أوراق من مفكرة مواطن اردني سابق
صور
من التاريخ الوجداني ( الانساني والثقافي والجغرافي ) للاردنيين
 في عمان والزرقاء
يكتبها : د.أسامة فوزي

الورقة الحادية عشرة
عندما هدد عدنان علي خالد بفعصي



فشخت عن الورقات السابقة وقررت ان انشر اليوم الورقة رقم 11 لسببين : الاول  لاني تلقيت رسالة من مواطن جزائري .. والثاني لان ما اكتبه هنا مرتبط بالرسالة ... الرسالة جاءتني من السيد  خالد ميهوبي وهذا نصها : اخي اسامة  انا  زميلك في الدراسة خالد ميهوبي من الجزائر .. وقد قرأت لك الورقة السابقة من مذكراتك التي تتحدث فيها عن مدرسة النصر والقسم الداخلي فيها .. وانا كنت في عام 1966 تلميذا في هذه المدرسة ونزيلا في قسمها الداخلي وكنت ضمن مجموعة من خمسين طالبا جزائريا امر الملك حسين بادخالهم القسم الداخلي في مدرسة النصر لمدة سنة بطلب من الرئيس الجزائري  هواري بومدين .. وكنت في صفك واعرفك جيدا لانك كنت ابن  مدير المدرسة وما كتبته اعادني الى ايام جميلة في الزرقاء وسينما الحمراء وسينما النصر فياحبذا يا استاذ اسامة لو تكتب اكثر وبالتفصيل عن هذه الاماكن مع نشر صور لها فنحن غادرنا الاردن ولم نحمل معنا صورة واحدة للمدرسة او المدينة لانه لم تكن تتوفر لدينا ماكينات التصوير كما تعلم

لذا ونزولا عند طلب الاخ خالد الذي اذكره جيدا لانه كان امهر لاعبي الفطبول في فريق المدرسة الذي كان يومها يتكون من ثمانية لاعبين جزائريين من اصل 11 لاعبا هم عدد لاعبي الفريق قررت ان ( افشخ )  عن تسلسل الورقات  وانشر اليوم الورقة رقم 11 وهي من اصل 24 ورقة فرغت من كتابتها فعلا

***

 اول مرة نزلت فيها وحدي الى مدينة الزرقاء كانت وانا في السادسة من العمر عام 1956 عندما  قطعت مشيا على الاقدام الشارع الذي يربط المدينة بمنزلنا في المعسكر وكان الشارع رمليا ولكن يجري تعبيده حيث كان العمال يقومون برصفه بحجارة بيضاء يتم تكسيرها الى قطع صغيرة ثم تقوم شاحنات بدلق مادة الاسفلت السائلة فوق الحجارة وبعد ان تنشف تقوم ( مدحلة ) بالمرور فوق الاسفلت لرصه ... ولا زلت اذكر تفاصيل تلك الرحلة الاستكشافية  بكل دقائقها ... وصلت الى باب المعسكر ونزلت الشارع المنحدر منه الى المدينة وكان اول ما لفت نظري  امرأة عجوز تقعد على يمين الشارع عند المدخل الجانبي ( للنقطة ) وهي مخفر الشرطة ..  كانت تفرد يدها للشحادة  .. كانت واجهة المدينة لمن يخرج من باب المعسكر تتكون من شارع مستقيم يمتد من دخلة المعسكر الى ما بعد جامع الشيشان وهو شارع فيصل .. ويمينه عند الدخله شارع الجيش الذي يتجه يمينا باتجاه  (خو ) ويسارا باتجاه عمان ... وكانت سينما النصر تقع على زاوية الشارع وكانت المساحة وراء السينما وحتى مخيم اللاجئين خالية تماما وتستخدم في الاعياد لنصب المراجيح ... كان شارع فيصل وتقاطع شارع الحمراء مع الحسبة هي منطقة ( داون تاون ) الزرقاء  وهي التي شكلت شخصيتنا كاطفال ومراهقين ... وحول سينما ( الحمراء ) كانت تتجمع كل نشاطات سكان المدينة التي تشكل منها الوعي الجماعي للزرقاويين

فامام سينما الحمراء كنا نلعب ( القمار ) على بسطة ( تعريفتك خمس تعاريف وقرشك بشلن ) وامامها كانت بسطات المراهنة على ( تفوير ) زجاجات الببسي كولا فمن فورها بفتحها فاز بها مجانا او خسر قرشه ... كانت مقاهي لعبة الطرنيب تنتشر في كل زقاق تتداخل بينها ( خمارات ) صغيرة يطلى زجاجها باللون الاسود او الابيض وبين هذه وتلك محلات للنيشان ببنادق الخرطوش ومحلات اختبار العضلات بدفع الاثقال وكانت صاونات الحلاقة مزدهرة ... وقيض لي ان اصبح في السبعينات صديقا لاشهر حلاق في ( الداون تاون ) وهو المرحوم عدنان علي خالد الذي اصبح من اشهر كتاب القصة القصيرة في الاردن في السبعينات وكان صالونه يقع على شارع سينما الحمراء في زاوية  شارع اشهر محمصة للقضامة وبزر البطيخ في المدينة وبجانبه كان يقع محل تأجير البسكليتات وكنت من زبائن المحل وكان صاحب المحل يؤجرنا البسكليت ليلة كاملة على ان نستلمه قبل ان يغلق محله مساء ونعيده صباحا وكل ذلك بخمسة قروش ..  اما في النهار فكان التاجير بالساعة ولم يكن هناك اية ضمانات  وكان من السهل الهرب بالبسكليت وعدم ارجاعه لصاحبه

