أوراق من مفكرة مواطن اردني سابق
صور
من التاريخ الوجداني ( الانساني والثقافي والجغرافي ) للاردنيين
 في عمان والزرقاء

يكتبها :د.أسامة فوزي

الورقة الاولى
مدينة الزرقاء ( المشخة ) التركية التي ولدت فيها


لم اكن الوحيد الذي وصف مدينة الزرقاء بانها ( مشخة تركية ) فالملك عبدالله الثاني الذي عاش في معسكر الزرقاء  سنة كاملة اتفق معي في وصفي  وزاد عليه ان الروائح التي تنبعث من المدينة  كانت رائحة كبريتية كريهة ومؤذية   .. ورد الملك سبب الرائحة الى المصانع وليس الى ما يخرج من اطياز الزرقاويين ... ففي صفحة رقم 95 من مذكراته ( فرصتنا الاخيرة )  كتب الملك عبدالله يقول : ( من مصادر الازعاج التي يتحملها سكان الزرقاء التلوث الصناعي فقد كانت هناك مصفاة للنفط في الجهة الشمالية من المدينة ومدبغة للجلود في جهتها الجنوبية لم تعر المؤسستان المتطلبات البيئية الحديثة ومقاييسها اي اهتمام وعندما كانت الريح تهب من جهة معينة كان الدخان المنبعث من المصنعين يمتزج في الهواء فتنبعث منه رائحة كبريتية كريهة ومؤذية )

انتهى الاقتباس من كتاب الملك

 تأدبا ... اكتفى الملك بوصف الرائحة بانها ( كبريتية  كريهة ومؤذية ) ولاني  كنت من سكان الزرقاء فقد ( شممت ) الرائحة وخبرتها وهي مزيج من ثاني اكسيد الكربون ( الفساء ) وما يخرج من البيض الفاسد على رائحة فطايس تنبعث  من سيل الزرقاء ... و لا ادري ان كان الملك - بعد ان اصبح ملكا وشم مثلنا الرائحة الكريهة المؤذية عندما عاش لسنة واحدة فقط في معسكر الزرقاء - قد عمل على اجبار المصفاة والمدبغة على ( الاهتمام بالمتطلبات البيئية ومقاييسها )  لانقاذ سكان الزرقاء من رائحة الفساء الكبريتية المؤذية التي تلوث جو المدينة 

 لكن اصدقاء لي لا زالوا يعيشون في المدينة ذكروا ان رائحة الفساء الكريهة المؤذية ازدادت بدخول مصانع جديدة  حولت احياء بأكملها في المدينة الى مكبات  للنفايات زاد من عفونتها تحول شوارع المدينة التي لم تبنى وفقا لاي مقياس ادمي الى مستنقعات مائية تترعرع فيها كل انواع الحشرات والقوارص والطفيليات التي - بعد ان تتخمر - تعطي رائحة الفساء والكبريت طعما جديدا لم يذقه الملك بعد ... وانا لا استبعد ان تكون هذه الرائحة المؤذية الكريهة هي التي ادت الى هروب ابو مصعب الزرقاوي من الزرقاء الى افغانستان والتي عاد منها زعيما ومفتيا ومنظرا  للارهابيين وهو الذي لم يكمل الثانوية العامة  ولم يحصل على شهادة التوجيهية الاردنية .. تماما مثل الملك عبدالله الذي لم يتقدم للتوجيهية الاردنية ولم يحصل عليها

على الاقل ... الملك يعترف في كتابه وفي الصفحة نفسها بانه كان يهرب من مدينة الزرقاء الى مدينة ( الرصيفة ) المجاورة  ويقول بالحرف ( لكي نتنشق هواء اقل تلوثا كنا نتجه احيانا الى بلدة  قريبة ومعروفة ببساتينها واشجار الحمضيات فيها وهي الرصيفة حيث كنا نجلس في احد المطاعم نتناول طعامنا ونروح عن انفسنا بعض الشيء ) .. وهذا ما لم يكن متوفرا لنا  كما توفر للملك لان المطاعم التي يشير اليها الملك في الرصيفة  لم تكن متاحة لعامة الناس مثلي ... هي ليست مطاعم  بالمفهوم العام  للكلمة وانما هي ( كازينوهات ) او ( خمارات )  مفتوحة على طريق عمان الزرقاء اشهر ما تقدمه هي المشروبات الروحية والخمور ( وخاصة عرق حداد )  وكانت اسعارها مرتفعة جدا وكان سكان الرصيفة يشمون رائحة العرق ( اليانسون ) من بعد مئات الامتار لكثرة ( القناني ) التي كانت تفتح في الخمارات بخاصة في المساء

 لذا لم يكن بمقدورنا - سكان الزرقاء - ان نهرب من رائحة الفساء المؤذية الكريهة  الى ( الرصيفة ) كما كان يفعل الملك فضلا عن شرب ( عرق حداد ) في كازيوناهاتها كما شربها الملك ... وازيد على ذلك ان الملك ( شم ) الرائحة لمدة سنة واحدة كما ذكر في كتابه هي فترة اقامته في معسكر الزرقاء ومع ذلك ذكرها في ( مذكراته )  فلماذا تستكثرون علي ان افرد لها فصلا في مذكراتي وانا الذي شم الرائحة الكريهة المؤذية  لمدة 26 سنة كاملة اي منذ ان ولدت عام 1950 في معسكر الزرقاء وحتى هروبي من الاردن عام 1976 الى الامارات التي قضيت فيها عشر سنوات ( وبرضو شميت فيها فساء ولكن شكل تاني ) ومنها طرت الى امريكا ( فور جوووود ) كما يقال .. ولم اتنفس هواء نقيا الا في هذه البلاد التي لا تسمح بفتح خمارات في الاحياء السكنية كما هو حاصل في الاردن رغم انه لا يوجد في امريكا مفتي مملكة كما هو الحال في الاردن التي يشتغل فيها الشيخ هليل بوظيفة مفتي

 الرائحة الكريهة في الامارات لم تكن افضل حالا من رائحة الفساء الكبريتية في الزرقاء .. فقد سكنت في ابو ظبي ( عام 1977 )  مع عشرة صحفيين في غرفة واحدة استأجرها لنا صاحب الجريدة راشد بن عويضة في حي شعبي اسمه ( مدينة زايد ) وزربنا صاحب الجريدة نحن العشرة في الغرفة التي لم يكن فيها الا مكيف هواء واحد وليس فيها حمام ولا مياه جارية .. غرفة من الطين كان يعيش فيها معنا حراذين اكبر منا حجما .. غرفة لا تصلح حتى للسحالي ... ولا تتوفر فيها اي مواصفات للعيش الادمي ولا حتى لعيش الفئران

 وفي هذه الغرفة عاش معنا  الصحفي الاردني سليمان نمر المستشار الحالي لملك السعودية وقمت انا شخصيا بفض نزاع بينه وبين الصحفي تاج الدين عبد الحق بعد ان ضبط تاج زميلنا سليمان وهو يشخ في المطبخ لعدم وجود حمام في الغرفة وقد اعتذر سليمان عن فعلته ووعد ان لا يشخ في المطبخ مرة ثانية وهو معذور فقد كان ( زحمانا ) ولا يوجد في الغرفة حمام ففعلها في المطبخ .. وانا هنا اتحدث عن الفعلة الكبيرة وليست بولا عابرا ..وعاش في هذه الغرفة ( الزريبة ) الصحفي بدر عبد الحق والصحفي يوسف صلاح والصحفي احمد محسن  والصحفي محمد الرمحي والصحفي عزام طاهر ونزل فيها ايضا احمد نافع مدير المطبخ الصحفي في الاهرام وهو شقيق ابراهيم نافع  وغيرهم وغيرهم ... وكانت الروائح التي تخرج من الحي الشعبي الذي يضم هذه الغرفة الحقيرة لا تتحملها حتى الفئران التي كانت تهرب في الليل مذعورة من الحي كله وتعود صباحا الى مزابل الحي - وما اكثرها - بحثا عن الطعام

