أوراق من مفكرة مواطن اردني سابق
صور
من التاريخ الوجداني ( الانساني والثقافي والجغرافي ) للاردنيين
 في عمان والزرقاء
يكتبها : د.أسامة فوزي

الورقة الخامسة والعشرون
انا والجامعة الاردنية ... الحكاية من أولها

 

من بين الملفات التي احتفظ بها ملف طريف  يتضمن  12 شهادة مدرسية من الصف الاول الابتدائي وحتى الصف الثالث الثانوي ثم شهادة امتحان التوجيهي بما في ذلك كشف العلامات الذي اعطي لي بعد نجاحي فيها  ... الطريف في هذا الملف اني في الشهادات العشر الاولى اي من الصف الاول الابتدائي وحتى الاول الثانوي حافظت على لقب كنت اطرب اليه وهو ( الطشي ) بينما كان هذا اللقب يسبب لوالدي صداعا وحرجا كبيرين لانه كان مديرا للمدرسة التي كنت احرص ان انافس فيها على ( الطشية ) .. والطشي في العامية الاردنية وحتى الفلسطينية  تعني اخر الطابور او اخر الفصل او الاول من ورا   و( الطشي ) لفظة غير محببة لان ( الطشي ) هو اتيس المجموعة واحمرها وللامانة اقول اني لم اكن اخر ( الطشيين ) فقد كان هناك من هو احمر مني وكان ينافسني على ( الطشية ) لكن عدد هؤلاء كان يتراوح  ما بين خمسة الى سبعة في احسن الاحوال .. فاذا كان عدد طلاب الصف 59 طالبا كنت احصل عن جدارة على رقم 57 لان  اثنين كانا اكثر طشية مني .. وهذا كان يغيضني كثيرا

الطرافة ليست هنا .. الطرافة هي في اخر 3 شهادات  في الملف اي في شهادة الصف الثاني الثانوي وشهادة الصف الثالث الثانوي ثم شهادة التوجيهي ... ففي الشهادات الثلاث كنت الاول في الصف وفي شهادة التوجيهي كنت الاول في التوجيهية على جميع مدارس الثقافة العسكرية في المملكة واحد العشرة الاوائل في اللواء وهذا ما مكنني يومها من دخول الجامعة الاردنية بسهولة ودون وساطة  او توصية من ديوان العشائر او ما شابه .. كان طلاب الجامعة الاردنية يومها ( في عام 1969 ) يقبلون في الجامعة اما لتفوقهم في التوجيهي او لانهم يحملون وساطات من القصر ودواوين العشائر وكل  المسئولين الكبار في الاردن الذين درسوا معي في الجامعة  انذاك كانوا من هذا الفصيل .. يدخل الواحد منهم الجامعة بموجب بعثة عشائر او منحة من القصر حتى لو كان معدله في الخمسينات .. وبعد التخرج يصبح سفيرا او وزيرا او رئيسا للوزراء مثل زميلي في الجامعة الولد الشرموط .. فايز الطروانة ( رئيس الوزراء السابق )  .. ويأتي بعد ذلك متفذلك ليحدثني عن المواطنة الصالحة والتكافؤ في الفرص .. مواطنة صالحة ( ماي اس ) .. كس اخت اللي نفض اكبر مواطن صالح فيكم

انا قبلت في الجامعة الاردنية  لاني كنت من  المتفوقين في التوجيهي وليس مثل فايز الطراونة الذي اصبح بعد التخرج رئيسا للوزراء  وانا  بعد تخرجي لم اجد الا وظيفة مدرس في ابتدائية حقيرة تقع على مشارف مزبلة الزرقاء .. وحتى هذه الوظيفة شخوا على راسي في المخابرات حتى وافقوا على تعييني فيها  ... كانت الجامعة الاردنية هي الجامعة الوحيدة في المملكة ولم تكن تقبل  في الستينات ( الطير الطاير )   وكان عدد الطلبة قليلا .. صفي - مثلا -   كان يتكون من 29 طالبا وطالبة فقط .. والجامعة كلها بجميع كلياتها وسنواتها الدراسية لم يكن يزيد عدد طلابها عام 1969 عن ستمائة طالب وطالبة

ولكن ... ما حكاية ( الطشي ) ولماذا كنت انافس دائما على ( الطشي ) وكيف تحولت  الامور بين ليلة وضحاها  من فوزي الدائم ببطولة  اولمبياد ( الطشي )  الى احتلال المركز الاول في الصف

لم تكن ( طشيتي ) عن بلادة او قصور عقلي لا سمح الله وانما كانت تعبيرا عن تمرد على نظام تعليمي وتربوي اخو منيوكة .. نظام متعفن هو نظام ( المدرسة ) التي تحولت في خمسينات وستينات القرن الماضي الى سجون صغيرة كان  المدرسون فيها - وكلهم من العسكر - يحملون عصيا وهراوات  و ( قنوات ) ومنهم من كان يعاقب الطلبة بالقايش - وهو قشاط عسكري عريض مزود بحلقات حديد صفراء - ومن نسي من المدرسين قايشه في البيت كان يستخدم ( بصطاره ) العسكري وكانت بساطير الجنود ايام زمان اثقل من الجندي نفسه واكثرها يسلح بمسامير و حدوات  من الحديد كانت تزيد في عذابنا بخاصة عندما  تفلت مؤخرة التلميذ من شلوط المدرس فيلحقها المدرس برمية عاجلة من كعب  بصطاره .. انا هنا اتحدث طبعا عن المدارس التي تعلمت فيها وهي مدارس تابعة للجيش الاردني.. وكنا قطعا نحسد طلبة مدارس وكالة الغوث لانها كانت تسير على احدث النظم التربوية ويديرها فطاحل من رجال التربية والتعليم في حين كان مدير  المدرسة التي عملت فيها والتابعة لوزارة التعليم  يحمل شهادة ثانوية قديمة ( راسب )  وكان مرتب المدرس في مدارس الوكالة اربعة اضعاف مرتب مدرسي الوزارة مثلي

 الضرب بالعصا او بالقايش او الرفس بالبصطار كان ( نعمة ) في تلك الاوقات  ... كان عقابا مخففا بكل المعايير قياسا الى عقوبات الشبح والجلد على الاطياز والفلقة على الرجلين بخاصة في عز دين رب الصقعة ... كان الشبح يتم على ( الرحلاية ) حيث يمسك اثنان من الطلبة بيدي المشبوح في حين ينهال المدرس على الطيز بعصا غالبا ما تكون من شجر الخيزران ..  .. وكان عدد الجلدات يتوقف على مزاج المدرس وعلى حالته النفسية في ذلك اليوم ومعك يا ابو الشباب من عشرة الى مائة وانت وحظك ... فاذا كان المدرس مختلفا مع زوجته في ذلك الصباح ومزاجه بالتالي متعكر .. ناك عرض الطلاب

الجلد على اليدين ( الكفين ) لم يكن مشكلة .. كنا نتحملها ... وبعد كل ضربة كان الواحد فينا ينفخ على يده ثم يمد الكف  الثانية حتى يريح الاولى .. وهكذا .. اما في حالة الجلد على الطيز فلا توجد امكانية للنفخ  لان ربنا لم يخلق لنا رقبة طويلة مثل الزرافة حتى يلفها الواحد من بين رجليه وينفخ على طيزه ..  ولا ادري من العبقري الذي افتى يومها بأن دماء الجراذين تحمي جلدة الطيز من الضرب لكن الذي اذكره ان معظم الطلبة كانوا يلطخون اطيازهم بدماء الجراذين قبل الجلد وكنا نعرف طبعا مواعيد الجلد لانها مرتبطة  في الغالب بنتائج ( الفحص ) .. كان المدرس يأتي الى الفصل ومعه اوراق الاجابة مصححة بالقلم الاحمر ... فمن كانت درجته تحت الخمسين يتم جلده والتيوس  كانوا يعرفون النتيجة مسبقا لذا كانوا يستعدون لها  بدهن اطيازهم بدماء الحراذين .. وكانت الحراذين تختفي فجأة في يوم الدهن خوفا من الذبح وكأني بها متامرة مع المدرسة ومع جلاديها