وكان في الزرقاء ثلاث ثانويات للذكور ومثلها للبنات ...  ومدرسة خاصة كان يمتلكها عبد الباقي جمو .. وتم في السبعينات التوسع في فتح المدارس الخاصة وكان اخي يمتلك واحدة ( مدرسة  الظهران الثانوية )  بالتشارك مع ابو انور ابو مغلي  وكانت تقع قبالة عيادة الدكتور محمد عاهد السخن كما ظهرت في السبعينات معاهد الانتساب الى الجامعات العربية مثل جامعة بيروت العربية وكان ( مجدلاوي ) اشهرها وكان اخي وكيلا لمدارس بيبلوس اللبنانية وهذه كانت تدرس المهن الفنية وكان مكتبه يقع في سوق احياد وكانت ثانوية الزرقاء اشهر هذه المدارس وتليها اعدادية محمد بن القاسم التي تحول احد المدرسين فيها واسمه زهير زنونة الى  مدير لمكتب رئيس المخابرات احمد عبيدات وتبين انه كان مخبرا حتى وهو في مهنة التدريس وعلمت لاحقا انه لفق تهمة لزميله في المدرسة  الاستاذ حسن اللحام - وكان من اقاربي - انتهت بوفاة اللحام  .. وقد كتبت عن زهير زنونة من قبل وللراغبين بقراء المزيد عن هذا الشرموط الذي كان يقضي ايامه وراء كاونتر مرقة اخوان للوازم النسوان  في شارع الحمراء .. انقر هنا

اما في المخيم فكانت هناك ثانوية تابعة لوكالة الغوث كما كانت في المخيم مدرسة اعدادية واخرى ابتدائية  مديرها الاستاذ مصطفى النجار اما مدير الاعدادية فكان الاستاذ رجب القدسي وتعاقبت على ادارة مدارس البنات في الوكالة الست عطاف والست مديحة الدجاني واختها سميحة الدجاني .. وكان الاستاذ وصفي عصفور ( ابو وسيم ) من ابرز مدرسي الوكالة وكان والده يمتلك واحدا من اكبر محلات بيع التجزئة في الزرقاء يقع قبالة عيادة الدكتور محمد عاهد السخن وابو وسيم يقيم الان ما بين امريكا وعمان ... ومن مدرسي وكالة الغوث ايضا  حسن رمضان و إبراهيم نوفل و  محمد رشاد ولويل  و سليمان الرمحي  و  عبد الحفيظ الرمحي و تيسير يونس و  يوسف النيرب والاستاذ فرنسيس  ( من بيت لحم )  و  محمد عبد الفتاح الاعمر و  إبراهيم أبو الهيجا  و علي القواسمي و احمد فياض ووليد الجندي وغيرهم .. وهؤلاء خرجوا الاف الطلبة الفلسطينيين من مدارس الوكالة في الزرقاء ومنهم الجراح الايطالي والناشط في الانتخابات الايطالية الدكتور مفيد غنيم الذي كان يسكن في المخيم في صف عشرة عند الحنفيات ... كما اخبرني

وعلى ذكر محلات عصفور للتجزئة لا بد من الاشارة الى محلات ابو سمير السمن للمواد الغذائية ومحلات الكيالي لمواد البناء وغيرها من المتاجر التي اشتهرت كثيرا في الستينات والسبعينات في الزرقاء وكانت اغلبها تبيع على النوتة وكانت كتائب الجيش تحصل على احتياجاتها من هذه المحلات .. واشتهر في الزرقاء ( مطهر ) كان يتنقل على دراجة  موتوسيكل صغيرة اسمه الحاج سعد ضبان كان اهل الزرقاء يسمونه الحاج طرطر نسبة لصوت الموتور الذي كان يستعمله و سعد ضبان باربعة اصابع اذا يبدو انه قطع اصبعه بالخطا بدل ان يقطع زبرة احد ضحاياه ...  وهو الذي قطع زبرتي وانا ابن ست سنوات ولا زلت اذكر المجزرة بتفاصيلها .. جاء الى بيتنا بحقيبة اسطوانية  واجلسني ( مفحجا ) امامه وامسك  البتاع وقطع اللحمة بموس حلاقة ثم غطى الجرح ببودرة ولف البتاع بشاش  .. وعلمت ان هذا المطهر قطع ازبار ثلاثة ارباع سكان مدينة الزرقاء

