¨         موريتانيا المسلمة بين الأمركة و الفرانكفونية والصهينة .

 

 

 

               بقلم : يحي أبوزكريّا .

 

 

 

 

 

 

 

تقع دولة موريتانيا في الشمال الإفريقي أو المنطقة التي تعرف باسم المغرب العربي , وتحدّها من الشمال الشرقي الجزائر ومن الشرق والجنوب الشرقي مالي ومن الجنوب السنغال التي يفصلها عنها نهر السنغال و من الغرب المحيط الأطلسي ومن الشمال الغربي الصحراء الغربية والمغرب .

ومناخ موريتانيا صحراوي جاف بدءا من شهر تشرين الثاني – نوفمبر –والى شهر حزيران –يونيو - , أمّا مساحة موريتانيا فتبلغ 1.030.000كلم مربع وعدد سكانها حوالي المليونين حسب أخر الإحصاءات في التسعينيات .

وقد نزح سكان موريتانيا من شمال إفريقيا أثناء ازدهار الحضارة القفصيّة في العصر الحجري الجديد وأستقرّوا في شمال البلاد في مناطق بئر بوغرين وزويرات ونواذيبو .

وفي نفس الفترة نزحت قبائل من إفريقيا السوداء الى موريتانيا و أستقرّت في الجنوب الموريتاني وهم المعروفون اليوم باسم الزنوج الموريتانيين . وحسب الباحثين فانّ 80 في المائة من السكان الموريتانيين هم من البربر والعرب الحسانيين أو البيضان – أي البيض –وهؤلاء يقطنون في الشمال الموريتاني وفي الوسط , أمّا الزنوج الموريتانيون فيقطنون في جنوب موريتانيا وهم ينحدرون من النيجر والسنغال ومالي وينتمون  الى عدة قبائل مثل بسبرة وسركولي والولوف وتوكولير و البيد .

والعاصمة الموريتانية هي نواكشوط , أمّا المدن الرئيسية فهي نواذيبو وقايدي و زويرات وروسو وأطار وكيفة .

واللغة العربية هي اللغة الأصلية والغالبة في موريتانيا مع وجود  مكثّف للغة الفرنسية المنتشرة خصوصا في وسط الزنوج الموريتانيين , وقد نصّ البند الثالث من أول دستور موريتاني لعام 1961 بعد التعديل على أنّ اللغتين العربية والفرنسية هما لغتان رسميتان في البلاد .

أمّا الديانة السائدة في موريتانيا فهي الإسلام وحسب الدستور الموريتاني فانّ الإسلام هو دين الدولة . وتفيد بعض الدراسات المتخصصة أنّ موريتانيا كانت مأهولة بالسكان منذ عصور ما قبل التاريخ  , كما أنّ العديد من الحضارات قد توالت على موريتانيا منها الحضارة العثيرية أثناء العصر الحجري والعصور الوسطى والعليا , والحضارة الحفصية التي انطلقت من تونس والتي تأثرّت بحضارة وادي النيل . وفي هذه الحقبة التاريخية انتقل الإنسان الموريتاني من مرحلة الرعي وتربية المواشي الى مرحلة الزراعة ومنها إلى عصر التجارة .

وكبقية الأقطار المغاربية فقد تعرضّت موريتانيا للاحتلال والغزو الفينيقي والروماني , وقد أقام الفينيقيون على سواحل موريتانيا مراكز تجارية متعددة أشهرها ليكس والتي سمّاها الرومان فيما بعد ليكسوس وهي العراش حاليا , وأستمرّ الفينيقيون يشرفون على المناطق الساحلية الموريتانية الى أن أنهزموا أمام الرومان في الحروب البونيقية في 146 قبل الميلاد .

أمّا الإسلام فقد دخل إلى موريتانيا مع موسى بن نصير في سنة 708 بعد الميلاد حيث عندما وطدّ المسلمون وجودهم في بلاد المغرب انطلقوا جنوبا نحو موريتانيا لمواصلة نشر الدعوة الإسلامية , وقد أدرك المسلمون أهمية موريتانيا من حيث موقعها الجيوسياسي الحسّاس باعتبارها واقعة على طريق استيراد الذهب من غربي افريقيا .

وقد لعبت موريتانيا دورا بارزا في إثراء  الحضارة الإسلامية وأصبحت مركز إشعاع علمي وثقافي , وكانت الدولة الموحديّة التي وحدّت المغرب العربي تأسسّت في منطقة السوس المتداخلة بين المغرب وموريتانيا  بقيادة المهدي بن تومرت , وحتى في العهد الفاطمي لعبت موريتانيا دورا كبيرا في توطيد أركان الدولة الفاطمية الإسماعيلية , ومعروف أنّ العرب الحسّانيين الذين يشكلّون النسبة العالية من سكان موريتانيا هم من قبائل معقل التي زحفت مع الهلاليين وبني سليم بأمر من الخليفة الفاطمي في مصر .

ولأنّ موريتانيا تحتلّ موقعا استراتيجيا فقد تحولّت الى محل أطماع الغربيين وتحديدا دول جنوب حوض المتوسط كالبرتغال , وقد بدأ اهتمام البرتغاليين بموريتانيا منذ النصف الأول من القرن الخامس عشر , ففي عام 1434 ميلادية نزل القائد البحري جيل أيانيش لأول مرة في رأس بوغديد الصحراوية التي كانت في ذلك الوقت جزءا من موريتانيا .

وقد كتب العديد من الرحالة البرتغاليين الكثير من المعلومات و الكثير من الكتب عن موريتانيا وشعبها في ذلك الوقت , كما أنشأ البرتغاليون مراكز للعبيد حيث كان القراصنة البرتغاليون يخطفون الموريتانيين ويبيعونهم في أسواق الرقيق في أوروبا .

وكثيرا ما أستغلّ البرتغاليون الصراعات المستفحلة بين البراكنة والطرارزة وهما قبيلتان تنتميان إلى العرب الحسانيين لبسط سيطرتهم على موريتانيا ونفس الصراعات خدمت الهولنديين ومن بعدهم  البريطانيين و الفرنسيين الذين استولوا على أقطار المغرب العربي .

وكانت فرنسا وبريطانيا تتقاسمان النفوذ في موريتانيا وفي سنة 1854 خطت فرنسا خطوة كبيرة نحو موريتانيا عندما أشرف الوالي الفرنسي فيديريب على تجهيز حملة عسكرية على قبيلة الطرارزة والتي كانت شرسة في معارضة الوجود الغربي في موريتانيا , وكان هدف الحملة الفرنسية اعادة الأمن والاستقرار الى موريتانيا بزعم الفرنسيين , وتمكنّت فرنسا من فرض شروطها على أمير الطرارزة محمد الحبيب الذي خضع للفرنسيين حفاظا على موقعه وهذا ما دفع بعض الموريتانيين المناوئين للاستعمار الفرنسي إلى اغتياله سنة 1860 .

وفي 27 كانون الأول – ديسمبر – 1899 صدر قرار حكومي فرنسي بتأسيس دولة موريتانيا الفرنسية , ولإسكات إسبانيا التي كان لها وجود في موريتانيا اتفقت فرنسا معها عام 1900 على أن يمتدّ النفوذ الإسباني إلى الصحراء الغربية شمالي الرأس الأبيض .

وفي مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي انعقد عام 1906 بمشاركة الدول الأوروبية المتنافسة على موريتانيا وهي : فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا تقررّ أن تكون منطقة شمال وغربي إفريقيا تحت السيطرة الفرنسية .

ومن أجل إدماج موريتانيا بشكل كامل في فرنسا أصدرت فرنسا قرارا يقضي بأنّ موريتانيا يحق لها ترشيح نائب واحد يمثلها في الجمعية الوطنية الفرنسية –البرلمان -.

وسمح هذا القرار بتأسيس تيارات سياسية موريتانية والتي منها :

-        الاتحاد التقدمي الديموقراطي .

-        حزب الوفاق الموريتاني     .

وكان يتزعم حزب الوفاق الموريتاني خورما ولد بابانه وكان عميلا للسلطات الفرنسية وقد أسسّ حزبه للتصدي للزعماء الدينيين التقليديين الذين كان لهم دور كبير في تاريخ موريتانيا .

وفي سنة 1956 أخذت فرنسا تفكّر في إدارة مستعمراتها في الشمال الإفريقي بطريقة مغايرة حتى تتمكنّ من التصدي للثورة الجزائرية التي باتت تهددّ الوجود الفرنسي برمته في الشمال الإفريقي , فأنشأت فرنسا في موريتانيا مجلسا حكوميّا رئيسه فرنسي ونائب رئيسه موريتاني , وكان هذا الموريتاني هو زعيم الاتحاد التقدمي الموريتاني مختار ولد داده .

وبعد استقلال المغرب اصطدم ولد داده معها لأنها كانت تطالب بضمّ موريتانيا إلى المغرب, ورفع شعار استقلال موريتانيا , أمّا خصمه السياسي خورما ولد بابانه فقد كان مؤيدا لفكرة انضمام موريتانيا إلى المغرب .