اعلم ان الكثيرين سيشخون من الضحك على جهلنا انذاك .. ولكن :اذا كان علماء السعودية قد ذكروا مؤخرا انهم اكتشفوا خلطة من شخاخ الجمال والماعز لعلاج السرطان فلماذا اذن لا يكون دم الحرذون ( مرهما ) كفيلا بحماية اطياز الاردنيين من الجلد ... شو هوه علماء السعودية اشطر من علماء الاردن الذين اكتشفوا مؤخرا نشارة الخشب وجعلوها وقودا للصوبات  من باب ان العالم كله يبحث عن وسائل جديدة للطاقة غالبا ما تكون نووية .. والاردن يعود بنا الى زمن العصر الخشبي والطباشيري .. ومين عارف ...  يمكن ترجع البريموسات الى مطابخ الاردنيين ( جميع بريموس ) ومعها نكاشاتها طبعا ... وهي تكنولوجيا لا يعرفها الجيل الحالي من الاردنيين ...  تكنولوجيا ( البريموس ) كانت بمثابة قنبلة موقوته في كل بيت والمئات ماتوا حرقا من انفجارها بخاصة لمن  نسوا  تسليكها بالنكاشات قبل التشغيل .. نسيت ان اذكر ان من اسباب الجلد ايضا قيام الطالب باستخدام القلم الاحمر لكتابة الوظيفة  .. ومن فعلها يا ويل ويله يا نهار ليله .. لماذا ؟ قال لان  القلم الاحمر لا يكتب به الا الملك .. وكانت مقولة ان الملك هو الاول في كل شيء تفرض علينا ليل نهار .... فهو ( الرياضي الاول ) و ( المربي الاول ) وهو ( الفدائي الاول ) وهو ( الطيار الاول )  .. وللامانة فقط الملك  حسين هو النسونجي الاول في المملكة كان وظل حتى وفاته

 صحيح انا كنا نتسلح - في اوقات الجلد - بارتداء بناطيل صوفية سميكة ومنا من كان يلبس بنطلونين اوثلاثة فوق بعضها ومنهم من كان يغلف بنطلونه بقطع كاوتشوك سيارات الا ان المدرسين الذين يحترفون الجلد كانوا خبراء في التنشين ولم تكن هذه الوسائل تمنعهم من اصابة الطيز في اكثر الاماكن حساسية .. كان ابرز الجلادين واشهرهم في مدرستنا ( مدرسة الفتح في المحطة )  الاستاذ سليط سلايطه من مادبا ... كان الاستاذ سليط مدرسا لمادة الحساب في مدرسة الفتح في مطلع الخمسينات وكان يجيد الكتابة والجلد بيديه الاثنتين .. اليمين واليسار ..  ولانه كان برتبة نقيب ( ثلاثة اشرطة وتاج  وهي رتبة  تأتي بعد رتبة الشاويش وقبل رتبة الوكيل  ) كان ينتعل بصطارا ضخما  يستخدمه على سبيل الضرب والرفس بالفراطة  .. والطريف اني  ذكرت اسمه قبل عام  في معرض الاشارة الى اتقانه الكتابة على السبورة باليمين والشمال  وكنت اعتقد انه توفي لاني اتحدث هنا عن عام 1959 ...  فاذا  بي استمع في اليوم التالي الى رسالة صوتية تركها الاستاذ سليط على جهاز التسجيل خلال عطلتنا الاسبوعية ففرحت بها كثيرا ولم اتمكن من الاتصال به لانه لم يترك رقم هاتفه في مادبا واكتفى بترك اسمه .. يومها كنت في زيارة للوالد وقلت له : هل تعرف من اتصل بي اليوم ؟ سليط سلايطة .. فرد الوالد ( وكان في الرابعة والتسعين من العمر ) ياه .. سليط سلايطة لسه عايش ... سلملي عليه كتير ... ولم اتمكن من نقل السلام .. فالوالد توفي بعد ذلك بشهر .. والاستاذ سليط لم يعاود الاتصال

كانت هناك وسائل اخرى في العقاب اكثر تطورا وتتميز بالابداع والابتكار .. الاستاذ نجيب كان يعاقبك بوضع قلم بين اصبعيك ثم يضغط عليهما .... الاستاذ شوقي كان يحمل عصا طولها شبر تنتهي بحردبة وكان يكتفي بالنقر على الراس نقرة او نقرتين كانت اوجع من ثلاثين ضربة على الطيز .. اما سيد الابتكارات  بدون منازع فكان  الاستاذ ابو شاكر .. كان هذا ينقط من قلمه الباركر نقطتي حبر سائل على قطعة خبز يابسة ويجبرك على اكلها

في الصف الاول الثانوي عام 1967 .. تأخر طالب عن الفصل خمس دقائق فضربه الاستاذ اسماعيل النجار - استاذ الرياضيات - كفا فرد الطالب بلكمة قوية اوقعت الاستاذ النجار ارضا وهرب الطالب من الفصل قبل ان ينهض الاستاذ من كبوته .. ومن يومها اختفت العقوبة في صفوف المرحلة الثانوية ( في مدرسة النصر ومدارس الثقافة العسكرية )  ليس لتطور النظريات التربوية ولكن لان المدرسين في مدرستنا اكتشفوا ان نظرية  ( العصا لمن عصى ) لها اكثر من تفسير وهي سلاح ذو حدين .. ولما التقيت بعد سنوات بالاستاذ اسماعيل في مدينة العين - وكان قد انتدب للعمل فيها من الاردن - ذكرته بالواقعة فضحك و ( غرش )  .. فغرشت بدوري حتى لا احرجه لان ابنته كانت تلميذة عندي في الثانوية العامة في مدينة العين الاماراتية

اي والله ... في العين - في منتصف السبعينات -  كنت ادرس العربية صباحا في كلية زايد الاول للذكور ..ومساء كنت ادرسها لبنات الثانوية وكنت اول مدرس لغة عربية في تاريخ الامارات يدرس  بنات التوجيهي  .. والتي طلبتني يومها  بالاسم  لتدريس البنات  -  كانت الشيخة حصة بنت محمد ام الشيخ  خليفة رئيس الدولة الحالي في الامارات وذلك بعد ان سمعت الشيخة من احفادها الشيوخ - وكانوا طلابي - اني نمبر ون في تدريس اللغة العربية بطريقة عصرية خفيفة على القلوب خلافا لزملائي المدرسين وكانوا كلهم من خريجي الازهر ويتحدثون  العربية على طريقة الشيخ  المصري ... هاتولي راجل

  كان التفنن بالضرب والجلد قد زادني اصرارا على ( التتييس )  والمنافسة على درجة ( الطشي )  على الاقل في اطار التحدي لمدير المدرسة الذي هو ابي .. كنت اريد ان اثبت للعالم ان كون والدي مديرا للمدرسة لا يعني بالضرورة  انه يجب ان اكون  ( اينشتاين ) زماني .. ومن شدة كرهي للمدرسة  طلبت من الوالد ان يخرجني منها وان يترك لي المجال لتعلم مهنة اخرى وقلت له ان مهنة النجارة تستهويني مع اني حتى هذا اليوم  لم انجح في دق مسمار واحد في خشبة ... كل المسامير ( تنطعج ) معي من الضربة الثانية لسبب اجهله وفي اكثر الاحيان ادق واحدا من اصابعي ظنا مني انه المسمار ... اقتنع الوالد بالفكرة فقدم لي طلبا  عام 1966 - وكنت في الصف الثالث الاعدادي - لتعلم  مهنة ( النجارة )  في مدرسة شنلر  في ماركا .. وطلبتني المدرسة للمقابلة وبعد ان اجروا لي اختبارا طعجت خلاله عشرين مسمارا من اصل 19 بعثوا لوالدي برسالة اعلموه فيها اني نجحت في الاختبارات واني قبلت فيها كتلميذ ( نجار ) في القسم الداخلي وان علي ان التحق بالمدرسة بتاريخ كذا وان احضر معي  ما يلي :