 اما الدايات ( القابلات ) فكن قلة اشهرهن ام سعيد وكانت فلسطينية تعيش في مدخل المخيم وقد نزلت انا وسبعة من اخواني من بطن امي على يديها  وام حسن وهي من المخيم ايضا و ( ام انطون ) وهي من يافا وعلى يديها خرج ثلاثة ارباع ابناء الزرقاء الى الحياة .. ولم اسمع يوما ان امرأة في الزرقاء  وضعت مولودا في مستشفى او دار للولادة  لانه لم يكن هناك اصلا دورا للولادة في الزرقاء ... هذه بدع دخلت لاحقا الى الزرقاء وكانت الداية تتقاضى من عشرين قرشا الى دينار وذلك حسب امكانات الاسرة

 وكما انتشرت صالونات الحلاقة .. انتشرت محلات الخياطة وكان حسني  السيد اشهر الخياطين في المدينة  يليه الجلاد وعدنان العسلي ( من القدس ) وكان محله يواجه سينما النصر وبجانبه الخياط ابو عيشة كما اشتهر الخياط عدنان سلوم والخياط محمد نور تقي الدين في شارع فيصل على مقربة من مكتب المحامي طاهر حكمت

اول كاميرا دخلت الزرقاء كانت مشابهة للكاميرا المنشور صورتها هنا  ..  وكان المصور يتنقل بكاميرته التي ينصبها على ثلاثة ارجل في الشارع الرئيسي الذي يقع عليه جامع الشيشان ..ولا زلت اذكر اول صورة التقطت لي وعمري سبع سنوات عام 1957 .. جلست على كرسي من القش  ولكنه مرتفع حتى يوازي عدسة الكاميرا .. وكان المصور يضع راسه داخل التجويف المغطى بالقماش لتعديل العدسة ثم يعد للثلاثة  قبل ان يفتح العدسة من الخارج .. كانت الصورة تخرج ( مسودة ) كما هو الحال بالنسبة لصورتي التي احتفظت بمسودتها الى هذا اليوم ثم يقوم بتحميض المسودة ويقوم بتعليق النتيجة بملقط حتى تنشف .. كانت اغلب الصور تلتقط للهويات .. هذا النوع من الكاميرات اختفى بظهور كاميرات التصوير المحمولة ( كوداك ) وبدأت الزرقاء تشهد افتتاح استوديوهات خاصة للتصوير كان اشهرها  ستوديو سفاريني .. وستوديو زافين مقابل سينما النصر وهو مصور ارمني وستوديو زكي ابو ليلى في عمارة الصويص  وستوديو رفولي للمصور عدنان ثم ظهرت ستوديوهات جديدة مثل ستوديو برامنتو في سوق فراس وستوديو ستراند للمصور عوني في شارع الامير نايف  وستوديو ارت في سوق احياد وستوديو برهان ..وغيرها .. واصبحت الاستوديوهات تقدم مختلف خدمات التصوير من التقاط صور الهويات وجوازات السفر وحتى تصوير الافراح وتحميض الافلام الخاصة وظلت هذه الاستوديوهات تعمل بالابيض والاسود وعندما ظهر الفيلم الملون في منتصف الستينات كانت استوديوهات الزرقاء تكتفي باستلام الفيلم من الزبون وارساله الى المانيا للتحميض الملون وكانت الكلفة عالية

وفي الستينات بزغ نجم الملاكم والمصارع الفلسطيني اديب الدسوقي وهو من يافا وقد اقام في الزرقاء وعمان واصبح من اشهر الملاكمين في العالم العربي وكانت صوره تملأ الاسواق وحفلاته تحظى باقبال منقطع النظير وهو الذي اسس نوادي الملاكمة والرياضة حتى في القصر الملكي كما اسس مثلها في الكويت ومصر والعراق وقد تزوج الدسوقي مرتين من السيدة سعاد غنيم ثم - بعد وفاتها - تزوج من السيدة اميرة وقد انجب من زوجتيه .. اديب الدسوقي هو ابن الحاج عبد الرحمن الدسوقي احد وجهاء يافا .. وقد خلف الدسوقي في البطولة تلميذه الطنبور ..وهو فلسطيني ايضا  ... ولد أديب عبد الرحمن الدسوقي في مدينة يافا في عام 1914 وكان والده من لاعبي مصارعة (التبان العربي) وهي لعبة كانت شائعة في فلسطين في العهد العثماني. وفي بداية الثلاثينيات ظهر الدسوقي كملاكم  ، وقد بدأ مشواره الرياضي في النادي الرياضي الإسلامي في يافا (الذي تأسس في عام 1926 وأولى اهتماما بالغا بالملاكمة) وكان مدربه الدكتور حقي مازين مشرف الملاكمة لهذا النادي (وحكما وناشطا في الاتحاد الرياضي الفلسطيني الذي أعيد تأسيسه عام 1944). حصل الدسوقي على بطولة فلسطين في عام 1935.وفي أثناء ثورة 1936 تم اعتقاله هو وأبيه وأخيه في معسكر صرفند قرب يافا ... الدسوقي حصل على وسام خاص من جمال عبد الناصر بعد ان تغلب الدسوقي على بطل مصر في الملاكمة في مباراة حضرها عبد الناصر وفي ايامه الاخيرة انضم الدسوقي الى جماعة الاخوان المسلمين في الاردن واصبح يدرب فريقا تابعا لها على الملاكمة كما كان للدسوقي علاقة بالملك حسين والامير حسن باعتباره احد اهم نجوم الاردن في العالم بخاصة وان الدسوقي حصل على الجنسية الاردنية اسوة بباقي الفلسطينيين المهاجرين من فلسطين بعد النكبة ... واشتهر في الفترة ذاتها السباح الفلسطيني الذي عمل كمنقذ في اول بركة سباحة خاصة في منطقة السيل وكان يعرف باسم الزمار .. كان الزمار يتمختر حول بركة الزرقاء بكلسون سباحة لم نره الا على طرزان في الفيلم الشهير