وقد دعم الفرنسيون مختار ولد داده وقرروا أن تكون نواكشوط عاصمة الدولة الموريتانية والتي أختارت فرنسا رئيسها وهو مختار ولد داده .

وفي 28 تشرين الثاني – نوفمبر – 1960 منحت فرنسا الاستقلال لموريتانيا , وأنتقلت حكومة موريتانيا الإسلامية برئاسة مختار ولد داده والذي كان عمره في ذلك الوقت 36 سنة من سانت لويس بالسنغال إلى نواكشوط عاصمة موريتانيا الفتيّة , وفي 1961 أصبحت موريتانيا عضوا كاملا في الأمم المتحدة رغم معارضة المغرب التي لم تعترف بموريتانيا كدولة مستقلة إلاّ في سنة 1969 .

 

 

\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\

 

 

 

 

 

أثار فرنسا في موريتانيا.

 

في نواكشوط العاصمة الموريتانية التي تعتبر من أصغر العواصم العربية عمرا أثار كثيرة خلفهّا الاستعمار الفرنسي , فنواكشوط لم تكن سوى ثكنة عسكرية فرنسية على الطريق الاستعماري الذي يربط شمال إفريقيا بغربها , وكانت نواكشوط منطقة متوسطة نسبيا بين المناطق التعدينية في الشمال والمناطق الزراعية في الجنوب وبين المناطق السكانية ذات الكثافة جنوبا وتلك الموغلة شمالا .

وفي العاصمة الموريتانية يبصر الزائر الرجال في الطرقات يرتدون زيّهم المميّز الدرّاعة وهي عباءة خاصة مفتوحة من الجانبين بلا أكمام وغالبا ما يكون لونها أزرق وفي الأغلب يضعون المسواك في أفواههم .

ومن يتجوّل في شوارع نواكشوط وفي المدن الموريتانية المختلفة يلحظ المفارقة الكبيرة المتمثلة في الحيرة بين الماضي والحاضر , بين المجتمع التقليدي الضارب بجذوره في الصحراء والذي مازال يقوم على أسس عشائرية وبين المستقبل الذي يتساوى فيه المواطنون في إطار الوطن الواحد .

فموريتانيا تمرّ بمرحلة دقيقة بين مجتمع العشائر ومجتمع الانتماء الواحد ولعلّ صدور قانون الإصلاح الزراعي الذي يلغي ملكية القبيلة هو أول محاولة لاقتحام أوضاع الصحراء والتأثير عليها وصهرها في المجتمع الحديث . فالمجتمع الموريتاني ينقسم بحدة إلى فئات اجتماعية تقوم على الأنساب بشكل صارم ومن المألوف أن تحتفظ كل قبيلة في مكان أمين بشجرة العائلة التي تحددّ القبيلة الأصلية التي تنحدر منها وتنتمي إليها ويتمثل مقياس الشرف عند البدوي في نقاء نسبه و يرفض الاعتراف بأبناء القبيلة إذا كانوا ثمرة اتصال غير متكافئ .

والمجتمع الموريتاني كما يقول الباحث الدكتور أبو العلا , قائم على البيضان والسودان ولفظ البيضان يطلق على الذين يتكلمّون اللغة العربية والسودان يطلق على الزنوج الذين يتكلمّون اللهجات الافريقية واللغة الفرنسية , ومثلما ركزّت فرنسا على بربر الجزائر والمغرب فقد ركزّت على السودان في موريتانيا في محاولة لخلق مشكلة إثنية .

وقد خرجت فرنسا من موريتانيا بعد أن أمتصّت خيراتها , ولم تترك بها شارعا واحدا مرصوفا وبقيت مدن القوافل القديمة في الصحراء على حالها , مما جعلها تستهلك دخلها المحدود في إقامة البنية الأساسية , ورغم أنّ موريتانيا قامت بوضع خطة استثمارية طموحة خلال السبعينات فانّ الجفاف والتصحّر وما صاحب ذلك من انخفاض الناتج الرعوي أدىّ إلى عدم تنفيذها بالصورة المطلوبة .

وهذا لا يعني أنّ موريتانيا فقيرة , بل على العكس من ذلك فانّه يرقد في باطنها من الثروات والمياه ما لا يوجد في كثير من البلدان الأخرى ولكنّها مازالت أرضا بكرا لم تمسسها يد , وثروات موريتانيا دفينة تحت الرمال والجزء الضئيل المستثمر تحيط مؤامرات دولية فرنسية وأمريكية وإسرائيلية تعرقل إنتاجه . وحول مدينة شنقيط الموريتانية تقع ثروة موريتانيا الأسطورية الحديد الذي ينتشر على هيئة سلاسل جبلية , ويقال أنّه عند اندلاع الحرب العالمية الثانية شكا الطيارون من حدوث تغييرات على مؤشر البوصلة في طائراتهم في كل مرّة يطيرون فيها فوق الجبال المحيطة بشنقيط , وبعد أن توقفت الحرب جاء الخبراء إلى تلك المنطقة لكشف سرّ الظاهرة وما كادوا يبدؤون عملهم حتى إتضحّ لهم أنّ جبال سفاريات وكديت الجلد ما هي إلاّ كتلة هائلة من الحديد و تبث أنّ حجارة هذه الجبال تحتوي على  94,56 بالمائة من أكسيد الحديد وهذه النسبة تضارع أعلى نسبة حديد موجودة في العالم .

ومع كل هذه الثروات الطبيعية فانّ موريتانيا مازالت تعاني من أثار الاستعمار الفرنسي والتي تتجسّد في :

-        الآثار السياسية .

-        الآثار الاقتصادية .

-        الآثار الثقافية واللغوية .

-        الآثار العرقية والإثنيّة.

فعلى الصعيد السياسي فانّ فرنسا هي التي صاغت شكل النظام السياسي , وأشرفت على تعيين أول رئيس لموريتانيا وهو مختار ولد داده , وكان لديها نفوذ واسع داخل المؤسسة العسكرية الموريتانية صاحبة الحل والعقد في موريتانيا , وتمكّنت من إيصال النخبة الموريتانية الفرانكفونية إلى دوائر القرار وهؤلاء هم الذين جعلوا اللغة الفرنسية لغة رسمية في موريتانيا شأنها شأن اللغة العربية .

وعلى الصعيد الاقتصادي نهبت فرنسا كل الثروات الموريتانية وخلفّت وراءها مجتمعا بلا مقومّات اقتصادية , وكانت سياسة فرنسا الاستعمارية تقضي عند تركها لأيّ منطقة تحتلها أن  تبقيّها خالية الوفاض وحتى أنها كانت تستولي على أخر النقود الموجودة في خزينة الدولة .

وعلى الصعيد الثقافي فرضت فرنسا ثقافتها ونمطها التغريبي على الشعب الموريتاني وخلفّت النزعة العنصرية بين البيضان والسودان حيث نشبت العديد من الصراعات بين أبناء البلد الواحد .

وظلّت موريتانيا تتعرّض للمد والجزر بين أنصار اللغة العربية و أنصار اللغة الفرنسية , وكان الاستعمار الفرنسي قد استثمر تعدد اللهجات في شمال إفريقيا وإفريقيا عموما لصالحه , إلى أن أصبحت اللغة الفرنسية أو الإنجليزية لغات رسمية في العديد من الدول الإفريقية .

وقد وقعت أول أزمة في هذا المجال سنة 1966 بسبب تنامي الأقليّات التي تتكلم اللهجات الإفريقية المختلفة والتي رأت في اللغة الفرنسية أداة لتأكيد ذاتها بتشجيع من بعض الحكّام الأفارقة المتفرنسين ومن الدوائر الفرنسية نفسها .

وقد شهدت المدارس الموريتانية إضطرابات وصدامات بين كل من أنصار اللغة العربية والفرنسية , وتعقدّت الأزمة أكثر عام 1968 عندما أصدرت الحكومة الموريتانية قرارا يجعل اللغة العربية لغة رسمية الى جانب اللغة الفرنسية , وأعلنت الحكومة عزمها على احترام اللغات المحليّة المختلفة , وخصّصت وقتا في الإذاعة المسموعة لتلك اللغات , وكانت إحصائيات  سنة 1973 على سبيل المثال قد أظهرت أنّ الحاصلين على الثانوية العامة  –البكالوريا – من الطلبة قد فاق 300  طالبا , ودون مائتين طالبا امتحنوا باللغة العربية فيما معظم الناجحين امتحنوا باللغة الفرنسية .

و أخذت اللغة العربية تواجه صعوبات جمّة في موريتانيا وصعب عليها أن تقف في وجه فرنسة الإدارة والتعليم , وقد بذلت فرنسا كل الجهود لتشويه الأصالة الموريتانية حتى لا تنتشر اللغة العربية والإسلام في إفريقيا . لأنّ موريتانيا كانت على الدوام جسرا بين إفريقيا والحضارة العربية والإسلامية …

 

 

 

 

 

 

 

النظام السياسي في موريتانيا منذ الاستقلال .