22 دينارا ونصف
اربع فانيلات
اربعة كلاسين
اربعة قمصان
ثلاثة بناطيل
كمشة جرابات
 

تسلم الوالد الرسالة ... فشطب فكرة النجارة من مشروعه تماما ليس لانه توسم في خيرا  وانما لان طلبات مدرسة شنلر زادت عن حدها .. فالى جانب  الرسوم النقدية التي طلبوها - وكانت انذاك تعتبر ثروة وتزيد عن مرتب والدي الشهري -  طلبت ( شنلر ) مني كلاسين وبناطيل واحذية  وفانيلات اضافية  تكفي لجميع طلبة شنلر .. وهذه وحدها  كانت مشكلة .. فمن اين لابي - وعنده 13 ولدا - ان يوفر كل هذه الكلاسين والفانيلات والاحذية ... كنت تدخل الى بيتنا فترى على ( العتبة ) مجموعة كبيرة من الكنادر والشحاطات والجزمات والزنابيب فتعتقد انك دخلت محلات باتا .. كنا - بالصلاة على النبي - ثلاثة عشر نفرا غير الوالد والوالدة طبعا  وكان مرتب الوالد لا يزيد عن عشرين دينارا ولولا ان والدتي رحمها الله كانت امرأة مدبرة وتتقن الخياطة والتفصيل لمتنا من الجوع والبرد .. كانت رحمها الله تشتري قطعة قماش بنصف دينار فتفصل منها خمس بدلات وعشرة كلاسين وثلاثين جوربا وكمشة محارم وخمسة برانيط ومشبك للدبابيس ومريلة للمطبخ

طلق الوالد اذن فكرة ( شنلر ) وقال لي امشي انقلع وارجع لمدرستك .. فانقعلت ورجعت لمدرستي

في عام 1961 - وكنت يومها في السادس الابتدائي - طلب قائد الجيش الاردني من المرحوم عثمان بيك بدران رئيس الثقافة العسكرية في الجيش ان يرشح له اهم مدرس لمادة اللغة الانجليزية في المدارس العسكرية حتى يتم ارساله الى بريطانيا في دورة كان الهدف منها اقامة معهد عصري في الجيش الاردني لتعليم اللغة الانجليزية للضباط الذين يتم ايفادهم في دورات عسكرية الى امريكا وبريطانيا بخاصة وان معظم الضباط الاردنيين الذين كانوا يرسلون في هذه الدورات كانوا يعودون كما ذهبوا ( تيتي تيتي زي ما رحتي زي ما  جيتي  ) والسبب ان اللغة الانجليزية التي يعرفها هؤلاء لم تكن تزيد عما كان يدرس لنا في المدارس  الاعدادية والثانوية ... لغة انجليزية لا علاقة لها باللغة الانجليزية وكان مدرسو  اللغة الانجليزية في الاردن لا يعرفون اللغة الانجليزية اصلا ولا يحسنون التحدث بها .. استثني المدارس الاهلية الخاصة التي كانت تعلم اللغة الانجليزية منذ الصف الاول الابتدائي ومنها مدارس كانت تجعل الانجليزية هي اللغة الاساسية في التعليم وكان خريجو هذه المدارس ( بلابل ) في الانجليزية ولكنهم يتحدثون العربية بلكنة الخواجات لانهم حمير فيها

هذا الى جانب ان ضباط الجيش الاردني هم اصلا من الحمير ... فمن كان يرسب في مدرسته كان اهله يدخلونه الجيش ومن كان ينجح في الثانوية على الحفة ( من خمسين وتحت ) كان يقبل في مدرسة المرشحين وهي مدرسة تقوم بمنح رتبة ضابط لمن يقضي فيها عامين يتدرب خلالها على السلاح واغلب ضباط الجيش وجنرالاته ممن تولوا مهام خطيرة واصبحوا لاحقا سفراء ورؤساء جامعات هم من خريجي مدرسة المرشحين هذه التي - اشطر خريجيها - لا يحسن من الانجليزية الا كلمتي  اوف كوووورس .. وكب بوووووورد وهو لوح الصف ( السبورة ) ..وحتى نطق الكلمتين لا علاقة له باللغة الانجلزية ... اما من ينجح في الثانوية في حدود الستين فكان يدخل ما سمي لاحقا  بالكلية الحربية ... هؤلاء ايضا يتخرجون من الكلية ضباطا وهم اشطر قليلا من خريجي مدرسة المرشحين ولكن مستواهم التعليمي بخاصة في اللغة الانجليزية لا يزيد عن مستوى كلمة اوف كورس ..وكب بووووووورد

كان مطلوبا من قسم الثقافة العسكرية ورئيسه عثمان بيك بدران ان يبحث عن موظف يحسن اللغة الانجليزية ويجود بها حتى ينقل  طرق تعليم الانجليزية من معاهد اللغة الامريكية والانجليزية التي تتبع للجيشين الامريكي والانجليزي الى الاردن .. وكان الجيش الاردني يهدف من هذا الى ادخال الضباط المنوي ابتعاثهم في دورات عسكرية الى امريكا وبريطانيا الى هذا المعهد في الاردن حتى يتعلم الضابط المبتعث اللغة على اصولها قبل ان يسافر الى امريكا وبريطانيا ويتحول - كما كان الواقع انذاك - الى  مسخرة  بين المبتعثين وكل حصيلته من الانجليزية ... اوفكووورس ... وكببوووورد

يومها قال عثمان بدران لقائد الجيش ان حال مدرسي الانجليزية في المدارس العسكرية لا يختلف عن حال تلاميذهم .. ولكنه استدرك ان الوحيد القادر على القيام بهذه المهمة هو ملازم ثاني ( ضابط بنجمتين ) اسمه فوزي ..يعمل مديرا كمدير لمدرسة الفتح  في المحطة

كان عثمان بيك بدران يعرف والدي حتى من قبل ان يلتحق والدي بالجيش الاردني وكان بدران يعلم ان الوالد لا يتقن الانجليزية فحسب وانما يكتب فيها شعرا وهو متمكن من اللغة العربية  وكان في الثلاثينات يعمل كبيرا للمترجمين في حيفا  يوم كانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني وكان يتقاضى 47 جنيها فلسطينيا كمرتب شهري في مقابل سبعة جنيهات فلسطينية كانت يومها مرتب المدرس في مدارس فلسطين والاردن .. وكان الوالد يحمل شهادة من معهد بريطاني في حيفا كانت تشرف عليه جامعة اوكسفورد

طار والدي فعلا الى بريطانيا مبتعثا من الجيش الاردني عام 1961 وقدم  - بعد العودة - خطته ومقترحاته لقائد الجيش وظلت الاوراق في مكاتب ضباط القيادة خمس سنوات بسبب تغير قائد الجيش انذاك الى ان تنبه الملك حسين الى الموضوع في مطلع عام 1966 بعد ان عاد من رحلة قام بها الى الولايات المتحدة واكتشف بنفسه ضعف ضباطه الملحقين بدورات عسكرية  وتحولهم الى ( نكتة ) في قاعات الدرس .. فجاة تم نفض الغبار عن تقرير الوالد ومر الملك بارساله الى امريكا مجددا ...  الى اهم معهد للغات في الجيش الامريكي وهو معهد اللغات في قاعدة لاكلند في سان انطونيو في تكساس

كان ذلك عام 1966 وعاد الوالد فعلا من تكساس محملا هذه المرة حتى باجهزة الكترونية لتعليم اللغة الانجليزية بالطريقة الامريكية  ..وسبقت وصول الوالد رسالة شكر من واشنطون للملك حسين تشيد بكفاءات الوالد الذي لفت الانظار اليه يوم القى في حفل اقيم بمناسبة ذكرى الرئيس الامريكي لنكولن قصيدة باللغة الانجليزية تم تبادلها بين القيادات والمسئولين الامريكيين باعجاب شديد .. فهذه اول مرة يرون مبتعثا اردنيا يعرف اكثر من اوفكوووورس ...وكبوووورد

 وعند عودة الوالد الى عمان منحه الملك حسين وسام الكوكب الاردني ( لاحقا اعطاني الوالد الوسام لاحتفظ به فارجعته اليه وقلت له بدل ان يعطوا احد اولادك الكثر منحة جامعية مثل منح ابناء العشائر جاؤا يضحكون عليك بهذ الوسام النحاسي الصديء الذي لا يسوى قشرة بصلة .. واقترحت عليه يومها ان يعيد الوسام الى الملك .. شو انا ناقصني زبالة  .. الوالد اعطى الوسام لاحد اخوتي ... وفي اخر مرة زرته فيها سألته عن الوسام فقال لي هيو مرمي في الكراج )    وفولوستوب