وفي الستينات فتح ابو جمال ( حكمت جمال ) وهو من القدس اول محل صرافة في الزرقاء قبالة مكتب المحامي طاهر حكمت و تلاه العمد .. ومحل صرافة العمد تعرض لاول عملية سطو تعرفها الزرقاء على الطريقة الامريكية وقد قتلت في العملية والدة صاحب المحل ... وكانت تقع الى جانبهم محلات دحدل اشهر من باع اجهزة التلفزيون في المدينة وبجانبه محلات درويش الخليلي للكهربائيات  كما ظهرت اول محلات لبيع الذهب وكانت مملوكة لال سكجها وهي عائلة فلسطينية ايضا وبما اننا نتحدث عن ( الاوائل ) فلا باس من الاشارة الى مصلح بوابير ( ابو عقلين ) في مدخل المخيم  وكانت بوابير الكاز هي الوسيلة الوحيد للطبخ في بيوت الزرقاويين وكان يسمى  الجهاز( بريموس ) وتتم تسليك الانبوبة بنكاشة .. وظهر في اواخر الستينات بريموس كاتم للاصوات ... وتسبب البريموس في مقتل العشرات ومنهم صديق لي عمل معي صبي نجار في عام 1964 بمنجرة المفتي وهو ابن سعيد ابو الهموم الذي كان يدير نافي سينما سلوى .. واشتهرت في المنطقة نفسها محلات الساعات التي احتكرها الفلسطينيون ايضا وكانت عائلة عنصرة من القدس اشهر من تاجر بالساعات لا ينافسهم  في هذه المهنة الا اقاربهم من دار اللطي وهم من مسيحي القدس

من بين المهن التي ظهرت في الزرقاء على ايدي الفلسطينيين  مهنة بيع الاسكيمو واسست لهذه المهنة في الاردن اسرة زيدان الفلسطينية وكان جورج زيدان وابوه من رواد هذه الصناعة وهما من بيت ساحور .. كانا يصنعان صندوقا مغلفا حافظا للحرارة يمكن ان يبقي الاسكيمو مثلجة ليوم كامل وكانت الاسكيمو تصنع من الماء والحليب ومختلف الاعاصير والنكهات وبعضها كان يطلى بالشيكولاته ثم تجمد وتلف بورقة خاصة ويغرس فيها عود لتسهيل اكلها وقد وفر جورج زيدان بهذا الاختراع  مئات الوظائف لابناء المخيم الذين كانوا يطوفون على الحارات وهم يحملون صناديق زيدان للاسكيمو ويكثر تواجدهم امام دور السينما والمدارس وكان فصل الصيف هو الموسم المزدهر لهذه المهنة قبل ان تدخل الثلاجات الى المحلات والبقاليات وتطرد البائع المتجول بصندوقه من الشوارع وقد انقرضت هذه المهنة تماما في الاردن

 ومن المهن البارزة انذاك  مهنة المنجد الذي ينتقل الى البيوت بقوسه وكان يفرط الفرشات والمخدات ويقوم بتفتيت ما فيها من قطن ثم يعود فيخيطها ولا زالت هذه المهنة  مودجودة في الاردن ايضا  كما اشتهرت مهنة مبيض الصحون واطباق النحاس ومهنة الصباغة ومهنة تأجير البسكليتات وكانت هذه منتشرة في شارع الحمراء وما حوله ومهنة شراء النحاس والزجاجات الفارغة وخاصة زجاجات الخمور ( وكنا في معسكر الزرقاء نسرقها من بيوت الضباط لان اكثرهم كان سكيرا )  وكان ابناء المخيم يبيعون المونة التي يحصلون عليها من وكالة الغوث  للمطاعم والتجار ومحلات البقالة وكانت جيدة ومستوردة مثل السمنة  والزيت وقوالب الزبدة  وظهرت في الزرقاء مهنة مسح الكنادر ( البويجي ) ومهنة بيع السوس من قارورة كبيرة محمولة على الظهر وكان بائع السوس يزركشها بالمسابح والايات القرانية والسلاسل  وقد اختفت هذه المهنة في الاردن ورأيتها الشهر الماضي في اسطمبول كما انتشرت مهنة بيع الترمس والفول والمخلوطة على عربات خاصة تجر بعجلين وكانت تنتشر قبالة دور السينما والمدارس وتجمع الركاب امام الباصات وبالانفتاح على مصر دخلت تجارة القصب مص وكنا نشتري الاعواد ونقطعا ونمصها كما ظهرت عربات تتخصص  في بيع قطع جوز الهند وكانت كل هذه المهن تزدهر بشهر رمضان المبارك الذي كانت صناعة القطايف تميزه ... كان عدد السيارات الخاصة قليل وبالتالي لم تكن هناك ازمة مواقف وكانت اية سيارة قادرة على الوقوف في اي شارع واي مكان برحابة كبيرة واغلب السيارات التي كانت تشاهد في الشوارع هي سيارات الجيش وكان الضباط يستخدمون سيارات الجيش لامورهم العائلية وبعضهم صرف لكل ولد من اولاده سيارة قبل ان يتدخل قائد الشرطة العسكرية ( كان اسمه عبد الكريم ) فيستصدر امرا من الملك حسين بمنع المدنيين من ركوب سيارات الجيش .. ولارضاء الضباط تم لهم السماح بتملك سيارات مدنية دون جمرك