 

 

 

ساهمت فرنسا إلى أبعد الحدود في تأسيس الكيان الموريتاني , هذا الكيان الذي كانت ترى فيه المغرب مجرّد امتداد للأراضي المغربية التي فككّها الاستعمار .

وتأسست أول جمهورية موريتانية برئاسة مختار ولد داده في ظروف داخليّة معقدّة , فالاستعمار الفرنسي خلفّ بعد خروجه من موريتانيا اقتصادا منهارا صعب على الموريتانيين التغلّب على إفرازاته .

وأول مشكلة صادفت جمهورية موريتانيا هي عدم اعتراف المغرب بها , كما أنّ العديد من الدول المحسوبة على المحور الاشتراكي كانت تعتبر موريتانيا صنيعة فرنسية وكانت ترفض الاعتراف بها .

ورغم ذلك قررّ رئيس الدولة الموريتانية مختار ولد داده إقامة مؤسسات يعتمد عليها في إدارة شؤون بلاده , فقام بتأسيس البرلمان في عام  1960 , وفي أواخر شباط –فبراير – سنة 1961 تمّ وضع أول دستور موريتاني .

وفي سنة 1961 جرت انتخابات رئاسية في موريتانيا وكان المرشّح الوحيد هو مختار ولد داده ولذلك كان هو الفائز الوحيد .

وفي كانون الأول – ديسمبر –1961 انعقد وبمبادرة من الحزب الحاكم وهو الحزب التقدمي الموريتاني مؤتمر الوحدة الوطنية الموريتانية وحضرته الأحزاب التالية :

-        الحزب التقدمي الموريتاني –الحزب الحاكم - .

-        الاتحاد الوطني الموريتاني .

-        الاتحاد الاشتراكي لمسلمي موريتانيا .

-        حزب النهضة .

وكانت نتيجة هذا المؤتمر أن توحدّت كل هذه الأحزاب في حزب واحد هو حزب الشعب الموريتاني , برئاسة مختار ولد داده رئيس البلاد . وعندما بادر مجموعة من السياسيين الموريتانيين الى تأسيس الجبهة الديموقراطية في أغسطس – أوت – 1964 بادرت الحكومة الى حلّ هذه الجبهة .

وفي سنة 1965 تمّ تعديل الدستور الموريتاني الذي نصّ على أنّ حزب الشعب الحاكم هو الحزب الوحيد في البلاد , وبسبب هذه الديكتاتورية المطلقة في البلاد بدأت تبرز في موريتانيا سلسلة من المشاكل الداخلية و الإنفجارات السياسية والاجتماعية مثل الإضراب الذي قام به عمّال مناجم الزويدات في عام 1968 والذي لم ينته الاّ بعد سقوط المضربين برصاص الجيش الموريتاني , وأستمرّت حركة الإضرابات بقوة إلى سنة  1972 , وفي هذه المرحلة التاريخية بالذات نمت وترعرعت الحركات اليسارية في موريتانيا والتي كانت متأثرة بالمدّ اليساري العالمي والعربي , وقد تأسسّت حركات ثورية في موريتانيا أهمها :

 

-        الحركة الوطنية الديموقراطية .

-   حزب الكادحين الموريتانيين الذي تأسسّ في سنة 1973 وهو حزب ماركسي لينيني ماوي . كما تأسست حركات أخرى رفضت كلها فكرة الحزب الواحد .

 

وللتخلص من أعباء هذه الحركات التي إستطاعت أن تستقطب شرائح من الناس , قامت الحكومة الموريتانية بتنفيذ سلسلة من المشاريع السياسية والإصلاحية للتنفيس عن الاحتقان الذي بات يخنق موريتانيا مثل التخلص من التبعيّة للفرنك الفرنسي , إنشاء النقد الوطني في أواخر 1972 والغاء الاتفاقات المجحفة في حق موريتانيا والتي كانت تربطها بفرنسا مثل تأميم شركة ميفيرما  - Miferma – في سنة 1974 .

ومرة أخرى دعت الحكومة الموريتانية في عام 1975 الى مؤتمر الوضوح حيث جرى توحيد كل الأحزاب السياسية وتبنّي ما عرف في موريتانيا بالاشتراكية الإسلامية لإزالة كل أنواع استغلال الإنسان للإنسان كما كان ينصّ الخطاب السياسي الموريتاني في ذلك الوقت .

غير أنّ خطوة توحيد الأحزاب تحت غطاء سياسي واحد لم تؤت ثمارها كما حدث في مؤتمر الوحدة الوطنية الموريتانية الذي انعقد في سنة 1961 , وقد أستمرّت التصدعات الداخلية والصراعات السياسية والحزبية الأمر الذي أدىّ الى وقوع انقلاب عسكري هو الأول من نوعه في موريتانيا , وقد تمكنّ العقيد مصطفى ولد سالك في 10 تموز

-يوليو – 1978 من الإطاحة بمختار ولد داده , وقد كان للمخابرات العسكرية الجزائرية  في عهد الرئيس هواري بومدين دور كبير في الإطاحة بمختار ولد داده .

وأعلن عندها العقيد مصطفى ولد سالك بأنّه ضدّ سياسة مختار ولد داده المؤيدة للمغرب في قضية الصحراء الغربية , وأسسّ العقيد مصطفى ولد محمد سالك المجلس العسكري للإصلاح الوطني , ولم يتمكن هذا الانقلاب العسكري من إرجاع الاستقرار والأمن إلى موريتانيا , وتفاقمت الصراعات الحادة بين الأجنحة المتنافرة ومراكز القوة داخل المجلس العسكري للإصلاح الوطني , وقد بلغت هذه الخلافات ذروتها في 06 نيسان – أبريل –

1979 حيث وقع انقلاب أبيض أدّى إلى تغيير موازين القوة داخل المجلس العسكري للإصلاح الوطني والذي أصبح يحمل اسم المجلس العسكري للإنقاذ الوطني برئاسة العقيد أحمد ولد يوسف الذي كان رئيسا للحكومة .

وشاءت الظروف السياسية المتقلبة في موريتانيا أن لا يدوم حكم أحمد ولد يوسف سوى 50 يوما , إذ قتل في حادث طائرة في 27 أيّار – مايو – 1979 بالقرب من العاصمة السنغاليّة داكار .

وتولّت لجنة دائمة مكوّنة من 14  عضوا منبثقة من المجلس العسكري تسيير الأمور , إلاّ أنّ السلطة الفعلية كانت بيد العقيد خونة ولد هيدالة الذي ترأسّ الحكومة . و في تلك المرحلة أحبط هذا المجلس محاولة انقلاب قام بها العقيد مصطفى ولد سالك للعودة إلى الحكم ثانية , وباءت المحاولة الانقلابية بالفشل الذريع .

و في هذه المرحلة من تاريخ موريتانيا سجلت العديد من القضايا و التداعيات التي لا يمكن للموريتانيين نسيانها ومنها :

-        استمرار الإضطرابات وتضعضع الإستقرار السياسي .

-        صراعات حادة داخل دوائر صنع القرار .

-        انهيار الاقتصاد بشكل شبه كامل رغم الثروات الهائلة في موريتانيا .

-        الصراع المتواصل بين البيضان والسودان , وما صاحبه من أزمة الهوية .

ومن جهة أخرى فقد تفاقمت الخلافات السياسية والديبلوماسية بين المغرب وموريتانيا , بسبب موقف موريتانيا من قضية الصحراء الغربية وجبهة البوليساريو التي كانت تطالب بإقامة دولة مستقلة في الصحراء الغربية والتي كانت مدعومة من قبل الجزائر .

وبسبب ذلك اتهمّت المغرب موريتانيا بالخيانة العظمى وخصوصا اثر التوقيع على اتفاقية السلام بين موريتانيا وممثلي جبهة البوليساريو الصحراوية في 05 أغسطس  - أب – 1979 في الجزائر والتي تتضمن بندا سريّا ينص على تسليم الصحراويين منطقة تريس الغربية خلال ستة أشهر .

وقبل انقضاء هذه الشهور الستة احتلّت القوات المغربية النظامية هذه المنطقة عندما انسحبت منها القوات الموريتانية تمهيدا لتسليمها لجبهة البوليساريو .وقد تأزّمت العلاقات الموريتانية –المغربية الأمر الذي أدّى إلى احتلال المغرب لبئر بوغرين الواقعة في شمال موريتانيا , وأصبحت موريتانيا بسبب أزمة الصحراء الغربية بين سندان الجزائر ومطرقة المغرب . وهذه الضغوط الخارجية بالإضافة إلى هشاشة الوضع الداخلي أفضت الى زعزعة الانسجام داخل المجلس العسكري للانقاذ الوطني وبدأت التصفيات الداخلية تظهر من جديد , ودعم العقيد خونه ولد هيدالة مركزه و أصبح رئيسا للدولة بعد أن قضى على العقيدين محمود ولد لولي رئيس الجمهورية و أحمد سالم ولد سيدي نائب رئيس المجلس العسكري في 04 كانون الأول – ديسمبر – 1980 , وقد أخرجهما نهائيا من دوائر القرار , كما أقال عشرات الضباط المحسوبين عليهما و مكنّ للموالين له .