قام الوالد فعلا بانشاء معهد اللغات الذي اصبح يتبع كلية الاركان واصبح جميع الضباط على مختلف رتبهم لا يطيرون الى امريكا او بريطانيا الا اذا نجحوا في الاختبارات التي كان الوالد يعدها ومن هنا جاءت شهرة الوالد في الاردن لان جميع ضباط الجيش وجنرالاته كانوا من طلابه ... وعاد الوالد الى تكساس في دورة ثانية عام 1971  قام على اثرها بتحديث وسائل تعليم اللغة في معهد اللغات التابع للجيش الاردني وبعد ان احيل الوالد على التقاعد برتبة مقدم طلبت منه الامارات ان يؤسس لها معهدا مماثلا .. وكذلك فعلت سلطنة عمان ( الصورة : الملك حسين يصافح مدير مدرسة المشاة  في زيارة لاول معهد لغات في  الجيش الاردني  في اواخر الستينات ...ويظهر في الصورة المرحوم والدي مدير المعهد مع زميلين له ) .. انذاك

يومها - عام 1966 - عاد الوالد من تكساس بعرض قدمته له اسرة امريكية ثرية اعجبت بالوالد وقررت تحمل نفقات تعليم واحد من اولاده في امريكا وعلى نفقتها بخاصة بعد ان علمت ان لديه 13 ولدا وانه بالكاد يستطيع الانفاق عليهم ..وكانت المواصفات المطلوبة يومها ان لا يقل عمر ولده عن 16 سنة وان لا يزيد عن 21 ..وكانت هذه المواصفات تنطبق علي لاني  كنت في السادسة عشر من العمر وكان  اخواني الاربعة الذين يكبروني في الجامعات ... اما اخواني الصغار  السبعة فكانت المواصفات لا تنبطق عليهم لصغر سنهم  .. يومها علمت بالعرض من حديث عابر دار بين والدي واقارب لنا كانوا في زيارة ... وتنهد الوالد حسرة وهو يشير الي - وكنت في الصف الاول الثانوي - قائلا  هذا الولد بيسود الوجه .. حمار في المدرسة . ودائما ( الطشي ) فكيف سابعث به الى امريكا .. شو احنا ناقصنا فضايح ... كانت السنة الدراسية يومها في اخر اسبوع لها ولسبب اجهله فزت في هذه السنة فعلا بالدرجة ( الطشي ) فقد كان في صفي 59 طالبا كنت عن جدارة حامل الرقم 59 بدون منازع ولما وصلت الشهادة الى الوالد طلق فكرة ارسالي الى امريكا طلاقا كاثوليكيا بائنا بينونة كبرى ونسي الموضوع تماما

كانت معلوماتي عن امريكا مستمدة مما اراه في الافلام الامريكية وكنت انا ( دخيل ) سينامات نمبر ون ..... كنت احيانا اشاهد الفيلم خمس مرات .. وفيلم جيمس بوند ( دكتور نو ) شاهدته اكثر من عشرين مرة اما فيلم جولدن فنجر ( الاصبع الذهبي ) لجيمس بوند والذي صور كله في فلوريدا فقد شاهدته مليون مرة ..كنت من هواة مشاهدة افلام الفيس برسلي وتعجبني رقصة ( التويست ) الشهيرة انذاك ...وكانت الطبيعة التي اراها في الافلام الامريكية ساحرة بالقياس الى مشخة الزرقاء التي ولدت فيها  وسيلها الذي تحول في اواخر الستينات الى مكب  للمجاري

 كنت ارى الافلام الامريكية المصورة في لاس فيغاس فاعود  الى البيت متحسرا بعد ان اتوقف في لاس فيغاس الزرقاء .. اعني سينما الحمراء وما حولها من بسطات قمار ( تعريفتك خمس تعاريف وقرشك بشلن ) ... كنت يومها اقف امام محل للبالات في الزرقاء كان يستورد الكنادر الامريكية المثيرة للدهشة بجودتها وتفصيلاتها قياسا بكنادر باتا وجزمات الكاوتشوك التي كنا نلبسها في الشتاء فتتخمر ارجلنا وتتحول  الى جورة امتصاصية ( جرب اقعد جنب واحد اردني لابس جزمة وشلعها من رجله )  ..كان الواحد فينا عندما يخلع الجزمة من رجلة يبخ هواء معطرا على البيت وعلى الجيران حتى اخر الحارة .. فما بالك وكل اولاد الحارة يلبسون هذه الجزم .. ( ويشكون هنا في امريكا من تلوث طبقة الاوزون ) ... تعالوا شموا ارجلنا في الزرقاء ... لتعرفوا السبب

يومها ادركت ان الوالد وضع فكرة ارسال احد اولاده الى امريكا على الرف بل وقد يجيرها لاحد الاقارب لذا قررت ان انتزع هذه الفرصة من خلال الاجتهاد في المدرسة .. وهذا ما كان ... وما ان فتحت المدرسة ابوابها  عام 1968 ونقلت انا من الاول الثانوي الى الثاني ثانوي بقرار من مجلس المعلمين - لان الترسيب كان ممنوعا وانا كنت بحكم الراسب -  تحولت الى شخص اخر تماما اثار دهشة زملائي الطلاب قبل المدرسين

 فحين كان مدرس اللغة العربية المرحوم محمد البطاينة يطلب منا حفظ اول خمسة ابيات من قصيدة المتنبي من كتاب النصوص كنت احفظ القصيدة كلها واكرها في الصف كاملة دون ان ارتكب غلطة واحدة نحوا وصرفا ..وحين كان مدرس التربية الاسلامية المرحوم ابو زياد يطلب منا  ان نصلي ركعتين  كنت اطس عشرة واتبعها  بعشرتين تراويح  .. ولما  كان الاستاذ جمال رصاص مدرس اللغة الانجليزية يطلب منا اعداد فصل من رواية ( القلعة ) - ذا سيتاديل -  التي كانت تدرس لنا بالانجليزية  انذاك كنت اعد الرواية كلها والخصها وارويها للطلبة ارتجالا باللغة الانجليزية

وفي الجغرافيا كنت اعرف اين تقع مناجم المانغنيز في العالم كله  وان كنت حتى هذه اللحظة لا اعرف ما هو المانغنيز  ... كنت استطيع رسم جميع خرائط الكرة الارضية بما في ذلك خريطة طبربور .. وفي التاريخ  لما كان الاستاذ جمال البطاينة يسأل عن اسباب  سقوط  الخلافة الاموية كنت  اجيب  بذكر اسباب سقوط الاموية والعباسية وسقوط الاندلس وسقوط سلاطين ال عثمان وصولا الى سقوط فلسطين 

 وحتى في درس (  التربية الرياضية ) الذي كنت  اهرب منه من قبل  بسبب تجربتي المريرة مع كمال الاجسام والنونية المليئة بالاسمنت التي سرقتها من دار الجيران  اصبحت ليس فقط الرياضي الاول في المدرسة وانما كابتن الفريق وحامي الهدف الاول (  الجورالجي ) ولم اعتزل اللعبة الا على يد ( الشقران ) لاعب منتخب الشرطة الذي ادخلني انا والكرة في  الشباك بشوطة واحدة .. وقد رويت حكاية اعتزالي  في ورقة سابقة  والشاهد عليها زميل الدراسة الدكتور احمد منصور الزعبي الذي كان كابتن فريق كرة القدم في الجامعة الاردنية وهو الان - كما علمت - رئيس قسم اللغة العربية في جامعة الامارات

وفي فترة الامتحانات كان جميع الطلبة يتنافسون ويتباطحون للجلوس الى جانبي لاني كنت كريما جدا في ( التغشيش ) .. كلهم غشوا مني .. من سعود سلامة مهاوش (  اصبح من كبار موظفي عالية )  الى خالد جمال المجالي ( اصبح زعيما  سياسيا )   وزياد المزاهرة ( ضابط في الجيش )  وعبدالاله مصطفى ( طيار مقاتل وقائد سرب )  وجميل حميدة  ( ضابط كبير في المخابرات ) .. كنت في الامتحانات افرغ من الاجابة بعد اول عشر دقائق من بدء الامتحان .. واتفرغ في الوقت المتبقي لتغشيش الصف كله  ولما تخرجنا من التوجيهية ( وكنت الاول )  كلهم حصلوا على منح عشائرية من القصر الا انا لان اسمي كان ( اسامة فوزي ) فقط  ولم يكن مثلا اسامة فوزي المطايزة .. او اسامة فوزي المظارطة .. او اسامة فوزي اخو حميده او اسامة فوزي الزبن او اسامة فوزي الطراونة  .. وبما اني جبت سيرة الطراونة لا باس من التذكير بان فايز الطراونة درس معي في الجامعة ( كان  في كلية التجارة ) في دفعة زياد الدباس مستشار بنك ابو ظبي الوطني  حاليا  وكان فايز مشهورا بالبلادة وثقل الدم ونجح رفسا ودفشا ودحرجة قبل ان يصبح رئيسا للوزراء في الاردن .... فقط لانه ابن الباشا احمد الطراونة .. هذه المعلومة ذكرتها  في راس المقال واعيدها هنا  مرة ثانية على سبيل المنيكة ومن باب التكرار بيعلم الحمار