 واشتهر في الزرقاء ابو وليد اللحام ببيع ( الكولاج ) وقبله اشتهر ابو عبده اللحام وكانت زوجته ( داية )  وكانت اول داية في الزرقاء في الاربعينات والخمسينات قبل وصول دايات فلسطينيات بعد النكبة  كما اشتهر ابو رجائي ببيع كرابيج حلب واشتهر نصر عبد الرحيم اشهر من يبيع الكلف للخياطين وكان محله امام مطعم ابو حسن ... وبرز من سكان المخيم الموسرجي ابو النمر ناصر وكان معروفا هو الاخر - مثل - المطهر بماتوره الذي كان يحمل  عليه المواسير وخلافه وكان اهل الزرقاء يشفقون على الماتور لان ابو النمر كان سمينا وضخم الجثة و ( ما بيجيه اولاد ) ...واشتهرت اسرة ابو يوسف ابراهيم ببيع الكرش والفوارغ التي يسميها  العراقيون ( الباجه ) ويسميها المصريون ( المنبار )  كما اشتهر ياسر الناجي ببيع القمصان والبيجامات والكلاسين الفاخرة بخاصة وان كلاسيننا - يومها - كانت تصنع من اقمشة اكياس الطحين الامريكي البيضاء وكانت تزنر بمغيط حتى لا تسحل وكانت الاكياس بيضاء ناصعة الا من العلم الامريكي وكفين يتصافحان وعبارة هدية من الشعب الامريكي مطبوعة تحت الكفين ولم يكن غريبا خلال حصة الرياضة ان يخرج نصف الطلاب الى الساحة بشورتات وكلاسين كلها تحمل عبارة هدية من الشعب الامركي .. وقد كتبت قبل سنوات مقالا قارنت فيه بين كلاسين سكان الزرقاء وكلاسين الامريكان التي تباع في المولات الامريكية .. فمن لديه اهتمامات كلسونية يمكنه العودة الى هذا المقال بالنقر هنا ... مع التنبيه بان هذا المقال ( ريتد  13 ) ولا انصح بقراءة المقال على مسامع من هم اصغر من 17 سنة

 واشتهر - في الداون تاون - محل ابو عمر العوف الذي احترق بالكامل في اول ايام الاشتباكات في مجازر ايلول وكان يقع المحل قبالة ستوديو زكي ابو ليلى والحلاق احمد الخطاري ... وكانت خمارة حداد على الشارع الرئيسي من اشهر خمارات المدينة تليها خمارة الاستاذ رزق مسلم الاستاذ في مدارس وكالة الغوث  وكان اسمها بقالة اكسبرس لبيع المشروبات الروحية وكان رواد الخمارة يشربون البيرة ثم يشخون في الممر الجانبي لعدم وجود مشخات في محلات الخمور او المطاعم وعدم وجود مشخات عامة اصلا  في المدينة  ....  اول مشخة عامة فتحت كما قلت في محطة القطار ولكنها ظلت قاصرة على استخدام ركاب المطار .. اما مشخة الزرقاء الاولى العامة التي افتتحتها بلدية الزرقاء عام 1966 فكانت تقع في الشارع  الفاصل بين المخيم وموقف الباصات قبالة صيدلية الشعب وقد حافظت المشخة على نظافتها لمدة يوم ونصف فقط وبعد ذلك تحولت الى وكر لاغتصاب الاولاد بخاصة وانها بنيت تحت الارض وتم لاحقا غلقها ..وظل سكان الزرقاء يعتمدون  في الشخ على مشخات المساجد التي كانت مفتوحة للجميع ولهذا كانت مساجد المدينة كلها تشتهر برائحة خاصة ( كريهة طبعا ) و لم يكن هناك من يقوم بالتظيف واقصى مادة كانت تستخدم في الحمامات كانت مادة ( الفونيك ) وهذه كانت من الكماليات طبعا ولا تشمها الا في المناسبات الخاصة كأن يقوم مفتش البلدية مثلا بزيارة مشخة المسجد

