنون والمخضرمون تخرجوا من أرقى الأكاديميّات العسكريّة ويجيدون اللغة الأنجليزية والفرنسية أكثر من اللغة العربية .

-   استولت المؤسسّات العسكريّة عل ثلثي ميزانيّة الدولة وعملت المؤسسات العسكريّة على بقيّة المؤسسات , وكانت استراتيجيتها تكمن في  إضعاف المؤسسات والتيارات السياسيّة و قوى المجتمع المدني لتبقى هي الأقوى والأوحد .

-   أصبح الجيش عبارة عن أقليّة هي الطغمة التي عسكرت السياسة كما الاقتصاد كما المشروع الثقافي , وأغلبية من الجنود المستضعفين الذين هم أيضا جعلوا في خدمة الجنرالات , كم هو عدد الجنود الذين يحرسون الجنرالات وينظفّون حمّامات الجنرالات ويطبخون للجنرالات و يغرسون حدائق الجنرالات , ويسوقون سيارات الجنرالات وعشيقاتهم .

-       الطغمة والأمة صراع الأضداد , وقد أدخلت الطغمة الجيش في صراعات داخليّة جانبيّة .

-       الجيوش العربية تركت الهمّ الحضاري الكبير إلى الهم الداخلي حيث سلط الجيش على رقاب المواطنين .

-       بالإضافة إلى دخول هذه الجيوش في حروب الحدود مع الجيران العرب والمسلمين .

-   شلّ حركة التنميّة من خلال حركات الانقلاب التي كانت مزدهرة وكل حركة انقلابية تصل إلى السلطة تلغي ما فعلته السلطة الماضيّة وهكذا دواليك .

-       إستيلاء العسكر على صناعة القرار السياسي وتعيينهم للسياسيين الذين يتولون مناصب سياسيّة أو ديبلوماسيّة .

-       معاداة الحريّة وفرض حالة الطوارئ .  

-       تسمع من بعض الجنرالات العبارة التاليّة :

من الطبيعي أن يكون المرء جيّدا سياسيا إذا كان جيدا عسكريّا , وإذا لم يكن جيدا عسكريّا يستحيل أن يكون جيدا سياسيّا .

-       النزعة العسكريّة أنتجت أمراض الشلليّة والعشائريّة والجهويّة .

-   لو كان شارون يحتمل بنسبة 2 بالمائة أنّ هناك جيشا عربيّا سيتحرّك أو جيوش عربية ستتحرك لأنزل سقف إجرامه من ألف بالمائة إلى اثنين بالمائة .

-   العلاقة بين الجنرالات والرشوة والفساد , مثال تركيا , أندونسيا و الجزائر , رئيس هيئة الأركان اللبناني ميشال عون الذي اختفى في السفارة الفرنسية وسلب 200 مليون دولار من قوت اللبنانيين من البنك المركزي .

-       سماح العسكريين للسياسيين بالفساد ليسهل التأثير عليهم وترويضهم .

 

وما دمنا بصدد القضية الفلسطينيّة تقول الرواية أنّ الجيوش العربية التي ساهمت ورابطت على حدود فلسطين في الحرب العربية – الإسرائيليّة الأولى في حرب 48 كانت تطلب من الفلسطينيين أن يغادروا أرضهم إلى الشتات .

 

وللإشارة فإنّ الحرب العربية – الإسرائيليّة الأولى شارك فيها 35 ألف مقاتل إسرائيلي و 25 ألف مقاتل عربي كان يقاتلون بأسلحة فاسدة , وكان همّ القيادات العسكريّة البقاء في الحكم وجمع الأموال .

و عندما عرضت بعض الدول العربية مقترحات تسويّة على بن غوريون قال : لست مستعجلا من أجل التوقيع على اتفاقيّة سلام , فنحن اليهود يقول بن غوريون لسنا معرضّين لأيّ ضغط من أي نوع كان , وفي استطاعتي الانتظار عشرة أعوام أخرى ...

وبعد خمسين سنة مازال الفرنجة يتدافعون إلى جغرافيتنا والجيوش العربية في عطلة إلى إشعار آخر ...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أمريكا تتجسسّ على العالم من خلال أوروبا .

 

 

بدأت بعض الدول في الاتحاد الأوروبي تجهر بما أسمته بالاختراق الأمريكي للدول الأوروبيّة حيث تعمل الولايات المتحدة الأمريكيّة ومن خلال الأراضي البريطانية التنصت على ملايين المكالمات الهاتفية والاتصالات الفاكسية وحتى البريد الالكتروني للأشخاص العاديين , وقد أكدّت وثيقة للبرلمان الأوروبي أنّ أمريكا وبريطانيا قد طورتا نظام –ايشلون- والذي يتيح لأمريكا امتصاص ملايين الاتصالات وتصفيتها وغربلتها عند الحاجة مع الاحتفاظ بالمعلومات التي تهم الولايات المتحدة الأمريكية . وبعد حملة الصحافة النمساوية على هذا الاختراق جرت تحركات في كواليس المؤسسات الأوروبية في بروكسل لمعرفة كافة التفاصيل المتعلقة بهذا الموضوع والذي تعتبر بريطانيا وهي عضو في الاتحاد الأوروبي طرفا فيه . وقد استطاعت وسائل الاعلام الأمريكية التعتيم على هذه الحملة النمساويّة من خلال شنّ حملة مضادة على النازيين الجدد الذين وصلوا  الى دوائر القرار في فيينا في وقت سابق حسب زعمها .

وقد أعادت الصحف الدانماركيّة التذكير بأنّ أمريكا تتجسسّ على كل الأوروبيين , وقد نشرت هذه الصحف الدانماركيّة وثيقة البرلمان الأوروبي والتي تتهم صراحة أمريكا بالتجسس علىمكالمات الأوروبيين كل الأوروبيين . وكان البرلمان الأوروبي قد وضع لجنة تسمى لجنة – ايشلون  - للغوص في خفايا هذا النظام وقدراته الحقيقيّة في التنصت على المكالمات الهاتفية ولو فاقت مئات ملايين المكالمات ثمّ إعادة فرز هذه المكالمات وغربلتها واستقاء المعلومات الدقيقة منها , وهذا التنصت يطاول الجميع وبدون استثناء سياسيين ومديري أجهزة أمنية وأصحاب شركات ومصانع . ويعيش الاتحاد الأوروبي حيرة حقيقيّة إزاء هذه المعضلة فهو لا يستطيع أن يجابه أمريكا مباشرة ,وفي نفس الوقت فانّ ما يجري هو انتهاك صارخ لقوانين دول الاتحاد الأوروبي حيث أنّ هذه الدول تحظر التنصت على مكالمات مواطنيها .

وقد تتطوّر المسائل بحسب بعض المراقبين في أوروبا إلى أن تحرج الدول الأوروبية أمام مواطنيها وخصوصا إذا استمرت وسائل الإعلام الغربية في إثارة هذا الموضوع .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حقيقة الأدلّة الأمريكيّة .

 

 

 

 

 

تستعّد الولايات المتحدة الأمريكية لشن حرب واسعة على العراق وقد أصبحت هذه المسألة في حكم المؤكّد يقول خبراء سياسيون من شمال العالم , و من المتوقع أن تبدأ واشنطن بتحريك آلياتها العسكرية في الجوار العراقي بعد الجلسة التي دعت إليها واشنطن في مجلس الأمن في الخامس من فبراير المقبل , حيث سيقدّم كولن باول وزيرة خارجية أمريكا الأدلة الأمريكيّة التي ستدين العراق حسب زعم واشنطن .

وقد سبقت جريدة أفتون بلادت السويدية وزير خارجية أمريكا كولن باول في نشر بعض من الأدلة التي جمعتها وكالة المخابرات الأمريكية ضد العراق والتي من المفترض أن يفصح عنها وزير خارجية أمريكا كولن باول أمام مجلس  الأمن في 05 فبراير المقبل , هذه الأدلة التي قيل عنها أنّها تدين العراق وتكشف عن مشاريعه العسكرية في مجال إنتاج أسلحة الدمار الشامل , وحسب مصادر الجريدة السويدية فإن مجمل هذه الأدلّة عبارة عن صور إلتقطتها الأقمار الصناعية لمصانع عراقية بالإضافة إلى شهادات لبعض الخبراء العراقيين الذين طلبوا اللجوء السياسي في أوروبا و أمريكا , ومعروف أنّ المخابرات الأمريكية أجرت إتصالات ببعض هؤلاء الخبراء في بعض العواصم الغربية .

وفي السياّق ذاته نشرت صحيفة أخبار الدانمارك الدانماركية مقالة عن الأدلة التي سيكشف عنها جورج بوش في 05 فبراير المقبل والتي قد ترجّح الكفّة لصالح واشنطن في مشروعها القاضي بإحتلال العراق . و تجدر الإشارة إلى أنّ الحكومة الدانماركية وبعد وصول اليمين إلى دوائر القرار فيها باتت أشدّ ميلا إلى الراديكاليّة السياسية , وأبدت موقفا مؤيدا لواشنطن في توجهاتها العدوانية عكس الموقف الأوروبي المعارض للحرب والذي تمثله فرنسا وألمانيا و السويد وغيرها من الدول الأوروبية .

 وحسب الصحيفة الدانماركية فإنّ لعب أمريكا هذه المرة على المكشوف وفوق الطاولة مباشرة سيرفع سقف الحرب والمحاربين , وقد لا ينتهي شهر فبراير حتى تكون العراق ثاني دولة إسلامية تحتّل عسكريا بعد أفغانسان في مطلع الألفية الثالثة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إستئصاليّو الجزائر يطالبون أمريكا بمزيد من الإستئصال .

 

 

تنفسّت التيارات والقوى السياسيّة الإستئصاليّة الصعداء في الجزائر عندما قررّت واشنطن ضرب أفغانستان وملاحقة كل الدول العربيّة والإسلاميّة التي تأوي إرهابيين بتعبير الإدارة الأمريكيّة , وقد قررّت التيّارات الفرانكفونيّة والبربريّة واليساريّة والتي كانت منذ بداية الفتنة الجزائرية تطالب باستئصال كافة التيارات الإسلاميّة من الواقع السياسي الجزائري ورميها إلى البحر دعم الحملة الأمريكيّة في أفغانستان وغيرها من الدول التي سيشملها التأديب الأمريكي , ولم تكتف بتحريض المؤسسة العسكريّة الجزائريّة ضدّ الحركات الإسلاميّة الجزائريّة وعلى رأسها الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ بل راحت تشككّ في ثوابت الأمة الجزائريّة العروبة والإسلام , وأعتبرت التغريب أحسن وسيلة لإخراج الجزائر من أزماتها المتشعبّة , علما أنّ المنتمين إلى الثالوث الفرانكفوني والبربري واليساري كانوا في دوائر القرار منذ استقلال الجزائر وهم الذين تسببّوا في مجمل النكبات التي عرفتها ومازالت تعرفها الجزائر . وقد وجدت القوى الإستئصاليّة التي باتت تعرف هذه الأيّام في الجزائر بالقوى الديموقراطيّة في الأحداث الحرجة التي عصفت بأمريكا فرصة لتقديم مطالبها إلى واشنطن عبر بعض القنوات الديبلوماسيّة الأمريكية وقامت هذه القوى  باعداد ورقة عمل تمّ تقديمها لواشنطن عبر قنوات ديبلوماسيّة في الجزائر , ويتزعمّ هذه القوى رئيسا الوزراء الأسبقان في الجزائر سيد أحمد غزالي ورضا مالك , وسعيد سعدي زعيم التجمع من أجل الثقافة والديموقراطيّة البربري , وفي الوقت الذي أعتبر فيه سيد أحمد غزالي أنّ واشنطن وان كانت محقّة في مواجهة الإرهاب إلاّ أنّها يجب أن تعدلّ سياستها وتحديدا تجاه الشرق الأوسط , أمّا رضا مالك زعيم التحالف الوطني الجمهوري فقد أعتبر أنّ ضرب الإرهاب بالقوّة العسكريّة هو وحده الأنجع في إنهاء القوى الظلاميّة في نظره , ودعا سعيد سعدي إلى استثمار ما جرى للقضاء على الإرهاب في الجزائر وهو يقصد بطبيعة الحال الحركات الإسلاميّة الجزائرية وهو لا يفرقّ في أدبياته بين تيّار إسلامي معتدل وتيّار إسلامي متشددّ . كما أنّ هذه التيارات التي مازالت مصرّة على مواقفها الإستئصاليّة وجدت في الأحداث الأمريكية الحرجة والعدوان الأمريكي على أفغانستان فرصة مناسبة للتنديد بمشروع المصالحة الوطنيّة التي مازالت ترفع لواءه القوى الوطنيّة والإسلاميّة في الجزائر , وأعتبرت أن واشنطن القوة العظمى في العالم باتت مقتنعة بالاستئصال وأنّه هو الطريق الوحيد للقضاء على الظاهرة الأصوليّة . وتدفع هذه القوى كما دفعت من قبل الجيش الجزائري إلى الدخول في حروب متواصلة مع الإسلاميين , السلطة الجزائريّة للوقوف قلبا وقالبا مع واشنطن في حربها ضدّ أفغانستان حتى لو أدىّ ذلك إلى المشاركة الفعليّة في الحرب ضدّ أفغانستان ولا حرج في ذلك في نظرهم مادامت تركيا الكماليّة قد باتت جزءا من هذه الحرب ضدّ أفغانستان . والسلطة الجزائريّة التي تصيغ مواقفها حسب الخارطة السياسيّة الجزائريّة فهيّ قولا ترضي الإسلاميين بإعلانها عدم الدخول المباشر في الحرب , وفعلا ترضي الإستئصالييّن بفتح قنوات عمليّة وإستخباراتيّة وأمنية ومعلوماتيّة مع واشنطن ولندن وباريس وحتى  دولة جنوب إفريقيا التي زارها عبد العزير بوتفليقة في فترة سابقة  وافقت على توقيع معاهدة أمنيّة مع الجزائر  وبموجب هذه المعاهدة ستسلّم دولة جنوب إفريقيا بعض الإسلاميين الجزائريين للسلطات الجزائريّة , وسيتمّ حظر كل النشاطات الإسلاميّة الجزائريّة في جوهنسبورغ . وزيادة في التنسيق الأمني الإستئصالي أجرى الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في بداية العدوان الأمريكي على أفغانستان اتصالاّ هاتفيّا مع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وأكدّ بوتفليقة لبوش أنّ الجزائر مع مسعاه قلبا وقالبا وقدمّ له تعازيه الحارة للمصاب الذي ألمّ بأمريكا وشعبها , علما أنّ الجزائر لم تتلق أيّ مواساة لا من واشنطن ولا من باريس في المائتين ألف جزائري الذين قتلوا على امتداد الفتنة الجزائريّة قبل عشر سنوات . وبالعودة إلى التيّارات الإستئصاليّة في الجزائر فإنّها تعمل من خلال ما يعرف في الجزائر بالتنسيقيّة الوطنيّة للديموقراطيين الجزائريين و تسعى إلى تكريس الاستئصال والتبشير به داخليّا وخارجيّا , وراحت هذه القوى السياسيّة تستقوي بالسياسة الأمريكية الإستئصاليّة الجديدة وترى في العدوان الأمريكي على أفغانستان انتصارا لطروحاتها وأفكارها التي مافتئت تبشّر بها في الجزائر . ويأتي نشاط الإستئصاليين الجزائريين الجديد في وقت تحتاج فيه الجزائر إلى إجراء مصالحة شاملة تقيّها من الإنزلاقات الخطيرة المستقبليّة , ويخشى بعض المراقبين في العاصمة الجزائريّة أن يزداد الشرخ بين الإستئصاليين والتصالحيين واحتمالات انعكاس ذلك على الوضع الأمني , وقد سجلّ في المدة الأخيرة ارتفاع مضطرّد لأعمال العنف شمل تقريبا كل الولايات الجزائريّة ولعلّ الرسميين في الجزائر مرتاحون هذه الإيّام لابتعاد الأضواء عن ساحتهم الداخليّة وتوجههّا بالكامل إلى العدوان الأمريكي على أفغانستان والغطرسات الأمريكيّة المقبلة والتي تهيئ لها واشنطن المبررات أيضا , ويرون في ذلك فرصة لرفع سقف المواجهة وإعادة مشروع الإستئصال إلى الواجهة , خصوصا وأنّ الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج زعيمي الجبهة الإسلاميّة لللإنقاذ قد أنهيا تقريبا مدة عقوبتهما , وتتحرك دوائر إستئصالية على خلط الأوراق مجددّا في الجزائر لئلا يطلق سراحهما في الوقت المحددّ !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أغلبيّة السويديين ضدّ الحرب الأمريكية في أفغانستان .

 

 

كشفت استطلاعات دقيقة قامت بها جريدة أكسبريس السويدية الذائعة الانتشار والقناة الرابعة السويدية أنّ أغلبية السويديين كانوا يعارضون العمل العسكري الأمريكي ضدّ أفغانستان , وقد كشف الاستطلاع أنّ الأغلبية السويدية  التي شاركت في  الاستطلاع رفضت  العمل العسكري الأمريكي في أفغانستان , وكشف الاستطلاع أيضا أنّ المرأة السويدية كانت أشد معارضة لمثل هذا العمل العسكري  . وتجدر الإشارة إلى أنّ السويد دولة حياّدية وهي ليست عضوا في حلف الناتو , وقد كشف الاستطلاع المذكور أنّ 65 بالمائة من السويديين يعارضون انضمام السويد الى حلف الناتو الذي باتت تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكيّة . وعندما دعا الاتحّاد الأوروبي إلى ثلاثة دقائق صمت في كل أوروبا حداد على ضحايا البرجين المنهارين في نيورك , كتب الكاتب السويدي الشهير جان غيلو مقالة اتهمّ فيها أمريكا بأنّها الأكثر دمويّة في تاريخ الحضارة الإنسانية , وأعترض على الوقوف ثلاثة دقائق صمت على اعتبار أنّ أوروبا لم تتخذ مثل هذه الخطوة عندما كان الأمر يتعلق بجرائم أمريكا في الفيتنام واليابان وغيرها من العواصم التي أبادتها القوات الأمريكية في أوقات سابقة . ولم تسجّل في السويد حالات الحاق الأذى بالمسلمين فمازال المسلمون يحظون في السويد بالاحترام الكامل حيث قام العديد من المسؤولين بزيارة مسجد ستوكهولم المركزي , ومنهم وزيرة الاندماج منى سالين التي صرحّت عقب زيارتها لمسجد ستوكهولم المركزي أنّ المسلمين ليسوا بحاجة إلى الخوف في السويد , ومازال المسلمون يؤدون مشاعرهم في مساجدهم بشكل طبيعي , وسجلّت حالات فرديّة في بعض المساجد انتهت إلى توفير الشرطة السويدية الحماية لمسجد ستوكهولم بعد الأحداث في أمريكا مباشرة  .

غير أنّ وسائل الإعلام السويدية ومنذ وقوع الأحداث الأمريكية وهي تخصصّ حيزّا كبيرا للإسلام والمسلمين وشرحّت بن لادن تشريحا لم تحظ به أيّ شخصيّة في التاريخ المعاصر .

و من جهة أخرى فقد تظاهر في وقت سابق مئات السويديين في العديد من المدن السويدية ضدّ الحملات الأمريكية والبريطانيّة الموجهة ضدّ أفغانستان , وقد شهدت العاصمة السويدية ستوكهولم أثناء الحملة الأمريكية على أفغانستان تظاهرة شارك فيها أكثر من خمسمائة متظاهرا سويديا وقد نددوا في تظاهرتهم بالعدوان الأمريكي ضدّ أفغانستان , كما نددوا بموقف رئيس الوزراء السويد يوران بيرشون الداعم لأمريكا في هجماتها على أفغانستان  , وكان رئيس الوزراء السويدي يوران بيرشون قد أعلن في وقت سابق اقتناعه بجدوى السياسة الأمريكية الجديدة المضادة لأفغانستان . وكانت العديد من الأحزاب السويدية كحزب اليسار قد أبدت اعتراضها على الغطرسة الأمريكية الجديدة . كما أنّ العديد من المنظمات والجمعيّات السويدية وزعّت مناشير على المارة والعابرين وكلها تنددّ بالحرب الأمريكية ضدّ أفغانستان , وحملت بعض هذه المناشير عبارة مبدأ العين بالعين يجعل العالم أعمى , وحملت كل المناشير الموزّعة على الضربات الأمريكية وطالبت الولايات المتحدّة الأمريكية بالكفّ عن هجوماتها ضدّ أفغانستان .