و كانت دوائر القرار الموريتانية في ذلك الوقت يتجاذبها جناحان بارزان أولهما يؤيد دولة الصحراء الغربيّة ومطالب جبهة البوليساريو , وكان على رأس هذا الجناح المقدّم ولد بوخريص الذي كان وزيرا للداخليّة , والجناح الثاني كان يمثله بعض كبار الضبّاط والعسكريين ويرى أحقيّة المغرب في أراضي الصحراء الغربية .

و في 09 أذار – مارس – 1980 وجهّ رئيس موريتانيا خونه ولد هيدالة نداءا الى كل من المغرب وجبهة البوليساريو يناشدهما فيه تفهمّ موقف بلاده الحرج والأزمة السياسية التي تمر بها موريتانيا , وبعد هذا النداء أجرى رئيس موريتانيا خونه ولد هيدالة سلسلة واسعة من التغييرات في أعلى المناصب  والمستويات في صفوف الدرك الوطني والحرس الوطني والمخابرات العامة والأمن العام , وعينّ معاوية ولد طايع رئيسا للأركان والمقدّم شيخ سيد أحمد بابا وزيرا للداخليّة .

وبعد بضعة أشهر فقط من هذه التغييرات تأسسّت في موريتانيا حركة معارضة تضمّ عسكريين ومدنيين , كانت هذه الحركة تعرف باسم التحالف من أجل موريتانيا الديموقراطية , وكان هدف التحالف حسب ما صرحّ به القيمون على التحالف هو الاطاحة بالنظام الانقلابي الذي تأسسّ في 10 تموز – يوليو – 1978 وارجاع الحكم للمدنيين ووضع حدّ لسلسلة الانقلابات التي توالت على البلاد بشكل مذهل , واقامة نظام سياسي برلماني في  ظل التعددية السياسية والحزبية وتحرير الاقتصاد .

وتجدر الاشارة الى أنّ هذه الحركة التغييرية التحالف من أجل موريتانيا ديموقراطية تأسست في  22أيّار – مايو – 1980 في باريس وفي عدّة عواصم افريقية وعينّ محمد ولد جدّو سفير موريتانيا السابق في المملكة العربية السعودية منسقّا لها كما التحقت شخصيات سياسية مهمة بهذا التحالف مثل العقيد محمد باه ولد عبد القادر القائد العام لسلاح الطيران سابقا , والعقيد أحمد سالم ولد سيدي النائب الأول لرئيس المجلس العسكري للانقاذ الوطني .

وبسبب هذه الظروف السياسية سارع رئيس موريتانيا خونة ولد هيدالة في محاولة لقطع الطريق عن خصومه السياسيين , الى عقد اجتماع طارئ للمجلس العسكري في 11 كانون الأول – ديسمبر – 1980 وأعلن في الاجتماع عن اقامة حكومة مدنية برئاسة شاب متخصص في الاقتصاد وهو سيد أحمد ولد بنيرة أحد مخططّي الانقلاب ضدّ ولد داده , ولم تضم الحكومة المدنية الجديدة سوى عسكري واحد هو وزير الدفاع الذي كان مرتبطا بشكل مباشر برئيس الدولة خونة ولد هيدالة  .

وفي 19 كانون الأول –ديسمبر – 1980 تمّ الاعلان عن مشروع دستور جديد يطرح للاستفتاء الشعبي ونصّ هذا الدستور على انتخاب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع العام المباشر ولمدّة 06 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط , وانتخاب جمعية وطنية لمدة 04 سنوات .

وفي تلك الأثناء كانت مجموعة من الضباط العسكريين الموالين لليبيا يخططّون للقيام بانقلاب عسكري ضدّ خونة ولد هيدالة , ومن بينهم أحمد باب مسكي وهو مؤسس حزب النهضة الموريتاني في الستينيات , الاّ  أنّ هذه المحاولة الانقلابية لم تنجح .

ولأنّ الساسة هي فن الممكن فلا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة , فقد تحولّ الضباط الذين عينّهم رئيس موريتانيا خونه ولد هيدالة عندما قام بالتغييرات الواسعة في الجيش والمخابرات والأمن , الى خصوم شرسين له .

وفي 24 نيسان –أبريل – 1981 أقيل رئيس الحكومة ولد بنيرة وحلّ محلّه رئيس هيئة الأركان معاوية ولد طايع , وأصبح ولد طايع رئيسا للحكومة وأصبح يشرف على وزارة الدفاع و أزيح عن الحكم العقيد مولاي ولد بوخريص وزير الداخلية الذي كان متعاطفا مع الصحراويين و مختار ولد زامل وزير الخارجية الذي كان متعاطفا مع ليبيا .

وفي 12 كانون الأول – ديسمبر – 1984 كان الرئيس الموريتاني في دولة بوروندي الافريقية لحضور القمّة الفرنسية الافريقية , وأثناءها أطاح معاوية ولد طايع بنظام ولد هيدالة  وأتهمّ نظامه بالفساد وسوء الادارة .

ومنذ ذلك الوقت وولد طايع يحكم موريتانيا حيث أعطى شرعية لنظامه بانتخابات رمزية و منذ استقلالها وموريتانيا تدفع ضريبة صراعات العسكر و خلافاتهم !!!

 

\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\

 

 

 

 

 

 

 

 

منذ استقلال موريتنايا وتعيين فرنسا مختار ولد داده رئيسا لموريتاينا , وكل الأمور الصغيرة والكبيرة بيد العسكر الذين تلقّى العديد منهم تكوينه العسكري في المعاهد العسكرية الفرنسية , ومنذ 1960 والى  سنة ألفين لم تخرج مقاليد الأمور من يد العسكر الذين كانوا يديرون لعبة الحكم بالتراضي أحيانا وبالتصادم أحيانا وفي أحايين أخرى كانوا يتقاسمون النفوذ والمصالح .

ودائما كانت الرتب العليا في المؤسسة العسكرية حكرا على حملة الثقافة الفرنسية واللغة الفرنسية , وكانت المعاهد الفرنسية يغلب عليها الطابع الفرانكفوني .

وكانت السلطات الفرنسية تدعم باستمرار هذه المعاهد الفرنسية , على عكس المعاهد العربية التي كانت تلقى الاهمال والاجحاف , وكان خريجو المعاهد العربية لا يجدون وظائف بعد تخرجّهم من الجامعة , وللاشارة فانّ المعاهد العربية لم تكن تتجاوز الثلاثة معاهد في مناطق بوتيليمين واطار وكيفة , بينما أخذت المدارس الفرنسية تتكاثر وتتوالى عليها المساعدات من المراكز التعليمية الفرنسية التي كان مقرّها في داكار في السنغال , بالاضافة الى هذا فانّ الدستور الذي حكم موريتانيا لأزيد من عقدين كان نسخة طبق الأصل عن الدستور الفرنسي للجمهورية الخامسة , على أساس أنّ الشعب الموريتاني وفي عهد الاستعمار الفرنسي أيدّ الدستور الفرنسبي  للجمهورية الخامسة وكان ذلك في 28 أيلول  -سبتمبر – 1958 .

ومن رحم هذه الأجواء الثقافية الفرانكفونية نشأت النخبة العسكرية الموريتانية التي وجدت نفسها صاحبة الحل والعقد في دولة كل سكانهّا من المسلمين , وقد عملت هذه النخبة على :

-        طمس الهويّة العربية والاسلامية للشعب الموريتاني .

-   ملاحقة كل التيارات الوطنية والاسلامية التي تنهل من العروبة والاسلام والتي كانت تتحرك من منطلق ارجاع موريتانيا الى دائرتها العربية والاسلامية .

ولم تتمكن هذه النخبة الفرانكفونية من فرض الثقافة الاستعمارية بالقوة , اذ أنّ الشعب الموريتاني الذي لعب أجداده دورا كبيرا في ايصال الاسلام واللغة العربية الى افريقيا , ظلّ محافظا على أصالته .

ولأجل الدفاع عن الهويّة المسلوبة تأسست العديد من الأحزاب والتيارات والتي كانت تهدف الى استرجاع الهويّة المسلوبة , وقد قرعت الأحزاب الوطنية والاسلامية جرس الانذار باكرا و بدأت تدفع الشعب الموريتاني باتجاه العودة الى أصالته , وهذا ما جعل العسكر يصعدّون حملاتهم ضدّ هذه التيارات التي كانت تحمل مشروعا مغايرا لمشروع السلطات المتعاقبة على موريتانيا ….

 

 

 

 

\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\ 

 

 

خارطة الأحزاب السياسية في موريتانيا .