واحتلت الحسبة مكانا بارزا في داون تاون المدينة وكانت تكثر فيها محلات بيع الخضار والفواكه بالجملة والمفرق ولاحقا اصبحت تباع بالبكسات وانتقل محلها الى  منطقة نادي الضباط وكانت اشهر ( مسمكة ) تقع قبالة الحسبة في مواجهة اشهر محل لبيع الشراب ( الليمون الاصفر المصنع ) بجانب حلويات وكنافة القاضي وكان السمك يستورد من العقبة وكنت اكره اكل السمك بخاصة ذلك الصغير الذي يقلى وتبذل جهدا لنزع ( الصفير ) منه .. وكان العتال ( حسن ابو هرة ) اشهر وجه في السوق رغم انه رجل معاق وكانت العتالة مهنة دارجة يومها وكان العتال يحمل على ظهره سلة كبيرة ويقوم بنقل المشتروات من الحسبة الى بيوت الزبائن ويتقاضى اجرا يتناسب مع وزن المشتروات ومكان المنزل ..كان حسن العتال المفضل لنا وكنا ندفع له 15 قرشا على النقلة من الحسبة الى بيتنا في حارة الجنود والمسافة تستغرق نصف ساعة تقريبا مشيا على الاقدام .. ولاحقا تطورت الاوضاع ودخلت العربات ذات العجل في المهنة وكانت تدفع باليد وهي ذاتها التي تستخدم لخلط الاسمنت  في البناء وانقرضت مهنة العتالة بالسلة تماما بعد دخول البكب ( سوزوكي ) وانواع من التكاتيك المستوردة ... واول باص عمل بين عمان الزرقاء في منتصف الاربعينات كان يقوده سائق اسمه عبده الكندرجي

 وكان اللحام ابو شليح من اشهر اللحامين  في المدينة  وكانت من عاداتنا المرور على اللحامين وطلب ( الجغط ) لاطعام القطط ولم تكن في محلات اللحام ثلاجات ومع ذلك لم يحدث يوما ان سمعنا بتسمم مواطن من لحم متعفن او قديم ولم يدخل اللحم المثلج المستورد الا في عام 1964 والذي ادخله هو نافي الجيش...  وكان للبلدية مسلخها الخاص لكن مسلخ المعسكر كان الاشهر وكان قريبا من منزلنا ومن منزل محمد خليل عبد الدايم ( ابو المامون ) وكنا نشاهد عصرا البدو وهم يسوقون طوابير من الخرفان للمعسكر حتى يتم ذبحها وتوزيع لحومها على كتائب الجيش وكنا نحصل على الكثير من الفوارغ والكراعين مجانا لانها كانت تلقى في مزبلة المسلخ في مساء يوم الذبح وكانت لدار الباشا  في المخيم ملحمة كبيرة ايضا  وكانت الملاحم تزودد المطاعم بلحوم الكفتة والكباب وذاع صيت ( قلاية البندورة ) وهي خليط ما بين اللحم والبندورة ( الطماطم ) والبصل  تقلى بزيت الزيتون وتؤكل مع خبز الصاج ... وخبز الصاج كان يخبز في اشهر مخابز الصاج او الطابون في شارع الحمراء قرب السينما ..كان العجان يمد قطعة العجين ويفردها على قطعة من القماش مربوطة بمخدة مستديرة ثم يقوم بلصق العجين  بجدار الطابون وهو فرن من الطين ... نفس تكنولوجيا الخبز على الصاج التي عرفها البدو والفرق هنا ان الخبز يلصق بالطابون في حين ان اللصق هناك يتم على ظهر الصاج المنحني والمحمى على نار من الحطب .. ولم تدخل الافران الكهربائية وخبز ( الكماج ) و ( الفينو )  الا لاحقا لان سكان الزرقاء كانوا يخبزون ( كماجاتهم ) بانفسهم ...  ولم تدخل الثلاجات بيوت الزرقاويين الا في منتصف الستينات وكانت ربات البيوت تحتفظ بالمونة في ( النملية ) وندر ان تجد مطبخا بدون نملية

 ويعود الفضل لعائلة نصر اليافاوية  في ادخال البلاط الى المدينة  حيث افتتح شعبان نصر  المعمل العصري للبلاط والموازييك وافتتح ابن عمه خميس نصر معمل البتراء للبلاط وكان المعمل محاذيا لسكة الحديد وقبل ذلك كان البناء يتم بالحجر والطين ثم بدا تصنيع بلوكات الاسمنت وكان اكبر محل لصناعة الفخار وجرار الماء يقع قرب سينما النصر وكان صاحبه فلسطيني

وعلينا هنا ان نثبت للحقيقة والتاريخ انه لم يكن في الزرقاء اوكار للمومسات .. هذه كانت موجودة في عمان ... والسيدة التي كان اسمها ( حواء ) وكانت تسكن الجبل الابيض في الستينات وتظهر في الشوارع وهي ملطخة بمكياج شعبي يؤكد انه  لا علاقة لها بالتمكيج كانت امراة معوقة عقليا لا اكثر ولا اقل وان كانت الاشاعات ربطت بينها وبين مهنة الدعارة ..  ولم يكن في الزرقاء نواد ليلية ... وحتى الخمارات كانت قليلة ومنزوية في دكاكين صغيرة زجاجها مطلي بالدهان وكان من يرغب بقضاء سهرة والشرب والسكر مع المازات واللحوم المشوية يتجه  الى منطقة كانت تقع  في  الرصيفة على طريق عمان الزرقاء  وكان عرق حداد اشهر المشروبات الكحولية الاردنية  الى جانب بيرة امستل  وكانت الخدمة تقدم في مناطق مفتوحة تحت الشجر وعلى اصوات الاغاني كما لم يعرف الاردنيون في الخمسينات والستينات التحشيش والمخدرات .. هذه دخلت الى الاردن مع السعوديين وهم تجارها