  خمارات مدينة الرصيفة التي كان الملك يتردد عليها كما ذكر في كتابه كانت تصدر لها رخص على انها ( منتزهات ) على سبيل التحايل .. كانت مبنية في مساحات كبيرة تمتد على طريق عمان الزرقاء وفي مناطق مشجرة ومعدة بطريقة تتحول ليلا الى كباريهات اكثر ما يقدم فيها الخمور مع المازات ( مشويات وترمس ) وكنت تشم رائحة العرق ( عرق حداد ) القوية عن بعد وكانت هذه ( المنتزهات ) وكرا للدعارة وصيد الزبائن

 ولعل تردد الملك عبدالله عليها عندما كان ضابطا في الجيش في معسكر الزرقاء هو الذي تسبب بالاشاعة القوية التي راجت انذاك عن علاقات الملك النسائية ... الملك نفسه يشير في كتابه الى هذه الاشاعة في معرض حديثه عن اول لقاء له بالملكة رانيا .. ففي صفحة رقم 117 من مذكراته يقول الملك انه التقى برانيا اول مرة في حفل اقامته اخته عائشة لان رانيا كانت صديقة لتوفيق قعوار صاحب شركة ابل وقال انه اعجب بها وانه اتصل بها هاتفيا بعد الحفلة فقالت له انها سمعت عن مغامراته وعن علاقاته النسائية فانكر ذلك وطلب من توفيق قعوار التوسط له عندها ثم دعاها الى حفل عيد ميلاده وعرفها على ابيه الملك حسين

رواية الملك عبدالله عن تعرفه برانيا تختلف عن رواية اصدقاء مقربين للملكة رانيا نفسها ... وكنا قد نشرنا قبل سنوات رسالة وردت الينا حول هذا الموضوع كتبها صديق وزميل دراسه لرانيا ( درس معها في القاهرة )  وهو في الوقت نفسه ينتمي لعائلة  فلسطينية مقربة من القصر لوجود مصاهرة بين العائلة الفلسطينية والقصر ... انقر هنا لقراءة رسالته الينا حول رانيا وعلاقتها بالملك عبدالله

لا بل ان معاناتي من رائحة الفساء التي كانت تلوث سماء مدينة الزرقاء قد تكون اكثر من معاناة غيري بخاصة واني عملت بعد تخرجي من الجامعة الاردنية عامين كاملين في مدرسة ابو الفول ( الليث بن سعد ) التي تقع على مرمى حجر من مصفاة النفط  وبالتالي كانت مناخيري ولمدة عامين كاملين لا تشم الا الرائحة الكبريتية الكريهة التي اشار اليها الملك في مذكراته ... وقد قرأت لاحقا ان رائحة الفساء وصلت الى الرصيفة بعد ان تحول سيلها الى مكب للنفايات تماما كما حدث لسيل الزرقاء الذي كان في الخمسينات مزارع على مد البصر اشرف عليها مهاجرون فلسطينيون من حيفا ويافا وكانت مزارع الخس على طرفي السيل متنزها لسكان المدينة  حتى ان بركة الزرقاء للسباحة ( بركة الزمار ) اقيمت على مشارف السيل و( الزمار ) هو اسم مدرب السباحة انذاك

 وللتوضيح فقط ... لم اصف الزرقاء ( بالمشخة التركية ) بسبب الرائحة الكريهة التي اشار اليها الملك في مذكراته  وانما لانها وجدت اصلا من قبل الاتراك عندما اختارها المهندس التركي لتكون موقعا من المواقع المرشحة لبناء ( محطة ) لقطار الحجاز لانها تقع وسطا بين المفرق وعمان .. وعلى مشارف محطة القطار نشأت مدينة الزرقاء ومعسكرها

قبل ان اوضح السبب في وصفي لمدينة الزرقاء بانها ( مشخة تركية ) سأتوقف اولا امام البيت الذي ولدت فيه في معسكر الزرقاء ... وهذه صورة له وقد التقطت الصورة  عام 1961 من قبل احد طلاب مدرسة النصر التابعة للثقافة العسكرية والتي اصبح اسمها لاحقا الثورة العربية الكبرى وكان طلبة المدرسة ( كما هو واضح من الصورة )  يقومون بغرس الاشجار وقد ظهر بيتتنا في الخلفية ... الوحدة السكنية تتكون من اربعة منازل كان منزلنا هو اولها وواجهة الوحدة التي تظهر في الصورة وبجانبها طفل هي جدار الغرفة التي ولدت فيها وكان يحمل رقم E ويقابل منزلنا وحدة سكنية مماثلة بالشكل يظهر طرفها في الصورة وكانت تضم ايضا اربعة بيوت والبيت المقابل  لبيتنا كان للمرحوم جميل حتر ( ابو عيسى ) الذي تتولى ابنته الصغرى ( نهى ) مسئولية ادارة مكتب الامير حسن ولي العهد الاردني السابق

 اما الباب المجاور لباب بيتنا  فهو منزل المرحوم محمد عمران ( ابو راسم ) وهو من القدس وابنته سهيلة متزوجة من احد اهم قضاة المحكمة العسكرية السابقين في الاردن ( جهاد خازر المجالي ) ويلاصق  منزل ابو راسم منزل ( ابو شحادة ) حسن بكري وهو لبناني وابنه شحادة من اصدقاء الطفولة ( اصبح ضابطا في الجيش وسكن في جرش ) وبعد رحيلهم من المعسكر سكن مكانهم ابو عيد وهو بطل القضية التي شغلت الراي العام الاردني في مطلع الثمانينات حيث قام جارنا ( ابو عيد ) وكان يعمل سائقا في الجيش بقتل ولديه عيد واسماعيل - اصحابي في الطفولة - بالرصاص وكانا جنديين في الجيش

الوحدة السكنية الثالثة  بشكل متعامد مع منزلنا ( وكنا نسميها  حارة السكة او الحارة الفوقا )  لقربها من سكة الحديد كان يقيم فيها الشيخ عبد الرحيم سعيد  استاذ التربية الاسلامية في مدرسة النصر وهو من كفر راعي قرب جنين وكانت تشتهر بزيتونها وزيتها واشجار التين واللوز وابنه ( همام ) هو مرشد ( او مراقب )  جماعة الاخوان المسلمين الان في الاردن

وفي ظهر منزل ابو همام  مباشرة كان منزل يوسف عميش ( ابو هاني ) الذي اصبحت ابنته ( فكتوريا عميش ) اشهر مخرجة تلفزيونية في الاردن واختها جوليا عميش اشتغلت سكرتيرة لعميد الدراسات العليا في الجامعة الاردنية في مطلع السبعينات وكان اخوها نبيل صديقي في الطفولة وقد توفي مبكر في امريكا حتى قبل ان اهاجر اليها ... ومقابل منزل ابو همام تم لاحقا  بناء اربعة منازل جديدة سكن احداها  النقيب عبد الكريم الصعوب الذي اصبحت ابنته ( زهور الصعوب ) من اشهر مذيعات اذاعة عمان ويجاورهم رداد المجالي وشقيقه عودة كان صديقي ايضا وهو الذي كسر يدي ونحن اطفالا وانتهى بنا الامر ان تزاملنا في الجامعة الاردنية وكان عودة يدرس في قسم التربية وعلم النفس وكان صديقي في الطفولة فوز سعيد يسكن في جوار دار زهور الصعوب وقبل الصعوب والمجالي سكن في الحارة صدقي الكايد ( ابو الوليد ) مدير نادي الضباط في الزرقاء