في نهاية  السنة الدراسية في الصف الثاني الثانوي 1968 ( روحت ) الى البيت بشهادة مدرسية مذيله بدرجة ( الاول  في الصف ) على 63 طالبا ... وكانت درجاتي في جميع المواد من تسعين فما فوق .. مع تعليق بخط مدير المدرسة المرحوم نجيب انطون في هامش الشهادة يشيد فيها بذكائي واخلاقي وتفوقي ونباهتي وحسن سيرتي وسلوكي...  دخلت يومها على الوالد  وسلمته الشهادة .. تصفحها بسرعة ورفع النظارة عن وجهه مرتين وهو يبحلق بالاسم وبالدرجة المذكورة امامه قبل ان يقف على رجلية ويخلعني كفا سمعت صداه الامة العربية  كلها من المحيط الى  مضارب ام القوين .. وهو يصرخ في وجهي : ولك يا كلب  وصلت فيك السفالة انك تزور شهادة صادرة عن المدرسة .. ولك يا حمار  هذه مدرسة تابعة للجيش وهذا تزوير في ورق رسمي عسكري  هذه جريمة فيها سجن وبهدلة  هذه اخرتنا معك .. اطلع برة وما تفرجيني وجهك ... تفو عليك ... والله لاحطك بالسجن بايدي

غادرت المنزل يومها وصعت في شوارع المعسكر اولا ثم في شوارع الزرقاء  ... وعلى سبيل الدراما غنيت ( جئت لا اعلم من اين  ولكني اتيت ) كما غناها عبد الحليم حافظ في فيلم الخطايا  عندما طرده ابوه عماد حمدي من البيت.. ولو عادت الكرة وتكررت الحكاية هذه الايام لغنيت ( وانا مارق مريت )   لانها اكثر تعبيرا عن حالتي انذاك واغاني المرحلة على اي حال في مطلع السبعينات لم تكن مناسبة  ... كانت اشهرها ( لركب حدك يالموطور ) لفهد بلان .. و( افرش منديلك على المية ) لمحمد رشدي  و ( انا نص وانت نص تعال الحس  وتعال بص )  لسيدة اغاني المنيكة انذاك الفنانة الفاضلة طروب .. لذا وانسجاما مع الظرف الانساني الدرامي غنيت ( جئت لا اعلم من اين ) لعبد الحليم ولم اغني ( تعال الحس وتعال بص ) لانها اوفر تو ماتش وللعلم فقط فان الحكومة الاردنية كانت تتقاضى رسوما من كل شخص يمتلك راديو ومن يضبط دون ( رخصة حيازة راديو ) كان يزج بالسجن ... وكانت راديوهات تلك الايام بلا موجات قصيرة حتى لا يستمع الاردنيون الى بث اذاعة صوت العرب التي كانت تهاجم الاردن ... ومن يضبط ولديه راديو وفيها ( موجة قصيرة ) كان يحول الى امن الولة والاستخبارات العسكرية

 واحتجاجا على الوالد  قررت الاضراب عن الطعام  حتى الموت... كانت الساعة الخامسة عصرا .. ونفذت الاضراب فعلا  وفي الساعة التاسعة مساء - اي بعد اربع ساعات  - فكيت الاضراب بعد ان نفحني صاحب مطعم في الزرقاء - راني اقف الى جانب الصاج واشم رائحة الفلافل بنهم - قرص فلافل كبير محشي بالسمسم  .. قلت في نفسي يا ولد فك الاضراب ... بيكفي اربع ساعات ..  ثم ان الاضراب عن الطعام حتى الموت طويل وممل .. والافضل في هذه الحالات - كما في افلام عماد حمدي وفاتن حمامة - الانتحار فورا ودغري من غير اضرابات ... اعجبتني الفكرة  وبدأت فعلا افكر بالانتحار ... كنت قد شاهدت فيلما امريكيا ينتحر بطله من فوق ناطحة سحاب ( امبير ستيت )  في نيويورك ولان اعلى ناطحة سحاب في الزرقاء كانت  ( الحاووز )  في الغويرية  فقد توجهت ليلا باتجاه السلم وما ان تخطيت  العتبة الثالثة حتى لحقني الحارس ظنا منه اني  احاول سرقة البربيش وكان يصرخ حرامي حرامي امسكوا حرامي .. وظل يركض الحارس ورائي في شوارع الغويرية ( ومعه نص اولاد الحارة )  وانا اركض امامه واقسم له اغلظ الايمان  اني لم افكر بسرقة البربيش وان  نيتي كانت سليمة  وهي  الانتحار من فوق الحاوز مثل الفيلم الامريكي وقد اخترت الحاوز - يا حاج -   لان الزرقاء ليس فيها امبيرستيت

بعد تفكير عميق وبعد نجاحي في الهرب من حارس الحاووز ونصف اولاد الحارة الذين ركضوا ورائي  قررت تغيير وسيلة الانتحار .. فبدلا من امبير ستيت الحاووز قررت الانتحار من فوق برميل زبالة كان في نص الحارة  .. كنت قد قرأت في جريدة  ( لف بها الفران ربطة خبز قبل اسبوع )  ان من ينط من برميل زبالة على راسه غز - وكأنه ينط في بركة سباحة - سيموت فورا لان  عنقه ستدق على الفور  ونفذت المحاولة فعلا .. صعدت على البرميل ونطيت .. ولاني لم اكن اجيد السباحة لم انزل ( غز ) على راسي وانما نزلت  لطع على بوزي  وخرجت من المحاولة بجروح وخراميش ليس من النطة واللطعة وانما لاني وقعت على كمشة قطط كانت تتسحر في قعر البرميل وظنت القطط يومها - وقطط  مدينة الزرقاء غبية كما تعلمون - ظنت اني قط غريب من حارة مجاورة واني نزلت الى القعر لمشاركتها في طعامها ... فخرمشتني ولسان حالها يقول : شي غاد

 لم يكن في جيبي - يوم طردني الوالد من البيت -  تعريفة واحدة .... وعندما انتصف الليل وخلت المدينة كلها من البشر الا الكلاب الضالة والقطط التي تتسحر في قعر برميل الزبالة  تسللت الى سيارة جيب عسكرية كانت تقف امام منزل جارنا - وهو ضابط في سلاح المدفعية - ونمت على المقعد حتى الصباح  ولا زلت الى هذا اليوم اذكر كل ثانية من تلك الليلة لاني مت من الصقعة وتجمدت اطرافي تماما زادها تجمدا خراميش القطط .. ولكن الذي خفف الامي يقيني بان الوالد سيعرف الحقيقة بعد ساعات وانه قطعا  سيتوقف في مكتب الاستاذ نجيب انطون مدير المدرسة للاعتذار له  وليس لاستيضاح الامر لانه قطعا لم  يكن يقتنع ولو ( فمتو ثانية ) بالمائة من امكانية ان تكون الشهادة صحيحة

ليس الاستاذ نجيب انطون وحده الذي اكد للوالد ان الشهادة صحيحة  وانه كتبها بخط يده وانما جميع اساتذتي التفوا حول الوالد وكل يتغزل في على طريقته .. الاستاذ سامي جمعة - الذي اصبح من كبار  مقاولي البناء في الامارات - تحدث عن عبقريتي في مادة الفلسفة التي كان يدرسها  مشيرا الى انه لم يضع علامة مائة من مائة على ورقة اجابة طوال عمله كمدرس لهذه المادة الا على ورقة اجابتي  وقبل نهاية اليوم كانت الصورة قد اتضحت ... فالشهادة صحيحة اذن وليست مزورة ولكن ظل هذا التغير والتطور لغزا لم يفهم الوالد اسبابه   فقد كنت اقرب اولاده اليه وهو اخبر الناس بي لاني كنت الوحيد من بين اخواني الذي يدرس في مدرسة الفتح التي كان والدي مديرها  بمعنى اني لم اكن ابنه فقط وانما تلميذه في المدرسة ايضا وكنت زميله في الرحلة اليومية بالباص من الزرقاء الى المحطة ذهابا وايابا لعشر سنوات تقريبا... باقي اخواني درسوا في مدرسة النصر في الزرقاء ... وبالتالي فان الوالد كان ليس فقط مطلعا على تفوقي في اولمبياد ( الطشية )  في جميع المراحل التي درستها في مدرسة الفتح التي كان والدي مديرها وانما ايضا لانه ( شخصيا ) بصفته الوظيفية كمدير للمدرسة كان يوقع على الشهادات المدرسية ومنها شهاداتي الممهورة دائما بعبارة الطشي ... بالقلم الاحمر