كما تجمهر في مدينة غوتنبرغ السويدية  الشهيرة أزيد من 400 متظاهرا  ينتمي الكثير منهم إلى الشبيبة الثوريّة والمجموعات المعارضة للأمبرياليّة وقد نددوا جميعا بما تفعله أمريكا في أفغانستان . و قد تساءل المتظاهرون في مدينة سودرمالم في ستوكهولم عن هويّة الارهابي ! ورفعوا شعارا مفاده : من الإرهابي الآن ! وذلك في إشارة إلى ما تفعله الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان .

وتقف الجمعيات الإسلاميّة والعربية موقفا مضادا من الهجمات الأمريكية ضدّ أفغانستان وتطالب العديد من هذه الجمعيات بضرورة اللجوء الى طرق أخرى لحلحلة هذه المشاكل الطارئة بالإضافة إلى عدم القفز على المؤسسات الدولية . والإشكال القائم أنّ هذه الجمعيات لا تملك وسائل إعلاميّة يمكن من خلالها التأثير على الرأي العام السويدي , بعكس وجهة النظر الأمريكية التي تجد طريقها فورا إلى الرأي العام السويدي , وتبدو وسائل الإعلام الأمريكية ووجهات نظرها هي المسيطرة على الساحة الأوروبيّة عموما .

 

 

الذي يرفض نظام الدبابة يجب أن يرفض نظام الشبح .

 

 

تعيش المعارضة العراقيّة في الظرف الراهن حالة من الإرتباك والتنافر في المواقف والآراء بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ العراق , وعلى الرغم من توافق هذه المعارضة ظاهرياّ على إسقاط نظام صدّام حسين في العراق إلاّ أنّها تعيش تمزقا وتشتتا ليس في الإيديولوجيا فحسب بل في المواقف السياسية وفي الولاءات الإقليمية والدوليّة , فالشيعة منقسمون على أنفسهم والسنة منقسمون على أنفسهم والأكراد منقسمون على أنفسهم والكل منقسم على نفسه رغم ما لحق بالشعب العراقي من حيف وظلم وتجاوزات خطيرة .

 وخلال منافيّ المتعددّة في العديد من الأوطان العربية والغربية تسنى لي أن أقترب من المعارضة العراقية وبعض أقطابها , فوجدت أنّ هناك أقطابا للمعارضة العراقية أثروا إثراءا فاحشا من أموال الخمس والزكوات وبعض  الجهات العربية أو الخليجية على وجه التحديد وأشتروا بيوتا فارهة في شوارع المزة والرملة البيضاء ولندن وغيرها من الشوارع الأنيقة , فيما ظلّ قطاع واسع من الشعب العراقي يدق أبواب العلماء والشخصيات المعارضة هذا يريد كيلو أرز وذاك يريد أن يتزوج وآخر يريد مساعدة عاجلة وكثيرا ما تغلق الأبواب في وجوه هؤلاء المحتاجين وهذا ما جعل سقف الردّة يرتفع وسط المهاجرين والمهجرّين العراقيين في القارات الخمس .

و المعارضون العراقيون الذين يتبسمّون للكاميرات ينطبق عليهم قوله تعالى : تراهم جميعا وقلوبهم شتى . فالمعارضة الشيعية فيها عشرات الأحزاب من حزب الدعوة وإلى منظمة العمل الإسلامي , إلى جند الإمام والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق إلى حركة المجاهدين وغير ذلك من التيارات التي تستند كل واحدة إلى مرجع فقهي معيّن و كل حركة تقللّ من المرجع الفقهي للحركة الأخرى وهكذا دواليك , بل إنّ كل حركة تسعى لإستضعاف الحركة الأخرى تماما كما فعله محمد باقر الحكيم بحزب الدعوة في إيران رغم أنّ حزب الدعوة هو الذي إستقدمه من سوريا وأوصله إلى سدّة ما هو فيه الآن , وقد دفع حزب الدعوة الكثير بسبب عدم إيمانه بولاية الفقيه المطلقة المعمول بها في إيران .

والمعارضة الكرديّة لا يجمع بينها جامع على الإطلاق فبين الطالباني والبرزاني تاريخ من التصدعات والتشققات وقد تزيد المستجدات الراهنة والمقبلة في توسيع الفجوة بين هذين الشخصين الطامحين إلى حكم كردستان العراق , وقد أدّى دخول المعارضة الإسلامية الكردية على الخطّ والتي ساهمت إيران في تأسيسها إلى خلط الأورواق في المنطقة الكرديّة . أما المعارضة السنية ورغم محاولات الشيعة والأكراد في السيطرة على رسم توجهات العراق المستقبلية مازالت موزعة هي الأخرى بين التيار الإخواني والسلفي والتنويري .

فهذه القوى السياسيّة رغم توافقها على إسقاط نظام صدّام حسين إلاّ أنّها غير متوافقة البتة على ما يجب أن يكون عليه مستقبل العراق لأنّ هذه المعارضة شاءت أم أبت قد وكّلت واشنطن في صناعة مستقبل العراق وهي ستؤسسّ لمعادلة خطيرة في المنطقة العربية والإسلامية مفادها أنّ التغيير يجب أن يأتي من أمريكا , بل إنّ هذه المعارضة بما تتلقاه من أموال جبارة بالدولار الأمريكي تعتبر سباقة إلى توكيل أمريكا في رسم مستقبل العراق . ففي أفغانستان لا أحد كلف أمريكا بإقامة نظام متأمرك في أفغانستان , بل إنّ الإدارة الأمريكية هي التي قررت ذلك عقب أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 .

و في الحالة العراقيّة فإنّ المعارضة العراقية اللهمّ إلاّ القليل منها هي التي وكلّت واشنطن برسم مستقبل العراق , وهنا بودي أن أوجّه بعض الأسئلة إلى بعض أقطاب المعارضة العراقية بمختلف ألوان طيفها السياسي . وأبدأ بمحمد باقر الحكيم الذي قال في جلسة خاصة قبل سنوات أنّه من واجبه الشرعي أن يحكم العراق .

كيف يتعامل محمد باقر الحكيم مع قوله تعالى : ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكّم النار. وماذا يقول في قول الإمام الخميني الذي عندما قيل له أنّ الغرب والشرق غاضبان علينا أجاب بقوله الحمد للّه نحن إذن على حق مصداقا لقوله تعالى : لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم .

وماذا يفعل الحكيم في فتاوى كبار علماء الشيعة المتقدمين والمتأخرين الذين مازالوا يعتبرون أمريكا شيطانا أكبر ويحرمون التعامل معها . ألم  يقرأ باقر الحكيم المجتهد ما أورده الكليني من أنّ رجلا قال لجعفر الصادق عليه السلام : يا إبن رسول إنني أكري – أؤجّر- جمالي لأحد الظلمة فما حكمي . فأجابه جعفر الصادق أنت الظالم نفسه , فماذا يقول الحكيم في هذا وهو الذي أرسل عبد العزيز الحكيم إلى البيت الأبيض الذي فيه تصاغ كل سياسات إذلال العالم العربي والإسلامي .

إنّ باقر الحكيم يريد أن يسخّر لواء بدر الذي تأسسّ لنصرة صاحب الزمان لخدمة سالبة الزمان والمكان أمريكا. وهل تناسى الأكراد أنّ أمريكا هي التي دعمت كافة الدول التي قهرتهم وأذّلتهم وحرمتهم من مشروع الدولة الكرديّة , وهل مازال الأكراد يتذكرون عندما وقعت مجازر حلبجة كيف أنّ واشنطن رفضت إتهام العراق بإقتراف هذه المجازر وإتهمت إيران بالقيّام بهذه المجازر , أليس رفيق درب البارزاني والطالباني عبد الله أوجلان إصطادته المخابرات الأمريكية والصهيونية من إفريقيا وجرى تسليمه للسلطات التركيّة .

إنّ واشنطن لا يهمها شيعي أو سني أو كردي يهمها فقط مصالحها ومصالحها فحسب . أين أصبح أقطاب جيش الشمال الذين حررواّ كابول من حكم الطالبان ألم تخرجهم واشنطن من الملعب السياسي الأفغاني و عينت على مراكز القرار شخصيات لا يعرفها الشعب الأفغاني على الإطلاق .

 أليس السودان قدمّ خدمات جليلة للأمريكان في مجال الملفات الأمنية وغيرها وكافأتها واشنطن بالعمل على تقسيمها والمساعدة على ذلك  , أليس مصر لعبت أكبر الأدوار في خدمة المشروع الأمريكي في العالم العربي وهاهي واشنطن تسحب المساعدة تلو المساعدة عن مصر تمهيدا لتغيير مرتقب في أرض الكنانة يتمّ على عين واشنطن .

إنّ المعارضة العراقية التي رفضت في الماضي حكما تسلطيّا تفرضه الدبابة والثكنات العسكريّة عليها أن ترفض حكما مستعربا أمريكيا يأتي على متن طائرة الشبح الأمريكية .

ثمّ إنّ أقطاب المعارضة العراقيّة الذين وبدون حياء يتبجحون بوجود موفدين أمريكيين رسميين بين ظهرانيهم ألا يستحون من أبناء جلدتهم , ألا يستحون من الأجيال القادمة عندما يقال أنّ هؤلاء إستقدموا هولاكو إلى بغداد وأعطوه شرعية البقاء في أرض الرافدين.

 إنّ الإسلامي العراقي الذي يسعى للتمكين لأمريكا في العراق إنما خان إسلامه , والقومي الذي ينسق مع أمريكا إنّما خان قوميته والوطني العراقي الذي يتلقى رواتب طازجة من المخابرات الأمريكية إنمّا لم يخن الوطن فحسب بل خان كل المقدسّات .

إنّ المعارضة التي تجتمع في فندق تدفع فاتورته السفارة الأمريكية في لندن وغيرها لا تعتبر معارضة بل هي أشبه بالأيتام في مأدبة اللئام .

إنّ إسقاط الطغاة مهمة جماهيرية تضطلع بها الجماهير , ووالله لو أنّ أركان المعارضة العراقية إتقوا الله وطلقوا الدنيا وجاهدوا كما جاهد محمد باقر الصدر وإسترسلوا في جهادهم لأمكنهم أن يفعلوا الكثير , لكنّ كثيرا من أقطاب هذه المعارضة تلاعبت بخمس صاحب الزمان ووزعته على الأبناء والحواشي والغواشي , وأثقّالت إلى الأرض وقعدت عن الجهاد وأسندت مهمّة الجهاد لأمريكا , والأجدى أن يكملوا خطوات الإستسلام ويهدوا بوش العمائم السوداء و يصمموا له نسبا شريفا ويجلعونه من الأشراف . أمّا أن نعتبر أمريكا تستهدف واقعنا العربي والإسلامي وننسقّ معها فذاك حقا فقه القرامطة وليس فقه الحسين بن علي صاحب معركة الطفّ .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أوروبا الباحثة عن دور في العصر الأمريكي .

 

 

يفسّر أحد الغربيين المتابعين لتطورات المسار السياسي والإقتصادي في أوروبا تسارع الأوروبيين بإتجّاه إنجاح وحدتهم وتقويّة إقتصادهم بأنّه بدون ذلك ستتلاشى أوروبا سياسيّا وإقتصاديّا تماما كما تلاشت العديد من الدول والتكتلات التي غرقت في أتون المشاكل السياسيّة والإقتصاديّة المتفاقمة . ويرى هذا الخبير أنّ العصر الأمريكي الراهن لا يعترف لا بالصغار ولا بالمراهقين السياسيين ويجب أن تكون الدول في خانة الكبار لتتمكنّ من مقاومة خطر التلاشي والإنفلات الذي سيكرّس التبعية المطلقة للغول الأمريكي .

كما أنّ المشاكل الإجتماعية والإقتصادية الكبيرة من قبيل البطالة والتردّي الإقتصادي والحفاظ على البيئة و صحّة الإنسان أمور يضطلع بها المجموع , وكلما كانت الدول المشاركة في تطويق هذه الأزمات كثيرة كلما أمكن إنهاء هذه الأزمات وفي ظرف زمني وجيز . وإنطلاقا من هذه المرتكزات تحركت السياسة الأوروبيّة والأرجح أنها ستكمل في الإتجّاه نفسه في العشر سنوات المقبلة . وقد كان التركيز الأوروبي في السنوات الأخيرة على مجموعة أمور هي :

رسم سياسة داخليّة أوروبية مشتركة , ورسم سياسة إقتصادية مشتركة , بالإضافة إلى ضرورة التعاطي مع القضايا الدوليّة المشتركة بشكل جماعي وهذا ما يفسّر بداية تحرّك الإتحاد الأوروبي ككتلة واحدة في الشرق الأوسط وفي الأزمات الدولّية الأخرى وفي المحافل الدوليّة .

وعلى صعيد رسم السياسة الأوروبية الداخلية الموحدّة فقد تكثفّت لقاءات المندوبين الأوروبيين بشكل مكثّف في بروكسل وفي غيرها من العواصم الأوروبية , وكثيرا ما كان يجتمع وزراء الزراعة الأوروبيون لينسقّوا في الملف الزراعي و يصمّموا قوانين موحدّة في هذا المجال , وكثيرا ما كان يجتمع وزراء التعليم ليرسموا طرائق للتعليم متقاربة , وقد قطع الأوروبيون في سبيل وحدتهم في التفاصيل أشواطا كبيرة , وكان القادة الأوروبيون في قمم الإتحّاد الأوروبي يوقعّون على كل هذه التفاصيل . والعجيب أنّ الأوروبيين إتفقّوا حتى على نوعية إشارات المرور وكيفياتها و طرائق تصميم الأراجيح التي يستخدمها الأطفال في مدارسهم . ويمكن القول أنّ التوافق بين الدول الأوروبية في السياسات الداخلية بات كاملا في مجال مكافحة ما يسمىّ بالإرهاب والحدّ من الهجرة غير الشرعية وغير ذلك من المواضيع , وقد أصبح المسافر من النرويج إلى فرنسا برّا لا يصادف البتة رجال الأمن ولا داعي أن يبرز أوراقه الثبوتية , وخصوصا بعد أنّ أصبح الحاسوب الأمني موحدّا ويمكن معرفة تفاصيل شخص ما سافر من الدانمارك إلى فرنسا عبر إدراج إسمه في الحاسوب الأمني الفرنسي .

وعلى الصعيد الإقتصادي تمكنّت أوروبا من توحيد عملتها ورفعت القيود عن الصادرات والواردات من وإلى أوروبا , فالبضاعة التي تصل من فرنسا إلى السويد تكون معفاة من الضرائب , و مادامت البضائع من الدول الأوروبية فهي معفاة من الضرائب , وبهذا الشكل إتسعت السوق الأوروبية وبات بالإمكان أن يسوقّ الأوروبي بضائعه في عشرات الدول الأوروبية دون أن يوقفه أحد . وبفضل الخطة الإقتصادية التي وضعها الأوروبيون أصبحت عملتهم الموحدّة تنافس العملة الأمريكية , كما أنّ الخطّة الإقتصادية الأوروبية الموحدّة كسرت الإحتكار الأمريكي للأسواق الأوروبية وهو ما بدأ يولّد بدايات عدم رضا أمريكي من مشروع الإتحّاد الأوروبي وخصوصا إذا كبر أكثر ممّا ينبغي .

وكان قادة الإتحّاد الأوروبي قد إجتمعوا في العاصمة الدانماركيّة كوبنهاغن بين 12 – 13 ديسمبر 2002  للبحث في العديد من القضايا المتعلقة بسياسة الإتحاد الأوروبي ومشاريع ضمّ عشر دول أوروبيّة إلى الإتحاد الأوروبي بالإضافة إلى بحث مجموعة قضايا تتعلّق بإنضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي والأوضاع في الشرق الأوسط .

وللإشارة فإنّ الدانمارك التي تترأس الآن الإتحاد الأوروبي سبق لها وطرحت مجموعة مبادرات سياسيّة لتقريب وجهات النظر بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينيّة .

والدول الأوروبيّة التي إنضمّت إلى الإتحّاد الأوروبي هي مالطا  وإستونيا ولاتفيّا وليتوانيا وسلوفينيا والمجر وسلوفيكيا والتشيك وبولوندا مع ضمّ قبرص بعد إزالة بعض الإشكالات العالقة في الملف القبرصي . وبذلك سيصبح عدد دول الإتحاد الأوروبي 25 دولة بإضافة الدول العشر المذكورة .

وقد قررّ قادة الإتحاد الأوروبي بالإجماع  عدم البتّ في عضوية تركيا في الإتحاد الأوروبي لعدم أهلية تركيا سياسيّا وإقتصاديّا , و قد طالب قادة الإتحاد الأوروبي تركيا بإعداد نفسها , وفي سنة 2005 سيجري التفاوض معها بشأن إنضمامها إلى الإتحاد الأوروبي , وينتظر قادة الإتحاد الأوروبي الحصول على تقرير كامل عن الوضع التركي السياسي والإقتصادي في نهاية سنة 2004 .

وغير توسيع الإتحاد الأوروبي ناقش القادة الأوروبيون موضوع الهجرة إلى الإتحاد الأوروبي وسبل الحد من الهجرة وذلك عبر المساهمة في تنمية الدول الفقيرة , وفي هذا السيّاق يشار إلى أنّ الدانمارك وبعد نجاح اليمين في الإنتخابات التشريعية الأخيرة إتخذت  إجراءات شديدة ضدّ طالبي اللجوء وهو الأمر الذي جعل دولة كالسويد تشكل على سياستها الجديدة تجاه المهاجرين وطالبي اللجوء .

و قد ناقش قادة الإتحاد الأوروبي الأوضاع في الشرق الأوسط في شقّه الفلسطيني دون التطرق إلى موضوع العراق حيث أصبحت هناك قناعة لدى عواصم الإتحّاد الأوروبي من أنّ الغارة الأمريكية على العراق قائمة لا محالة , والإعتراض على أمريكا في هذا الموضوع قد تبديه شخصيات أوروبية رسمية لكنّ لا تعبّر  عنه توجهات الحكومات الرسمية الموزّعة بين القبول المطلق أو الصمت المطبق .

وإذا كانت أوروبا الموحدّة قد إستطاعت من ترتيب أوراقها الداخلية السياسية والإقتصاديّة فقد أصبحت تتعاطى مع القضايا الساخنة  في العالم العربي والإسلامي والثالث بشكل جماعي وأصبحت لأوروبا وجهة نظر واحدة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية , أو القضايا الإفريقية , وسبب ذلك يعود إلى تكثيف التنسيق بين الدول الأوروبية حيث لكل دولة أوروبية ممثل عنها سواء في البرلمان الأوروبي الموحدّ في لوكسمبورغ أو في اللجان العاملة فيما يعرف بالحكومة الأوروبيّة في بروكسل . وما يتفّق عليه المندوبون الأوروبيون يصل لتوّه إلى عواصم القرار في الدول الغربية والتي تتحرّك في ضوء ما قررّه المندوبون الأوروبيون في بروكسل أو في العواصم الغربية التي تشهد على الدوام لقاءات ومؤتمرات لإستراتيجيي الإتحّاد الأوروبي .

وهذا لا يعني أنّ هناك دولا أوروبية لا تسعى للتغريد خارج السرب الأوروبي , فبريطانيا وبسبب إدماج سياستها الخارجية بالسياسة الأمريكية تسعى على الدوام ليكون الموقف الأوروبي في وجهة الهوى الأمريكي , ولكنّها لم تنجح بسبب الجدار الفرنسي حينا , والجدار الألماني أو جدارات دول أوروبا الشماليّة . مع العلم أنّ بريطانيا مازالت إلى يومنا هذا ترفض فكرة العملة الموحدّة اليورو ومازالت محتفظة بالجنيه الإسترليني .