وفي معسكر الزرقاء سكن ايضا صديق والدي وصديق ابو همام الاستاذ ابو مأمون ( الخصاونة ) الذي اصبح ابنه لاحقا ( الفريق مأمون الخصاونة ) رئيسا للمحكة العسكرية في الاردن ورئيسا للجنة الوطنية للقانون الدولي في الاردن .... وخلفنا على الواجهة الاخرى وحدة سكنية مشابهة ( كنا نسميها الحارة التحتا ) سكن فيها توفيق يوسف المزاهرة الذي اصبح ابنه  الدكتور مخلص المزاهرة من اشهر الاطباء في الاردن وكان اخوه زياد واخوه عصام من اصدقائي وزياد انهى التوجيهية معي ودخل الجيش الاردني كضابط ..وفي وسط الحارة  كان يسكن ابو جميل  غوش الذي اصبح ابنه الرائد جميل ابو غوش من ابرز القادة العسكريين لحركة فتح  وقد قام بعمليات خاصة في الاراضي المحتلة  وكانت توكل اليه المهام الصعبة واستشهد في  الغارة الاسرائيلية على مكتب المنظمة في حمام الشط في تونس عام 1985 مع 56 شهيدا فلسطينيا و 18 شهيدا تونسيا وقد نفذت الغارة ثمانية طائرات اسرائيلية وكانت مخابرات احمد عبيدات قد سجنت شقيقه نجاتي ابو غوش سنة كاملة على سبيل الرهن ( لانه في الاردن كما هو معروف تزر الوازرة وزر اخرى ) لاجبار الشهيد جميل على تسليم نفسه لمخابرات احمد عبيدات  تلبية لطلب اسرائيلي .. عبيدات هذا هو الذي يلعب هذه الايام دور المعارض الوطني في الاردن ( جميل ابو غوش هو الاول من اليمين  وبجانبه  ابن حارته علي البوريني وكاتب السطور) والصورة تصورناها في ستوديو فينوس في الزرقاء رابع ايام عيد الاضحى في 9 شباط 1971 .... لجميل ابو غوش اخوة اصغر منه منهم زميلي في الجامعة نجاتي ابو غوش ومنهم ماهر ونبيل وغالب وعمه ( موسى ياسين ) كان مدرسا لنا في مدرسة الثورة العربية الكبرى وبعد سنوات اصبح مديرا للمدرسة وقد توفي في حادث سير .. ام جميل كانت سيدة نساء المعسكر سيدة فاضلة ووطنية كانت فعلا ام الرجال وقد تصدت وحدها لعملية اعتقال ابنها نجاتي لمدة سنة كاملة

لماذا هذه الصورة لمنزلنا ... ولماذا هذه المعلومات عن الجيران واصدقاء الطفولة ؟

 كتبت قبل سنوات مقدمة لمقال بعنوان ( اوراق من مفكرة مواطن اردني سابق ) ذكرت فيها اني ولدت في ( مشخة ) اردنية اسمها ( الزرقاء ) انشأها الاتراك على مقربة من سكة حديد الحجاز التي بناها السلطان عبد الحميد الثاني عام 1900  وساعده في التمويل خديو مصر ( عباس حلمي ) ودمر معظم خطوطها لورانس  بالتعاون مع عصابات البدو التابعين للشريف حسين وعبيده ممن كانوا يقبضون من المخابرات البريطانية ... كان القطار يبدأ  رحلته من  دمشق مارا بسهول  حوران  وصولا الى درعا ثم الى الاردن مارا بمدن المفرق وخربة السمار والزرقاء وعمان ( المحطة )  والقصر والحيرة والصكعة وسواقة وقطرانة والحسا وصولا الى معان ثم يواصل سيره جنوبا الى ان يصل الى المدينة المنورة مارا بتبوك وعشرات المحطات الصغيرة

 ونظرا لان القطار  كان يمر في صحراء  شرق الاردن القاحلة  فقد حرص المهندس الذي بنى السكة  ( المهندس التركي مختار بيه )  على بناء محطات صغيرة  على طول الخط بمسافة 20 كيلومترا بين  محطة واخرى  اولا لحراسة سكة الحديد من غزوات البدو ثم لتوفير  استراحات ( ومشخات ) يمكن وصفها بالحمامات على سبيل المجاز ..وكانت الزرقاء واحدة من هذه المحطات الصغيرة التي يتوقف فيها القطار لعدة دقائق ( يشخ ) خلالها الركاب في  حفر ارضية مسورة  بنيت قرب خزان الماء  الذي يزود القطار بالوقود ( لان القطارات كانت انذاك كلها بخارية )  ولو كانت الزرقاء تبعد عن اخر محطة ( المفرق ) اكثر من عشرين كيلومترا حسب مخطط المهندس التركي  لما اقيمت فيها محطة القطار ولما ولدت مدينة اصلا باسم الزرقاء  ولظلت الزرقاء مجرد صحراء يمر فيها سيل من الماء  لا اكثر ولا اقل ومن هنا قلت واقول ان الزرقاء بنيت كمشخة لمحطة القطار والمشخة هي اول بناء عصري في المدينة وكل ما ينشر في كتب  التاريخ الاردني عن الزرقاء وتاريخها الذي يعود الى ما قبل الفراعنة هو ضحك على اللحى

وحتى بعد بناء  محطة القطار في الزرقاء ( تظهر صورتها  الملونة تحت )  لم يكن في الزرقاء ومحطتها عام 1912 ما يلفت النظر لذا لم يذكرها الشيخ جمال الدين القاسمي في مذكراته التي كتبها  عن رحلة القطار الحديدي الحجازي عندما استقل القطار من دمشق وحتى المدينة المنورة حيث ذكر جميع المحطات التي مر بها القطار  ووصفها وصفا دقيقا الا محطة الزرقاء لم يتوقف الشيخ عندها  ولم يذكرها في كتابه ربما لانه لم يجد بجانب المحطة اي نوع من الحياة وربما  لانه ( شخ ) في  محطة المفرق  قبل ان يصل الى الزرقاء لذا سقط ذكرها من كتابه

سكة الحديد هذه كانت جزءا من طفولتي فقد ولدت في معسكر الزرقاء على مرمى حجر من السكة ولم يكن يفصل بينهما الا ( شيك ) كنا  نعبر من فتحات فيه احيانا للوصول الى سينما سلوى او سينما ركس اللتان تقعان في مواجهة المعسكر ومنها احيانا الى الغويرية التي كانت انذاك ضاحية نائية ابرز ما يميزها الحاووز وقصر الكيالي الذي يعلوه عامود استقبال تلفزيوني والشيك كان الحد الفاصل بيننا وبين حارة ( العمامرة ) في الغويرية والتي كنا نخوض معها يوميا حربا بالحجارة والمراجدة كلما وجدنا بعضهم على مقربة من سكة الحديد وتوارثنا هذه الحكاية  كنا اولا نبدا برمي الحجارة على فناجين اعمدة الكهرباء ولما نزهق نحول الرمي الى السكة كلما ظهر واحد من العمامرة وكان  الخندق المبني تحت الارض مقرا لنا .. ولاحقا علمنا ان فناجين اعمدة الكهرباء في المعسكر كانت كلها اجهزة ارسال وتجسس لاسرائيل والذي اكتشف العملية المخابرات المصرية قبل حرب حزيران يونيو ولعل لهذا ارتباط بما تم الكشف عنه مؤخرا من وجود بدالة هاتف اسرائيلية ( سنترال ) مدفونة تحت الارض ومربوطة بفرقة عسكرية اردنية