ولما حصلت على الدرجة الاولى في الصف الثالث الثانوي  ثم حصلت على المركز الاول في امتحانات التوجيهي ليس فقط على جميع زملائي في المدرسة وانما  على جميع مدارس الثقافة العسكرية في المملكة وفي الوقت نفسه كنت من ضمن العشرة الاوائل في اللواء .. كان الوالد يجهد نفسه في محاولة تفسير اللغز ووصل  في النهاية الى قناعة عجيبة  وهي ان ( الحجاب ) الذي اعده لي احد الشيوخ وانا في الصف الرابع الابتدائي هو السبب وان كان مفعوله قد تاخر حتى اصبحت في الصف الثاني الثانوي...  كنت في الصف الرابع اصاب بالتهابات متكررة ومزمنة في اللوز وهذه كانت ترفع درجة حرارتي الى درجات افقد فيها احيانا الوعي و ( اخبص ) اشكالا والونا ..وكان تمرجية المعسكر  انذاك ( والذين يعالجون المرضى مثلي )  لا يربطون بين السخونة والتهابات اللوز  لان امهر تمرجي فيهم لم يكمل المرحلة الابتدائية واقصى ما كانوا يجيدونه ضرب الاطياز بابر البنسلين بعد غليها على البريموس

 يومها اقترح جار لنا  على الوالد بان يعرضني على شيخ مشهور في الزرقاء بصناعة الاحجبة لطرد الشياطين والارواح الشريرة من باب ان السخونة وما يليها من تخبيصات قد تكون بسبب جني  ابن كلب تلبس ابنك يا ابو منير ..  وقام الشيخ النصاب فعلا بكتابة حجاب وضعه في كيس من القماش وخيطه ثم طلب من اهلي ربط الكيس في رقبتي  وظل الكيس مربوطا في الرقبة على بعد شبر من منخاري لمدة سنة  كاملة شميت خلالها خراء الشيخ  كاتب الحجاب ...  لاني بعد ان فتحت الكيس وجدت ورقة عليها خربشات مع قطعة خراء مجففة هي التي شممتها لسنة كاملة ... وزعمت يومها - طبعا -  ان الحجاب وقع مني في المدرسة

 والطريف انه بعد ذلك بسنوات  عزمني صديق من الجامعة على بيته  لاكتشف انه ابن الشيخ النصاب كاتب الاحجبة .. وصاحب الخرية المجففة التي حملتها حول رقبتي سنة كاملة  لطرد الجني ابن الكلب المسئول عن التهابات اللوز والسخونة .. الولد اصيب بالدهشة لما عرف اني قابلت  والده من قبل .. ووالده لم يتذكرني .... وبعد الخروج من المنزل قلت له : لقد شميت خراء ابوك لمدة سنة .. واخبرته بالحكاية فتبين انه كان مثلي يشم خراء ابيه لانه مثلي حمل حجابا من نفس التركيبة .. بعد ان اصيب بسخونة شديدة ايضا

طبعا .... لم يكن باستطاعتي ان اعترف للوالد بان جدي واجتهادي في المدرسة لم يكن بفعل الخرية التي ربطوها في رقبتي لمدة سنة وانما سببه اني كنت اطمع و امني النفس بالسفر الى امريكا .... بلاد جيمس بوند والفس بريسبلس ولاس فيغاس .. وحيث الطلبة يبوسون الطالبات في المدارس دون ان يجلدوا فلقة في الساحات العامة .. ( انا حوكمت محاكمة عسكرية بتهمة ارسال بطاقة معايدة لبنت الجيران )  لم افتح سيرة السفر الى امريكا والعرض الذي لا زال قائما لاني كنت على ثقة ان  الوالد نفسه قد بدأ جديا بالتفكير في الموضوع بخاصة وان امكانات الوالد لا تسمح بالانفاق على دراستي في الجامعات العربية .. وليس امامه من حل ... غير تصديري الى اصحابه في امريكا

يومها بدأت اجهز نفسي وادربها على العيش والدراسة في امريكا ... كنت عام 1969  في التاسعة عشرة  من العمر واصبحت اعتني كثيرا بمظهري واصبح صديقي ( صاحب محل البالات ) يتخير لي افضل القطع الغريبة من الملابس والكنادر الامريكية الفاخرة التي كانت تثير دهشة الاخرين وكانت تجارة البالات في ذلك الوقت حديثة العهد وقد بداها فلسطيني في باب المخيم ثم انتقلت الى زاروبة في شارع السعادة ولم يكن كثيرون يعرفون اصلا بوجود مثل هذه التجارة ... اصبحت - اذن -  امريكيا في لبسي حتى قبل ان اغادر الزرقاء ... وبدات اقص شعري على طريقة الفس برسلي من باب التوفير في الوقت وبالمرة اصبحت اتدرب على رقصة ( التويست ) اشهر الرقصات الامريكية في  الستينات .. كنت اريد ان اصل الى امريكا ( كامل مكمل  )...وجاهز لتبويس البنات في المدارس والشوارع والمقاهي كما كان يفعل جيمس بوند في فيلم ( جولدن فنغر ) ..كان شين كونري يبوس في الفيلم من جنب وطرف دون ان يقول له احد تل التلاتة كام ولم تكن امه توصيه ( ديربالك يمه لا تتحرش  ببنات الحارة ولا تحكي بالسياسة ) كما كانت امهاتنا توصينا في الزرقاء

ومع ذلك تقدمت ابنة جارنا واسمها (  ديانا فاخوري ) بشكوى ضدي لقائد المعسكر زعمت فيها اني بعثت اليها  بالبريد ببطاقة معايدة .. كانت ديانا فاخوري ابنة لضابط كبير برتبة عقيد  وكان المعسكر انذاك تحت امرة ضابط اعزب وسمين كانت كل مهامه العسكرية ان يقضي ايامه ولياليه في مدرسة البنات ولم يصدق من الله ان يستلم شكوى كهذه حتى يبدأ بعقد محاكمة عسكرية لي يكون هو على رأسها .. وكانها قضية امن قومي .. يومها عقدوا لي جلسة تحقيق في مكتب الاستاذ نجيب انطون مدير المدرسة حضرها قائد المعسكر وحضرها والدي  وحضرها الاستاذ سامي جمعة وقد انتفخت بيضاتي وانا ادافع عن نفسي من باب اولا ان ثمن البطاقة مع ارسالها بالبريد يزيد عن شلنين وديانا فاخوري كلها على بعضها لا تسوى قرشين .. ثم اني كنت منشغلا بالدراسة وحفظ اماكن وجود مناجم المانغنيز في العالم ولا وقت لدي لديانا فاخوري التي كان بوزها كفيلا بتطفيش الذكور من جنس النسوان

 وخرجت طبعا ببراءة من الاتهام لان قائد المعسكر - وكات برتبة عقيد - لم يتمكن من اثبات التهمة .. الطريف اني قبل تخرجي من الجامعة شاهدت ديانا فاخوري امام الكافتيريا فتقدمت منها وسالتها : شو خير ؟ شايفك هون ؟ فقالت انها التحقت بالجامعة  ثم عرفتني على رفيق لها  كانت تقريبا تقعد في حضنه  ولاني لم ارغب باحراجها اجلت سؤالي عن سبب تبليها علي ... وتخرجت من الجامعة دون ان اراها  ... وبعد عامين كنت ( اقزدر ) في شارع سليمان باشا في القاهرة فشاهدتها برفقة زميلها ما غيره فاثرت الصمت ايضا  ليس خوفا ولكن لاني كنت يومها برفقة الشاعر احمد فؤاد نجم وزوجته عزة بلبع .. ... ديانا هذه كانت - مثل امها - تصرخ بسائقي تناكر الماء  خلال مجازر ايلول : ما تعطوا مي لهظوله لانهم فلسطينية .. تماما كما كانت تفعل جارتنا ام نيازي مبيضين .. لا ادري ان كانت ديانا هذه لا زلت حية ترزق .. كان نفسي فقط ان اسالها  ومن شدة احساسي انذاك بالظلم : لماذا تبليت علي .. يا بنت الشرموطة