وإذا كانت أوروبا الموحدّة قد حققّت لحدّ الآن الكثير من الأشياء والإنجازات فإنّ هناك العديد من التحديّات الداخلية والخارجيّة التي قد تعيق وصول المشروع الأوروبي إلى أهدافه النهائيّة . فإنضمام الدول الأوروبية الفقيرة التي كانت محسوبة على المحور اليساري سابقا سيرخي بظلاله على أوروبا الموحدة وسيجعل أوروبا منقسمة إلى قسمين أوروبا غنيّة ومصنعّة وأوروبا فقيرة ومستهلكة , وقد أصبحت أوروبا الغنيّة والمصنعّة تشكو من تبعات إنضمام أوروبا الفقيرة إليها فقد بدأت جيوش المتاجرين بالمخدرات يأتون إلى الخارطة الأوروبية الغنية بسمومهم البيضاء , ورقيقهم الأبيض وهو ما بدأ ينتج مشاكل إجتماعيّة إضافية في الخارطة الأوروبية الغنية لتضاف إلى المشاكل القديمة . كما أنّ النهوض بأوروبا الفقيرة يتطلب رساميل كبيرة للغاية قد لا تستطيع أوروبا الغنية توفيرها على المدى القريب والمتوسّط . ويضاف إلى ذلك  فإنّ أوروبا الغنية التي كانت تشكو من هجرة غير محدودة من العالم الثالث إليها باتت تواجه تحدّي هجرة الأوروبيين الفقراء إليها بإعتبار أنّ قوانين الإتحاد الأوروبي تجيز لأي أوروبي أن يقيم في أي دولة أوروبية عضو في الإتحاد الأوروبي دون الحاجة إلى الإقامة .

والتحّدي الخارجي الذي تواجهه أوروبا الموحدّة هو أمريكا نفسها التي أشرفت على بعث الحياة في أوروبا عقب الحرب الكونية الثانيّة , والتي كانت تريد بناء أوروبا مواليّة لها , وإذا فكرّت أوروبا أن تستقلّ بسياستها وإقتصادها فقد يكون ذلك مؤشّر على قرب الطلاق البائن بين أمريكا وأوروبا كما توقعّت دراسة أمريكية خاصة , ومعنى ذلك أنّ واشنطن بعد أن تنتهي من صدامها مع العالم الإسلامي قد تدخل في صدام أخر مع مجموعات دولية أخرى مادام الصدام هو مرتكز أساس للسياسة الأمريكيّة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لماذا توحّدوا وتفرقنا !

 

 

سيتناول برنامج الإتجاه المعاكس لمقدمه الزميل الرائع فيصل القاسم في حلقته المقبلة محورا من أهم المحاور وسؤالا من أهم الأسئلة التي لازمت خطابنا الفكري والثقافي بشقيّه القومي والإسلامي والمحور هو لماذا توحدّ الإتحاد الأوروبي وتفرقنّا  , ومنذ بداية القرن التاسع عشر والمستنيرون في هذه الأمة يطرحون السؤال تلو السؤال , لماذا تأخرّ المسلمون وتقدمّ غيرهم ! لماذا نهضوا وقعدنا ! لماذا صعدوا إلى القمر وبقينا في الأرض نتحارب فيها ويصفيّ بعضنا بعضا ! لماذا يصنعون الدور ونحن نفلسفه !

آلاف الكتب والمقالات والدراسات والأطروحات التي كتبت منذ بداية القرن التاسع عشر , والسؤال باق على حاله ونحن في خضمّ الألفيّة الثالثة  .

 وإعادة طرح السؤال دليل على أننّا لم نخطو قيد أنملة بإتجّاه النهضة الحقيقيّة , مادامت الإحصاءات الأخيرة في العالم العربي تسجّل تراجعا خطيرا في المشاريع التربوية والزراعيّة والإقتصادية والتنموية , والشيئ الوحيد الذي إضطرّد بقوة وتضخم بشكل ملفت للنظر هو الدين العام المترتب على عالمنا العربي والإسلامي لصناديق النقد الدولي المتفرعة عن الإدارة الأمريكية بإمتياز . ومع عجز نظمنا العربية عن تسديد الديون العامة المتنامية قد تلجأ إلى بيع الأوطان , وعندها يصبح الوطن مقابل الدين , تماما كالمعادلة الأمريكية الراهنة الدم مقابل النفط .

ومن الصعوبة بمكان حصر عوامل نكستنا في خطّ طنجة – جاكرتا وعوامل نهضتهم ووحدتهم في خطّ موسكو – واشنطن هذا الخطّ الذي باتت تمسك به الولايات المتحدة الأمريكية بذكاء شديد .

من أسباب تفرقنا ونكستنا نظمنا التي لم تكن على مستوى تطلعات الشعوب , نظمنا التي يشرف عليها الجهلاء الذين خرجوا من رحم العسكريتاريّا , وترعرعوا على فقه الصفعة بدل فقه المنفعة . تفرقنا لأنّ دولنا تحولت إلى شركات يشرف عليها الرئيس وزوجته وبنوه وأقرباؤه وأبناء خالاته وعمّاته وعشيرته , وهؤلاء إذا رسموا الإستراتيجيا إذا كانوا يعرفون معنى الإستراتيجيا فلنفع الأقليّة المتسلطة لا الأغلبيّة المستضعفة , وإذا خططوا فلكي يزدادوا ثراءا على حساب شعوبهم . تفرقنا لأنّ النهج السياسي المتبّع لا هو من وحي السماء ولا هو من وحي الأرض ولا من وحي بينهما , هو أحيانا -  إشترورأسمال -  أي إشتراكية الشعوب ورأسمالية الحكّام , وهو أحيانا – ديكتاتوراطية- أي المزج بين الديموقراطيّة والديكتاتوريّة .

تفرقنا لأنّ الذي حكمنا منذ عشرين سنة مازال يحكمنا برؤاه التقليدية القديمة البعيدة كل البعد عن الواقع , وهذا الذي يحكمنا إختزل العبقرية فيه ,  والعبقرية فيه والمعجزات فيه , وقال نفس ما قاله فرعون لشعب مصر ذات يوم كما ورد في القرآن الكريم : لا أريكم إلاّ ما أرى .

تفرقنّا لأنّ نظمنا مريضة , وإذا كان الرأس مريضا متسرطنا فماذا عساه يكون التخطيط الصادر عنه . تفرقنا لأنّ الإرادات الدوليّة التي أوصلت حكامنا إلى دوائر القرار حرضّت هذا الحاكم ضدّ الحاكم الأخر , ومن يملك معلومات وجيزة عما يدور بين هذا المسؤول الأمريكي وهذا الحاكم العربي أو ذاك يدرك إدراكا يقينيّا أنّ هناك من يحرض بإتجاه الفرقة , وبما أنّ ما تلفظه واشنطن أمر شرعي بالنسبة لحكامنّا فالفرقة هي سيدة الموقف .

تفرقنا لأنّ شعوبنا مغيبة عن صناعة القرار , فهي شعوب لا تملك أن تقرر في أي صغيرة وكبيرة , فحتى لو حرصت وزارات الإقتصاد العربية أن تطعم الشعوب العربية لحوم الحمير على أنّها لحوم الضأن لقالت شعوبنا للّه ما أحلاها لحوم الضأن .

تفرقنّا لأنّنا سحبنا الماضي على الحاضر , وأستصحبنا بتعبير علماء الفقه والأصول الموروث الماضوي على الحاضر , فكرسنّا المذهبيات والطائفيّات والجهويات , فبدل أن يكون لنا خطاب واحد بات لدينا خطابات , وبدل أن يكون لدينا إسلام واحد بات لدينا إسلامات , وبدل أن يكون لدينا رؤية واحدة باتت لدينا رؤى متعددة , فكيف بعدها نتحد ونتوافق على منهج وحدوي واحد !

أما لماذا تقدموا فذلك فصل أخر وبحث مغاير , تقدموا لأنّها تعلموا من ماضيهم , أخذوا من ماضيهم المحاسن وتركوا المساوئ , ونحن أخذنا من ماضينا المساوئ وتركنا المحاسن .

قدسوا الإنسان والحيوان على السواء وأوجدوا خططا منسجمة مع قدسيّة هذا الإنسان , ونحن قزمنّا إنساننا وتعاملنا معه على خلفية أنّه حشرة , على طريقة الفكر الصهيوني الذي يعتبر الإنسان غير اليهودي من الحوييم أي غير ذي روح يجوز قتله تماما شأنه شأن الحشرة.

آه يا فيصل إنّك تثير اللواعج دوما ولذلك سأتوقّف !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هكذا بدأت الحرب العالميّة ضدّ الاسلام والمسلمين ‍‍ ‍.

 

 

 

ما إن وقعت الأحداث الداميّة في الولايات المتحدة الأمريكيّة حتى سارعت وسائل الإعلام الغربيّة المرئية والمسموعة والمكتوبة إلى تخصيص حيّز كبير من اهتماماتها للإسلام والجماعات الإسلاميّة وأسامة بن لادن على وجه التحديد , فالقنوات السويدية بادرت إلى بث العديد من البرامج عن الإسلام والحركات الإسلاميّة في العالم العربي والإسلامي , كما خصّت قناة سويدية بن لادن زعيم تنظيم القاعدة بحصّة كاملة . وقد سارعت وسائل الإعلام في دول الشمال – السويد , الدانمارك , فنلندا , النرويج , إيسلندا  - إلى كتابة عشرات المقالات عن الإسلام والعالم الإسلامي وشارك في هذه الحملات الإعلاميّة عشرات الخبراء الغربيين بالعالم الإسلامي ومناطق جغرافية في العالم العربي والإسلامي وتحديدا منطقة أفغانستان , وقد ذهبت فتاة سويدية إلى الادعّاء بأنّها كانت على علاقة معاشرة مع أخ بن لادن المدعو سهلي بن لادن كمّا صرحت لجريدة أفتون بلادت السويدية الشعبيّة . و الملفت للنظر أنّ البرامج  المصورّة عن الإسلام والمسلمين كأنّها كانت معدّة سلفا و بين عشيّة وضحاها أصبح الإسلام والمسلمون الحدث الإعلامي الأول في معظم القنوات السويدية و في دول شمال أوروبا وأوروبا الغربيّة عموما . ولا يمكن على الإطلاق أن تكون هذه البرامج التي خرجت دفعة واحدة بريئة إذ أنّ هناك مخططّين يهدفون إلى إحداث صدام بين الإسلام والمسلمين في الغرب وبين الغرب والغربيين , وبشكل مفاجئ اختفى الحديث عن شارون وإجرامه والدولة العبريّة وتماديها في قتل الفلسطينيين وبذرائع جديدة هذه المرة . ويحاول الرسميون في السويد الظهور بمظهر المعتدل الذي لا يخلط بين فعل بعض الإرهابيين و الجاليّة العربية والمسلمة في السويد , وقد زارت السياسيّة السويدية الشهيرة وزيرة الاندماج منى سالين ومعها بعض السياسيين مسجد ستوكهولم مؤكدّة أنّ المسلمين في السويد لا داعي أن يشعروا بالخوف , كما أنّ السياسي السويدي زعيم حزب المحافظين السابق كارل بلد صرحّ للتلفزيون السويدي أنّ الإرهاب موجود في كل الديّانات ولا داعي لحصر الإرهاب بالإسلام . وإذا كان للرسميين ضروراتهم السياسيّة والانتخابيّة فانّ الإعلاميين ووسائل الإعلام الغربية معروف أنّ لها امتدادات مغايرة وهي تساهم إلى أقصى درجة في جعل المسلمين والإسلام عدوّا يجب البطش به .  وقد نجحت الماكنة الإعلامية الغربية في جعل المسلمين كافة في خانة المعتدين المتربصيّن بالحضارة الغربية الراغبين في تدمير منجزات الحضارة الغربيّة . وبات من الصعوبة إقناع الغربيين اليوم بأنّ الإسلام دين حضارة وهو لا يستهدف على الإطلاق إلحاق الأذى بالآخرين مهما كانت عقيدتهم و توجهاتهم الإيديولوجيّة . لقد نجح اللوبي الصهيوني في بناء جدار برلين من فولاذ بين الغرب والإسلام وأستطاع أن يرجّح الكفة لصالحه في مواقع جغرافيّة لا حصر لها . ولا يملك المسلمون في الغرب أي وسيلة لردّ هذه الغارة الإعلاميّة عليهم وعلى دينهم , خصوصا في ظلّ الانحياز الكامل لطروحات الصهيونية واليمين المتطرّف . ويرى بعض المراقبين في العديد من العواصم الغربيّة أنّ اليمين المتطرف سينتعش في الأيّام المقبلة خصوصا وأنّ كثيرا من الخبراء هنا في الغرب يرون أنّ المعركة في بدايتها و أنّ ما يأتي سيكون أعظم بكثير . ونتيجة لكل هذه التوجهات أصيب المسلمون بحالة من الإحباط واليأس لغيّاب الناصر خصوصا وأنّ الدول العربية لم تبادر إلى دعوة العواصم الغربية بضرورة الحفاظ على مشاعر العرب والمسلمين بقدر ما راحت تبدي استعدادها لتقديم العون لأمريكا . لا شكّ أنّ ما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية هو عمل فردي اضطلعّ به بعض الأشخاص ولا يمكن تحميل مليار مسلم مسؤوليّة ما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية , وإذا كان بعض الرسميين في عواصم القرار في الغرب شبه مقتنعين بهذه المسألة إلاّ أنّهم لم يبذلوا أي جهد في سبيل وقف الحملات الإعلامية التي تستهدف المسلمين بمختلف مشاربهم ومذاهبهم . وقد بدأ بعض الكتّاب في الغرب يتحدثون مجددا عن صراع الحضارات وحروب الديانات وهم بذلك يعملون على معالجة الخطأ بالخطأ , والخارطة الإعلاميّة الغربية التي شرعت في حملة غير طبيعية ضدّ الإسلام والمسلمين تهمل كل التصريحات وكافة المواقف التي أطلقها علماء الإسلام والتي فيها دعوة إلى التراحم والتعاون بين أبناء الإنسانيّة قاطبة , وراحوا ينقلون تصريحات لمن لا يعتّد بأعلميتهم و فقاهتهم .

إنّ السائد اليوم في أمريكا والغرب هو أجواء حرب عالميّة حقيقيّة , لكنّها حرب عالمية بين الحضارات والأفكار والإيديولوجيّات , وهذا المناخ الفكري والإعلامي المحتقن قد يمهّد لحرب حقيقيّة لا يعرف أحد مداها , ولعلّ الدعوة إلى إقامة تحالف دولي ضدّ الإرهاب قد يكون البداية لمثل هذه الحرب , قال عنها أحد منظرّي الحركة الصهيونية في يوم من الأيّام : فلتكن حرب بين المسلمين والمسيحيين يخرج منها اليهود منتصرين لريّادة العالم !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

واشنطن حددّت ساعة الصفر .

 

 

 

 

 

 

نقلت صحيفة سويدية أفتون بلادت Aftonbladet 23 – 01 – 2003 معلومات مستفيضة عن الخطة الأمريكية المراد تنفيذها في العراق بعد أقل من شهر وتحديدا في الوسط الثاني من شهر فبراير , وقد إستقت الجريدة معلوماتها من مصادر عسكرية روسية في وزارة الدفاع الروسيّة ولم تقدم الجريدة معلومات مستفيضة عن هذه المصادر العسكريّة ولا من أين إستقت المصادر الروسية معلوماتها .

وقد شرحّت جريدة أفتون بلادت السويدية المعلومات التي أدلت بها مصادر روسية عسكرية رفيعة المستوى حول تحديد واشنطن لساعة الصفر المتعلقة ببداية الغارة الأمريكية على العراق والتي ستفاجئ العراقيين كون المعلومات تشير إلى حرب شاملة ومن جهات الأرض الثلاث البريّة والبحريّة والجويّة , وسيكون الهدف إجراء مسح جغرافي إحتلالي للعراق وصولا إلى العاصمة العراقية بغداد التي ستحاصر بعد إنهاكها بالضربات الجوية وهو سيناريو مشابه لسيناريو واشنطن في أفغانستان حيث كانت الطائرات الحربية الأمريكية العملاقة تفرغ حمولة قنابلها الفتاكة على العاصمة كابول الأمر الذي مهدّ لجيش الشمال الأفغاني بالإنقضاض على كابول . ومثلما إستعانت واشنطن بباكستان والهند وغيرهما في حربها على أفغانستان فإنّ الكثير من الدول في الجوار العراقي ستكون في خدمة الغارة الأمريكية على العراق , وهو الأمر الذي قد يملي على صدام اللجوء إلى سياسة الأرض المحروقة فيحرق آبار النفط برمتها , و لهذا أعدت واشنطن خطة طوارئ للتحكّم في آبار النفط .

وحسب معلومات الجريدة فإنّ الخطّة الأمريكية ستربك الدفاعات العراقية بإعتبار أنّها ستلجأ إلى تكثيف الضربات الجوية بشكل متواصل وعلى مدار الدقيقة والساعة على قاعدة الهجوم أولا وثانيا وثالثا , ومن شأن هذه الضربات الجوية أن تطاول كل البنى التحتية والمؤسسات الحيوية ومراكز الإتصال والكهرباء وكل ما من شأنه أن يساهم في تعزيز الدفاعات العراقية . 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الغارة الكبرى على العالم الإسلامي !

 

 

 

تشبه بداية هذا القرن ببداية القرن الماضي في كثير من التفاصيل وتحديدا الجانب المتعلّق بالعالم العربي والإسلامي , ففي بداية القرن التاسع عشر أستبيح العالم العربي والإسلامي إستباحة عسكرية و ثقافية وسياسيّة وإقتصاديّة وقد أدّت هذه الإستباحة التي كان وراءها الغرب بثقافتيه الفرنسية والإنجليزيّة إلى تعطيل المشروع التنموي والنهضوي العربي والإسلامي , كما أدّت إلى نشوء عوامل التخلف في كل مواقعنا . وفي الوقت الذي كانت فيه الحركة الإستعماريّة الغربيّة تطوّر مشروعها النهضوي والحضاري بمواردنا الأوليّة و بخيراتنا الظاهرة والباطنة و بأيدي أجدادنا الرخيصة , كانت في المقابل تدكدك وتطوّق كل منطلقات النهضة في مواقعنا وحتى لمّا غادرت هذه الحركة الإستعماريّة مواقعنا بضربات هذه الثورة وتلك , فقد غرست في الصفوف الأمّامية والخلفيّة لكل ثورة من سوف يكمل المسار الإستعماري لكن بأساليب جديدة , ولعلّ هذا ما قصده الجنرال شارل ديغول وهو يغادر في الجزائر سنة 1962 عندما قال : لقد غرسنا في الجزائر بذورا ستينع بعد حين . وشاءت الظروف أن فعل أبناء ثقافة فرنسا في الجزائر ما لم تفعله فرنسا في الجزائر نفسها , ففرنسا تمكنّت من قتل مليونين جزائري لكنّها لم تتمكّن وأد الثقافة العربية والإسلامية , التي سهل على أبناء الجزائر من المتفرنسين من وأدها وبطرق جهنميّة.

وعلى إمتداد مائة سنة عاش عالمنا العربي والإسلامي موزعّا بين ثقافتين وهما الثقافة الفرنسية والتي كانت تمثلّها الأمبراطوريّة الفرنسيّة التي كانت تحتّل ثلث الكرة الأرضية , والثقافة الأنجليزيّة والتي كانت تمثلها الأمبراطوريّة البريطانيّة والتي كانت تحتلّ ثلثا أخر من الكرة الأرضيّة . وتعتبر المستعمرات الفرنسية والبريطانية السابقة من أكثر المناطق التي تعاني راهنا أزمات في هويتها وإقتصادها وسياستها وأمنها وثقافتها وزراعتها وجغرافيتها وما إلى ذلك. ولم تعمل الأمبراطوريتان الفرنسية والأنجليزية على نشر الحضارة والإزدهار كما أدعتّا في بداية إحتلالهما لهذه الدولة وتلك , بل قامتا بإمتصاص كل الخيرات التي كانت كفيلة لو ظلت بأيدي أصحابها بإحقاق النقلة النهضويّة في واقعنا العربي والإسلامي . كما قامت بإستحمار الشعوب العربية والإسلامية كما قال الأستاذ مالك بن نبي . وعلى الرغم من إنتهاء مرحلة الأمبراطوريّات , إلأّ أننّا دخلنا في مرحلة أشد خطورة هي عبارة عن جمع بين ما سبق من تعسفّ أمبراطوري عسكري – حيث الإعتداء على الجسد والجغرافيا – و التعسف العقلي والثقافي – حيث التخطيط المحكم لمصادرة تاريخنا وموروثنا ومقدساتنا  - .