 وكم تمشيت على السكة وانا احضر  واذاكر لامتحانات الثانوية ( التوجيهي ) وكنت احفظ عدد قواطع السكة .. وما كتب عليها من عبارات باللغة العربية تشيد بالسلطان عبد الحميد الذي امر ببناء السكة  وقد قرأت على قبره المواجه لايا صوفيا في اسطمبول الفاتحة بعد ان وجدته قبرا مهملا لا يحرسه الا بستنجي عجوز فعجبت من افاعيل الدهر ...  فالرجل الذي حكم العالم العربي كله وكان رقما صعبا في المعادلة الدولية ترقد عظامه في قبر مهمل  ( الى جانب  مقابر اخرى لسلاطين ال عثمان ) يمكن ان تدخل اليه وتخرج بالسجاد الذي يغطيه  وربما بجمجمته - لو كان معك شاكوش - دون ان يسالك احد ثلث الثلاثة كام ... سكة الحديد والشيك الموازي لها الذي يفصل معسكر الزرقاء عن المدينة كان بالنسبة لنا - ونحن اطفال - الجبهة التي تفرقنا عن اعدائنا ( حارة العمامرة ) وهم سكان الغويرية كما ذكرت .. كان اولادهم يأتون الى منطقة سكة الحديد اما لتطيير طائراتهم الورقية او للبحث عن النحاس وكنا نشتبك معهم بالحجارة ونتراجد بها  عبر الشيك وغالبا ما تكون الغلبة لنا وكلما انقطع حبل طائرة ورقية للعمامرة تقع الطائرة اسيرة بين ايدينا  في المعسكر ولا يجرؤ العمامرة على اختراق الشيك واللحاق بها لاستراجعها ومن كانت فلوسه قليلة كان يكتفي بعمل ( قبع ) وتطييره

 كان تطيير الورق مع صناعة سيارات من السلوك من اهم واشهر الالعاب في ذلك الوقت بالاضافة طبعا الى العاب ( القلول ) او( الدواحل ) مثل لعبة الكبة ولعبة المور بينما كانت السحجة ونط الحبل و ( الزقطة )  من العاب البنات والاخيرة كانت تلعب بحجارة ملساء ..  ولا تنسى لعبة الدحريجة وعمل النقيفة والمقلاع والبلبل ... هذا عدا عن لعبة الفطبول وهي اللعبة الرئيسية وكنت في اكثر الاحيان كابتن الفريق وكنا نلعب في الساحة التي تتوسط المعسكر وفي اواخر الستينات فصل صديقي خير الشبشاني سيوفا من حديد في مشاغل الجيش في المحطة لان والده كان مسئولا عنها واصبحنا نسير طوابير في الحارة ونحن نحمل سيوف حديدية وكنا نذهب الى معسكرات تدريب الجيش وننط على الحبال او نقوم بلم النحاس من رصاصات البنادق في اماكن الرمي لبيعها بالكيلو في الزرقاء وفي الصيف كنا نلم الفواكه والثمار من الارض في حارة الضباط

  ظن كثيرون ان وصفي للزرقاء بالمشخة  هو من قبيل السخرية والتحقير للمدينة في حين اني – والله – ما اردت الا توصيف المدينة وكتابة تاريخها الوجداني والتعريف بها على الطريقة الامريكية ( الصورة الملونة هنا لمبنى محطة القطار في الزرقاء وهو اول مبنى يقام في المدينة عام 1912 وكان يسكن في الطابق الثاني  في الخمسينات والستينات مدير المحطة ابو زياد فريج الذي اصبح ابنه مذيعا في الاذاعة الاردنية ) فالمدن الامريكية الكبيرة ( نيويورك ولوس انجلوس وهيوستون ودالاس وسان فرانسيسكو وغيرها )  كلها بنيت كمحطات لسكك الحديد .. وهذا يفسر وجود مقرات سكك الحديد في ( داون تاون ) اية مدينة امريكية شمالية كانت ام جنوبية .. ومن مقر سكة الحديد زحف العمار والمعمار وتمدد البنيان ونشأت المدن وعملت محطات القطار في امريكا كمشخات ايضا قبل ان تتحول الى مكاتب للبريد ودكاكين واحيانا الى فنادق ثم تتحول الى نواة لمدينة ... تماما كما حصل مع مدينة هيوستون مثلا

وسكة حديد الحجاز سكة ضيقة (بعرض 1050 ملم)، تصل بين مدينة دمشق والمدينة المنورة في منطقة الحجاز، بوشر العمل فيها  عام 1900 وافتتحت عام 1908 واستمر تشغيلها حتى 1916 في الحرب العالمية الأولى إذ تعرضت للتخريب بسبب الثورة العربية الكبرى وهجمات البدو والانجليز عليها وسقوط الدولة العثمانية بعد الحرب وقد أسست سكة حديد الحجاز زمن ولاية السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لغرض خدمة حجاج بيت الله الحرام انطلاقاً من مركزها في دمشق ... والطريف في قصة بناء سكة حديد الحجاز ان من ابرز الدعاة لبناء السكة كان المطران الارثوذكسي جرامسيوس من بيروت حيث حث المسيحيين على التبرع لها  وشارك في التبرع لها مبارك الصباح حاكم الكويت وسلطان المكلا  و640 تاجرا من لبنان اشهرهم التاجران عبود وحلواني ولعب الخديوي عباس حلمي خديومي مصر دورا بارزا في بناء السكة من خلال تزويدها بمواد الانشاء والبناء وتبرع للسكة مسلمون هنود وباكستانيون وبناها الجيش التركي والاف من العمال .. ووفقا لكتاب ( دراسات في الجغرافية التاريخية لبلاد الشام ) الذي طبعته ووزعته وزارة الثقافة الاردنية للدكتور صالح درادكة فان بدو شرق الاردن لم يشاركوا في بناء السكة ... بدو شرق الاردن شاركوا في سرقة المحطات والاعتداء عليها ونهبها ثم شاركوا في  تدميرها فقط بطلب من الانجليز وبقيادة لورانس

نمت على مسار سكة الحديد جميع المدن الاردنية .. من الرمثا واربد شمالا وحتى معان مرورا بالمفرق وخو والزرقاء والرصيفة  وماركا وعمان .. وكانت محطة عمان ( المحطة ) هي التفريعة الكبرى والاساسية للخط الحديدي بعد تفريعة مدينة المفرق ووجد مهندسو القطار الاتراك ان يبنوا بين التفريعتين او المحطتين محطة مساعدة وخدمات ( سيرفس )  مؤقته يكون الهدف منها التزود بالماء وتفريغ ما في احشاء الركاب من مخلفات فبنيت محطة القطار في ( الزرقاء ) لتكون مشخة للركاب لا اكثر ولا اقل وظلت السكة تعمل حتى نهاية السبعينات وقد سافرت الى الشام ثلاث مرات بالقطار .. اول مرة كان عمري اربع سنوات .. والثانية عام 1964 والثالثة بعد تخرجي من الجامعة الاردنية   حيث سافرت في 27 يوليو عام 1973 الى دمشق ولم اتمكن من تحمل بطء القطار وكراسيه الخشبية التي تكسر الظهر لذا غادرته في درعا واخذت سيارة الى دمشق وهناك نزلت في فندق ( السلام ) وهو مكان التجمع الذي اتفقت عليه مع زملائي  سلطان الحطاب ومحمد جميل ابو صوان ومحمد سمحان والشاعر محمد القيسي وابراهيم ستيتية وعبد الكريم المنجد  ونزار اللبدي وكان هدفنا التوجه الى بيروت للتعاقد مع السفارة الليبية للعمل كمدرسين في ليبيا .. وقد تعاقد الجميع فعلا وسافروا الى ليبيا الا انا لاني اشتبكت مع موظف في السفارة الليبية ( طعج ) شهادتي خلال فحص الاوراق .. وعدت ادراجي الى الزرقاء محملا برسائل خطية من سلطان الحطاب وعبد الكريم المنجد وابراهيم استيتية الى اسرهم .. وخلال وجودي في دمشق التقيت بصديقي احمد منصور الزعبي وحضرنا معا مسرحية المفتش العام في مسرح القباني