  وكان في  الزرقاء فندق واحد فقط صغير وحقير فوق مبنى البنك العربي وقرب كنافة حسونة وكان رواده من السعوديين وكانت اقصى متعة للاردني هو ان يدخن سجائر كمال  وكانت العلبة تباع بشلن وكان الفقراء يشربون سجائر لولو  وهي مصنوعة من زبالة الدخان  اما سجائر الميسورين فكانت من نوع فيلادلفيا وكلها انتاج اردني وكان هذا قبل ظهور سيجارة الجولد ستار .. الدخان الاجنبي لم يدخل الزرقاء الا  في اواخر الستينات مع دخول حركة فتح وكان الدخان مهربا وظلت سيجارة ( الهيشة )  تتربع على عرش الدخان الذي يشربه البدو .. كانت الهيشة  تعرض في محلات خاصة في زواريب شارع فيصل وكانت تعرض باكياس من الخيش وتباع بالاوقية مع دفاتر سجائر .. كان المدخن يلف السيجارة ويلصق اطرافها بتبليلها بلسانه وكان صديقي الشاعر محمد ابراهيم لافي اشهر من دخن هذا النوع من السجائر ... وكانت الرائحة التي تلصق بالمدخن و ( تبخ ) من حوله مقرفة ومنرفزة ومثيرة للغثيان

 وكانت نسبة الجريمة في الزرقاء في الخمسينات والستينات منخفضة وكانت اقصى الطوشات تنتهي بالمخفر ويخرج ابطالها بجروح وكدمات وكانت للخناقات ادابها ... فحين يدق شخص باخر يمسك كل واحد من المتخانقين بقميص الاخر ويبدا الخناق بالتشريط ..( ارخي وانا بارخي ) او ( سيب وانا اسيب ).. او ( دشر وانا بادشر )  مع صراخ بين الاثنين  تتردد فيه عبارة شهيرة وهي ( انت مش عارف انا مين ) وفي الغالب يكون القائل شحادا عايف طيزه .. وكنا نتجمع حول المتخانقين ويدخل العشرات كوسطاء خير لحل المشكلة .. وكثيرا ما كان يقوم  احد المتخانقين بعرض قضيته على الجمهور في محاولة لكسب تعاطفهم وكانت الغلبة في اي عراك لمن حجمه اكبر وعضلاته افتل .. ولاني كنت ولا ازال من اصحاب القطع الصغير ومن ( وزن الريشة ) فقد تعلمت فنون القتال التي تتناسب مع حجمي والقائمة على قاعدة ( اضرب واهرب ) .. ولما كان ولد ضخم يتحرش بي ويهدد بضربي واصل الى قناعة انه سيبدا الهجوم كنت اعاجل ببدء المعركة من خلال رفس الخصم في خصيتيه .. والهرب من امامه .. وفي الغالب  تكون الرفسة موجعة تشل الخصم تماما ولهذا تدربنا في الحارة على التصويب وكنا نعرف بالضبط اين تقع الخصاوي وكيف يمكن اصابتها برفسة صاروخية  واحدة عن بعد وكنت في الحارة اشهر حامل للحزام الاسود بتفعيص بيضات الخصوم ولهذا كنا نضع في بوز كنادرنا حدوات من الحديد حتى تكون الرفسة موجعة ولما نجحت في الحصول على بصطار اصبحت ملك تفعيص البيضات في الحارة

الوحيد الذي لم اتمكن من خصم المعركة  معه بهذا التكتيك كان صديقي الكاتب المرحوم عدنان علي خالد صاحب صالون بغداد للحلاقة في شارع الحمراء اولا لاني كنت قد كبرت ولم تعد خناقات الشوارع تناسبني .. وثانيا لان الوصول الى خصيتي ابو خالد لرفسها لم يكن سهلا او متاحا ... والسبب في هذه الخناقة بيننا يعود لتسريبة لئيمة من احد الكتاب في نادي اسرة القلم بقصد الايقاع بيننا  والذي دخل على خط الخلاف ووفق بين الرأسين كان عمنا وشيخنا سميح الشريف ... بعد وفاة عدنان كتبت عنه المقال التالي ... انقر هنا