                        

 

 

على الرغم من أنّ موريتانيا دولة صغيرة وهي شبه معزولة عن العالم , وتعيش صراعا مريرا بين الأصالة والمعاصرة , وبين التقاليد والعصرنة , وبين فكر القبيلة وفكر المدينة , الاّ أنّها تشهد حركة حزبية وسياسية نشيطة منذ استقلالها والى يومنا هذا .

و كثرة الأحزاب السياسية في موريتانيا تعكس التوق الكبير الى الحرية و انفتاح الموريتانيين على كافة التيارات والمذاهب الفكرية والسياسية , وكثيرا ما كانت موريتانيا تتأثر بالأفكار القادمة من المشرق العربي وحتى من بقية الدول المغاربية , والتيارات السياسية في موريتانيا هي في الواقع انعكاس للحركات السياسية في المشرق العربي وبقيّة الدول

المغاربيّة  .

ومع أنّ منطق القبيلة هو المسيطر على المسلكية الاجتماعية في موريتانيا الاّ أنّ ذلك لم يحل دون انتشار الأفكار السياسية من كل الألوان في هذه القبيلة أو تلك , الى درجة أنّ باحثا موريتانيّا وفي مضمار حديثه عن القبائل الموريتانية أشار قائلا  بأنّ القبيلة الماركسية و القبيلة الاسلامية في اشارة الى رواج الأفكار الماركسية في هذه القبيلة والأفكار الاسلامية في القبيلة الأخرى .

ومن أقدم الأحزاب السياسية في موريتانيا حزب الشعب الموريتاني  الذي تمّ حلّه اثر انقلاب تموز –يوليو –1978 , وهناك أحزاب كانت تعمل في السرّ كالحركة الديموقراطية الوطنيّة والتي تأسست سنة  1968 , و حزب النهضة الذي أسسّه أحمد بابا مسكي في الستينيات , وحزب الكادحين الموريتانيين الذي تأسسّ في سنة 1973 وحزب العدالة الموريتاني الذي تأسسّ في باريس في سنة 1974 , وحزب البعث الاشتراكي الموالي للعراق وهو من أقدم الأحزاب العاملة في موريتانيا وقد أتهمّ هذا الحزب مرارا بمحاولة قلب نظام الحكم  , أخرها محاولة انقلابية للاطاحة بحكم الرئيس معاوية ولد طايع وذلك بالتنسيق مع العراق كما جاء في بيان اتهاّم هذا الحزب .

ومن الحركات السياسية التي كانت تنشط في موريتانيا الحركة الناصرية التي كانت متأثرة بفكر الرئيس جمال عبد الناصر  .

و نتيجة الاضطرابات السياسية وتوالي الانقلابات العسكرية فقد برزت عشرات الأحزاب السياسية الى الوجود , وأنقرضت أخرى , بسبب حظر الحكومات المتعاقبة على الحكم في موريتانيا قيام أحزاب سياسية وخصوصا تلك التي تقوم على أساس ديني .

وقد بدأت الحركة السياسية في موريتانيا تزدهر بعد اقرار الدستور الجديد الذي وضعه الرئيس الموريتاني معاوية ولد طايع , وقد نصّ الدستور على مجموعة مبادئ عامة منها جميع مبادئ حقوق الانسان وحقوق المرأة , وأكدّ الدستور الجديد على أنّ الاسلام هو دين الدولة , وأنّه المصدر الوحيد للقانون والذي يتلاءم مع متطلبات العلم الحديث , وبهذا الشكل أرضى الدستور التيارات الاسلامية التي كانت تطالب بتطبيق الشريعة الاسلاميّة , وأرضى التيارات العصرية التي كانت تطالب باحترام حقوق الانسان والمرأة .

و أكدّ هذا الدستور على أنّ الشعب الموريتاني شعب مسلم عربي وافريقي مصمم على السعي من أجل تحقيق وحدة المغرب العربي و الأمة العربية وافريقيا .

و أقرّ الدستور الجديد على أنّ اللغة العربية هي لغة رسمية من دون شريك في رسميتها ومن دون ازدواجية في سيادتها , وبهذا الشكل أرضى الدستور القوميين الموريتانيين الذين يؤمنون بعروبة موريتانيا , وبتأكيد الدستور على الانتماء الموريتاني الى افريقيا أرضى الزنوج الذين يرفعون شعار موريتانيا الافريقية , والذين يتحدثّون في خطاباتهم السياسية على ضرورة تحرير موريتانيا من البيضان .

وأكدّ الدستور على أنّ اللهجات الافريقية السائدة في موريتانيا وهي : البولارية والولفية والونيكية هي لغات وطنية في موريتانيا , ونصّ الدستور أيضا على المساواة بين جميع المواطنين من دون تمييز في الأصل والجنس والعرق والمكانة الاجتماعية , وفي الوقت نفسه نصّ الدستور على أنّ القانون يعاقب كل دعاية اقليمية ذات طابع عنصري واقليمي   ..

وتجدر الاشارة الى أنّ مجموعة من الزنوج الموريتانيين كانوا قد أسسّوا في السبعينيات حزبا أطلقوا عليه اسم : جبهة تحرير الأفارقة في موريتانيا , وكانت هذه الجبهة تهدف الى اقامة دولة سوداء في موريتانيا , التي ستحمل اسم دولة - والو والو – في حال نجحت خطة هذه الجبهة  , وقد حاولت جبهة تحرير الأفارقة القيام بانقلاب عسكري أحبطته السلطة الموريتانية في ذلك الوقت .

وكانت جبهة تحرير الأفارقة التي أسسّها وول فوغوي تطالب بتحرير موريتانيا من البيض, وكانت على علاقة ببعض الدول الافريقية المرتبطة بفرنسا , كما كانت على علاقة بالأجهزة الأمنية الفرنسية .

ومن الأحزاب التي تأسسّت في وقت لاحق حزب اتحاد القوى الديموقراطية الذي  أنشأه أحمد ولد داده وهو حزب يساري , والحركة الوطنية الماركسية والتي تخلت عن أيديولوجيتها وتكيفّت مع المتغّيرات العالمية , وحزب العمل من أجل التغيير والذي كان يتزعمه مسعود  ولد بلخير وهو شخصية سياسية منشقّة عن حزب اتحاد القوى الديموقراطي  , والرابطة الديموقراطية الموريتانية وهي حزب كان شكليا في خانة المعارضة وجوهريا من أقرب الأحزاب الى نظام معاوية ولد طايع .

وقد تحولّ حزب البعث الموريتاني الى حزب الطليعة وكان يتزعمه خضري ولد طالب جدو , ثمّ تولى زعامة الحزب عبد الله ولد أمحيمد والذي أعتقل بتهمة تدبير انقلاب ضدّ نظام معاوية ولد طايع بالتعاون مع المخابرات العراقية .

ومن الحركات السياسية الأخرى في موريتانيا حزب التحالف الشعبي التقدمي وهو ذو ميول ناصرية وقومية وكان الناطق باسم هذا الحزب هو محمد الحافظ ولد اسماعيل ,

وحزب الجبهة الديموقراطية الموحدّة وتزعمّه الحضري ولد خطري , وحركة الحراثين بزعامة مسعود  ولد بلخير , وحزب الاتحاد الشعبي بزعامة محمود محمود ولد أمّاه , وحزب اتحاد التخطيط من أجل اعادة البناء والذي نال الاعتماد في بداية التسعينيات .

أمّا الحزب الحاكم الذي يتزعمّه الرئيس الموريتاني معاوية ولد طايع فهو الحزب الجمهوري الديموقراطي الحاكم والذي كان باستمرار يتصدّر الطليعة في الانتخابات التشريعية , و كان رئيس الحزب هو رئيس الدولة على الدوام ‍‍‍‍‍ ‍.

 

 

\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\

كانت تيارات اليسار الموريتاني من أنشط التيارات في الستينيات والسبعينيات , و قد أسسّ  اليساريون الموريتانيون والذين كانوا متأثرين باليسار الجزائري والفرنسي والروسي والصيني العديد من الأحزاب السياسية وتمكنّوا في بعض المحطات السياسية من ايلام السلطة وذلك من خلال حركة الاضرابات في المعاهد التربوية والمعامل .

ويقول الباحثون أنّ السلطة كانت على الدوام تغضّ الطرف عن التيارات اليسارية والقومية وحتى التيارات الانفصالية الموالية لفرنسا , لأنهّا كانت تخشى جانب التيارات الاسلامية التي منعت من تأطير نفسها سياسيا . وقد فضلّ التيار الاسلامي التحرك في الساحة السياسية الموريتانية من خلال استراتيجية مغايرة لاستراتيجيات التيارات السياسية الأخرى , والتي ذاب العديد منها في الحزب الجمهوري الديموقراطي الحاكم .