ووفقا للدكتورة هند ابو الشعر في كتابها عن الزرقاء الذي صدر في عمان قبل ايام فان  بلدية الزرقاء التي عقدت اول اجتماع لها في الاول من ديسمبر عام 1928 حددت حدود المدينة كالاتي : غربا السيل وشرقا وادي سعيدة وجنوبا خربة الحديد وشمالا جبل البترواي الا ان الجهات المسئولة قررت فصل معسكر الزرقاء ( قوة الحدود )  والسكة الحديد عن حدود بلدية الزرقاء ووفقا لهند ابو الشعر فان عدد الدكاكين في ذلك الوقت كان 74 دكانا فقط وكان الشارع الرئيسي في المدينة يضاء بعدد 6 لوكسات فقط ومن اشهر اصحاب الدكاكين في عام 1928  وفقا للرخص التي صدرت لهم عبد الرشيد ميرزا ورمزي رضا الشنواني ورافت سعيد الشوا وشكري عموري  ومحمد سليم السمان  وتوفيق سكرية  واسكندر نقولا البنا  وجودة قطان  ... ووفقا للكتاب اعلاه فان الزرقاء عرفت عام 1928 عدة خمارات منها خمارة الياس سمعان عبود وخمارة خليل كفاية وخمارة شاكر رزق الله وخمارة صموئيل طاشجيان وبلغت ميزانية بلدية الزرقاء  1840 جنيها فلسطينيا .. كان الجنيه الفلسطيني هو العملة المتداولة في شرق الاردن انذاك

حول هذه المشخة اذن في محطة القطار نشأت مدينة  الزرقاء وبدأت تتمدد بعد ان قرر الانجليز بناء معسكرهم الرئيسي في شرق الاردن على مشارف سكة الحديد وكان ذلك المعسكر نواة لمدينة الزرقاء التي ولدت فيها وقد عاش والدي في الزرقاء منذ عام 1940 حيث عمل في قوة الحدود كاتبا في سلاح التموين وكان صديقا لوالد  الشاعر سميح القاسم الذي كان يعمل كضابط في القوة نفسها وترك الرزقاء وعاد الى الناصرة بعد انتهاء الانتداب البريطاني وهذا يفسر سبب ولادة سميح القاسم في الزرقاء 

 وحتى محطة عمان بنيت على  سفح جبل خال تماما من البشر ونمت حول المحطة قرى اغلب سكانها من معان تحولت الى مدينة او ضاحية عرفت لاحقا باسم ( المحطة ) وامتدت حتى ماركا حول اول مطار بناه الانجليز وقد عمد الانجليز ( المحطة )  ببناء مسجد فيها عرف بمسجد الفتح الذي افتتحه قائد الجيش البريطاني في الاردن عام 1933 ( فردريك بيك )  ... كان المسجد صغيرا لا يتسع لاكثر من ثلاثين شخصا وليس فيه منبرا لكنه بني بتصميم عثماني جميل مشابه للمساجد التي بناها العثمانيون في تركيا وتميز المسجد بقبته ومئذنتيه وبنيت في ساحته مدرسة ابتدائية حملت ايضا اسم الفتح وتحولت في عام 1954 الى مدرسة اعدادية ثم  ثانوية تولي والدي ادارتها حتى عام 1967 ومن هنا جاء التحاقي بالمدرسة حيث درست فيها من الصف الثاني الابتدائي وحتى الثاني الاعدادي قبل ان انتقل الى مدرسة النصر في معسكر الزرقاء والتي انهيت فيها الثانوية العامة بعد ان تحول اسمها الى ( مدرسة الثورة العربية الكبرى ) وكنت الاول في التوجيهية الادبية على جميع طلبة مدارس الثقافة العسكرية ( الصورة هنا :  مشهور حديثة الجازي يزور مدرسة الفتح ( المحطة )  التابعة لقسم الثقافة في الجيش ويظهر في الصورة من اليمين الرئيس عثمان بدران رئيس قسم الثقافة ( وكان ضخم الجثة ) ومشهور حديثة الجازي والمرحوم والدي ابو منير ( مدير المدرسة )  ثم الاستاذ مصطفى ذيب فواز استاذ الرياضة والمشرف على الكشافة في المدرسة .. وتمت الزيارة في عام 1962  ودخل الضيف الى جميع الفصول  ولا زلت اذكر هذه الزيارة لاننا شطفنا المدرسة قبلها بيوم ودخل الضيف الى  صفي ( الصف السادس ) خلال وجود مدرس الحساب ( سليط سلايطة ) ...وكان مشهور حديثة انذاك قائدا للواء المدرع والجبهة الشرقية ... عثمان بدران ( ابو عمر ) كان برتبة رئيس ( ثلاث نجوم ) وهو اول  رئيس لقسم الثقافة منذ اوخر الاربعينات وكان اعزبا ويسكن في حي الضباط في الزرقاء قبل ان يتزوج من مديرة حضانة الاطفال التابعة لقسم الثقافة في معسكر الزرقاء ( حي الضباط ) وكانت مخطوبة لابن حارتنا محمد علي  الرشيد  الذي عمل بعد المترك في مدرسة النصر ثم ذهب في بعثة ولما عاد وجد خطيبته متزوجة من عثمان بيك والصورة هنا  لمحمد علي الرشيد وهو في الصف الثالث الاعدادي عام 1957 وكان في صف اخي وصف همام سعيد ولا زلت اذكر حفل الخطوبة والزواج لان والدي كان على راس الجاهة التي طلبت العروس كما لا زلت اذكر زيارة عثمان بيك وعروسه لبيتنا في حارة الجنود ثم زيارة والدي ووالدتي لعثمان بيك عندما رزق بولده الاول عمر ... اخر مرة شاهدت فيها عثمان بدران  وزوجته كانت في ساحة كلية الاداب في الجامعة الاردنية عام 1973 اي قبل تخرجي بعدة اسابيع وكان شيخا كبيرا ويمشي بصعوبة متكئا على ذراع زوجته ولما سلمت عليه لم يعرفني ...  وبعد ان رحلت زوجته الى عمان تولت ادارة الحضانة زهرة ابنة محمد خليل شهوان ( ابو درويش ) وهو من القدس وكان عسكريا في المشاغل