فالأمركة أو العولمة هو المشروع الذي تقوده حاليّا الولايات المتحدة الأمريكيّة والتي تريد تعميمه على العالم وخصوصا بعد أن أصبحت المهندس الوحيد لمجمل القرارات العالميّة , وعلى رغم تعميمها لنموذجها بقوة التقنية والإعلامية في مجمل القارات الخمس , إلاّ أنّها إنتقلت إلى مرحلة الفعل العسكري لتعميم هذا النموذج في المواقع التي تتمتّع بممانعة ذاتية لمشروعها وهو العالم الإسلامي الذي تدفعه عقيدته بإتجاه الإعتزّاز بالذات .

 وقد دفع مشروع الأمركة مشروعا أخر كان موجودا ومطروحا لكن ليس بهذه القوة وهو مشروع الفرانكفونية الذي تقود لواءه فرنسا .

وكلا المشروعين الأمركة والفرانكفونية هما مشروعان إرهابيان وليدا نزعة إستعلائيّة إستكباريّة في حقّ الشعوب المستضعفة  .

فالغزاة الفرانكفونيون عندما وصلوا إلى المغرب العربي في سنة 1830 , حولّوا المساجد إلى كنائس وإصطبلات , وجمدّوا تدريس اللغة العربية , وأعتبروا مدرّس اللغة العربية مجرما يجب سجنه بين ست أشهر وسنتين , وحظروا كل مدارس التعليم العربي والقرآني و الديني , وفي المقابل فرضوا اللغة الفرنسية وأجبروا الناس على ضرورة تعلمها إلى أن نسوا لغتهم الأم اللغة العربيّة . ولم يكتفوا بذلك بل قتلوا في الجزائر في بداية غزوها أربع ملايين جزائري هبّوا للدفاع عن مقدساتهم , وأنتهكوا حرمات النساء , وفرضوا على الجزائريين أسماء لا هي عربية ولا هي أعجمية إمعانا في تشويه الشخصيّة الجزائريّة .

وقد تمكن الغزاة الفرانكفونيون من إفقار إفريقيا وإمتصاص خيراتها , ولم يبقوا حتى على الفاكهة الإفريقية التي كانت ترسل للإنسان الأوروبي , بعد أن يزرعها ويقطفها الإنسان الإفريقي بدون مقابل . وحتى المساعدات الفرنسيّة إلى الشعوب الإفريقيّة بعد إستقلال إفريقيا كانت تسترجع فرنسا بدلها ربحا مضاعفا , وقد قال مستشار الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا متيران إنّ كل فرنك تدفعه فرنسا كمساعدة لإفريقيا تسترجع بدله عشر فرنكات . وفرنسا التي ترفع لواء الفرانكفونية وتسعى لضمّ مستعمراتها السابقة إلى مظلتها اللغوية والحضارية والثقافية حبذا لو تكون رفيقة مع هذه الدول وتعفيها من ديونها المترتبة عليها لفرنسا والتي تجاوزت مئات الملايير من الدولارات .

ولم تكتف فرنسا بهذا بل إستقطبت مثقفين فرانكفونيين من البلاد العربية والإسلامية وراحت تغدق عليهم الجوائز ليسبّوا إسلامهم ودينهم وعروبتهم , مثلما فعل كاتب جزائري فرانكفوني يدعى كاتب ياسين والذي طالب رسول الإسلام محمد بحمل حقيبته ومغادرة الجزائر !

والأمركة المتحالفة مع الراديكاليين اليهود والبروتستانت تهدف هي الأخرى إلى إستئصالنا من واقعنا الثقافي والحضاري إلى واقعها وحضارتها بإعتبارها النموذج المنتصر على حد ماذهب إليه فوكوياما . والحروب الأمريكية الماضية والراهنة والمقبلة في العالم العربي والإسلامي هي تتمّة وإستمراريّة لما كان وقد عرفه عالمنا العربي والإسلامي قبل أزيد من مائة عام .

وقد إستخدمت الأمركة نفوذها الإقتصادي والعسكري والأمني واللوجستي والسياسي في تنفيذ مشروعها الذي بدأ بتحويل الإسلام إلى عدو رقم واحد للكتلة الغربيّة , ثمّ لجأت إلى نخر هذا العدو رغم كونه مستضعفا ضعيفا , بتجفيف منابعه الثقافية تارة , و محاصرته تارة أخرى , ولأنّه لم يبق له إلاّ النفط فهي قادمة لتجريده من هذا المصدر الذي بقيّ له , وبعد ذلك وعندما تتأكّد أنّها قد أجهزت عليه تعمل في مواقع وجوده صياغة وإعادة رسم تماما كما بدأت الأمبراطوريات السالفة الذكر برسم خرائطنا وجغراقياتنا في بداية القرن الماضي .

ويأتي دور الصهينة لتكمل ما تبقى من مشاريع الوأد الحضاري في أهم موقع جغرافي وحضاري نملكه , وبمباركة من الأمركة , وصمت عفيف من الفرانكفونية توغل الصهينة خناجرها في أهم موقع عربي وإسلامي , وتغذى الصهينة مشروعها السياسي والعسكري والأمني بمشروع ثقافي وفكري يهدف إلى تشويه حقائق التاريخ والجغرافيا , ويضيف إلى مشاريع الإنقضاض على عالمنا العربي والإسلامي مشروعا أخر لا يقل خطورة بل هو الدافع لهذه المشاريع أن تمعن في طعن العالم العربي والإسلامي المريض .

والفرانكفونيون يحق لهم أن يتحدثوا عن الفرانكفونيّة , و الأمريكيون يحق لهم أن يتحدثوا عن الأمركة والصهاينة يحق لهم أن يتحدثوا عن الصهينة . فلماذا عندما يتحدث المسلمون عن إسلامهم يتهمون بالإرهاب !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أوروبا والغارة الأمريكيّة المرتقبة على العراق .

 

 

تعيش العواصم الغربيّة حركة غير عادية من الإتصالات السياسيّة والديبلوماسية والمشاورات المكثفّة حول مشروع الغارة الأمريكيّة المرتقبة على العراق , والتي باتت في حكم المؤكّد في نظر دوائر القرار في العواصم الغربيّة . والإهتمام المكثّف من قبل العواصم الغربية وتحديدا الدول الأعضاء في الإتحّاد الأوروبي بالغارة الأمريكية المرتقبة على العراق يعود إلى مجموعة أسباب مافتئ راسمو السياسات الأوروبيّة ينعمون النظر فيها .

وفي نظر الخبراء الغربيين فإنّ الموافقة المطلقة على ما سوف تزمع واشنطن القيّام به في العراق سيكرّس سابقة خطيرة في العلاقات الدوليّة و سيجعل من الحرب أساسا في حلحلة الأزمات الدولية الساخنة ويشكّل ذلك خرقا واضحا لكل الدساتير والقوانين الأوروبيّة التي ركيزتها إحترام حقوق الإنسان والحرب مصداق بارز وجلّي من مصاديق إنتهاك حقوق الإنسان بإعتبارها تشكّل إنتهاكا للروح البشرية التي هي مقوّم هذه الحقوق .

بالإضافة إلى ذلك فإنّ العواصم الغربيّة تعتبر أنّ موافقتها المطلقة على الغارة الأمريكية على العراق من شأنّه أن يعرّض علاقاتها السياسية والإقتصادية والإستراتيجية بالعالم العربي والإسلامي بشقيه الرسمي والشعبي إلى الخطر الشديد , فمن شأن إحتلال أمريكا للعراق أن يؤدّي إلى فقدان أوروبا إلى كل الأسواق العربية والإسلامية بإعتبار أنّ واشنطن تريد الغنيمة برمتها وهي لن تكتفي بالعراق بل إنّ مشروعها أبعد من العراق كما تقول بعض الدوائر الإستراتيجيّة في بعض العواصم الغربيّة . و أوروبا التي تحرص على علاقات حسنة مع العالم العربي والإسلامي و تعتبر نفسها حلقة وصل بين العالم العربي وبقية دول العالم في الكتلة الغربية وغيرها سوف تعرّض هذه العلاقات إلى الخطر خصوصا وأنّ التقارير القادمة من العالم العربي تشير إلى أنّه حتى الدول العربية الموافقة على المشروع الأمريكي في العراق قد تغيّر موقفها تحت ضغوط إنفجارات الشارع العربي والإسلامي , ومع بداية المقاتلات الأمريكية العملاقة في حصد رؤوس الأبرياء العراقيين .

وتتخوّف العواصم الغربية إن هي أبدت موافقة مطلقة على الغارة الأمريكية أن تصبح مثل أمريكا في العالم العربي مصالحها مهددّة جملة وتفصيلا , وبالإضافة إلى ذلك فإنّ الخارطة الأوروبية الغربية تضمّ أزيد من 15 مليون من العرب والمسلمين وأغلبهم يتمتعون بالمواطنة الأوروبيّة ويحق لهم المشاركة في الحياة السياسية بما في ذلك التصويت في الإنتخابات العامة, وقد تنعكس التطورات في العراق على سيكولوجية المهاجرين المسلمين الذين قد يلجأون إلى ما من شأنه المساس بالأمن القومي الغربي , كما أنّ جماعات اليسار و الشبيبة الغربية المعارضة للرأسمالية والعولمة الأمريكية قد تغتنم الفرصة للقيّام بأعمال عنف هنا وهناك  وهم الذين تعودوا أن يحرقوا كل شيئ أمامهم على هامش إنعقاد قمم الكبار في بعض العواصم الغربيّة . ومع تزايد موجة العداء للأمركة في الغرب فإنّ الخوف قائم من تطورات عكسية على الأوضاع بشكل عام في الغرب .

وللإشارة فإنّه منذ بداية الترتيبات الأمريكية للغارة على العراق إرتفع سقف معارضة النخبة الغربية السياسية والثقافيّة لأي عمل عسكري أمريكي في العراق وغيره , وفي الأفق القريب تظاهرات بالجملة في العديد من العواصم الغربية , كما أنّ معظم الصحف الغربية باتت تبرز تصريحات السويدي هانس بليكس رئيس المفتشين الأمميين في العراق من أنّ فرق التفتيش لم تعثر على شيئ في العراق , وأنّ هذه الفرق في حاجة إلى وقت إضافي لإكمال عملها في العراق , وكثيرا ما تلجأ صحف أوروبية إلى معارضة المشاريع الأمريكية بطريقة غير مباشرة من قبيل نشر عناوين عريضة تصيب في الصميم المبررات التي تبني عليها واشنطن سياستها وتحديدا في المسألة العراقيّة .

 وقد ركزّت الصحف النرويجية على تصريحات هانس بليكس السويدي المكلّف بالتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق والذي يقول فيها أنّ فرق التفتيش لم تعثر على أسلحة دمار شامل في العراق , ومعنى ذلك ضرورة وقف مشروع الحرب الأمريكية على العراق .

وقد ركزّت صحيفة داغ بلادت أوسلو النرويجيّة على هذا الموضوع مشيرة إلى أنّ فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة لم تعثر على أي شيئ من شأنه أن يدين العراق أو يؤكّد على إمتلاكه أسلحة الدمار الشامل كما تروّج لذلك كل من واشنطن ولندن .

وإذا كانت بعض العواصم الغربية قد حسمت موقفها بقوّة وأعلنت صراحة أنها لن تشارك أمريكا في حربها ضدّ العراق , فإنّ بعض الدول الغربية خائفة من عدم جنيها لأي غنيمة في حال لم توفد قواتها العسكريّة مع الجيش الأمريكي إلى العراق وهي الآن بصدد الموازنة بين حجم الغنائم وحجم الخسائر بناءا على ذكر في البداية . وعلى الرغم من حرص العواصم الغربية على علاقاتها الإستراتيجية والإقتصادية والسياسية بواشنطن إلاّ أنّها وفي المسألة العراقية تحديدا بدأت تجهر بما لا يرضي العاصمة الأمريكية .

وحتى رئيس الوزراء توني بلير الذي إعتبرته الصحافة الشعبية البريطانية بأنّه وزير خارجية أمريكا بإمتياز بدأ يعيد حساباته ويطالب واشنطن بتأجيل الحرب أو إعطاء فرصة لفرق التفتيش عن أٍسلحة الدمار الشامل في العراق , وحسب بعض الخبراء الغربيين فإنّ الوزير الأول البريطاني توني بلير لم يتمكن من إقناع أي عاصمة غربية بصدقيّة التوجهّات الأمريكية الأمر الذي جعله وبلاده بريطانيا معلقا بين مشيمته الأوروبية والحبل السرّي الذي يربطه بواشنطن .

كما أهتمت صحيفة أخبار اليوم السويدية بالتصريحات التي أطلقها رئيس وزراء بريطانيا توني بلير من أنّ الغارة الأمريكية – البريطانية على العراق قد تتأجّل إلى الخريف المقبل , وفي الوقت الذي نشرت فيه الصحف السويدية هذه التصريحات المنسوبة لبلير وإدعّاء الأخير أنّه طلب من واشنطن تأجيل الحرب على العراق , إستفاضت الصحف السويدية في الحديث عن جحافل الجيوش البريطانية والأمريكية المتوجهّة إلى منطقة الخليج وعززّت ذلك بالأرقام والصور وما ذكرته المصادر الديبلوماسية والسياسية المطلعة , و في ذلك إشارة على أنّ تصريحات توني بلير تندرج في سيّاق الخدعة الحربية التي تهدف إلى مراوغة العراق ومن تمّ الإنقضاض عليه في اللحظة والتوقيت الذي بات معروفا والذي وقعّ عليه الرئيس الأمريكي جورج بوش شخصيا حسب المصادر الأوروبيّة .

ويذهب بعض الخبراء الغربيين إلى القول أنّ أوروبا تخضع لمنطلقات براغماتيّة خالصة , فهي لجأت إلى الصمت الآن وتبدي إعتراضها الظاهري على الغارة الأمريكية على العراق , وتدرس برويّة تداعيات الموقف في العراق فإذا رجحت الكفّة لصالح واشنطن مالت إلى وليّة نعمتها السابقة , وإذا لم تحكم واشنطن أطراف اللعبة العسكرية التي تتسّم بكثير من المغامرة لا تكون أوروبا قد خسرت الكثير بل تكون مؤسساتها الإستراتيجية والأمنيّة قد أصابت في رؤيتها إستنادا إلى الأبعاد المحلية على صعيد الداخل الأوروبي وإلى الأبعاد الدوليّة على صعيد تطورات الموقف في العالم العربي والإسلامي .

ولأنّ ملفا من هذا القبيل كثير التشعبّات والتفرعات والتداعيات أيضا تشهد الكواليس الأوروبية تنسيقا في أكثر من صعيد وفي كل المستويات لضبط المواقف ساعة بداية الغارة الأمريكية على العراق والتي ستضيف أعباء جديدة وخطيرة ليس إلى الديبلوماسية الأوروبية فحسب بل إلى المؤسسات الأمنية التي مازالت تعيش هاجس تداعيات الحادي عشر من أيلول وتوابعها في العواصم الغربيّة .  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إفريقيا الباحثة عن دور في العصر الأمريكي  !

 

 

 

يأتي ميلاد الإتحّاد الإفريقي تتويجا لما كان طرحه سابقا وتبنّاه العقيد الليبي معمّر القذافّي الذي أصيب بحالة يأس من المشروع الوحدوي العربي فتوجّه إفريقيّا . وقد إستثمر العقيد معمّر القذافي علاقاته السابقة والقويّة بمعظم القادة الأفارقة الذين كانوا يترددّون على العاصمة الليبيّة طرابلس , وكان العقيد القذّافي يلبّي الحاجيّات السيّاسية وحتى الماديّة لهؤلاء القادة الأفارقة . وتجدر الإشارة إلى أنّه لم يكن سهلا على الإطلاق تدشين لبنة الإتحّاد الإفريقي خصوصا في ظلّ التنافس الأمريكي –الفرنسي المتأجّج حول القارة الإفريقيّة التي تعتبرها دوائر القرار والإستراتيجيا في الغرب بأنّها القارة البكر أو القارة العذراء المزدحمة بالثروات الطبيعيّة والموارد الأوليّة غير المستنفذة وغير المستفاد منها . وكان الإعلان عن ميلاد الإتحّاد الإفريقي في قمّة ديربان في جنوب إفريقيّا بمثابة الإنتقال من الفكرة وإلى الفعل , من دائرة النظريّة وإلى دائرة التطبيق , وقد أعلن القادة الأفارقة في هذه القمّة عن ميلاد الإتحّاد الإفريقي على أنقاض منظمة الوحدة الإفريقيّة التي تأسّست قبل حواليّ نصف قرن وترهلت وعجزت عن حلّ المشاكل السياسية والإقتصادية والثقافية والإجتماعيّة والعرقيّة العالقة في إفريقيّا . وكانت منظمة الوحدة الإفريقيّة خليطا من الرؤى والتوجهّات السياسية وأصبحت في فترة من الفترات مطيّة بيد الإرادات الدوليّة . وفي قمّة ديربان التي جمعت الزعماء الأفارقة جرى التأكيد على ضرورة تغيير النهج السياسي الذي كانت تنهجه منظمة الوحدة الإفريقيّة , بالإضافة إلى النهج السياسي , حيث قدمّ بعض القادة القادة الأفارقة تصوراتهم لكيفيّة النهوض بإقتصاديّات إفريقيا المنهارة , من خلال آلية لدمقرطة الحيّاة السياسية في القارة الإفريقيّة . ورغم الطموحات التي واكبت إنطلاقة الإتحاد الإفريقي إلاّ أنّ المراقبين لا يتوقعّون أن يختلف هذا الأخير عن منظمة الوحدة الإفريقيّة , والإختلاف الوحيد بين الإتحاد الإفريقي الراهن ومنظمة الوحدة الإفريقيّة الماضيّة هو في تراجع مراكز إفريقيّة إقليميّة نافذة في منظمة الوحدة الإفريقيّة وصعود مراكز إقليميّة ودول إفريقيّة أخرى ستلعب دورا في الإتحّاد الإفريقي المقبل .

 

قارة المستقبل :

 

رغم تراجع التنميّة في القارة الإفريقيّة وإنتشار الفقر بشكل مدقع وحالة التخلّف العارمة , إلاّ أنّ الإستراتيجيا الغربيّة تعتبر إفريقيّا قارة المستقبل كما يسميّها بعض المفكرين الغربيين . والكلّ يعرف أنّ القارة السمراء تستحوذ على ثروات باطنيّة وظاهريّة لم يستغّل منها سوى 10 بالمائة . ولعلّ حرص المحاور المتكالبة على عالمنا العربي والإسلامي والثالث على إبقاء إفريقيا على ماهيّ عليه يعود إلى النيّة المبيتّة لوضع اليد على هذه الخيرات بدل أن تكون عونا للإنسان الإفريقي المستضعف على تحقيق نهضته . وفي هذا السيّاق لا يجب أن ننسى أنّ الإشكالات الكبرى التي تعيشها إفريقيّا هي من مخلفّات الحركة الإستعماريّة التي بدأت في هذه القارة قبل خمس قرون , وكلما كانت حركة إستعماريّة تنتهي كانت حركة إستعماريّة أخرى تتولّى إسترقاق إفريقيا وتسخير الناس فيها وسرقتهم من بيوتهم وبيعهم في أسواق النخاسة الغربيّة . و يمكن القول أنّ إفريقيا مرّت بثلاث مراحل , لكل مرحلة خصائصها ومميزاتها وهي على التوالي المرحلة الإستعماريّة , حيث جردّت الدول الإستعماريّة الإنسان الإفريقي من كل مقومّاته وحولتّه إلى مجرّد عبد مستعبد ماديّا وحضاريّا للغرب .