ويمكن التوضيح أكثر من خلال تشريح الخارطة السياسية الموريتانية على الشكل التالي :

-   التيار الاسلامي والذي يتحرك من خلال حزب الأمة غير المرخّص له وهيئات الاغاثة الاسلامية ومراكز نشر الثقافة الاسلامية وجمعيات اسلامية ذات اهتمام اجتماعي وثقافي , ويؤمن التيار الاسلامي بمشروع الدولة الاسلامية , لكن ليس على طريقة جمهورية معاوية ولد طايع الاسلامية , بل من خلال المواءمة بين النظرية والتطبيق .

-   التيار القومي والعروبي الذي يضمّ كافة الأحزاب التي تؤمن بعروبة موريتانيا في مواجهة سياسة التغريب والفرنسة , ولهذا التيار أحزاب مرخّصة وتعمل في الساحة السياسية بشكل علني وشرعي , وأنتقل بعضها من المعارضة والى السلطة من خلال دخول شخصيات قيادية قومية في الحزب الجمهوري الديموقراطي الحاكم .

-   التيار الفرانكفوني التغريبي واليساري والذي يعادي مشروع تكريس هوية موريتانيا ذات البعدين العربي والاسلامي , ولهذا التيار القدرة على الحركة السياسية ويتمتع بديناميكية من خلال تغيير التحالفات و التكيّف مع الأوضاع المستجدة ويسيطر على الاعلام الموريتاني بنسبة كبيرة .

_ التيار الانفصالي الكياني ويضمّ هذا التيار الغالبية من الزنوج الذين يطالبون بالاعتراف بالهوية الافريقية تماما كما يطالب بربر الجزائر بضرورة الاعتراف باللغة الأمازيغية – البربرية - , ولهذا التيار ارتباطات قوية بفرنسا ويعتمد اللغة الفرنسية في خطابه السياسي والاعلامي , وتستقبل فرنسا العديد من الطلبة الموريتانيين الزنوج في الجامعات الفرنسية .

-التيار القبائلي والمناطقي , ويوجد في خانة هذا التيار العديد من القوى السياسية المناطقية كتلك التي تنتمي الى جمهور الحراثين وهم العرب السود الذين كانوا عبيدا في الماضي وحرروا , وهناك حزب باسمهم وهو حزب الحراثين كان يتزعمه مسعود ولد بلخير , وفي موريتانيا تيارات سياسية تنتمي الى قبيلة الترارزة في جنوب موريتانيا والمجاورة للسنغال وبالأخص أغلب أبناء قبيلة بوتليميت في جنوب موريتانيا والمجاورة للسنغال وهي قبيلة كبيرة عرفت بعلاقاتها الوطيدة بالسنغال والادارة الفرنسية وقد تضررّت كثيرا من النظام العسكري الذي أعقب عهد مختار ولد داده , حيث أنّ كثيرا من أفراد هذه القبيلة كانوا يتمتعّون بمرتبات وامتيازات عديدة في عهد مختار ولد داده , كما تضررّت منطقة الترارزة اقتصاديّا بعد اغلاق الحدود مع السنغال .

وهناك طبقة المستقلين والتي تضمّ المثقفين والأساتذة في الجامعة و المعاهد الثانوية والمتوسطة وهذه النخبة تؤثر بشكل محدود في الحياة السياسية .

وتعتبر الساحة السياسية الموريتانية فسيفساء يتداخل فيها السياسي بالعرقي بالطائفي والقبائلي والمناطقي , و الفكري والثقافي والايديولوجي . وعندما تجري انتخابات تشريعية أو رئاسية في موريتانيا فانّ أبناء الأسرة والخيمة الواحدة يختلفون فيما بينهم حول هذا المرشح أو ذاك , فينقسم الشارع والقبيلة والأسرة الواحدة حول دعم هذا المرشح أو ذاك ويصادف أن يدعم الزوج مرشحا والزوجة مرشحا أخر .

ويذهب بعض الباحثين الى القول أنّ التجربة الديموقراطية في موريتانيا هي أقرب الى ديموقراطية الخيّام السمحة , فأثناء الانتخابات العامة تنصب الخيام وتكون هذه الخيام تابعة لهذا المرشح أو ذاك وكلها متقابلة , وفي احدى المرات تعطلّ ميكروفون خيمة منافسة فتضامنت معها الخيمة التي كانت تقوم بالدعاية لحزب أخر فتوقفّت عن استعمال الميكروفون حتى أصلحت الخيمة الأخرى ميكروفونها علما أنّ كل خيمة كانت تقوم بالدعاية لتيار سياسي مغاير .

وعندما كانت هذه الخيام السياسية تنتهي من تبادل الشتائم والتحريضات كانت تلتقي كل الأطراف على أكواب الشاي الموريتاني الأصيل .

والحركات السياسية الموريتانية لا تملك برامج سياسية متكاملة , والكثير منها كان وليد الأحداث السياسية المضطربة وغير المستقرة التي مرّت بها موريتانيا , وكانت السلطة السياسية في بعض الأحيان توعز الى بعض السياسيين لتشكيل أحزاب سياسية للايحاء أنّ المناخ الديموقراطي هو السائد في موريتانيا , خصوصا وأنّ السلطة الفرنسية كانت تدفع العسكريين في موريتانيا الى تبنيّ خطاب سياسي أكثر انفتاحا على المعارضة الموريتانية .

ومن الأحزاب السياسية الموريتانية التي حاولت الاطاحة بالنظام القائم في موريتانيا عن طريق القوة حزب البعث الموريتاني الموالي للعراق والذي تبلورت ملامحه منذ نهاية الستينيات وتحولّ الى تنظيم مستقل بعد انفصال الناصريين عن الحزب سنة 1970 . وقد تزعمّ هذا الحزب لدى تأسيسه محمد بحظية ولد الليل , ومنذ تأسيسه أرتبط بحزب البعث العراقي ولم تكن له أي علاقة بالبعث السوري ولم تختلف شعاراته عن شعارات حزب البعث العراقي و كان ملتزما بالقيادة القومية في العراق باعتباره فرعا من فروع حزب البعث العراقي الأم. وقد دخل البعثيون الموريتانيون العمل السرّي منذ بداية وجودهم على الساحة السياسيّة , وعلى امتداد العهود السياسية في موريتانيا كانوا عرضة للملاحقة و الاعتقالات الأمر الذي جعل حزب البعث المورياني من أكثر الأحزاب تنظيما وهيكلية , وأستطاع هذا الحزب أن يستقطب العديد من المثقفين و المنضمين الى الجهاز التعليمي .

و تمكنّ البعثيون الموريتانيون من اختراق المؤسسة العسكرية وأستمالوا العديد من الضبّاط كما أعتبروا حلفاء للانقلاب العسكري الذي وقع في سنة 1978 والذي أطاح بالرئيس مختار ولد داده , وبعد الانقلاب تمّ تعيين ولد بريد الليل زعيم الحزب الموريتاني وزيرا للاعلام ثمّ وزيرا للوظيف العمومي , ولكن شهر العسل مع النظام العسكري لم يدم طويلا اذ سرعان ما جرى اعتقال البعثيين الموريتانيين في سنوات 1979 , 1982 , 1987 , 1988 ,1995  وبعد ذلك أيضا كان البعثيون باستمرار عرضة للاعتقالات , ووصلت ردة فعل موريتانيا الى ذروتها عندما قطعت علاقاتها مع العراق متهمة اياّه بتمويل  حزب البعث الموريتاني وتحريضه على الاطاحة بالنظام القائم في موريتانيا .

ومن التيارات السياسية المتداخلة والمتشعبّة التيار الاسلامي والذي يضمّ بين دفتيه جماعات عديدة تختلف ظروف نشأتها وتكوينها وتطورها اختلافا كليّا عن نشأة الأسر الحزبية الأخرى . وداخل التيار الاسلامي هناك جماعات تقليدية قديمة وعريقة ساهمت سابقا في الحفاظ على الهوية العربية والاسلامية لموريتانيا , وهناك جماعات حديثة ومعاصرة تأثرت بالأفكار الاسلامية السائدة في المشرق العربي ومغربه .

ومثلما عرفت الساحة السياسية الموريتانية تنوعا وتعددّا في الأحزاب السياسية والأفكار والايديولوجيات , فكذلك الأمر بالنسبة للتيارات الاسلامية التي تعددّت مشاربها , ومنها المتأثر بفكر المتصوفة , ومنها المتأثر بفكر مالك بن نبي وسيد قطب وأبو الأعلى المودودي وراشد الغنوشي وحسن الترابي والامام الخميني . ومازال التيار الاسلامي بمختلف مشاربه يبحث عن ألية للعمل السياسي و عن استراتيجية تخولّه البروز في ظلّ وضع معقد ومتداخل كالوضع الموريتاني ..