العصر الذهبي لقسم الثقافة هو عصر عثمان  بيك بدران  وخلفه في القسم مدرس لغة عربية من معان عمل في كلية الشهيد فيصل التابعة لقسم الثقافة العسكرية كان يحمل شهادة المترك وحصل على ليسانس لغة عربية من جامعة بيروت  العربية عن طريق الانتساب ( خدمات مجدلاوي )  فخردق القسم وخردق مدارس الثقافة وتركها عام 1990 قاعا صفصفا قبل ان يصبح محررا لمجلة تصدر عن الجيش اسمها الاقصى لم يكن يقرأها احد .. عبد المجيد مهدي النسعة - وهذا اسمه - كغيره من ضباط الجيش وصل الى منصبه عن طريق الواسطة العشائرية رغم وجود فطاحل بين اعضاء الهيئة التعليمية  والادارية لمدارس الثقافة احق منه بالمنصب الذي ركب على ظهره 18 سنة متواصلة كان خلالها يقرر قصائده الركيكة التي كان يكتبها على طلبة المدارس وهي القصائد ذاتها التي قدمها لاتحاد الكتاب حتى يصبح عضوا فيه ... وبكل وقاحة كتب النسعة سيرته على شبكة الانترنيت زاعما انه اسس قسم الثقافة شاطبا مرحلة عثمان بيك بدران ومن معه ومرحلة الستينات كلها ...  واكمل سيرته الوسخة بسرقة قصيدة كتبها الشاعر زيدان حسين ونسبها لنفسه بعد ان راجت كنشيد في مدرس الثقافة العسكرية وهي القصيدة التي مطلعها

اني لاقسم بالاله قسما تخر له الجباه
اني سأخلص للمليك وللبلاد مدى الحياة

اصبح مسجد الفتح  اذن من ضمن حرم المدرسة وكان باب مكتب والدي يواجه مدخل المسجد الذي زين بنافورتين وبركتين صغيرتين والى جانب غرفة المدير كانت تقع غرفة مدير القلم  الاستاذ نقولا الصناع  ( ابو عصمت ) ثم غرفة الحراس وكان حارسان ( مراسلان ) يقومان على مهمة الحراسة والتنظيف هما ( حامد  الطراونة) وهو اردني  و ( ابو حسن ) وهو فلسطيني من جنين  .. عصمت ابن  الاستاذ نقولا الصناع كان ولدا متفوقا يحفظ قواعد الاعراب وجدول الضرب ويتحدث بالفصحى مع انه كان في السادسة الابتدائي  ... وعلى مقاعد هذه المدرسة تلقى اغلب جنرالات الجيش الاردني دروسهم الابتدائية والاعدادية والثانوية ومن هنا جاءت شهرة والدي في اوساط ضباط الجيش الاردني فقد كان مديرا للمدرسة التي تلقوا فيها علومهم المدرسية الاولية ثم درسوا في معهد اللغات الذي اسسه والدي لاحقا والتابع لرئاسة الاركان  ( مديرية التدريب ) وكان يجب على اي ضابط ينوي الجيش ابتعاثه الى امريكا ان يدرس اولا في معهد اللغات وان يحصل على موافقة من والدي تؤكد انه اصبح قادرا على فهم اللغة الانجليزية ( الامريكية ) والتحدث والكتابة بها  .. وبعد تقاعد الوالد استدعي الى سلطنة عمان من قبل قابوس ليؤسس مركزا مماثلا في ( صحار ) ثم طلب الى ابو ظبي لانشاء مركز مشابه وكل جنرالات السلطنة والمشيخة  الاماراتية الذين شاركوا في دورات خارجية مروا على مكتب الوالد رحمه الله

 تعلمت اولى مبادى السباحة في بركتين ( نافورتين ) ملحقتين  بمسجد الفتح حين كنت اصحب والدي خلال عطلة الصيف المدرسية  عندما لا يكون هناك دوام .. الوحيد الذي كان يداوم في المدرسة في عطلة الصيف هو الوالد واحد الحراس وانا وبالمناسبة .. والدي عمل في الجيش الاردني خمسين سنة لم يأخذ خلالها اجازة لمدة 24 ساعة

 كانت مدرسة الفتح ملحقة بمعسكر اقيم على مشارف محطة السكة تضمن  سجنا اشتهر في الخمسينات والستينات ودخله معظم الكتاب  الاردنيين ومنهم صديقي الاديب الاردني البدوي فايز محمود الذي خصني برسالة من سجن المحطة يوم اعتقل بعد عودته من القاهرة في اواخر السبعينات حيث عمل في اذاعة فلسطين  واتيحت لي مشاهدة السجن من اعلى لان العيادة الطبية التي كنا نعالج بها كتلاميذ في مدرسة الفتح كانت تطل على باحة السجن وكنت ارى السجناء وهم يتشمسون خارج الزنازين اما سجن معسكر الزرقاء فكان يقع خلف الحي السكني قرب مخبز الجيش وكنا احيانا نرى السجناء عبر الشبابيك وهذا السجن هو الذي هرب منه السجناء المعارضين للملك حسين في السبعينات وتم حصدهم بالرشاشات من طائرات الهليوكوبتر

اقدم صورة لمسجد الفتح نشرها الكولونيل فردريك بيك في كتابه المعنون : تاريخ شرقي الاردن وقبائلها في صفحة رقم 420 تحت عنوان ( مسجد معسكر الجيش العربي في المحطة ) .. الكتاب صدر في اب عام 1934 والمرلف هو الذي افتتح المسجد انذاك

الدكتور موفق كاتبي اشهر الاطباء الاردنيين كان من بين طلاب مدرسة الفتح وقد ذكرها في كتابه ( محطة عمان في الأربعينيات من القرن الماضي كما عشتها وعرفتها ) حيث كتب يقول : مسجد الفتح يقع ضمن معسكر الجيش العربي بين أشجار اللوز والسرو و ألكينا ويصل المصلون إليه عن طريق بوابة المعسكر الرئيسية ولم يكن مخصصا للعسكريين فقط إنما يستطيع أي مواطن أن يدخل من بوابة المعسكر إلى المسجد دون أي سؤال من الحرس وكان إمام الجامع برتبة عسكرية بسيطة فهو شيخ مغربي الأصل يلبس لباسا خاصا بالمشايخ العسكريين ويصلي الأوقات في المسجد .وتقام في المسجد صلاة الجمعة ويخطب الإمام المغربي خطبة منسوخة من احد الكتب القديمة حيث لكل يوم جمعة من كل شهر قمري خطبه خاصة قد تكون مطبوعة من زمن (ابن طولون ) في مصر ويختتم الخطبة بقول (( اللهم انصر أمير البلاد وانصر عسكره وليكن الله حافظه وناصره)) ثم تقام الصلاة
والمسجد عبارة عن بناء متوسط السعة فيه قبة جميلة وله مئذنتان مبنيتان على الطراز المعماري العثماني وعلى جانبه بركتان للوضوء والشرب تملآن بواسطة أنبوب خاص يصل من الخزان الرئيسي في المعسكر. والمسجد مفروش بأجمل أنواع السجاد وله منبر عبارة عن ثلاثة درجات يقف الخطيب على الدرجة الأولى ليلقي خطبة الجمعة وله محراب عادي .والذي سيؤذن للصلاة عليه أن يصعد المئذنة على حديد محفور بحائطها كأنه ُسلَّم ... ولما كبر الإمام وخاصة في الصلاة ( التراويح في رمضان) كان يطلب من أي من المصلين أن يصعد ويؤذن لصلاة العشاء .ويقول د. موفق : وقد كان لي شرف صعود المئذنة في بعض ( ليالي رمضان ) عندما لم يجد الإمام متطوعا آخر وكنت آنذاك طالباً في الصف الخامس الابتدائي لأنادي بأعلى صوتي الله أكبر , الله أكبر ..... إلى آخر الأذان ... إذ لا يوجد مكبرات للصوت في ذلك الوقت .