والمرحلة الثانيّة هي مرحلة الإستقلال الوطني الناقص حيث خرجت الحركة الإستعمارية بآلياتها الحربيّة لكنّها ظلّت بمفرداتها التغريبيّة من خلال الأقليّة التي أعدتها لخلافتها في حال وقوع الإنسحاب التكتيكي . وهذه النخب التي تولّت الحكم لم تتمكّن من الإرتقاء بالإنسان الإفريقي إلى المستويات الوسطى من النهوض , بل إنّ هذه النخب كرسّت التبعيّة ومكنّت الأخرين وأقصد هنا الغربيين من الإسترسال في ممارسة النهب المقننّ والمنظّم . وفي يوم من الأيّام قال مستشار الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتيران أنّ كل فرنك تدفعه فرنسا لإفريقيا كمساعدة تسترجع بدله 10 فرنكات .

والمرحلة الثالثة هي المرحلة الراهنة مرحلة الإتحّاد الإفريقي الذي يحاول أن يرسم لإفريقيّا رؤيّا جديدة ومنهج جديد يتمّ بموجبه خروج الإنسان الإفريقي من دائرة المغلوبيّة الحضاريّة إلى دائرة الغالبيّة الحضاريّة .

وقد جربّت إفريقيا مافيه الكفاية مبدأ الإعتماد على المحاور الدوليّة لمساعدتها على الخروج من دائرة الإنهيارا ت الكبرى في كل المجالات , وبدأ بعض القادة الأفارقة يعتقدون بأنّه آن الآوان لتصحيح الأخطاء والرجوع إلى مبدأ الإعتماد على النفس والإنطلاق من قدرات إفريقيا الذاتيّة لبناء إفريقيا الجديدة .

وقد تأكدّ هذا النهج الإفريقي بعد فشل مشاريع الحوار بين الشمال والجنوب والتي إنتهت كلها إلى طريق مسدود , والتي أفضت إلى إنتصار محور الشمال الذي تخندق تحت الإدراة الأمريكية والذي بموجبه أصبح عشرون بالمائة – من المستكبرين – يتحكمّون في مصير ثمانين بالمائة – من المستضعفين - . وقد بدأ قادة بعض الدول الإفريقية يعتقدون أنّ التعويل على الكبار الذين تسببوا في نكسة إفريقيا ماضيّا وراهنا من شأنه أن يديم الأزمات ويعمقّها ومن شأنه أن يسببّ الكساد لإفريقيا , وهذه القناعات برمتها هي التي أملت تأسيس الإتحّاد الإفريقي الباحث عن دور في زمن العولمة الأمريكية !!!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عالمنا العربي بين طاغيّة بلسان عربي و طاغية بلسان إفرنجي !

 

 

 

أصبح عالمنا العربي الباحث دوما عن الخلاص مضطربا في صياغة مشروعه السياسي الذي لم تتشكّل أبعاده رغم إنقضاء عقود على إستقلال الجغرافيا العربية والإسلامية عن الحركة الإستعمارية المباشرة والتي عاودت الظهور مع بداية الألفيّة الثالثة في المشهد الأفغاني والمشهد العراقي  .

 ومنذ بروز الكيانات السياسية العربية على شكلها الحالي وهي موزعّة بين تيارين لا ثالث لهما , تيار الطاغوت العربي والإسلامي المحلي حيث تمكنّ طاغية هنا وطاغية هناك ممن أنتجتهم العسكريتاريّا العربية و الإسلامية – أقصد بالإسلامية جغرافيا العالم الإسلامي أيضا – من مصادرة كل المقدرات بل ومصادرة المستقبل بكل ما فيه من تفاصيل , وراح هذا الطاغية يصيغ التوجهات السياسيّة والإقتصادية والثقافية والإستراتيجية و الأمنية والعسكرية دون أن تكون بطانته من أهل الفكر الناضج , و على الدوام كانت بطانة الطاغيّة طغاة وعسكريون وأمنيون من سنخه , ونجح الطاغية المحلي ذي اللسان العربي من إرباك واقعنا وتعطيل عقولنا وربمّا أبلغ نجاح حققّة هو إقامة المقابر وتجميع الجماجم في رفوف خاصة تحت الأرض وتشييد المعتقلات والسجون وفتح بيوت الدعارة والعهر و إقامة نوادي القمار وعلب الليل لتعفين القيم والمبادئ وبذلك أنتج شبابا متعفنا لا يفرّق بين الديكتاتورية والديموقراطية , بين الحريّة والإستعباد , بين المشاركة في صناعة القرار و تنفيذ الأوامر بالحرف بدون مناقشة , وقد نجح هذا الطاغية المحلي ذي اللسان العربي من تحطيم الإنسان العربي ومسخه و تفكيك خصائصه الداخلية و الخارجية على السواء , إلى درجة أصبح معها تعاطي جرعة من المخدرات أفضل من رؤية الرئيس العربي في الشاشات الصغيرة لدى بعض الشباب العربي الذين بلغوا سنّ الخمسين ولم يجدوا لا بيتا ولا زوجة , ثمّ ما الحاجة إلى إنجاب الأولاد إذا كان الطاغية العربي أنجب ما يكفي من الأولاد والذين سيرثون الدولة والوطن على السواء .

وأقام الطاغية المحلي ذي اللسان العربي أوشج العلاقات وأقوى الروابط وأمتن الجسور مع الطاغية العولمي والكوكبي ذي اللسان الإفرنجي و الإنجليزي والذي تمثلّه أمريكا اليوم , و من هذا الطاغية إستمدّ الطاغية المحلي ذي اللسان العربي شرعيته وقوته وأسلحته و وسائل التعذيب والطرق الأمنية والإستخباراتيّة , وظلّ الطاغية الكوكبي الأمريكي على وجه التحديد يغذي الطاغية المحلي بأسباب القوة و المنعة والمكنة وكان في المقابل يجني ثروات ونفطا ومعادن ويورانيوما و فوسفاتا وحديدا و أدمغة مهاجرة ومهجرّة وملفات أمنية وإستخباراتية طازجة ودسمة تتعلق بأدق التفاصيل ولا يمكن لهذا الطاغيّة العالمي أن يحصل عليها حتى لو غرس ملايين العيون في أوطاننا .

و بفضل هذا الطاغية العولمي والمستعمر الجديد كبر طاغيتنا المحلي ذي اللسان العربي المبين فبات هذا الطاغية يتمادى في قتله وطغيانه و يدشنّ المقبرة تلو المقبرة على قاعدة أنّ الآخرة خير من الدنيا , وما دام الطاغية العولمي يحصل على ما يريد فإنّه كان يغضّ الطرف عن الطاغية المحلي , بل كان يدينه نهارا و يبعث إليه وسائل التعذيب ليلا , يدينه من خلال الناطق الرسمي له ويدعمه من خلال رجال الأمن والإستخبارات و الدسائس الذين كان يبعثهم إلى بلاط الطاغية المحلي لإنقاذه من مؤامرة هنا ومحاولة إنقلابيّة هناك .

وفي بعض الأحيان كان الطاغية العولمي الأمريكي هو الذي يختار الطاغية المحلي ويوصله إلى سدّة الرئاسة ويمكن له في الأرض ويفرضه على البلاد والعباد , وحتى إذا تمّت الإطاحة بهذا الطاغية كان الطاغية العالمي الأمريكي يعيّن آخر مادام يملك خزانا من العملاء الموالين له في العمود الفقري للدولة المؤسسّة العسكريّة .

وحتى إذا جعل الطاغية المحلي المدعوم بالطاغية الكوكبي الشعوب تكفر بكل القيم والشرائع , و حتى إذا أخرجهم من أطوارهم , وأجهز على عقولهم , و أربك تفكيرهم راحوا  يستنجدون بالطاغية العالمي الكوكبي الأمريكي الذي هو أصل بلائهم و أرضية بذور طغاتهم , و الواقع أنّ الطاغية العالمي كان يخططّ ويبرمج ويضع الإستراتيجية تلو الإستراتيجية لكي تؤول الأمور إلى هذه المرحلة وهي الإستنجاد بالطاغية الكبير .

 و عندما أسقط الطاغية الكوكبي الطاغية المحلي فرح الناس لحظات , و أكتشفوا بعد برهة أنّ طاغيتهم المحلي ذي اللسان العربي المبين هو فرع من فروع هذا الطاغية العالمي الكوكبي , بل هو من سنخه وإمتداد له , ووظيفة الطاغية المحلي أن يمهّد الأرض ويعّد الأنفس لإستقبال الطاغية الكوكبي و جعله مقبولا ومشروعا .

و توزعّت نخبنا ومثقفونا وشعراؤنا بين تأييد الطاغية المحلي و تأييد الطاغية العالمي , فيما مازال العالم العربي يبحث عن نفسه عساه يجد خياره الثالث البعيد عن مدلهمّات الطاغية المحلي و مكر الطاغيّة العالمي !!!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أسباب تقدمّ الغرب وتقهقر الشرق ! .

 

 

تقاس الديناميكيّة النهضويّة والتنمويّة و الملامح المستقبليّة في أي حقل جغرافي يقطنه مجموعة بشريّة بالإستراتيجيّة المتبعة والتي وضعها مجموعة من الناس لديهم قدرة خارقة على صناعة القيمومة الحضارية ومن شروط نجاح هذه الاستراتيجيّة و فعاليتها توافق هذه الاستراتيجيّة مع التركيبة الاجتماعيّة والخصائص الثقافيّة لهذه المجموعة البشريّة أو تلك . وبهذا المنطلق نضمن أن تكون الاستراتيجية منسجمة مع الواقع الاجتماعي ومستوعبة له وفي الأغلب موجهّة له باتجاه الأهداف الكبرى المرسومة وبدون ذلك تكون الإستراتيجيا مجرد يوتيبيا لا وجود لها إلا في بعض النتاجات الأدبية والفكرية وهي كثيرة إلى أبعد حدّ في التراث البشري .

لكن  هل نملك نحن في واقعنا العربي والإسلامي والثالثي استراتيجيّة حتى نضع أنفسنا هاهنا في موضع المقارنة مع الأخر الذي نعني به الكتلة الغربيّة على وجه التحديد !

ولماذا يستمر الفكر العربي وحتى الإسلامي ويسترسل في التركيز دائما على الثنائيات من قبيل الأصالة والمعاصرة , النقل والعقل , النص والاجتهاد , التعريب والتغريب , السلفيّة والتنوير ,الإسلام والعروبة , ووصولا إلى استراتيجيتنا واستراتيجيتهم أي نحن والأخر !  ألسنا في ألفية العولمة و القرية الكونية وذلك يستوجب إلغاء الخصوصيات و ما به تتحدد الهويّة وإذا كنا بلا استراتيجيّة فلا بأس بالاقتباس مادام العقل العربي والإسلامي تعطل مع رحيل أبي علي بن سينا !!

وكل هذه أسئلة نسمع صداها هنا وهناك في خطّ طنجة – جاكرتا . مبدئيا عندما نعمل النظر في خارطتنا جنوبا و في خارطتهم شمالا نستكشف مجموعة لا حصر لها من الملاحظات منها –

1-             كل التراجع في خط الجنوب وكل التقدم في خط الشمال .

2-              ثمانون بالمائة من البشر يقطنون في خط الجنوب وعشرون بالمائة في خط الشمال .

3-              جنوب مستهلك و شمال منتج .

 

4-      أغلبية خط الجنوب تعيش في خضم كل المعضلات البشريّة التي عرفها الإنسان منذ وجد على هذه البسيطة ,وأقليّة في الشمال تتمتع بكل ملذات الدنيا .

5-      أغلبية في خط الجنوب تعيش وفق لهجات لا علاقة لها بلغة التقنية ,و أقلية في خط الشمال نسيت لغتها – استخدمنا لفظ النسيان تجاوزا و إلاّ فهي تعض بالنواجذ على لغتها- و تفاعلت مع لغة الأرقام المنتجة والتي بفضلها تحولّت الطبيعة ومواردها إلى بضاعات تسوّق إلينا بالعملة الصعبة .

وما إلى ذلك من المفارقات بل المتناقضات التي لا يمكن إيجازها في هذا السياق وكل ما جئنا على ذكره يكشف عن فعّالية استراتيجيتهم و نكوص استراتيجيتنا بين قوسين .

لكن أليس استراتيجيتهم تهدف إلى بناء حضارة يستفيد منها بنو الإنسان  ! أليس القبول باستراتيجيّة الأخر المنتصرة أمر لابدّ منه ! لكن ما هي معالم استراتيجيتهم و معالم استراتيجيتنا !

عندما يمعن الإنسان الباحث النظر في آلية عمل الحضارة الغربية يدرك أنّ هذه الحضارة لم تنطلق من فراغ بل إنهّا وصلت إلى ما حققته بعد جهد مستفيض في كافة المجالات . فإذا أخذنا المثال السويدي نجد أن السويديين يقدسون العمل أيمّا تقديس , ويردد السويديون بإستمرار عبارة العمل هويتنا والهوية عملنا . ويضاف إلى ذلك حب غير طبيعي للعلم والاستكشاف والمعرفة , و تصرف الحكومة السويدية مبالغ خيالية على العلم والتعليم في نفس الوقت , وكل المجالات مفتوحة للراغبين في التحصيل العلمي , بل إنّ الحكومة تدفع للطالب راتبا شهريا وتفتح له كل المجالات للتحصيل العلمي حتى إذا أراد هذا الطالب إكمال دراساته خارج السويد .

فالعلم والعمل هما جناحا الاستراتيجية الغربية , وهما سببا التطور و النقلة النهضوية التي نراها في الغرب , وللأسف الشديد فانّ القيمتين المذكورتين تراجع رصيدهما في واقعنا العربي والإسلامي الأمر الذي أدىّ إلى اختلال التوازن في كل المجالات وربما تصحيح الأمور في واقعنا يتم بدءا من إعادة الاعتبار للعلم  والعمل على السواء .

والملاحظ أنّ هذا الانتصار الحضاري للكتلة الغربية بات مقرونا ببعد إيديولوجي يراد تعميمه على واقعنا العربي والإسلامي , ويخشى أن ينتهي بنا المطاف على الأمد البعيد إلى فقدان الإستراتيجيا والإيديولوجيا على حدّ سواء , فنبقى مهيضي الجناح نتفرّج على غيرنا وهم يصنعون الحاضر والمستقبل , فيما نكتفي نحن ببعض الإنجازات التاريخية والماضيّة !!!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

منتدى الناتو والخطر الأخضر.

 

 

 

 

 

في أوائل التسعينات وعندما تفكك حلف وارسو كما تفككت الأمبراطورية السوفياتية السابقة برز حلف الناتو أو حلف الأطلسي كأقوى حلف في العالم له استراتيجيته و مخططاته و ميزانيته و مشاريعه وسياساته الخاصة .

وبسبب الفراغ الحاصل في مجال الأحلاف العسكرية فقد تحول منتدى الناتو الى أهم حلف عسكري وتدل على ذلك نشاطاته المتزايدة وامتداده ليشمل دول أوروبا الشرقية سابقا.وتهيمن على منتدى الناتو الولايات المتحدة الأمريكية التي مازالت ترى أنها صاحبة الفضل على أوروبا والتي لولا مشروع مارشال الأمريكي لظلت أوروبا في خانة الدول المتخلفة .

و خلفية تشكيل حلف الناتو كانت سياسية في بداية المطاف , اذ بعد الحرب الكونية الثانية وبداية امتداد الأتحاد السوفياتي باتجاه أوروبا الشرقية ,شعرت الولايات المتحدة الأمريكية ومعها دول أوروبا الغربية بدنو الخطر الأحمر الى عقر الدار الأوروبية ولمواجهة الخطر الأحمر تم تشكيل حلف الناتو لمواجهة الايديولوجيا الحمراء والترسانة العسكرية الحمراء أيضا.

و اذا كان الخطر الأحمر قد زال الى الأبد وباتت دول أوروبا الشرقية تتكالب للانضمام الى حلف الناتو , وحتى روسيا وقعت اتفاق شراكة مع الناتو فما داعي لبقاء الناتو وحرصه على مزيد من التوسع والاستقواء.

و للاجابة على هذا السؤال لابد من اعمال النظر في تصريحات مسؤولي الناتو والتدقيق في البيانات الختامية لمؤتمرات منتدى الناتو و فحص الدراسات التي يصدرها الناتو.

مبدئيا تحرص بعض الدراسات على القول أن حلف الناتو وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي السابق أصبحت وظيفته تكمن في الحفاظ على الأمن القومي للكتلة الغربية و الحؤول دون وقوع أحداث مشابهة لتلك التي وقعت أثناء الحرب الكونية الأولى والثانية والتي كانت أوروبا مسرحا لها .

وهناك بعض الدراسات التي قام بها الناتو و بعض مؤسسات الدراسات التي تتعاون مع منتدى الناتو تفيد بأن الخطر الأحمر أصبح اليوم خطرا أخضر ,

وأن الخطر الأخضر أخطر بكثير من الخطر الأحمر , وتفترض بعض هذه الدراسات أن تعم الأصولية العالم العربي والأسلامي واحتمال أن تندلع مواجهات بين الكتلة العربية الاسلامية مع الكتلة الغربية .

وبعض هذه الدراسات تحمل الرائحة الامريكية وفيها بصمات لبعض صناع القرارالسابقين في أمريكا و الذين باتوا يتعاونون مع مراكز الدراسات الاستراتيجية .

وهناك محاولات حثيثة لتوجيه الناتو في منحنيات بيانية مضادة للعالم العربي والاسلامي , وكانت بعض قمم الناتو وضعت مخططات عسكرية عن كيفية التدخل السريع في هذا الاقليم أوذاك في حال انهارت الأوضاع الأمنية أو نشبت مشاكل من أي قبيل كانت.

واللافت للنظر أن أحد الباحثين من تل أبيب ذكر في بحث له أن أمنيته أن يدخل الناتو في حرب مع كتلة العالم العربي والاسلامي لتضمن الدولة العبرية بذلك ضعف الكتلتين الغربية والاسلامية ثم تستفرد هي بعدها بالسيادة على البحر الأبيض المتوسط و الذي يعتبر قاسما جغرافيا مشتركا بين الكتلة الغربية وعديد من الدول العربية.

و أشد مايخشاه المراقبون أن يتحول الناتو الى مؤسسة أمريكية في صيغة الشركة المتعددة الجنسيات , و رغم أن فرنسا تعمل على زحزحة الاستفراد الامريكي بمنحنيات الناتو الا أنها في النهاية تقبل صاغرة بما تخطط له واشنطن.وكانت واشنطن في وقت سابق أعطت الضوء الأخضر لدخول المجر وتشيكيا و بولندا الى منتدى الناتو و تحفظت على انضمام رومانيا وسلوفينيا . وكانت فرنسا وايطاليا اعترضتا على سياسة أمريكا الناتوية حيث تسعى واشنطن للانفراد بصناعة سياسة الناتو العسكرية والامنية وغيرها  ويبدو ان واشنطن وحدها تأكل العنب والبقية تتفرج على اللعبة فقط.

ومن هذا المنطلق يخشى أن تجيّر واشنطن الناتو في حروبها المفتوحة شرقا وغربا وحتى في الفضاء مستقبلا…..  

 

           

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إعادة إنتاج الإستعمار في العالم الإسلامي .

 

 

يعيش العالم الإسلامي اليوم وضعا معقدا ومربكا في كل تفاصيله , وقد أصبحت الجغرافيا التي تدين بالإسلام من طنجة وإلى جاكرتا ووصولا إلى روافد العالم الإسلامي في معظم القارات عرضة للإحتلال المباشر وغير المباشر عسكريّا وسياسيّا و إقتصاديّا وثقافيّا وأمنيّا , وقد كان الإعتقاد السائد أنّ العالم الإسلامي قد ودعّ وإلى الأبد الحركة الإستعمارية التوسعية الغربية والتي أرخت بظلالها علىعالمنا الإسلامي في القرن الماضي , والتي كانت سببا رئيسا في تراجع المشروع النهضوي والتنموي الإسلامي , كما كانت السبب في إنتاج نخب علمانية أتاحت للفكر الكولونيالي في كل أبعاده السياسية والثقافية والإقتصادية أن يستمر محركا لتفاصيل الدولة الحديثة المستقلة إسما وشكلا . ومما لا شكّ فيه فإنّ العالم الإسلامي قد تأثرّ إلى أبعد الحدود بالحركات الإستعمارية والإحتلالية التي جاءت من الغرب بحجّة نشر الحضارة والمدنية في واقع كله تخلّف حسب إدعاءات منظريّ الإستعمار الذين كانوا ملحقين بوزارات الخارجية في العواصم الغربيّة .