 

\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\

 

 

 

الأحزاب الاسلامية في موريتانيا

 

لعبت المحاظر – المعاهد الاسلامية التقليدية – في موريتانيا دورا كبيرا في الحفاظ على الهوية العربية والاسلامية الموريتانية  ويعود تاريخ المحاظر الى القرن الثاني عشر وكان اسمها في الماضي الزوايا , وفيها يبدأ الصبيّ حفظ القرآن الكريم المكتوب على ألواح بالخط العربي الجميل , واللوح ذاته لوحة فنيّة , و كان دور المحاظر في الماضي اعداد الدعاة وسط الصحراء وعند التخوم لخدمة الرسالة الاسلامية .

و أمتزجت في هذه المحاظر أو الزوايا الحركة الصوفية مع البيئة الصحراوية , وبفضل هذه المحاظر تحولّ الشعب الموريتاني من مجموعة من الرعاة الى شعب يملك تراثا ثقافيا اسلاميا عميق الجذور في غرب افريقيا , ويشترك الصبيان والفتيات في الدراسة بهذه المحاظر ويعيش الطلبة ظروف تقشف قاسية حيث يأتي الطالب ببقرته أو عنزته التي يشرب من لبنها ويعيش في خيمة متفرغا للعلم في هذه المحاظر وفي كثير من الأحيان يشاهد الطلبة وهم يجلسون على قارعة الطريق يقرؤون القرأن الكريم ويطالعون كتب الأدب العربي والتاريخ والسيرة النبوية والفقه والمنطق وعلم الكلام , ويكتبون على ألواح أنتزعوها من الأشجار ويكتبون بأحبار مستخرجة من الثمار , و أحيانا يكون الطالب فقيرا معدما فيساعده السكان بالمال والغذاء , ويتبرع بعض الأهالي بمنازلهم ليبيت فيها الطلبة , و لا يطلب صاحب المدرسة أو المعلم أيّ أجر عن التعليم , و انّما يقوم بهذا العمل الجليل طالبا ثواب الأخرة , ويقدمّ أهالي الطلبة الميسورين ما يسمى بجراي القرأن وهي عبارة عن مساعدة رمزية .

وقد وقفت هذه المحاظر أو الزوايا والطرق الصوفية سدّا منيعا في وجه الاستعمار الفرنسي,  وكانت هذه المحاظر مراكز للمقاومة ضدّ المشروع الاستعماري الفرنسي وضدّ الارادة الفرنسية في فرض اللغة الفرنسية على موريتانيا . وعلى الرغم من أن عشرات المؤسسات التعليمية قد تمّ تشيّيدها في موريتانيا منذ الاستقلال , الاّ أنّ الأكواخ المكوّنة من سقف النخيل والخيام ومن وبر الجمال مازالت تقوم بدورها في تحفيظ الطلبة القرأن الكريم  وتعليم اللغة العربية .

ومن رحم هذه الأجواء بدأت تتشكّل التيارات الاسلامية في موريتانيا , وتعود البدايات الأولى للحركة الاسلامية الموريتانية الى النصف الثاني من الستينيات , وكانت هذه الحركة تضع ثقلها السياسي في الجامعات والمعاهد التربوية والتعليمية , وتأثرت هذه الحركة الاسلامية بالفكر الاسلامي الوافد من المشرق العربي وأسيا الاسلامية وبقية الدول المغاربية, حيث استلهمت شخصيات اسلامية موريتانية الكثير من فكر سيد قطب وأبو الأعلى المودودي ومالك بن نبي وراشد الغنوشي .

ولم تتبلور الحركة الاسلامية الموريتانية في هيكل تنظيمي كما هو شأن أقدم حركة اسلامية في المغرب والتي هي منظمة الشبيبة الاسلامية التي أسسّها عبد الكريم مطيع  أو الجماعة الاسلامية في تونس التي أسسّها راشد الغنوشي وعبد الفتّاح مورو أو الجماعات الاسلامية في الجزائر , كجمعية القّيم التي أسسها عبد اللطيف سلطاني و أحمد سحنون وغيرهما , والسبب يعود الى أنّ السلطة الموريتانية كانت تحظر قيام أحزاب على أساس

ديني.

والنخبة السياسية التي كانت تصنع القرار السياسي في موريتانيا كانت ذات ولاء للغرب وتحديدا فرنسا الأمر الذي حال دون نجاح مشروع ديموقراطي فعلى , وحال دون أن تكبر الأحزاب السياسية بمختلف مشاربها الفكرية والايديولوجية .

وينقسم التيار الاسلامي الموريتاني الى ثلاثة  مجموعات رئيسيّة أهمها مجموعة السلفيين , وأغلب المنضوين تحت لواء هذه المجموعة هم خريجو جامعة أم القرى في مكة المكرمة , ويصنّف هؤلاء ضمن القوى التقليدية في المجتمع التي ستلعب دورا مهما في المرحلة القادمة لا كقوة حزبية مستقلة بل كقوة مؤثرة وضاغطة داخل حزب الرئيس معاوية ولد طايع وخارج الحزب الحاكم .

والجمعية الثقافية الاسلامية هي تعبير عن هذه المجموعة السلفية والتي تضم أيضا رجال أعمال مثل : عبدو مجم , وحاجي الذي توفيّ في وقت سابق , وتضم الداعية محمد  فاضل ولد الأمين المدير العام لمعهد ابن عبّاس للعلوم والدراسات الاسلامية , والداعية محمد المختار كاكي الذي يعمل مفتشا في التعليم الأساسي وتضم هذه الجمعية أيضا مجموعة من الشخصيات والوجوه التقليدية من أبناء الأسر العلمية العريقة مثل الحضرمي والحظري .

وهذه المجموعة تتحرك في الخط الفكري والثقافي والاجتماعي العام , ولها وجود كبير في مدينة نواكشوط بالاضافة الى كبريات المدن الموريتانية مثل نواذيبو وغيرها , وتؤمن هذه المجموعة بعروبة واسلامية موريتانيا وتعمل على تكريس مبادئ الاسلام من خلال النشاط الفكري والثقافي , ولأنّ هذه المجموعة غير سياسية فانّ العديد من الأحزاب المعتمدة وحتى الحزب الحاكم تعمل على استقطاب شخصيات من هذا التيار الاسلامي الهادئ والذي له علاقات محدودة بالقوى السياسية . ومجمل نشاطات هذه المجموعة في الجامعات والثانويات والمعاهد التعليمية , ولا تملك هذه المجموعة منابر اعلامية , بل انّ الشخصيات التي تنتمي الى هذا التيار لها حضور محدود في الصحافة الموريتانية .

أمّا المجموعة الثانية فمعروفة باسم التيار الاسلامي وهي متأثرة بحركة النهضة التونسية التي يتزعمها راشد الغنوشي و الجبهة القومية الاسلامية التي يتزعما الدكتور حسن الترابي و حاولت هذه المجموعة أن تميّز نفسها عن المجموعة الأولى بادعائها  أنّها تملك أطروحة اسلامية شاملة ولها أهداف سياسية , ومن أبرز شخصيات هذا التيار الاسلامي بومية ولد أبياه وهو أستاذ نقابي معروف يعمل في مدرسة تكوين الأساتذة ولهذا التيار نشاط مركّز في المساجد والمعاهد التربوية ويتفاعل سياسيا مع الكثير من الأحداث في العالم العربي والاسلامي .

ولا يوجد لهذا التيار هيكلية محددّة وتنظيم خاص وصحف ناطقة باسمها , بل يتحرك في كل المواقع الجغرافية مع تركيز ملحوظ على العاصمة الموريتانية نواكشوط , ونواذيبو وغيرها  .

أمّا المجموعة الثالثة فهي أكثر حركية ولها علاقات مع الاسلاميين خارج موريتانيا , وتعرف هذه المجموعة باسم – حاسم – وهو اختصار للحركة الاسلامية الموريتانية , وبدأت ملامح هذه الحركة تتشكل في نهاية السبعينيات وقد تأثرت بفكر مؤسس الجمهورية الاسلامية في ايران الامام الخميني , وأول بيان أصدرته هذه الجماعة كان في سنة 1985 . وعلى الرغم من أن عناصر هذه الحركة الاسلامية قد تأثروا في بدايات نشأتهم بحركة الاخوان المسلمين المصرية و الجماعة الاسلامية الباكستانية ودرسوا كتب سيد قطب و أبو الأعلى المودودي , الاّ أنّهم وبعد الثورة الاسلامية في ايران باتوا يطالعون كتب محمد باقر الصدر وعلي شريعتي والامام الخميني , وقائد هذا التيار هو محمد ولد عبد الله أستاذ التاريخ في جامعة نواكشوط .

وقد انقسمت الحركة الاسلامية الموريتانية حول الموقف من الحكم والتعامل معه , و في سنة 1983 حاول ولد هيدالة أن يغطيّ حكمه الديكتاتوري القمعي بالادعّاء أنّه يطبّق الشريعة الاسلامية كما فعل جعفر النميري في السودان وتحديدا في أخر عهده , وكان اعلان هيدالة كفيل باخراج الناس الى الشارع داعمة له , وبعض المجموعات الاسلامية رفعت شعار هيدالة بطل السلام والاسلام , علما أن السجون الموريتانية كانت تعجّ بالاسلاميين المعارضين والوطنيين من مختلف التيارات السياسية , ولارهاب الناس وتخويفهم أسست الحكومة في عهد هيدالة لجان التهذيب الوطنية , وكانت هذه اللجان أشبه بأفواج قطّاع الطرق .