وتلك قصة تروى .. ففي احدى جلساتي النقدية وصفت عدنان علي خالد بانه مثل ( كافكا )  وكافكا هذا كان كاتبا تشيكيا يهوديا اشتهر بما يسمى في النقد بالادب الكابوسي وكان الحديث عن كافكا يومها ( موضة )  في الاردن مع ان كل الكتاب الاردنيين - وانا منهم -  لم يقرأوا له سطرا  واحدا والسبب بسيط فقصص كافكا  لم تكن قد ترجمت الى العربية بعد ولا يوجد كاتب اردني واحد يجيد الالمانية التي كان يكتب بها كافكا .. حتى انا لم اسمع بكافكا الا في احدى دروس ومحاضرات استاذنا الدكتور محمود السمرة في اطار حديثه عن النقد الادبي والادب العالمي المعاصر ... عدنان علي خالد - وكان يكتب القصة القصيرة - سمع من احد اعضاء النادي اني شبهته بكافكا .. ولم يكن عدنان مثل غيره من الكتاب يعرف من هو كافكا هذا .. الى ان جاءه فاعل  الخير وقال له : يا زلمة كيف سكتت على اسامة .. والله لو قال عني اني مثل كافكا لاذبحه بالسكين .. هنا غلب الفضول على ( ابو خالد ) فسأل محدثه عن مغزى هذا ولماذ يعيبه ان يشبهه ناقد معروف مثلي بكافكا ...  فمال فاعل الخير على اذن ابو خالد - حتى لا يسمع زبائن المحلقة الكلام - وقال له : يا زلمة كافكا  كان يهودي وكانوا بينيكوه وهو صغير

يومها جاءني سميح الشريف  مستفسرا ومنه علمت ان صديقي ( ابو خالد ) هدد بفعصي ( كان ابو خالد ضخم الجثة )  ولو تمكن ابو خالد مني بالفعل وقعد على بطني لخرجت امعائي من(,,,,) ... ولوح ابو خالد - وفقا لسميح الشريف - بموس الحلاقة وبالسشوار ...  وسشوار ابو خالد ( لمن جرب وحلق في صالونه ) كان ضخما وكان ابو خالد يحمله على كتفه كما يحمل الفدائي مدفع البازوكا  والهواء الساخن الذي يخرج منه يمكن ان يطبخ لك صينية بطاطا بدقائق تماما مثل طنجرة الضغط .....  ابو نبيل ( سميح ) طيب خاطر ابو خالد وبين له اني لا يمكن ان يكون هذا مقصدي من  هذا التشبيه فضلا عن ان كافكا لم يكن (  منيوك ) وهو صغير .. الذي كان ( يناك ) يومها كان  الاديب الفرنسي فيكتور هوجو على ذمة سميح الشريف .. ومعلومات سميح في هذا المجال لا ترد فلديه كتالوج باسماء وعناوين جميع الكتاب العرب والاجانب الذين كانوا  يناكون في صغرهم

 اقتنع  ابو خالد بالتفسير وسميح الشريف استاذ في فن الاقناع ( لذا تزوج من سبع نسوان يصغرنه سنا  بخمسين سنة )  وعفا ابو خالد عني  والتقينا في صالونه على فنجان قهوة بعد ان اصطحبت جاهة تزعمها سميح الشريف الذي اقترح يومها ان نعمد المصالحة بمائدة عشاء في منزل الشاعر رياض عبد الفتاح .. وهذا ما كان .. وبعد السهرة التي شطبنا فيها على ما في مطبخ رياض من اكل ومونة .. وقف رياض على باب بيته مودعا قبل ان يسأل  سميح سؤالا وجيها حتى انا لم اعرف جوابه الى هذا اليوم وهو  : اسامة وعدنان اختلفا وتصالحا  طيب انا شو دخلني تخربوا بيتي وتشطبوا على المطبخ وتنيكوا عرضي على اخر هذا الشهر وانا كل راتبي واحد وثلاين دينار وسبعة وعشرين قرش ونص وكان هذا اخر عهد رياض عبد الفتاح بنادي اسرة القلم  فقد اعتزل الكتابة وقرض الشعر الى الابد ... ولما سألوه عن نادي القلم قال اي كس اخت هيك نادي اخو شرموطة  كل واحد فيهم داير على بطنه

بعد ان اشتهر اسم كافكا في الاردن اصبح ابو خالد نفسه وعندما يتحدث عن قصصه يستهل الحديث بالقول ( وانا اختلف مع صديقي الناقد الكبير اسامة فوزي في تحليله لقصصي وقوله اني متاثر بكافكا  فانا لي اسلوبي الخاص الذي يختلف عن اسلوب كافكا وان كنا نتماثل في الموهبة ونمط السرد  الفيزيائي المعبر عن تفاعلات الذات الانسانية بماغوغية الفكر الراسمالي القائم على النهج البرولوتاري ) .. وكان ابو خالد حتى لحظة وفاته يعترف بانه لم يقرا لكافكا حرفا .. وكل ما وقر في ذهنه  ان كافكا هذا ..  واحد يهودي شرموط كانوا بينيكوه وهو صغير ... وبطبيعة الحال لم اسأل ابو خالد عن معنى ( ماغوغية الفكر الراسمالي القائم على الفكر البروليتاري ) .. حتى لا يغير رايه  ويعود فيهدد بفعصي ويقوم سميح بالتوسط لاجراء مصالحة .. في مطبخ عضو اخر من اعضاء نادي اسرة القلم .. غير الشاعر رياض عبد الفتاح طبعا

لقراءة باقي ( الورقات ) انقر هنا