 ولم يغادر المحتلون عالمنا الإسلامي إلاّ بعد أن أطمأنوا أنّهم وضعوا دساتير هي من روح دساتيرهم وعينوا تكنوقراط وسياسيين في دوائر القرار في هذه الدولة وتلك وكلهم من الذين نهلوا من معين الثقافة الغربية الكولونياليّة , وقد أكملت هذه النخب مسيرة الحركة الإستعمارية فحاصرت الإسلام في عقر داره وعملت على تجفيف منابعه و ملاحقة الدعاة إلى ثقافته , ولم تكن هذه السيئة الوحيدة للحركات الإستعمارية بل هناك مجموعة سيئات سياسية وإقتصادية وثقافية وجيوسياسيّة , فعلى الصعيد السياسي لعب الإستعمار الغربي دورا كبيرا في صياغة الدساتير التي أصبحت مرجعا أساسا للدولة الحديثة في عالمنا الإسلامي , بل أنّ بعض الدساتير كانت نسخة طبق الأصل من الدساتير الغربية , وبطبيعة

الحال أوكلت مهمة شرح هذه الدساتير وتنفيذها لشخصيات إسلامية إسما وغربية قلبا ومضمونا درست في المعاهد الغربية وأستوعبت روح الحضارة الغربية , وهي الفئة التي عناها الفيلسوف الوجودي الفرنسي بقوله , كانت الدول الغربية الإستعمارية فيما مضى تبعث دباباتها إلى الدول الثالثيّة لنشر فكرها بالقوّة ثمّ تداركت الموقف وباتت تستورد أذكياء من تلك البلاد وتدرسّهم في جامعاتها ومعاهدها ثمّ توفدهم كحكّام لدول العالم الثالث وبهذا الشكل يتحققّ الغرض الإستعماري بدون دبابّة !

وعلى الصعيد الإقتصادي فقد أفرغت الحركات الإستعمارية خزائن البنوك من محتوياتها وخلفوا وراءهم دولا بلا موارد أو مقدرات , بل قاموا في بعض البلاد كدول المغرب العربي بتحطيم كافة الجرارات الزراعية لعدم إستخدامها في الإستصلاح الزراعي , وأملوا على كل دولة أن تنتج منتوجا واحدا أو إثنين ممّا يحتاج له المستعمر , فالجزائر على سبيل المثال وعندما كانت ترزح تحت الإستعمار الفرنسي كانت تصدّر القمح إلى كل الدول الأوربية وبنسبة ثمانين بالمائة , وبعد أن أستقلّت الجزائر باتت تستورد القمح بنسبة مائة بالمائة وأصبحت في المقابل تزرع العنب وتنتج الخمور التي مازالت فرنسا الدولة المستعمرة سابقا المشتري الأول لها .

 كما أنّ الدول الإستعماريّة ظلّت تحتفظ لنفسها بخرائط دقيقة عن مكان وجود الموارد الأوليّة من نفط وذهب وغاز ويورانيوم وحديد ومياه جوفيّة وغير ذلك من الأمور .

وعلى الصعيد الثقافي فإنّ معظم الدول التي كانت مستعمرة – بفتح الراء – تعاني اليوم من أزمة هويّة قلّ نظيرها أفضت إلى إنتاج حروب أهليّة بالجملة في أكثر من دولة إسلاميّة , كما أعادت الحركات الإستعمارية إحياء الإثنيات التي إنصهرت في بوتقة الإسلام على مدى أربع عشر قرنا , و إستغلّت التناقضات الداخليّة وتحولّت الأقليّات إلى إطارات سياسيّة وإيديولوجيّة أفادت الحركات الإستعمارية في وقت لاحق عندما دبّ الحنين في هذه الحركات بمعاودة الكرّة التي كانت قبل أزيد من قرن .

 وتمكنت الحركات الإستعماريّة من غرس بذور ثقافية وفكرية في التربة الإسلامية أينعت بعد حين تماما كما قال الجنرال الفرنسي شارل ديغول وهو يغادر الجزائر سنة 1962 تحت ضغط الثورة الجزائريّة : لقد تركت في الجزائر بذورا ستينع بعد حين .

وكانت هذه البذور هي التي شككّت لاحقا في هويّة الشعب الجزائري ذات البعدين العربي والإسلامي .

وعلى الصعيد الجيوسياسي ترك الإستعمار أزمة الحدود ملتهبة بين كل الدول الإسلاميّة تقريبا وهي التي سمّاها رئيس الديبلوماسية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر بعوامل التوتّر التي تفيد الإدارة الأمريكية عند الحاجة والضرورة . ومازالت أزمة الحدود بين الدول الإسلامية قائمة مهدّت لنشوء صراعات متفاقمة بل مازالت تهددّ بإندلاع صراعات حادة على المدى المتوسّط .

وإذا كانت هذه صورة موجزة ومختزلة عن العالم الإسلامي بالأمس فإنّه اليوم ومع بداية الألفية الثالثة لا يختلف كثيرا عن صورته في الماضي فالدول الإسلامية مازالت عرضة للإحتلال المباشر وما زال القسم الأكبر من العالم الإسلامي عرضة للغزو الإقتصادي والثقافي .

 فعلى صعيد الإحتلال العسكري فإنّ هناك ثلاث دول إسلامية محتلة إحتلالا مباشرا من قبل الدولة العبريّة و الولايات المتحدة  الأمريكية الوريث الشرعي للأمبراطورية البريطانية كما قال هنري كيسنجر في مقالة له عن النظام العالمي الجديد وهذه الدول هي فلسطين وأفغانستان والعراق , وهناك دول إسلامية تفتّت بسبب الولايات المتحدة الأمريكية ومساعيها وهي إندونسيا والتي إستقلّت عنها تيمور الشرقيّة و الصومال , كما أنّ هناك جمهوريات إسلامية تقبع تحت الإحتلال الروسي كالشيشان والتي لم تأخذ حظها من الإستقلال , على الرغم من أنّ الجمهوريات الكاثوليكية في الإتحاد السوفياتي السابق نالت إستقلالها بدعم من الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية .

وعلى الصعيد الإقتصادي فما زالت الشركات المتعددة الجنسيات الأمريكية في مجملها وصندوق النقد الدولي يتحكّم في إقتصاديّات العالم الإسلامي وقد أصبحت المساعدة الإقتصادية للعالم الإسلامي مقرونة بالرضوخ السياسي والإستجابة الكاملة لقرارات ومخططّات الإرادات الدوليّة , والأكثر من ذلك فإنّ البنوك الدولية ذات التمويل الأمريكي هي التي باتت تخطط المنهج الإقتصادي لهذه الدولة الإسلامية وتلك .

وثقافيّا فإنّ الإدارة الأمريكة وضعت مخططّا كاملا وإستراتيجية متعددة الأبعاد لإعادة تأهيل العالم الإسلامي ثقافيا وتربويّا وعلميّا , وكل دولة إسلامية تحاول الإنطلاق من مقوماتها الذاتية وتعمل على إستكناه أسرار التقنية وتحديدا تكنولوجيا السلاح فإنّها تدرج في خانة الدول المتمردّة وبالتالي هناك كمّ هائل من القوانين لمعاقبتها .

وبعد الحادي عشر من أيلول – سبتمبر خرجت أمريكا من دائرة الرغبة في بسط الإحتلال السياسي والإقتصادي والثقافي إلى الإحتلال العسكري , ومثلما كان العالم الإسلامي في بداية القرن الماضي عرضة للإستعمار والإحتلال فإنّه دشنّ بداية قرنه الحالي بإحتلال أمريكا لدول مفصلية إستراتيجيا وجيوسياسيّا في الجغرافيا الإسلامية وما زالت شهيتها مفتوحة إلى درجة أنّها أعادت عسكرييها المتقاعدين إلى الخدمة وفي العالم الإسلامي !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حقيقة الديموقراطيّة الأمريكيّة ! .

 

 

 

تدعّي الولايات المتحدة الأمريكيّة أنّها لجأت وستلجأ إلى الحروب الإجهاضيّة والوقائيّة من أجل نشر الديموقراطيّة والحريّة في الدول المحرومة من التحرّر وحقّ إتخاذ القرار والمشاركة في صناعة الخطوط الكبرى للدولة , وينطبق صدر البيت الشعري العربي يعطيك بطرف اللسان حلاوة , تماما على الولايات المتحدة الأمريكية التي باتت أفضل من يجسّد الهوة الساحقة بين النظريّة والتطبيق .

 فالديموقراطيّة التي تعني في الفقه السياسي الغربي وفي كل الأدبيات الغربية الفرانكفونية والأنجلوفونية و عموم اللغات التي تنحدر من اللغتين اليونانية واللاتينيّة حكم الشعب لنفسه أي ديموس كراتوس , يبدو أنّها لا تنسجم من بعيد أو قريب مع الديموقراطية الأمريكية التي أجرت عليها المطابخ الفكريّة الأمريكيّة تعديلات جوهريّة في الصميم وفي المظهر , وقد أصبحت هذه الديموقراطيّة الأمريكيّة مصداقا لحكم الأقليّة للأغلبية , ومصداقا لمسلكية الأمريكي في العيش وطريقة الحياة فضلا عن كونها أصبحت أهمّ محفّز ومبرر للحروب الأمريكية الإجهاضيّة . وأمريكا التي أوجدت الوضع السياسي الإستبدادي في العالم العربي والإسلامي والعالم الثالث من خلال دعمها لحركة العسكريتاريّا والإنقلابات العسكرية والنظم القمعيّة إستثمرت هذا الوضع لصالحها في وقت لاحق و أطاحت بالذين قدموا لها خدمات جليلة ومنهم على سبيل الذكر لا الحصر شاه إيران الذي تخلى عنه الأمريكان ورفضوا حتى تقديم العون الصحّي له , و ماركوس حاكم الفلبين ونورييغا في بنما وغيرهم .

وتتميّز الديموقراطيّة الأمريكيّة بالتناقض الفاضح والمكشوف فهي في الوقت الذي ترخي فيه العنان للدول الديكتاتورية المتأمركة و التي تسبح في التيار الأمريكي وتقدم العون الإقتصادي والعسكري لها , فإنّها تحتّج على بعض الدول التي تنص إيديولجية خطابها السياسي وأدبياتها أنّ أمريكا تصادر خيرات الشعوب ومقوماتها الإقتصادية , فمفهوم

الديكتاتورية نسبي في الفقه السياسي الأمريكي تماما كمفردة الديموقراطيّة , ففي أفغانستان وعندما إحتلّتها  أمريكا قامت بتحرير الأفغان من قيمهم وأصالتهم وحضارتهم ودينهم وكأنّ الديموقراطية الأمريكية تعني فيما تعني وأد الدين وإلغاء الخصوصيّات التي تعّد مقومّا إجتماعيا مهما , فهيّ في الحالة الأفغانية لم تعمل بمبدأ حكم الأغلبية حيث الأغلبية هناك تريد الإسلام , بل قامت بتشكيل حكومة على عينها عشرة من أعضائها يحملون الجنسية الأمريكية من الذين  أدمنوا الفكر التغريبي العلماني وجاءوا ليطبقوه على مجتمع لا يعرف منذ عصور غير الإسلام كمصدر عزّة وكرامة له .

ونفس السيناريو يريد الأمريكيون فرضه على العراق حيث قرروا وتحت سبق الإصرار والترصّد أنّ الإسلام والدين يجب أن يبقيا بمنأى عن اللعبة السياسية في العراق , علما أنّ الرئيس الأمريكي جورج بوش وحاشيته ينطلقون في صياغة رؤاهم من النصوص البروتساتنية المتشددّة , وبوش نفسه قال عن القسيس بيل غراهام أنّه الرجل الذي قاده إلى الخير , فكيف يسمح بوش لنفسه أن يعبّر عن رجل دين مسيحي بمثل هذا التعبير ولا يسمح للمسلمين أن يتخذوا من إسلامهم مرجعا في حكومتهم المقبلة , و من الأمثلة الأخرى أنّ واشنطن أمرت جنودها في العراق بإعتقال محسن الزبيدي رئيس اللجنة الإدارية في بغداد و الذي عينه وجهاء مدينة بغداد بحجّة أنّه لا يحظى بالشرعية التي تمنحها أمريكا .

وبعيدا عن العالم الإسلامي فإنّ واشنطن فرضت على الدول الإشتراكية سابقا أن تلعن ما كانت عليه من مذهب فكري وسياسي وتعتنق الديموقراطية الأمريكية مقابل الحصول على مساعدات وإعادة تأهيل لإقتصادها وسياستها , وهذا يكشف أننّا لسنا أمام ديموقراطية تعني حكم الشعب لنفسه بقدر ما نحن أمام أمبريالية إستعماريّة جديدة تحسن إستغلال مفاهيم الحريّة و حق الشعوب في إدارة الأمور وتقاسم الثروات , فأمريكا ذات المائتين مليون نسمة تريد أن تفرض نموذجها على خمسة ملايير شخص في القارات الخمس وقد بدأت الدبابة الأمريكية بفرض الأمركة على العالم العربي والإسلامي لأنّ الإسلام وبتعبير رئيس الديبلوماسية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر هو الأقدر على مواجهة الغرب ومنافسته .

ولعلّ أبرز من فضح المشروع الأمريكي هي مجلة كيفونيم التي تصدرها المنظمة الصهيونية العالميّة بقولها : أنّ أمريكا تهدف إلى تفتيت كل الدول المجاورة من النيل إلى الفرات وهي الطريقة الأفضل التي تستجيب لأطماع الهيمنة العالمية للولايات المتحدة الأمريكية .

وفي السياق نفسه نشرت مجلة الأسطول الأمريكية المتخصصة في القضايا الإستراتيجية والدفاعية سنة 1990 مقالا جاء فيه :

يجب ضمان وصولنا إلى الأسواق الإقتصادية في العالم كله دون عقبات , وكذلك إلى المصادر الضروريّة لتأمين إحتياجاتنا الصناعية , لذلك يجب علينا إيجاد قدرة موثوقة للتدخّل المسلّح مع قوى غزو فعليّة قادرة على تنفيذ طيف واسع من المهمات .

و يتضح من خلال هذه النصوص وعشرات الآلاف من النصوص الأمريكية في المصادر والمراجع الأمريكية المعتمدة أنّ الديموقراطية الأمركية هي شبيهة بقول فرعون الذي أورده القرآن الكريم كما هو :

لا أريكم إلا ما أرى , فهل ينتبه من يراهن على أمريكا كمنقذ ومحرر !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صدّام حسين طاغية بإمتياز وأمريكا ملهمته  !

 

 

على إمتداد حياتي الصحفيّة لم أمدح أيّ طاغيّة من الطغاة بل كنت أتبنى الرأي الذي ينصّ على أنّ الطغاة هم سبب نكباتنا السياسيّة والإقتصاديّة و الإجتماعيّة والثقافيّة في العالم العربي , غير أنّ الطغاة مراتب ودركات تماما كجهنّم , ولعلّ الرئيس العراقي المخلوع أبي المقابر ومصّاص الدماء يقف على رأس قائمة الطغاة في العالم العربي , ومعرفتي بجرائم الطاغية صدّام حسين ليست وليدة منافيّ المتعددة وإرتحالي من وطن إلى وطن وإحتكاكي بالمنفيين العراقيين في كل الأرصفة التي كنت أمرّ عليها , بل مردّ هذه المعرفة يعود إلى تقييم دقيق لأداء الحكم الشمولي العراقي على مدي ربع قرن ونيّف , وقد كتبت عشرات المقالات في الصحافة الجزائريّة و العربية وفي الغرب عن مظلوميّة الشعب العراقي وتعاسته وما يلاقيه من ظنك وعذاب جرّاء حكم مصّاص الدماء صدّام حسين , وقد فضحت ذات يوم سفير العراق في الجزائر عبد الكريم الملاّ وزير الشباب والرياضة سابقا عندما كشفت وأمام جمهرة من الصحفيين الجزائريين ما لاقه العراقيون الذين هجرّهم حزب البعث العراقي إلى إيران بحجّة أنّ أصولهم أعجميّة , وقد رفضت في ذلك الوقت دعوة لإجراء تحقيقات صحفيّة في العراق وقد أوضحت رأيي في حكم الطاغيّة صدّام حسين بكل وضوح , وبعد ذلك بسنوات تلقيت دعوة من هيئة ثقافية عربية كبيرة للمشاركة في مؤتمر أقيم في العراق فرفضت الدعوة لأنّ الذي يكتب عن حكم الجنرالات في الجزائر وحكم السلاطين في المغرب وحكم العساكر في تونس وحكم الغلمان في دول الخليج لابدّ أن يكون موقفه واضحا من حكم الطغاة في العراق  ويشهد الله أنني قبيل تلقيي هذه الدعوة رأيت في عالم الرؤيا كأنني في بغداد فأمر صدام حسين بتفتيش أوراقي كافة والشروع في إعتقالي فقلت لما أستيقظت : سبحان الله الطغاة يلاحقوننا حتى في عالم الرؤيا .

وعندما جمعني لقاء في برنامج الإتجّاه المعاكس في قناة الجزيرة مع الأستاذ موفّق الربيعي أحد الإسلاميين المستقلين تعمدّت أن أصرحّ بأنّ صدام طاغية ومتجبر ولو لم يعدم غير المفكر البارز الأستاذ محمد باقر الصدر صاحب كتابي فلسفتنا و إقتصادنا لكفاه سوءا و طغيانا وإجراما وتجبرا  , لقد قلت هذا الكلام وقد كنت على يقين بأنّ أعلى القيادات العراقية كانت تشاهد هذا البرنامج .

غير أنني أوضحت أنّ صدام حسين طاغية محلي وأمريكا طاغية عالمي , و أتصوّر أنّ الموقف الوطني والمشرّف هو الذي يدين الطاغية صدام حسين ويدين في الوقت نفسه الإحتلال الأمريكي للعراق , ثمّ أليست واشنطن هي التي ربّت صدام حسين و ألهمته سبل الوصول إلى حكم العراق في أبرز محطات حياة صدام حسين !

 ألم تعتبر واشنطن وصول صدام حسين إلى السلطة في العراق إنتصارا لخطتها وإستراتيجيتها في هذه المنطقة !

 ألم تقدم واشنطن لصدام حسين الدعم تلوى الدعم و النصيحة تلوى النصيحة وأعتبرته خير وسيلة لتمرير الطروحات الأمريكية في العالم العربي وفي الخليج على وجه التحديد !

لقد سئلت أثناء أزمة الخليج الثانية عن رأيي في صدام حسين وهل ستطيح به  أمريكا فقلت هناك قول معروف في الأثر قاله عمر الخطّاب عن علي بن أبي طالب وهو لا أبقاني الله في معضلة ليس فيها أبو الحسن , ولسان حال أمريكا اليوم هو : لا أبقانا الله في معضلة ليس فيها أبو عديّ .

 ومن خلال صدّام حسين وسياسته الرعناء المدروسة تمكنّ الأمريكان من تفعيل إستراتيجيتهم وبسط سيطرتهم على المنطقة وحولّ الأمريكان صدام حسين إلى جنيّ يخيف أمراء الخليج أصحاب الجلابيب المكيفّة بآخر أجهزة التكييف الأمريكية , و من خلاله أيضا شقّ الأمريكان عصا المنطقة و جعلوا من صدام نار زرادشت الدائمة والأزليّة حتى تكون الحاجة إلى رجال الإطفاء الأمريكان ضروريّة دوما وأبدا .