يضيف الدكتور موفق قائلا : ولما كانت مدرستنا خلف مسجد الفتح فقد كنا نصلي الظهر وأحيانا العصر في المسجد ويختص كل واحد منا بسجادة ذات لون معين يقف ويصلي عليها ولا يتعدى احد على سجادة غيره ....ولم يكن في عمان إذاعة لذلك كنا نتسحر على ما تبثه إذاعة هنا القدس لأذان الفجر عدا عن وجود الساعة الجرس وطبلة المسحر صدقة , أو نستمع إلى صوت الشيخ حسين المدلل من مئذنة مسجد الفتح في المعسكر , حيث يؤذن للفجر ويتبعه بعض التسبيح , أما قبل المغرب فكنا نجتمع وعدد من أولاد الجيران في الساحة أمام بيتنا ننتظر أن نستمع أذان مسجد الفتح لنعود مسرعين إلى منازلنا ونحن نقول :  أذن..أذن..أذن  ويبتدئ كل منا إفطاره بالماء وخاصة في فصل الصيف

انتهى الاقتباس من كتاب الدكتور موفق

 لا زلت اذكر الفيضان الذي غمر المدرسة والمسجد عام 1963 وجاءت سيارة عسكرية لنجدتي مع والدي بعد ان حاصرتنا المياه وبعد يومين قام والدي بتشغيل جميع طلاب المدرسة لتنظيف المسجد والفصول من المياه والطين المتراكم وتم شراء حصر جديدة للمسجد الذي ظل يؤم الصلاة فيه يوميا استاذ  التربية الاسلامية المرحوم ابو زياد واذكر ايضا الاستاذ عدنان جميعان مدرس اللغة الانجليزية وهو من مادبا  في حين كان يتولى شئون المسجد الادارية الاستاذ نقولا صناع ( ابو عصمت ) وهو مسيحي من الكرك وكان مديرا للقلم ومساعدا لوالدي وتعاقب على المدرسة عدد كبير من المدرسين وكلهم من العسكريين اشهرهم الاستاذ  النقيب ( وهي رتبة عسكرية كانت تأتي بعد الشاويش )  سلطي سلايطة ( رياضيات ) وكان مشهورا بالخيزرانة التي يحملها ولها ( دبة ) وكان قاسيا جدا مع الطلبة وتميز بقدرته العجيبة على الكتابة على اللوح بالطبشورة مستخدما يديه اليمين والشمال فعندما تتعب يمناه كان يكتب بالشمال بنفس السرعة  وقد كرهت الرياضيات وجدول الضرب بسببه ولا زلت الى هذا اليوم لا اعرف من جدول الضرب الا خمسة في ستة بثلاثين يوم  لان شادية غنتها... ولا انسى الاستاذ نادر ابو مغلي ( استاذ الفنون وكان برتبة وكيل ) وكنت احبه كثيرا لانه الوحيد من بين المدرسين الذي كان يحميني من غضبة الوالد وكان ( يخاوز ) معي  ويخصني دائما بالاقلام الملونة وادوات الرسم وكان والدي يعتمد عليه كثيرا في العلاقات العامة  حيث كان يبعث به الى قيادة الجيش والى المؤسسات التي تحتاج المدرسة اليها وكان الاستاذ نادر ينجز كل المهام بطريقة كانت تعجب الوالد الذي كان دائما يشيد به .. وقد اصطحبت الاستاذ نادر اكثر من مرة وانا طفل وهو يتسوق ملابس معونة الشتاء  للطلاب اليتامى في المدرسة .. ومرت السنوات والتقيت به عندما كنت ادرس في الجامعة عام 1970 وعلمت انه يعمل مع منظمة التحرير بمنصب كبير بعد تقاعده من الجيش بل وقيل لي لاحقا انه اسس مركزا تعليميا  في عمان

ودرسني الاستاذ ابو طير استاذ اللغة الانجليزية ومصطفى ذيب فواز استاذ التربية الرياضية واصله لبناني ( من المتاولة ) اي انه شيعي كما اخبرني والدي  وقد اصبح لاحقا مديرا لمدرسة الثورة العربية الكبرى في الزرقاء وقد علمت مؤخرا انه توفي في 16 تموز 2014 وقد وصل الى رتبة مقدم رحمه الله ... انا عرفته  منذ اول يوم التحق به بمدرسة الفتح للعمل وكنت انا في الصف الرابع الابتدائي وكان هو مدرس الرياضة البدنية  وحضرت مع والدي عرسه ( نمت في بيته ليلة انا واخي عام 1963 بعد ان ضعنا في عمان ولم نتمكن من العودة الى الزرقاء ولا زلت اذكر تلك الليلة بتفاصيلها )  واخبرني صديق ان الدكتور عبدالله الفواز عميد كلية الشريعة في جامعة مؤته هو ابن استاذي مصطفى فواز ولم اتأكد بعد من هذه المعلومة وان كنت اتذكر اني ووالدي - وكان عمري 15 سنة - ذهبنا لبيت الاستاذ مصطفى للمباركة بمولوده البكر بعد يوم من ولادته  عام 1965..  .. وعمل في مدرسة الفتح لفترة الاستاذ الشاعر الكبير اسامة المفتي ( الصورة اعلاه  : خمسة من طلاب مدرسة الفتح بينهم كاتب السطور مقرمزا عام 1957 ) . الاستاذ نقولا  الصناع هو الذي توسط لي في عام 1959 مع المستشفى الايطالي في عمان - وكان عمري 9 سنوات - لعلاجي بالاشعة من ( حزازة ) ظهرت في راسي بعد ان حلقت عند حلاق الجيش ( ابو ديس ) في معسكر الزرقاء وانتقلت الي العدوى من الجنود البدو

 وكان العلاج بالاشعة غير معروف انذاك  بالاردن ولا تقوم به الا المستشفى الايطالي في عمان وهو من اقدم مستشفيات عمان وقد اقامته بعثة تبشيرية ايطالية عام 1926 وولدت فيه الاميرة بسمة  واشتهر بين الاردنيين في الخمسينات بعد انتشار اشاعة ربطت بين ابنة مدير المستشفى والملك حسين الذي تولى العرش حديثا ولا زلت اذكر تفاصيل العلاج .. فبعد انتهاء الدوام في مدرسة الفتح ( المحطة )  توجهنا ثلاثتنا ( انا ووالدي والاستاذ نقولا ) الى جبل  الاشرفية حيث منزل الاستاذ  وبعد تناول طعام الغداء سرنا باتجاه المستشفى الايطالي وكان يقع في سفح الجبل وقريبا من منزل الاستاذ نقولا ... كان المستشفى يدار من قبل راهبات وقد عولجت فيه بالمجان وعلمت اني كنت اول مريض يتم علاجه بجهاز الاشعة ... كان  الجهاز يحتل غرفة كاملة وقد وضعوني على وسادة وبعد ربطي بها ( لمنعي من التحرك ) تم ادخالي في جارور داخل الجهاز ووضعت فوقي قطع سميكة من الجلد غطت كل جسدي ثم خرج الجميع من الغرفة وبقيت نصف ساعة تقريبا اسمع ونات الجهاز وانا اصرخ من الخوف والرعب .. لم اكن اشعر باية الام ولكن ادخالي في جهاز كهذا وتركي وحيدا مدفونا في جارور بداخله ذكرني بافلام الرعب ومصاصي الدماء التي سادت انذاك ... وبعدها بايام تساقط شعري كله واختفت ( الحزازة ) ولكن تغيرت طبيعة الشعر وتغير حتى لونه ... كان شعري ذهبيا ناعما ومنسدلا  ( كما يظهر في الصورة ) حتى ان والدتي كانت تتركه يسترسل كما شعر البنات .. ولكن بعد العلاج بالاشعة اختلف الشعر تماما