وين كنا ؟

اه .. كنا في مرحلة التدريب على التأمرك في الزرقاء ... ولان مثل هذه التدريبات  تحتاج الى مناخ مناسب  لا توفره الزرقاء بمعسكرها وشوارعها الضيقة ودور السينما الهاملة فيها والتي اصبحت  - عام 1969 - دورا للزعران فقط .. ولان داون تاونها - مربع سينما الحمراء - يمكن ان تلفه كله بربع ساعة فقد تطلب الامر  مني البحث عن مكان اخر للتدريب .. ولم  تكن امامي  طبعا الا مدينة عمان التي اصبحت اداوم فيها يوميا من التاسعة صباحا وحتى التاسعة مساء .. لم اترك فيها شارعا يعتب علي ... ولو طلبوا مني يومها رسم خريطة لها لتمكنت حتى من تحديد المنازل والفلل التي تطل على شرفاتها بنات مثل الورد في شارع فيصل او شارع الملك طلال او شارع بسمان او طلعة منجو في الدوار الاول .. كان في زمني لجبل عمان ثلاثة دواوير ( دوارات )  ابعدها الدوار الثالث وكان هذا في اخر الدنيا ..  وجاء من يقول لي الان ان دوارات جبل عمان اصبحت عشرة

كنت اخرج من البيت  في المعسكر على اخر موضة .. بنطلون ( سترتش ) اسود مخمل موصى عليه من البالات مع قميص مشجر شبيه بقميص الفس برسلي  الذي لبسه في فيلم  ( بنات بنات بنات )  عام 1962 وكندرة ( بوط ) امريكي   مشابه لبوط جيمس بوند  وبرنيطة كابوي اظن اني اول من لبسها انذاك في تاريخ الاردن المعاصر

 كانت الرحلة من الزرقاء الى امانة العاصمة في عمان تكلف ثلاثة قروش ونص بالباص ... ومن هناك كنت ابدا جولتي اليومية ... كنت احيانا  اقعد في مقهى السنترال في شارع فيصل حتى قبل ان يرش صاحب المقهى السطح بالماء ( المقهى اسسه فلسطيني في عام 1948 في عمارة بنيت على انقاض مقهى  كوكب الشرق التي بدورها بنيت على انقاض مقهى حمدان اشهر واقدم مقهى في عمان) ...  وكانت بيني وبين الشارع عشرة قديمة تعود لمطلع الخمسينات حين كنت اصطحب والدي في جولاته ما بين المحطة وعمان  ... كان تحت مقهى السنترال مباشرة - في الستينات - منصة صغيرة يقف عليه شرطي مرور  ( بنص ) يلوح بيديه للسيارات التي تتفرع من هناك باتجاهات مختلفة  الى شارع السلط او شارع الشابسوغ  والبنص بالعامية الاردنية اي صاحب الكرش ( التخين ) ...  لم تكن هناك اشارات مرور ... منصة الشرطي تبدو في الصورة المرفقة في زاويتها السفلى وقد التقطت الصورة  من خلف المنصة عام 1957

 كان الشرطي ( البنص ) علامة مميزة  في الشارع وتبين لاحقا ان الملك حسين كان يعرفه بالاسم .. ومقابل منصته العالية كانت توجد نافورة تفصل الشارع الى مسربين  المنصة الغيت والنافورة ردمت ليس لان امانة العاصمة غيرت خططها وانما لان الشرطي البنص  مات ... مقهى السنترال في مطلع السبعينات كان المكان المفضل لطلبة الجامعة الاردنية .. اما رجال الادب  فكانوا يلتقون في مقهى  العاصمة التي بنيت في موقع  سينما الفردوس ... مقهى العاصمة لعبت - مع مطعم هاشم - الدور نفسه الذي لعبته مقهى ريش في القاهرة ومقهى البوكمال في دمشق ومقهى افروديت في حلب ومقهى شريمط في بغداد ومقهى نويران في السلط ومقهى الكمال في اربد .. كنت ترى في هذه المقاهي كل ادباء المدينة ومثقفيها .... وعلى طاولات مجاورة بعض المخبرين يتجسسون عليهم من رجال احمد عبيدات اكبر رئيس مخابرات شرموط خردق الاردن والمجتمع الاردني .. ويلعب الان للاسف دور زعيم المعارضة

غالبا ما كنت انزل الى عمان وحدي واحيانا كنت اصطحب معي صديقي الطفولة  ( الاعدادية  والثانوية ) مصطفى المفتي واحمد عبد الرزاق  على اعتبار ان مرحلة الطفولة ( الابتدائية كانت مختلفة تماما )  والوحيد الذي اذكره من مرحلة الطفولة الابتدائية يوم كنت تلميذا خائبا في مدرسة الفتح في المحطة صديقي زياد عطيات ... لم ار زياد منذ عام 1962 وكل ما احتفظ به الان صورة ملونة له بعث بها الي عندما انهى الثانوية وسافر الى المانيا ... قبل سنوات اتصل بي مواطن اردني كانت له مشكلة تتعلق  بمكتب عالية في نيويورك  اتصلت بالمكتب لمتابعة مشكلة المواطن فحولوني الى المدير  فاذا  به صديق الطفولة زياد عطيات ... زياد كان مدير مكتب نادر  الذهبي رئيس وزراء الاردن

كان مسار ( القزدرة )  في عمان يرتبط بشكل اساسي بما احمله في جيبي من  قروش .. واقول قروش لانني لم امسك في حياتي دينارا  ورقيا الا وانا في السادسة عشرة من العمر ... بعثتني الوالدة يومها الى محلات العالم بدينارين لتسديد جزء من الدين المكتوب علينا في النوتة ( وكل المحلات يومها كانت تبيع على النوتة )  فخنصرت دينارا منها  وادعيت اني سددت الدينارين ... وبقي الدينار الورقي المخنصر  في جيبي شهرا كنت خلاله اشعر وكأني اوناسيس زمانه او الشيخ شخبوط - وكان يومها يحكم ابو ظبي - ولما صرفت الدينار شلنات كاد بنطلوني يسحل لان شلنات ايام زمان كانت ثقيلة الوزن  فاشتريت ( قجة ) فخارية -  حصالة - ووضعت فيها الشلنات ودفنتها في حديقة المنزل  حتى تضيع اثار الجريمة.. وبعد شهر اخرجت ( القجة )  وبدات  بالتبذير والانفاق من جنب وطرف .. وطارت الشلنات طبعا على دور السينما والكازوز والشاي وبوظة ابو رشيد  وعلى القمار ايضا ( تعريفتك خمس تعاريف وقرشك بشلن ) ... كانت العملة الاردنية الاكثر تداولا  في الخمسينات بين عامة الناس هي العملة المعدنية التي تبدا بالفلس ثم التعريفة ثم القرش ثم ( القرطة ) ثم الشلن  ثم عشرة قروش ثم نصف الدينار الورقي ثم الدينار

 واظن ان الخمسة دنانير طبعت في وقت متأخر لاني اعرف كثيرين في الخمسينات كانت رواتبهم الشهرية تقل عن  خمسة دنانير .. واستخدمت العملة المعدنية في الكثير من الاعمال .. اصحاب الدكاكين كانوا يستخدونها في الميزان ( القبان ) .. واصحاب المطاعم ومحلات الحلويات الذين كانوا يتجمعون بعرباتهم وبسطاتهم امام المدارس استخدموا ( القرطة ) في اعداد قوالب من النشاء او الكسترد على سبيل اليانصيب ... كانوا يضعون قرطة واحدة في قطعة واحدة من السدر المعروض للبيع وانت وحظك .. كانت هذه اول عملية تحايل ذكية لادخال ( القمار ) حتى الى المدارس وكنا نشتري القطعة فقط على امل العثور على القرطة .. وحتى شركات الكازوز كانت تلجا الى وضع جوائز في اغطية الزجاجات ... وانت وحظك يا ابو الحظوظ .. وحزيرة رمضان احلى الحزازير فكر فيها شوية ما هي صعبة كتير