 ومثلما أجاز الأمريكان لصدام الهجوم على إيران ومن بعد ذلك على الكويت فقد كانوا يغضّون الطرف عن كل ممارساته العدوانية والدموية و الساديّة حيث سيسجلّ الراهن والتاريخ أنّ صدام حسين قد جعل البشرية تعفو عن الفراعنة والقياصرة الذين إستعبدوا الإنسان وإسترخصوا روحه , فصدام لم يقترف مجزرة واحدة في حقّ شعبه , بل نجح بإمتياز أنّ يحول كل المحافظات العراقية إلى مقابر ومازالت إلى يومنا هذا أرض العراق حبلى بآلاف المقابر التي عبأها صدّام بالأبرياء و المستضعفين الذين كان صدّام حسين يحرمهم من التنفّس .

وأدعو الله تعالى أن يلقي العراقيون القبض على صدام حسين ليحلقوا شاربه لأنّه مخنث إستضعف شعبه بإمتياز وليس فيه من علامات الرجولة شيئ , و ليضعوه في ساحة عامة من ساحات العراق ليتسنى لكل إنسان عراقي من صفعه بقوة وعلى مدى عشرات السنين , والصفعة قليلة في حقّ طغاتنا الذين سخرتهم واشنطن لإذلالنا و إستعبادنا وتفقيرنا حتى إذا دنت ساعة تنفيذ الإستراتيجية الأمريكية التوسعية توهمنا أنّها تريد أن تحررنا من طغاة هي صنعتهم وأمدتهم بكل أنواع الأسلحة وأجهزة التعذيب حتى الكلاب الآكلة للبشر , و عقب ذلك تعيّن صداميين جددا بأثواب جديدة في دوائر القرار تستخدمهم لأمد معين ريثما يحين تنفيذ الإستراتيجية الأخرى , وإذا كانت اللعبة واضحة في المشهد العراقي بين الطاغية صدام و مربيّه الأمريكان , فإنّ الشعب العراقي ومعه الشعوب العربية سيلعنون الطاغية صدام حسين وأقرانه الطغاة العرب الذين كلّفوا بوظيفة واحدة فقط هي تكفير الشعوب العربية بكل القيم والمبادئ وإذاقتهم العلقم حتى يستصرخ هؤلاء أغثنا أيها الطاغية الكبير الأكبر الوحيد الأوحد أمريكا وأجرنا من أبنائك الطغاة الصغار , ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه !!!!

 

 

 

 

 

 

 

أمريكا في الجزائر .

 

 

لم تمض أيّام على التصريحات التي أطلقها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في جنوب إفريقيا قبل بداية الغارة الأمريكية على أفغانستان  من أنّ الولايات المتحدة الأمريكية لم تتجاوز حدود المنطق في حربها في أفغانستان وأنّ عدد القتلى من الأفغان مقبول للغاية , حتى فتح البيت الأبيض مجددا أبوابه لعبد العزيز بوتفليقة علما أنّ بوتفليقة كان في واشنطن في تموز – يوليو الماضي 2001 , وقد أستقبل للمرة الثانيّة في البيت الأبيض مرتين في نفس السنة. وكانت حقيبة بوتفليقة ملىء بالملفات الأمنيّة والمعلومات التي كانت تريدها واشنطن وقد طلبتها مباشرة من الجزائر , ومن هذه الملفات كل ما تعرفه الجزائر عن أسامة بن لادن وعلاقاته بالجماعات الإسلامية  الجزائريّة المسلحة وغيرها داخل الجزائر وفي العواصم الغربيّة , وقد أبدى المسؤولون الأمريكيون  كامل سرورهم و خصوصا أنّ الملفات الجزائريّة دسمة إلى أبعد الحدود وتحوي بالإضافة إلى المعلومات الخاصة  والدقيقة معلومات أخرى تتعلّق باستراتيجيّات الحركات الإسلاميّة بمختلف تنوعاتها . ومقابل هذه الخدمة التي أعتبرتها واشنطن جبّارة فانّ واشنطن قررّت مدّ الجيش الجزائري بمعدات عسكريّة وحربية كان الجيش الجزائري محروما منها بسبب موقف واشنطن من الأداء السياسي للحكومة الجزائرية تجّاه التعامل مع التيارات الإسلامية , كما أنّ بوتفليقة حصل على تزكية واشنطن لنظامه ووعد الرئيس الأمريكي بتقديم مساعدات وقروض أمريكية للجزائر في كافة المجالات . ومن جهة أخرى تعيد الأجهزة الأمنية الجزائرية التحقيق مع كل الأفغان الجزائريين المعتقلين لجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات حول أسامة بن لادن وتفاصيل حياته ونشاطاته وطرق تفكيره ومجالات استثماره وبطبيعة الحال فانّ هذه المعلومات ستتوجّه فورا إلى واشنطن وخصوصا بعد تشكيل لجنة أمنيّة مشتركة بين الجزائر وواشنطن . وقد عاب العديد من المراقبين في العاصمة الجزائرية على الرئيس الجزائري لجوءه إلى المناورة في التعامل مع موضوع حسّاس من قبيل إبادة دولة إسلامية  والاستعداد لإعادة  صياغة نظامها السياسي وفق الرؤيّة الأمريكية . فبوتفليقة كان يصرّح سابقا بأنّ هذه الحرب صليبيّة بكل أبعادها , وأنّه يجب على واشنطن أن تتوقّف عن استهداف المدنيين , وعلى وقع هذه التصريحات كانت القنوات الأمنيّة والسياسية والديبلوماسيّة بين واشنطن والجزائر تشهد سخونة غير عاديّة الى درجة  أنّ واشنطن التي كانت تعتبر النظام الجزائري عسكرياّ وغير ديموقراطي راحت تبادر الى اجراء اتصالات هاتفيّة مع قصر المراديّة – قصر الرئاسة – وماكانت واشنطن لتغيّر موقفها من الجزائر لولا غزارة المعلومات التي تلقتها من الجزائر والتي بدأت تظهر أثارها في العديد من المواقع الجغرافيّة من خلال الاعتقالات التي طاولت مئات الجزائريين في كندا وأوروبا وأمريكا وبعض الدول العربية , والمتهمين بأنّ لهم علاقة بأسامة بن لادن وحتى بالتفجيرات التي تعرضّت لها أمريكا في الحادي عشر من أيلول – سبتمبر . و قد قلب بوتفليقة ظهر المجّن لتصريحاته السابقة وأبلغ بوش شخصيّا أنّ الجزائر شريك فعّال في الحرب الأمريكية على الإرهاب, وهذا الموقف الجزائري الذي عبرّ عنه بوتفليقة في البيت الأبيض لا يهدف إلى الحصول على الشرعية من واشنطن والقروض والأسلحة المرجوة , بل تهدف إلى محاولة إقناع واشنطن بسلامة الموقف الجزائري من قضية الصحراء الغربيّة وبالتالي الحصول على دعم واشنطن لقيّام دولة البوليساريو في  الصحراء الغربيّة , وقد فهمت الرباط هذا التحرك الجزائر في واشنطن وردّت عليه فورا من خلال تصريح للعاهل المغربي محمّد السادس من أنّ مناطق الصحراء الغربيّة هي مناطق مغربيّة و هي جزء لا يتجزأ من السيادة المغربية وستعمل المغرب على إنمائها كباقي المناطق المغربيّة . ومن المتوقّع كما يقول مراقبون في العاصمة الجزائريّة أن تشهد العلاقات الأمريكية – الجزائرية تطورات ملحوظة في الأيّام المقبلة خصوصا وأنّ الجهات الرسمية في الجزائر عملت على إبرا أهمية الموقع الجيوسياسي للجزائر وأهمية الثروات النفطيّة التي مازالت بدون استثمار وفي ذلك محاولة لإسالة

اللعاب الأمريكي . وفوق هذا وذاك فانّ بوتفليقة الذي قدمّ كل الأوراق لواشنطن وللرئيس بوش تحديدا كان يهمّه بالدرجة الأولى أن يحصل على ورقة قويّة وضاغطة يستقوي بها على الجنرالات الذين يعملون على سحب صلاحيّاته , خصوصا إذا  علمنا أنّ الكثير من هؤلاء الجنرالات محسوبون على باريس !!!

 

 

الجزائر و التحالف الإستراتيجي مع أمريكا .

 

بنت السلطة الجزائرية أساس تحالفها مع واشنطن على مجموعة أمور إستراتيجية وسياسية وإقتصادية وأمنية  ,  فعلى الصعيد الإستراتيجي فإنّ الجزائر التي تريد أن تتزّعم المغرب المغرب العربي وحتى إفريقيا لن يتأتىلها ذلك بدون دعم أمريكي قوّي وفي كل المجالات , و الفرق بين جزائر هواري بومدين و جزائر عبد العزيز بوتفليقة اليوم , أنّ بومدين كان يسعى لكي تكون الجزائر يابان العالم العربي إنطلاقا من المقومات الذاتية الجزائرية وليس إعتمادا على محور موسكو أو واشنطن , بينما بوتفليقة قررّ أن يضع كل مصير الجزائر في السلّة الأمريكية ودفعة واحدة طمعا في ولاية ثانية بدأ يمهّد لها من الآن رغم رفض بعض كبار الضبّاط التجديد له , وطمعا في إنهاء العنف الأعمى  في الجزائر والذي إدعّت السلطة الجزائريّة مرارا وتكرارا أنّها قضت عليه , وتبينّ أنّ هذه التصريحات الرسميّة تندرج في سيّاق الإستهلاك الإعلامي المحلّي والخارجي  وقد يؤّدي التحالف الأمريكي – الجزائري إلى تحقين الجماعات الإسلامية المسلحة ضدّ السلطة الجزائريّة

وضدّ المصالح الأمريكية والغربيّة في الجزائر الأمر الذي قد يؤدّي

إلى تفكير واشنطن بالتوجّه إلى  الجزائر للمساهمة وبشكل مباشر في الصراع الجزائري الداخلي . وإقامة قاعدة أمنية للمخابرات والأجهزة الأمنية الأمريكية في الجزائر وإمداد الجزائر بمعدات حربيّة و عسكريّة متطورة سيكون له دور كبير في تكريس الدور الأمريكي المستقبلي في الجزائر , وقد يؤدّي هذا الوجود الأمريكي في الجزائر إلى إنفجار الصراع بين مراكز القوة في الجزائر خصوصا وأن بوتفليقة يتقوّى بالأمريكان على الجنرالات الذين يسعون للحؤول دون أن تتوسع صلاحيّات بوتفليقة الرئاسيّة . وقد يترتّب على ذلك إزاحة الجنرالات عن الحكم في الجزائر وإعادة  صياغة نظام سياسي جديد و هذا ما جعل الجنرال محمّد تواتي يصرّح إلى  جريدة يوميّة جزائرية قائلا أنّ الجزائر لن تتحالف عسكريّا لضرب دولة أخرى , وقال في تصريحه أنّ الجزائر وتطبيقا للدستور في مادتيه 27 و 28 يحول دون  أن تقوم الجزائر بهذه الخطوة . وعلى صعيد آخر فانّ الجيش الجزائري منهك في حربه مع الجماعات الإسلاميّة

 المسلحة ولا يمكن أن يدخل في حروب أخرى قد ترهق كاهله وتكلفّه الكثير بالإضافة إلى أنّ  ذلك قد يجلب عليه سخط الشارع العربي والإسلامي .

 ومن جهة أخرى فانّ السلطات الجزائريّة التي بادرت إلى تقديم كل ما لديها من  معلومات  عن عناصر جزائريّة إسلامية لها علاقة بأسامة بن لادن , وقدمت أزيد من ذلك , فإنّها حصدت خيبة أمل كبيرة ولم تتعامل معها العاصمة واشنطن والعواصم الغربية بالمثل , حيث أنّ الجزائر طلبت من بريطانيا وبعض العواصم الغربية تسليمها عناصر إسلامية جزائريّة وجاءها الردّ بانّ هؤلاء  يتمتعون بحق اللجوء السياسي و العواصم الغربية ليست في وارد أن تضع قوانينها جانبا من أجل الجزائر , و بناءا عليه تبينّ للرسميين الجزائريين الذين باركوا الخطوات الأمريكية وفتحوا خزائن أمنهم القومي وأرشفيهم المعلوماتي للأمريكان والغربيين يشعرون أنّهم ابتزّوا بلا ثمن ولا مقابل ومع ذلك وافقوا أن تكون لأمريكا قاعدة أمنية في الجزائر طمعا في التغلب على الجماعات الإسلامية المسلحة في الجزائر وطمعا في الرضا عن النظام الجزائري المتورط في إنتهاك حقوق الإنسان وطمعا في حل أمريكي لأزمة الصحراء الغربية يرضي الجزائر وجبهة البوليساريو .

وعلى الرغم من تحمس السلطة الجزائرية لتحالفها الأمني والإستراتيجي مع واشنطن فإنّ بعض المراقبين الجزائريين يرون أنّ سلطتهم قد إقترفت  خطأ استراتيجيّا فظيعا عندما قدمت للأمريكان أدلّة تفيد بأنّ الجماعة السلفية للدعوة والقتال والتي يتزعمها حسن حطّاب قام أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة بتأسيسها وهو الذي يمدهّا بالدعم المادي واللوجستي مقابل أن تقوم عناصر الجماعة بتقديم يد العون لابن لادن في العواصم الأوروبيّة و قد أعتقلت السلطات الإسبانيّة عناصر جزائريّة تنتمي إلى الجماعة الإسلامية للدعوة والقتال و تنسقّ مع أسامة بن لادن و كانت مدريد تلقت معلومات من الأجهزة الفرنسية التي تمدها الأجهزة الجزائرية بكل التفاصيل بغية السكوت عن موضوع حقوق الإنسان في الجزائر , وباعتبار أنّ السلطة الجزائرية لم تعد قادرة على القضاء على جماعة بن لادن في الجزائر فلابدّ أن يتولى الجيش الأمريكي هذه المهمّة في الجزائر باعتبار أنّ مهمة الجيش الأمريكي  على مدى عشر سنوات يسعى  للقضاء على بن لادن وقاعدته العربية والإسلاميّة . والرسميون الجزائريون عندما سارعوا إلى فتح ملفاتهم كان همهم أن يحصلوا وبشكل فوري على دعم منقطع النظير وتزكيّة من واشنطن للقيام بكل ما في وسعهم لاستئصال الجماعات المسلحة . بالإضافة إلى الدعم المادي والعسكري . وعلى الرغم من أن الرئيس الجزائري لدى زيارته الأخيرة إلى مناطق الشرق الجزائري جيجل وسكيكدة  صرحّ   بأنّه آن الأوان لإنجاح المصالحة الوطنية في الجزائر ويجب أن نترقّى من الوئام المدني إلى المصالحة الوطنيّة , وهذه التصريحات تستبطن  استشعارا عن بعد لخطورة المرحلة المقبلة  وخصوصا إذا ما أستمرّ الوضع الأمني منهارا في الجزائر , وتجدر الإشارة إلى أنّ منتدى الناتو سبق وأن أعدّ وثيقة تتحدث عن سبل التدخل في الجزائر فيما لو انهار الوضع عن بكرة أبيه في الجزائر , وقد أصبحت هذه التصريحات في خبر كان بعد الإقرار العملي بمواصلة الإستئصال ومع أمريكا هذه المرة و على الأرض الجزائرية .

 و كان يجب على الرسميين الجزائريين أن يتروّا قبل أن يقدموّا خدماتهم المجانيّة للأمريكان والعواصم الغربية , فمصر التي تربطها بواشنطن علاقات أشد عمقا من العلاقات الجزائرية – الأمريكية تروّت في الإدلاء بموقفها من التحالف الدولي ضدّ أفغانستان وأعلنت أن الصراع العربي – الإسرائيلي إذا ما أستمّر على إيقاعه الحالي سيولّد كوارث لا أحد يدرك عقباها . و الجزائر بموقفها الحالي إنمّا تدعو واشنطن للتدخل في شؤونها الداخلية , وتدعوها لتكون طرفا في صراعها الداخلي مع الجماعات الإسلاميّة المسلحة , وهذه الدعوة وان كانت مبطنّة إلاّ أنهّا تسيل اللعاب الأمريكي خصوصا إذا علمنا أنّ واشنطن ما فتئت تخططّ للاستحواذ على استثمار الطاقة الجزائرية تسويقا واستخراجا و إشرافا , وتكشف الإحصاءات الجزائريّة الأخيرة أنّ الشركات الأمريكية باتت تملك حصّة الأسد في قطاع الطاقة الجزائري , فيما الشركات الفرنسية باتت تكتفي بما يلبي حاجة الاستهلاك المحلّي في فرنسا وبعض الأسواق الأوروبيّة , والأخطر من ذلك فانّ الجزائر التي تسرعّت في خطوتها التحالفيّة مع واشنطن يبدو أنّها لم تسأل عن موقف واشنطن من حقّ البربر في إقامة دولتهم في الجزائر !!!

 

الناتو والإتحّاد الأوروبي يفتحان أبوابهما للجزائر !

 

تعتبر الجزائر الدولة العربيّة الوحيدة التي قطفت وبسرعة ثمار تعاملها الأمني والمعلوماتي المكثّف مع واشنطن عقب أحداث الحادي عشر من أيلول – سبتمبر التي عصفت بالولايّات المتحدة الأمريكيّة , وكانت الجزائر قد قدمّت حصيلة كبيرة من المعلومات عن عناصر جزائريّة يعتقد أنّها تنتمي إلى تنظيم القاعدة وتنشط في عواصم غربيّة عديدة , والكمّ الهائل من المعلومات الجزائريّة المقدمّة لواشنطن جعل هذه الأخيرة تدعو إلى تشكيل لجنة أمنيّة مشتركة أمريكيّة – جزائريّة , كما أنّ الخطوط الهاتفيّة و الاتصالات بين واشنطن والجزائر كانت ساخنة إلى أبعد الحدود , فجورج بوش أجرى اتصالا هاتفيّا بالرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أثناء الغارة الأمريكيّة على أفغانستان حيث وضعه في صورة السيناريو الأمريكي في أفغانستان , وأعقب هذه المكالمة اتصالات واسعة بين البلدين , كان أخرها الزيارة التي قام بها وليّام بيرنز كاتب الدولة الأمريكي المكلّف بشؤون الشرق الأوسط الأسبوع الماضي . وقد لعبت واشنطن دورا كبيرا في تمهيد الطريق للجزائر لتوقيع اتفاقيّة أمنيّة واسعة مع حلف الشمال الأطلس – الناتو – و التوقيع على معاهدة الشراكة الجزائريّة –الأوروبيّة أثناء زيارة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة

الأولى إلى العاصمة البلجيكيّة بروكسل , علما أنّ الاتحاد الأوروبي كان يرفض جملة وتفصيلا إدخال الجزائر في الشراكة الأوروبيّة وقد رفض هذا الموضوع في سنة 1996 إلى