في تلك السنة هاجم الجراد مدينة الزرقاء ... نزلت سحابة الجراد على المدينة وكأنها غيمة ممطرة وكانت اذاعة عمان قد طالبت سكان المدينة بقتل الجراد واشعال حرائق لابعاده بل وطرق الصحون  ... وفي السنة نفسها انتشرت اشاعة عصابة الكف الاسود التي قيل انها تخطف الاولاد وتسحب دمائهم ... يومها اصيب الناس بالرعب واغلقت المدارس ابوابها ومنعنا من مغادرة المنزل

في تلك السنة حرقت جارة لنا اسمها  ( جمانة )  نفسها بصب البنزين على نفسها وقد شاهدتها وهي تحترق وقبل ان تلفظ انفاسها .. كانت جمانة كبيرة في السن وسمينة  ومريضة وكان مشهد ابنها - صديقي - وهو يقف على جسد امه المتفحم  وهو يصرخ يمه يا يمه  لا ينسى

عنوان مقالي  المشار اليه اعلاه (  اوراق من مفكرة مواطن اردني سابق ) لفت نظر صديق ولد مثلي في الزرقاء وهو مثلي مواطن اردني سابق ... واقصد ( بالسابق ) انني – وهو مثلي – بعثت بجواز سفري الاردني الى السفارة الاردنية في واشنطون لتجديده عام 1994 ولم يعد الجواز الي حتى اليوم ( يوليو عام 2014 ) مما دفعني قبل سنوات الى تكليف المرحومة عبلة ابو نوار ( والدها كان وزيرا للاعلام وخالها كان رئيسا للمخابرات وهي كانت تلميذة نجيبة لاخي الكبير ) بالبحث عن السبب .. ومنها عرفت ان خالها رئيس المخابرات الاردنية ( سميح البطيخي ) قال لها ان جواز سفري في ( درج مكتبه ) وانه ( لو نزل الله من فوق لن اجدده ) .. وعلمت منها ان خالها كان غاضبا من مقالات واخبار نشرت في عرب تايمز عن ذمته المالية وعلاقاته النسائية .. وهي مقالات نشرت قبل سنوات من اعتقاله بتهمة سرقة ثلاثة بنوك اردنية( الصورة اعلاه لمسجد الفتح في المحطة هو المبنى الوحيد الذي بقي من مدرسة الفتح الثانوية التي كانت تتبع الثقافة العسكرية وكان والدي مديرا لها  والصورة تحت لكاتب السطور واخيه  مع 3 طلاب والتقطت الصورة امام مسجد الفتح عام 1956 )

في الحقيقة اني تجاهلت الامر تماما .. ولم اكن احتاج اصلا  الى جواز السفر الاردني .. جواز السفر الاردني  لم يكن محترما حتى في الاردن ..  لقد لجأت الى محاولة تجديده فقط تمسكا بحق ادبي وتاريخي وانساني من باب انه ليس من حقي ان احرم اولادي من هويتهم العربية حتى لو كانت مجرد جواز سفر عربي غير محترم حتى من قبل الدولة التي اصدرته .. وازيد على هذا  موضحا بالقول اني لم اكن اردنيا بالانتساب .. او باللجؤ .. وانما انا اردني بالولادة .. والدي كان يعمل في ( شرق الاردن ) حتى قبل ان تصبح الاردن مملكة وقبل ان يتولى الملك حسين مقاليد الحكم بسنوات طويلة

 انا ولدت في الاردن قبل ولادة جميع ابناء الملك حسين .. انا فخور باصلي الفلسطيني وفخور ايضا بجدتي لامي الارجنتينية ... على الاقل الشعب الارجنتيني قبل اسابيع ضرب اسرائيليين  حاولوا فتح شركة في مدينتهم وطردوهم من بلدتهم بالصرامي وليس مثل الاردن الذي يسمح للاسرائيليين بالدخول دون فيزا في حين يحتاج حتى الفلسطيني الى اذن مسبق للدخول ... وافخر بجنسيتي الامريكية .. على الاقل الامريكان عالجوا والدي وانفقوا عليه ببلاش وخصصوا له مرتبا شهريا وبعثوا اليه بموظفة كانت تخدمه مع والدتي يوميا بمعدل ست ساعات في اليوم مع انه لم يخدم في امريكا ساعة واحدة ... والدي قضى  ستين سنة من عمره وزهرة شبابه  يخدم الاردنيين والاماراتيين ومع ذلك مات فقيرا في هيوستون ولم يكن معه يوم وفاته حتى ثمن قبره ....  وانا عشت ثلاثين سنة في امريكا لم اسمع يوما كلمة ( اكلتوا من خيرنا ) او عبارة ( يا ناكر الجميل ) مع اني دخلت في معارك قضائية حتى مع الحكومة الامريكية وابنتي المحامية اصبحت مساعدة لرئيس محكمة الاستئناف العليا في تكساس  دون ان يسالها احد شو اصلك وشو فصلك وشو دينك ... وانت من شرقا والا من غربا ..  الكفاءة فقط كانت طريقها الى منصبها الكبير في اعلى هيئة قضائية  تشريعية في الولاية مع انها عندما تولت المنصب لم تكن تتجاوز من العمر 27 سنة وفي عرسها غصت قاعة الحفل بكبار القضاة والمحامين  في المدينة ومنهم اصحاب اكبر شركة للمحاماة في امريكا وجاء رئيس المحكمة العليا شخصيا من اوستن لحضور العرس والقى كلمة اشاد فيها بابنتي ... ابنتي التي كانت في الامارات في الصف الاول الابتدائي ورفضوا السماح لي بالبقاء اربعة اشهر بعد الغاء الاقامة حتى تكمل البنت على الاقل سنتها الاولى فسافرنا الى امريكا قبل منتصف العام الدراسي ... وكتبت تفاصيل الواقعة في مذكراتي عن السنوات العشر التي قضيتها في الامارات .. انقر هنا لقراءة هذه المذكرات

في الحقيقة انا اشفق على حملة الجواز الاردني وحملة التوجيهية الاردنية .. حتى الملك عبدالله نفسه يحمل الجنسية الانجليزية  ( جنسية امه واخواله ) وجميع اولاده يحملون الكرت الاخضر ( الجرين كارد ) ولم يتخرج اي واحد من اولاد الملك حسين او من اولاد الملك الحالي واعمامه من الثانوية الاردنية (  التوجيهي ) بل وقالت الاميرة بديعة ابنة الملك علي ملك العراق وابنة عم ملك الاردن الحالي في مذكراتها المنشورة في كتاب صدر في لندن  ان الملك حسين كان  لا يتحدث في القصر مع اولاده الا باللغة الانجليزية وان اللغة الانجليزية هي لغة الخطاب والمحادثة في القصر وفي بيوت الامراء الاردنيين .. والاميرة بديعة هي التي تظهر في الصورة  اعلاه مع الملكة زين ام الملك حسين في احد مقاهي لندن وقد نشرت الاميرة هذه الصورة في كتابها ( اميرة العروش ) الذي صدر في لندن

لماذا قررت الكتابة عن مدينة الزرقاء في الاردن بشكل خاص وعن عمان والجامعة الاردنية بشكل  عام سلسلة مقالات هي اقرب الى ادب المذكرات الشخصية او الاخوانية مع تجميع كامل لمعلومات قد تكون غابت عن جيلي ومن المؤكد انها غير معروفة لمن ولد بعدنا في المدينة وعاش فيها

الاجابة ستجدونها في سلسلة الاوراق التي اكتبها
 

لقراءة باقي ( الورقات ) انقر هنا