 كانت العملة المعدنية لها هيبة وقوة شرائية .. بتعريفة واحدة  في الخمسينات كنت اكل ( قضامة ) طوال اليوم .. وبقرطة ( وهي عبارة عن قطعة بحجم الفلس ولكنها فضية وتعادل قرشين )  كنت تاكل بها ساندويتشا محترما وتشرب كاسة شاي في افخم دار عرض سينمائي في عمان  .. كنت اضع في جيبتي الشمال - عندما انزل الى عمان -  ثلاثة قروش ونصف ايجار العودة بالباص من عمان الى الزرقاء  ثم اتبرطع بالباقي .. والباقي قد يكون قرشا واحدا .. وقد يكون عشرة قروش وذلك وفقا لما يمكن ان اخنصره في ذلك اليوم   ولم يكن الباقي في اكثر الاحيان كافيا لاكثر من سانويتش من مطعم فؤاد وربما ربع وقية مخلوطة من محمص شاهين ... كان مطعم فؤاد  اشهر مطاعم الداون تاون  في عمان ولم يكن يزيد طولا وعرضا عن  خم الدجاج في بيتنا و بالكاد يتسع للصاج الذي تقلى فيه الفلافل ...كان مطعم فؤاد اول مطعم ساندويتشات ( تيك اويه ) في الاردن   يتوقف فيه من يخطط للقزدرة في شارع بسمان اهم شارع للقزدرات في عمان انذاك

 كان رواد سينما رغدان في الشارع يتمونون بساندويتشات فؤاد قبل دخول دار السينما ومن ( تغدى ) في بيته كان يكتفي بعرنوسة مخلوطة من محمص شاهين  اشهر من باع المخلوطة في الشرق الاوسط .... كانت الطوابير امام المحمص تزيد طولا - احيانا - عن تلك الطوابير امام شباك التذاكر لسينما رغدان التي تقع مباشرة امام المحمص ... لم اكن ادخل السينما  في عمان لان اسعارها اغلى من اسعار دور السينما في الزرقاء ثم اني لم اكن اصلا انزل الى عمان لدخول السينما ....  كنت انزل الى العاصمة للقزدرة والبصبصة وتصفح واجهات المحلات  والتفرج على زبائن و ( زبونات ) سينما رغدان والتمرن على حياة الصرمحة التي ساعيشها في امريكا

كان - في زمني - اخو اخته من يدخل هذه السينما الفاخرة .. واليوم علمت انها تحولت الى خرابة .. كانت  تجارة السينمات رائجة يومها حتى ان عبد اللطيف الذهبي تملك دارين  للسينما هما سينما فلسطين وسينما الحسين .. والذهبي هذا هو الذي ( بزر ) اللص محمد الذهبي رئيس المخابرات السابق الذي يقضي اياما سعيدة الان في سجون عمان .. وهو الذي  وعد الملك عبدالله  بخطفي من هيوستون ( بشوال ) ابو حز احمر  كما اخبرني الدكتور احمد عويدي العبادي

 لقد ذكرت في الورقة الرابعة ان دور السينما في مطلع السبعينات اعتاشت على الافلام الجنسية وقيل لي بان ( ابو نادر ) كان  عراب هذه التجارة من خلال سينماته التي تشارك فيها مع محمد الطاهر  ولم ينافس  سينمات ابو نادر الذهبي الا مصطفى ابو قورة صاحب سينما الخيام الراقية وابو قورة هذا هو شقيق الحاج عبد اللطيف ابو قورة مؤسس جماعة الاخوان المسلمين في الاردن وكان اول مقر للجماعة  في عمان يقع  بجوار مقهى السنترال وعلى مرمى حجر من سينما الخيام .. جماعة الاخوان وسينما الخيام لا يجتمعان الا في ذهنية وعقلية الاخوان لان الدين عندهم بزنس في بزنس  .. وهذه نقرة وتلك نقرة يا طويل العمر

 كنت تستطيع ان تفعل الكثير في عمان دون ان تلفت  نظر الاخرين او تضايقهم حتى لو كانت نظراتك للنسوان وقحة .. متمردة .. متوحشة ... وهو اقصى ما كنا نستطيع فعله في اطار نظام المعاكسات في هاتيك الايام وكانت موضة ( الميني جيب ) قد وصلت الى  الاردن  ولا تجدها الا في شارع بسمان  في عمان  لذا فان الشارع كان يتحول عصر كل يوم الى كرنفال عجيب ... بنات بالميني جيب .. وزبائن ومشاهدين من امثالي جاؤوا من القرى والارياف المجاورة  للبحلقة والنظر .. كان  يكفي لاي  ( عماني )  من سكان شارع بسمان ان ينظر في عيني مثلا  ليعرف فورا اني من الزرقاء .. ومن المعسكر تحديدا ... وسأعود الى حكاية الميني جيب لاحقا عندما  اكتب ورقاتي عن الجامعة الاردنية

هذا اذا نزلت الى عمان ومعي قرشين فقط للبرطعة  غير ايجار الباص طبعا ... اما اذا كانت الجيبة معمورة بالقروش فقد كنت افضل القعود في مطعم هاشم .... كان هذا المطعم يفتح ابوابه 24 ساعة يوميا  وهو اصلا لم تكن له ابواب ...  كنا نجلس على كراسي قش في ساحة مجاورة له .. كان مطعم هاشم  يتميز بخدمة لا تجد لها مثيلا في مطاعم الكرة الارضية كلها

 فبعد ان تلهط صحن الفول او الحمص او المدمس وتجليه جليا كان يحق لك ان تصرخ باعلى صوتك ( تصليحة  )  والتصليحة تعني ان يقوم الجرسون باخذ الصحن من امامك  نظيفا ملحوسا عن اخره  ويعيده اليك مرة ثانية صاغ سليم  .. ولاننا - احيانا - كنا نعاني من ازمة جوع مزمنه فقد  كان الصحن يذهب ويعود اكثر من عشر مرات ..واحيانا كنا نقضي يوما كاملا في التصليحات دون ان يعترض صاحب المطعم او جرسوناته

 كان مطعم هاشم مختصا بالفول والحمص والمدمس ولا يتعاطى غيرها في حين كانت مطاعم الخمس نجوم القريبة ( جبري ) و ( القدس ) مختصة بكل شيء ويعيبها  شيء واحد وهو عدم اعتمادها لنظام التصليحات لذا لم اكن من روادها

 واخبرني صديق  عاد لتوه من عمان ان مطعم  هاشم  لا زال في مكانه  على حطة ايدك مع تغيير كبير في الديكورات والمقاعد وحتى الزبائن وان من رواده الملك عبدالله الذي يأكل طبق الفول مع زوجته  دون ان يضطر الى  مناداة الجرسون (  تصليحة ) وكلما زار الملك المطعم اغلقت قوات الحرس شارع فيصل  بدءا من امانة العاصمة وحتى اخر شارع السلط ... وليس مثل الرئيس الامريكي اوباما الذي دخل الاسبوع الماضي الى مطعم  قرب البيت الابيض لياكل (  بيغ ماك )  ولما حاول دفع الحساب بالفيزا ( 13 دولارا ونصف ) قالت له  موظفة الكاشير كرتك مش شغال .. هات غيره

شو بدكو بطولة السيرة ... كل التدريبات والتمرينات والتستات التي اجريتها في شوارع عمان وحاراتها  وزواريبها للتمرن على الحياة في امريكا راحت على فشوش ...  الوالد لم يبعثني الى امريكا  ... ولم اتمكن حتى من العودة الى مرحلة ( الطشي ) لاني لم اعد في المدرسة  وحتى خلال وجودي في الجامعة لم اتمكن من  لعب دك ( طشي ) واحد لان الراسب في الجامعة  كان يؤخذ فورا الى التجنيد الاجباري والتجنيد الاجباري في زمني كان يعني ان تشتغل عسكريا  ببلاش وبدون مرتب لمدة سنتين وغالبا ما تفرز للعمل خداما في بيوت الضباط او ( مراسلا ) في مكاتبهم ...  لذا لم يعد امامي من حل الا .. دخول الجامعة الاردنية .. او الانتحار من فوق برميل الزبالة ... فاخترت الحل الاول ... وسأخبركم عن  السبب  بالتفصيل الممل جدا .. في ورقاتي القادمة .. فانتظروها

لقراءة باقي ( الورقات ) انقر هنا