 جانب رفض الطلب السوري بالانضمام إلى الشراكة الأوروبيّة , و كان الاتحاد الأوروبي يعترض على انتهاك حقوق الإنسان في الجزائر و مافتئ يعلن عن عدم أهليّة الجزائر في الانضمام إلى الشراكة مع أوروبا . وقد تبددّت كل الاعتراضات الأوروبيّة وتلاشت كل المآخذ التي كان يأخذها الاتحّاد الأوروبي على الجزائر في مجالات حقوق الإنسان و وضع المعتقلين و المفقودين بالإضافة إلى حرمان الأحزاب السيّاسية من التداول على السلطة . غير أنّ دخول واشنطن على الخط أدّى إلى قبول الجزائر شريكا للاتحّاد الأوروبي وحليفا أمنيّا واستراتيجيّا لحلف الناتو , واللقاء الذي جمع بين الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة والأمين العام لحلف الشمال الأطلسي - الناتو - جورج روبرستون أفضى إلى وضع رؤيّة مشتركة بين الجزائر والناتو وانتهت بالتوقيع على اتفاقيّة أمنيّة متكاملة قد تؤدّي إلى فتح الجغرافيّا الجزائريّة أمام القوّات الأطلسيّة فيما لو تطورّت الأوضاع الأمنيّة بشكل سلبي في الجزائر . و قد أعلن الأمين العام لحلف الناتو أنّ الجزائر هي من المحاور الجغرافيّة التي تهمّ حلف الناتو , ومصدر الاهتمام يعود الى ضمان تدفّق الغاز والنفط الجزائريين إلى كل أوروبا وتحديدا فيما لو انهار الوضع الأمني في الجزائر والاتفاق الجزائري – الأطلسي يخصّ إمكانيّات المحافظة على الوثائق التي سيتبادلها مستقبلا الجيش الجزائري والحلف الأطلسي . ويهدف حلف الناتو من خلال التحالف الأمني مع الجزائر الى ضمان استقرار الجبهة الجنوبيّة لحوض المتوسّط وتأمين الواجهة المقابلة للجناح الجنوبي للناتو كما صرحّ بذلك مسؤول قسم التعاون والأمن الإقليمي لحلف الناتو العقيد فرانكو لي . كما أنّ معاهدة الشراكة الجزائريّة – الأوروبّية تتضمنّ فيما تتضمنّ بنودا مشتركة لمكافحة الإرهاب , وفي الوقت الذي كانت فيه كل البنود الموجودة في المعاهدة مستقبليّة من قبيل إعداد الاقتصاد الجزائري ليصل إلى نفس مستوى الاقتصاد الأوروبي سنة 2010 وإقامة سوق حرّة بين الجزائر ودول أوروبا وإعادة تأهيل المجالات الاجتماعية والإعلاميّة والسياسيّة إلاّ أنّ التوافق الأمني ساري المفعول منذ اليوم الأوّل للتوقيع على المعاهدة , وقد استطاعت الجزائر أن تحصل على تطمينات من رئيس المفوضيّة الأوروبيّة رومانو برودي بأنّ الدول الأوروبيّة مجتمعة ستلاحق الشبكات الجزائريّة العاملة فوق الأراضي الأوروبيّة والتي تتهمّها الجزائر بأنّها شبكات دعم وإمداد للجماعات الإسلاميّة المسلحّة في الداخل الجزائري  . وقبل التوقيع على معاهدة الشراكة الجزائريّة – الأوروبيّة مع رئيس المفوضيّة الأوروبيّة رومانو برودي في بروكسل , كانت للرئيس الجزائري لقاءات متعدّدة مع كبار الرسميين في بلجيكا , كما التقى الرئيس الجزائري بأعضاء الجاليّة الجزائريّة , حيث كان البعض متحفظّا على هذه المعاهدة التي لن تعود بالنفع إلاّ على أوروبا باعتبار أنّ الاقتصاد الجزائري يعتمد بالدرجة الأولى على النفط والغاز ولن يرقى المنتوج الجزائري الأخر إلى منافسة المنتوج الأوروبي الذي يبدو مسيطرا على الأسواق الجزائريّة دون اتفاق شراكة , والاستفادة الطفيفة التي قد تجنيها الجزائر من شراكتها مع أوروبا هو حصولها على بعض الأموال لدعم بعض البرامج والقطاعات التي ترى المجموعة الأوروبيّة أنّه يجب على الجزائر تطويرها , وفي الأغلب فانّ مثل هذه المساعدات محدودة ولا ترقى إلى مستوى النهوض باقتصاد مريض كالاقتصاد الجزائري .  وواشنطن التي ساهمت في جعل حلف الناتو والاتحّاد الأوروبي يغضّ الطرف عن المسلكيّة السياسية للنظام الجزائري والتي كانا يعترضان عليها في أوقات سابقة يهمّها أن تستثمر ذلك في سبيل تفعيل مصالحها في الجزائر , خصوصا بعد أنّ أكدّت الدراسات الأمريكية أنّ الصحراء الجزائريّة التي تحتل مساحة مليونين كيلومتر مربّع من أصل مليونين وثلاثمائة ألف كيلومتر مربّع هي مجمل المساحة الجزائريّة تحتوي على مخزون نفطي هائل , ولم يستثمر منه إلاّ عشرين بالمائة , ومعروف أنّ الجزائر هي ثالث دولة مصدرّة للغاز بعد روسيا وكندا و ثاني مصدّر للغاز الطبيعي السائل بعد أندونسيّا , و في سنة 2000 وحدها كانت عائدات الجزائر من النفط في حدود 22 مليار دولار أمريكي , و عندما كانت الفتنة الجزائريّة مشتعلة قال أحد المحلليّن الأمريكان في الهيرالد تريبيون : فليتقاتل الجزائريون فيما بينهم و المهم أن لا يصل حريقهم الى آبار النفط والغاز في الصحراء الجزائريّة , وقد نسيّ هذا المحللّ أن يقول هذه الأبار التي يشرئبّ إليها العنق الأمريكي الطويل والطويل جدّا    !! 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أوروبا بعد الحادي عشر من أيلول بين التبعيّة والإستقلال عن أمريكا .

 

 

 

 المنطلقات التي مهدّت لقيّام الإتحاد الأوروبي تقوم على ضرورة أن يكون لهذا الإتحاد خصوصيته ودوره في صناعة السياسات المحليّة والإقليمية والدوليّة , ولعلّ هذا الإتحاد الأوروبي في بعده الأخر كان يهدف إلى مواجهة الأحاديّة الأمريكية التي تكرسّت بعد سقوط الإتحاد السوفياتي السابق , وكان بعض منظرّي الإتحاد الأوروبي يرون أنّ الدول الأوروبيّة منفردة لا تستطيع أن تواجه عصر التكتلات , كما لا يمكن أن تخرج عن ذيول مشروع مارشال الأمريكي الذي بعث الحياة في أوروبا بعد الحرب الكونية الثانية والذي يعتبره هؤلاء المنظرون بأنّه بمثابة الحبل السرّي الذي يربط بين أمريكا والدول الأوروببّة . وإلى ما قبل الحادي عشر من أيلول 2001 كانت المجموعة الأوروبيّة تعمل جاهدة لكي يكون لها سياستها المستقلة عن السياسة الأمريكية وتحديدا فيما يتعلق بسياسة هذا الإتحاد تجاه القضية الفلسطينية وتجاه قضايا العالم العربي والإسلامي . وكانت الدول الأوروبيّة الغنية والكبيرة من قبيل فرنسا وألمانيا والسويد والدانمارك وإسبانيا وإيطاليا تنأى بنفسها عن السياسة الأمريكية الخارجيّة على وجه التحديد , وبقيت بريطانيا وحدها في خطّ الشذوذ السياسي  الأوروبي وأصرت على أن تكون مع واشنطن في كل توجهاتها , ويرجع الخبراء الغربيون ذلك إلى كون بريطانيا التي مازالت مسكونة بتاريخها الأمبراطوري

بأنّها تريد أن تلعب أدوارا كبيرة ولن يتأتى لها ذلك إلاّ من خلال أمريكا التي إستفردت بصناعة القرارات الدوليّة . وإذا كان هذا المشهد السياسي في أوروبا قبل الحادي عشر من أيلول 2001 , فإنّ المشهد إزداد تعقيدا وإرتباكا بعد الحادي عشر من أيلول 2001 حيث بعثت واشنطن أكثر من رسالة إلى العواصم الأوروبيّة مفادها من ليس معنا فهو بالتأكيد ضدنّا , وكان هناك إلحاح أمريكي على إقحام المجموعة الأوروبيّة في معادلة الحرب على ما أسمته أمريكا بالإرهاب , بإعتبار أنّ واشنطن تعتبر أنّ أوروبا هيّ أهم حليف لها بحكم التاريخ والراهن , وبحكم المرجعية العقائدية والفكريّة الواحدة . وبداية تجاوبت أوروبا مع طروحات واشنطن الجديدة وأنساقت وراء لحظات الإنفعال , لكن وبعد زوال لحظات الإنفعال والتأثر بدأت العديد من العواصم الغربيّة تراجع نفسها وتدرك أنّ الإنسياق وراء المشروع الأمريكي العالمي الجديد من شأنه أن يجعل أوروبا تقفز على قوانينها الداخلية ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى إرباكات داخلية في أكثر من واقع أوروبي خصوصا وأنّ المسلمين في معظم الدول الأوروبيّة هم أصحاب الديّانة الثانية بعد المسيحية وأغلبهم يتمتعون بحق المواطنة , ويحق لهم التصويت والترشح للإنتخابات التشريعية وغيرها . ولحظة الإستيقاظ من الإنفعال بدى في عدم إستجابة كل الدول الأوروبية في الذهاب مع الجيش الأمريكي إلى أفغانستان وحتى بعض الفرق الأوروبية التي شاركت في الحرب الأمريكية في أفغانستان بدأت تعود إلى بلادها تحت ضغط الرأي العام الأوروبي الذي يبدو في غالبيته ضدّ التوجهات الأمريكية . ولأوّل مرة في تاريخ أوروبا تنطلق تظاهرات يشارك فيها عشرات الآلاف من الأوروبيين ويهتفون ضدّ السياسة الأمريكية وتوجهات جورج بوش الراهنة . كما أنّ الدول الأوروبيّة لم تبادر إلى وضع حدّ للوجود الإسلامي في أوروبا وحتى أتباع أشد الحركات الإسلامية راديكالية لم يتعرض لهم أحد , والذين طاولتهم الأجهزة الأمنية الأوروبية هم الذين قدمّت بشأنهم وكالة الإستخبارات الأمريكية ملفات , وقد أطلق سراح الكثير منهم بعد أن تبث للأجهزة الأمنية الأوروبية أنّ هؤلاء أبرياء , كالطيّار الجزائري لطفي رايسي الذي إتهمته واشنطن بتدريب الطيارين الذين قاموا بتفجير برجي التجارة الأمريكي في نيويورك , وأطلق سراحه لعدم وجود دليل علما أنّ واشنطن كانت تطالب بريطانيا بتسليمه لها , وفي السويد لم يتعرّض أي عنصر من أتباع تنظيم القاعدة للإعتقال علما أنّ مسؤول في الإستخبارات السويدية أعلن أنّ هناك 15 شخصا من أتباع تنظيم القاعدة في السويد ولا يمكن إعتقالهم لأنّهم لم يخرقوا القوانين السويديّة .

وينطلق العديد من الساسة الأوروبيين في توجهاتهم هذه من قاعدة مفادها أنّ بين أوروبا و العالم العربي والإسلامي مصالح إستراتيجية وسياسية وإقتصادية , وهذه الكتلة العربية والإسلامية هي أقرب إلى أوروبا جغرافيّا من أمريكا , وأي تصعيد في الموقف ضدّ هذه الكتلة معناه تعريض الأمن القومي الأوروبي إلى الخطر . ولذلك لم تستهدف العواصم الأوروبيّة الوجود الإسلامي في كل تفاصيله , لكن لاحقت عناصر بأعداد محددّة ثبت أنّها تورطت في أعمال عنف , وهناك إحتياط سياسي وإعلامي رسمي في عدم التعريض بالإسلام وهنا يجب التفريق بين المواقف الرسمية ومواقف وسائل الإعلام ذات الإمتدادات الصهيونية .

وكل النقاشات التي كانت تدور بين الساسة الأوروبيين أثناء إجتماعات الإتحاد الأوروبي

 كانت تتطرق إلى ضرورة تمييز السياسة الأوروبية عن الأمريكية , ولعلّ وزيرة خارجية السويد السيدة آنا ليند كانت الأكفأ في القول نيابة عن المسؤولين الأوروبيين أخيرا في العاصمة الدانماركيّة كوبنهاغن : يجب أن نقول لأمريكا لا , وقررّت أن تبعث رسالة بهذا الخصوص  إلى وزير خارجية أمريكا كولن باول . ويمكن القول أنّ الرأي العام الأوروبي الذي بدأ يتشكل في أوروبا ضدّ التوجهات الأمريكية الراهنة وقد أرخى هذا الرأي العام بظلاله على صناع القرار في أوروبا تحول إلى تيّار حقيقي ضاغط ومؤثّر , وألمانيا التي كانت أهم حليف أوروبي لأمريكا بعد بريطانيا بدأت سياستها الخارجية تستقّل عن الموقف الأمريكي في الملفين الفلسطيني و العراقي على وجه التحديد .

ويمكن القول أنّ الفجوة بدأت تتسّع بين أوروبا وأمريكا في منحنيات سياسية عديدة , ولا تريد العواصم الأوروبية أن تتحوّل إلى ساحة تصفيات تدفع ضريبة وقوفها الأعمى مع أمريكا , وإذا شرحنّا الخارطة الرسمية الأوروبيّة نجد أنّها تنقسم إلى ثلاث أقسام فهناك

  أقلية أوروبية ترى ضرورة الوقوف إلى جنب واشنطن قلبا وقالبا وعلى رأسها بريطانيا  ودول أوروبية بدأت تجهر برفض التوجهات الأمريكية مثل فرنسا والسويد وألمانيا والدانمارك والنرويج وبلجيكا وغيرها , ودول أوروبية صامتة وهي تلك التي خرجت من الخيمة السوفياتية سابقا وأنضمت إلى الإتحاد الأوروبي وتعتبر أنّ الأولوية في تأهيل نفسها سياسيا وإقتصاديّا والصمت خير وسيلة لعدم جلب السخط على واشنطن التي تكفلّت بمساعدة هذه الدول الخارجة من البعبع الأحمر . وإذا كانت المواقف الرسمية تجاه العصر الأمريكي موزعة بين الأقسام الثلاث , فإنّ الرأي العام الشعبي في أوروبا موقفه من أمريكا واحد ويتمثل فيما قالته سياسية سويدية من أنّه علينا أن نناضل لكيّ لا تكون واشنطن هي الشرطي الوحيد في العالم ..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

معلومات عن العالم الاسلامي بالجملة في الدوائر الغربيّة .

 

 

يفد إلى الدول الأوروبيّة المانحة للجوء شهريّا عشرات الآلاف من طالبي اللجوء السياسي والإنساني ومعظمهم من العالم العربي والإسلامي والثالث , وحتى يحظى طالب اللجوء بالقبول وبالتالي حقّ الإقامة والعمل والمساعدة الاجتماعيّة – عبارة عن راتب يقدّم للاجئ وهو يكفيه لمأكله وملبسه -  في هذه الدولة المانحة للجوء يجب عليه أن يعريّ وطنه والمؤسسات الحاكمة فيه تعريّة كاملة تكون كفيلة بذكر مئات المعلومات عن تركيبة نظام الحكم والعوائل أو جماعات النفوذ الصانعة للقرار السياسي وخارطة التيارات السياسية ومفردات هذا المذهب أو ذاك وللإشارة هنا فانّ من جملة الأسئلة التي يسألها المحققون الأمنيون لطالب اللجوء هل أنت شيعي أو سني أو بهائي أو زرادشتي اذا كان طالب اللجوء قادما من إيران مثلا . وقد سئل أحد طالبي اللجوء من دولة عربية عن سرّ الخلاف الفقهي بين علي خامنئي ومحمّد حسين فضل الله وهو خلاف فقهي دقيق لم يطلّع عليه إلاّ بعض المتابعين لهذا الموضوع ومن المهتمّين بالقضايا الإسلامية , وسئل أخر ينتمي إلى ما يعرف بالبدون في الكويت عن ظاهرة البدون في الكويت ومستقبلهم وتفاصيل مشكلتهم وفي النهاية حاز هذا الشخص على حقّ اللجوء باعتباره بدون وطن . ويقول أحد المترجمين العرب الذين يقومون بترجمة ما يقوله اللاجئون إلى اللغة السويدية , لو أنّ الأجهزة الأمنية في الغرب مجتمعة سخرّت ميزانيّة من مئات ملايين الدولارات وغرست ألاف العيون على امتداد العالم الإسلامي من طنجة والى جاكرتا ليحصل على معلومات دقيقة من قبيل ما يجمعونه من خلال ظاهرة اللجوء لما جمعوا مقدار عشر ما لديهم من معلومات جاءتهم عن طريق اللاجئين . وتتعامل الأجهزة الغربية مع المعلومات القادمة بشكل علمي دقيق ويتمّ أرشفتها جميعا ,و هناك معلومات تحتفظ بها هذه الدولة المانحة للجوء لنفسها وأخرى تسوقّها ضمن مجموعة دول الاتحاد الأوروبي وأخرى تذهب إلى أمريكا وخصوصا المعلومات المتوفرة عن بن لادن , وأخرى تذهب إلى الموساد وتحديدا تلك المستقاة من فلسطينيين طالبين للجوء وما أكثرهم ومعلومات أخرى تستخدم لابتزاز دول عربية وإسلامية , وتقسم المعلومات إلى أقسام منها : معلومات سياسية ومعلومات عسكريّة ومعلومات علمية ومعلومات اجتماعية وذات صلة بالمجتمع وهلمّ جرّا ويلحظ لدى أرشفة المعلومات مصدرها وهناك اعتناء كبير بالمصدر , فعندما يكون طالب اللجوء وزيرا أو وزيرا سابقا أو شخصا كان منخرطا في جهاز أمني أو تركيبة الحكم أو صحافيا فهؤلاء معلوماتهم تأخذ بعين الاعتبار والاهتمام أيضا . ويبقى طالبو اللجوء الذين ليس لهم مستوى ثقافي وحتى هؤلاء يجري حلبهم بطريقة معينة كأن يتمّ من خلالهم معرفة الواقع الاجتماعي وتفاصيل العادات والتقاليد . وتجزم المعلومات المتوفرة أنّ الدوائر المعنية بمنح حقّ اللجوء باتت تتمتع بخبرة واسعة ودقيقة بتفاصيل التفاصيل عن العالم العربي والإسلامي , فأصبح هناك الخبير بالجزائر وأخر بمصر وثالث بالعراق ورابع بلبنان وخامس بفلسطين وهكذا دواليك , وهذه الخبرة تشمل المعرفة الدقيقة بالواقع السياسي وكيفية أداء الأجهزة الأمنية وحتى اللهجة المحكية يعرفها هذا الخبير , ويصادف أن يمسك الخبير الخارطة فيشير قائلا هنا النجف وقرب هذا الحيّ يوجد هذا الحيّ وفي هذا الحيّ يسكن المرجع الفلاني أو الضابط الفلاني في معرض حديثه مع عراقي طالب للجوء مثلا . وإذا علمنا أنّ طالبي اللجوء في الدول المانحة للجوء ينتمون الى معظم الدول العربية والإسلامية فمعنى ذلك أنّ العالم العربي والإسلامي بات مكشوفا ومخروما إلى النخاع , وتعتبر وفرة المعلومات عن العالم العربي والإسلامي عامل قوة للدول المانحة التي باتت تحسن استخدام كافة المعلومات في فرض سياسات معينة . وليس هذا فحسب بل أن الأداء الاجتماعي والمسلكي للمسلمين في الغرب بات محل ملاحقة ودراسات مستفيضة يقوم بها باحثون في أحيان كثيرة ينسقّون مع الدوائر التي تستجمع كل هذه المعلومات والغرض من تلك الدراسات هو التعمقّ في فهم المسلمين ليس على قاعدة التواصل معهم لكن على قاعدة اعرف عدوّك الذي جاءك إلى عقر دارك .

والإشكال أنّ العديد من طالبي اللجوء من العالم العربي والإسلامي يبادرون إلى إعطاء أكبر قدر ممكن من المعلومات عن بلادهم إيمانا منهم أنّ ذلك سيساهم في حصولهم عل حقّ اللجوء سريعا , وعندما ترى الأجهزة الغربية المحققة مع طالب اللجوء أنّ من المصلحة إبقاء هذا الشخص مربوطا بها , فانّه يهدد بعدم قبول طلب لجوئه اللهمّ إلاّ إذا تعاون مع هذه الأجهزة ويصبح عينا على بني جلدته وبالمجّان في أحيان كثيرة وبدون مقابل . وبهذا الشكل تمكنّت الأجهزة المذكورة من غرس عشرات بل مئات العيون في المساجد ووسط التجمعات الإسلامية والجاليّات العربيّة . وبهذا الشكل يصبح المسلمون في الخارج – في الخارطة الإسلاميّة – والمسلمون في الداخل – ضمن الخارطة الغربيّة – تحت دوائر الضوء والمجهر , ومن غير اللائق السؤال لماذا بعد كل هذا انهزمنا و إنتصروا !!!!!

 

 

 

 

بقلم : يحي أبوزكريا .