ويقول باحث موريتاني أنّ المجتمع الموريتاني مجتمع اسلامي حقيقي بفطرته , ويتميّز اسلامه بالتسامح , وهو مجتمع يحترم بطبعه التقاليد والعادات وهو مجتمع محافظ , ويعتبر الموريتانيون أنفسهم أنّهم حاملو راية الاسلام ويعتزّون بكونهم هم الذين أدخلوا الاسلام الى غرب ووسط افريقيا السوداء , والغالبية الساحقة من الموريتانيين تؤدّي الفرائض الدينية.

وحسب مثقف اسلامي موريتاني فانّ الحركة الاسلامية في موريتانيا وجدت في جوّ لم يساعدها على التبلور الصحيح وعلى التحددّ كحركة ثورية نتيجة لفشل المشروع التغريبي الذي لم يؤت أكله في موريتانيا  , والعامل الثاني حسب هذا المثقف الاسلامي والذي حال دون تبلور حركة اسلامية قوية فهو القبيلة المعادية للحركة الاسلامية , فللقبيلة فكرها الخاص وانتماؤها المحددّ ولا تعترف معظم القبائل الموريتانية الاّ بالتصوف الذي يدعو الى الزهد في الدنيا والانصراف عن ملذاتها وشهواتها والسلطة هي أبرز مصداق لهذه الملذات ولذلك لا تعني القبائل كثيرا مسألة الاسلام السياسي , ورغم ذلك فانّ بعض القبائل في شرق موريتانيا احتضنت الاسلام السلفي , وقبائل أيدو علي احتضنت الاسلام الصوفي .

و مع أن الحركة الاسلامية الموريتانية موزعة على مجموعات عديدة , الاّ أنّه لا أحد يشك في أنّها موجودة وقد تتحول الى رقم صعب في معادلة السياسة الموريتانية …

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بين موريتانيا والكيان الصهيوني .

 

 

عندما لجأت موريتانيا الى تطبيع علاقاتها مع الدولة العبرية و فتحت سفارة لتل أبيب في نواكشوط لم تقدم للرأي العام الموريتاني والعربي على السواء المبررات الموضوعية التي دعتها الى اتخاذ هذه الخطوة التي أعتبرت بأنها تشكّل خرقا لمواثيق الجامعة العربية القاضية بوقف التطبيع بكل أشكاله مع الدولة العبرية ريثما يتجلى ما سوف تكون عليه المفاوضات النهائية . و جاء الاعلان عن اقامة علاقات موريتانية –اسرائيلية بعد لقاءات سرية هنا وهناك أفضت ودون علم الموريتانيين الى عرس التطبيع في واشنطن بحضور ممثلي الديبلوماسية عن كلا البلدين .

و الواقع أنّ موريتانيا لجأت الى التطبيع لأسباب كثيرة منها أن موريتانيا كانت على الدوام تشعر أنّها مهددّة من قبل الجزائر والمغرب ومعروف أنّ موريتانيا تحدّها من الشمال الشرقي الجزائر ومن الشمال الغربي المغرب , فالجزائر في عهد هواري بومدين  سبق لها وأن أطاحت بنظام مختار ولد داده في نواكشوط بسبب وقوف هذا الأخير الى جانب المغرب في قضية الصحراء الغربية التي كانت تدعمها الجزائر , كما أن المغرب كانت ترفض جملة وتفصيلا قيام الكيان الموريتاني وكانت الرباط تعتبر أنّ موريتانيا كيان مختلق وهي في الواقع امتداد للأرض المغربية شأنها شأن الصحراء الغربية . وعندما منحت فرنسا الاستقلال لموريتانيا في 28 نوفمبر- تشرين الثاني  1960 كانت المغرب تنظر بعين الريبة الى هذه المناورة الاستعمارية الجديدة , وبدوره جمال عبد الناصر في مصركان لا يعترف باستقلال موريتانيا التي كان يعتبرها أرضا مغربية وهو الأمر الذي خلق عقدة موريتانية رسمية من الفكرة القومية التي كان يمثلها جمال عبد الناصر .

وعندما نعود الى بدايات تشكل الكيان الموريتاني نكتشف أنّ فرنسا ساهمت بالدرجة الأولى في اقامة الدولة الموريتانية الحديثة , و لما كانت موريتانيا ترزح تحت السيطرة الفرنسية أصدرت باريس قرارا يقضي بأن موريتانيا يحق لها ترشيح نائب واحد يمثلها في البرلمان الفرنسي وسمح هذا المناخ السياسي بتأسيس أحزاب في موريتانيا ومنها الاتحاد التقدمي الموريتاني بقيادة مختار ولد داده و حزب الوفاق الموريتاني بزعامة خورما ولد بابانه وقيل في موريتانيا أنّه كان عميلا للسلطات الفرنسية وأسسّ حزبه للتصدي لرجال الدين وشيوخ الاصلاح . وفي سنة 1956 أخذت فرنسا تفكر في ادارة مستعمراتها في الشمال الافريقي بطريقة مغايرة حتى تتمكن من التصدي للثورة الجزائرية التي كانت ملتهبة في ذلك الوقت ,وبناءا عليه أنشأت فرنسا مجلسا حكوميا في موريتانيا رئيسه فرنسي ونائب الرئيس موريتاني وقد أختار الفرنسيون مختار ولد داده لمنصب نائب الرئيس , وعندما قررّ الفرنسيون منح الاستقلال لموريتانيا دعموا وصول مختار ولد داده الذي أصبح رئيسا لجمهورية موريتانيا وقد أقرّ الدستور الموريتاني أنّ اللغة العربية والفرنسية هي لغتان رسميتان في موريتانيا , وقد ساهمت البنية الفرانكفونية للنظام الموريتاني في دفع نواكشوط باتجاه التطبيع على اعتبار أن فرانكفونيي المغرب العربي يعتبرون أنهم أقرب الى المحور الغربي – الاسرائيلي منه الى محور العالم العربي والاسلامي .

ويضاف الى عاملي الخوف الموريتاني من الجزائر والمغرب والبنية الفرانكفونية للنظام والنخبة الحاكمة الموريتانية عامل أخر دفع باتجاه التطبيع الموريتاني الاسرائيلي ويتمثل في بداية تصدع العلاقات الفرنسية – الموريتانية حيث أن باريس ما فتئت تطالب نواكشوط بضرورة تحسين وضع حقوق الانسان واطلاق التعددية السياسية في موريتانتيا ووصل الأمر بالسلطات الفرنسية أن أعتقلت رسميين موريتانيين في فرنسا بحجة قيام هؤلاء الرسميين بتعذيب سياسيين موريتانيين , ونواكشوط التي كانت تشعر بالضعف من جارتيها القويتين الجزائر والمغرب خافت أن يؤدي تراخي علاقاتها بالحليف الفرنسي الى تكريس ضعفها أكثر من اللازم , وراحت تبحث عن حليف أشد سطوة وقوة و هو راهنا الولايات المتحدة الأمريكية والوصول الى هذا الحليف يقتضي المرور بالدولة العبرية الممر الضروري  باتجاه واشنطن,وكان لنواكشوط ما تريد خصوصا وأنّها تبحث عن حلول لأزماتها الاقتصادية المتفاقمة .

وقد صادف هذا التوجه الموريتاني هوى في نفس تل أبيب كما واشنطن لأسباب عديدة منها أنّ موقع موريتانيا حساس للغاية فهي تطلّ غربا على المحيط الأطلسي , وجنوبا على دول افريقية عديدة منها السنغال ومالي , وحول مدينة شنقيط الموريتانية تقع ثروة موريتانيا الأسطورية –الحديد – الذي ينتشر على شكل سلاسل جبليّة ويقال أنّه عند اندلاع الحرب العالمية الثانية شكا الطيارون من حدوث تغييرات على مؤشر البوصلة في كل مرة يطيرون فيها فوق الجبال المحيطة بشنقيط , وبعد أن وقفت الحرب جاء الخبراء لكشف سرّ تلك الظاهرة وما كادوا يبدأون عملهم حتى اتضحّ لهم أنّ جبل سفريات وجبل كديت الجلد ماهيّ الا كتل هائلة من الحديد وتبث أنّ حجارة هذه الجبال تحتوي على 94,52 من أكسيد الحديد وهذه النسبة تضارع أعلى نسبة حديد موجودة في مناجم العالم .

ويبدو أن موريتانيا وثرواتها الطبيعية أصبحت تحت المجهر و أن تطبيعها مع الدولة العبريّة لن يكون لصالح موريتانيا بل ضدّها وما خبر المطبعين عناّ ببعيد !!!!

 

بقلم : يحي أبوزكريا.