من قلم:د. عبد القادر حسين ياسين

   تصميم عرب تايمز ..... جميع الحقوق محفوظة


 

 

 المقالات السابقة
 
* بائع الثقافة
  * دكتور لا يشق له غبار
  * وجه من ذلك الزمن
  * تأملات في المنفى
  * في ذكرى النكبة
  * الا انهم عرب
  * دعارة فكرية
  * جمل المحامل الفلسطيني
  * جيوش للاستعراض فقط
  * الى سماحة حسن نصرالله
  * تحية فلسطينية للدكتورة شلايغل
  * عندما يتحول الصحفي الى قواد
  * كوبا
  * رد على البابا 1
 
* رد على البابا 2
  * ادوارد سعيد
  * الدعاية الصهيونية
  * لماذا تخلف المسلمون
  * بوش اغبى رئيس امريكي
  * عيد بأي حال عدت يا عيد
  * كفر قاسم
  * الى شجرة الزيتون الفلسطينية
  * كلام رخيص
  * كتابة التاريخ على الطريقة البريطانية
   * المثقفون العرب
   * الدولة الفلسطينية
   * المؤسسة العسكرية الامريكية
   * في مطار دمشق

 

"تبيَّن لنا أنـَّه ليسَ الشخص المطـلوب..!"


الزمان: تشـرين الثاني 1984
المكان : مطاردمشـق الدولي

كنت عائدا من موسكو . بسرعة فرغت من إجراءات الجوازات, وفي لمح البصر تقريبا تم كل شيء. فبطاقة البيانات وُزِّعـت علينا في الطائرة ، وتم ملء بياناتها على النحو المطلوب . عبرت بوابة الجوازات الى حيث ينتظر المسافرون حقائبهم . وفجأة ظهر من يسألني عن اسمي ، ويطلب مني بلطف أن أدع حقائبي وأتبعه.

وفي لحظة واحدة شديدة الكثافة ، وشديدة الغموض ، وعميقة الدهشة ، تبخرت رحلة آلاف الأميال ، وتلاشت كصورة جميلة رائعة ألقتها ريح عاصفة على ارض صلدة تناثرت أشلاء، وحملتها الريح العاصفة الى بعيد.

لم أكن أملك ، أو أقدر، إلا أن أتبع من دعاني (أو استدعاني) أو قادني (أو اقتادني) , واترك للقارئ الكريم حرية اختيار اللفظ الذي يراه أكثر انطباقا على مثل هذا الحالة. فقد
"مشيناها خطى كتبت علينا ،
ومن كتبت عليه خطى مشاها!"

وفي تلك اللحظة لم أكن اهتم كثيرا بوصف الحالة التي كنت عليها ، وكل ما دار في ذهـني تعلق بشان من شؤون السياسة التي تطاردنا ونطاردها ونحاول الفرار منها - أو هكذا نظن - فإذا بها تهب علينا بأعاصيرها من حيث ندري أو لا ندري.

وعدت أدراجي الى منطقة الجوازات التي لم أهتم كثيرا ، وأنا أدخل منها سواء في هذه المرة أو في المرات السابقة ، بالتطلع الى تفاصيلها وجزيئاتها من حجرات أو أكشاك ... فانا أشعر بنوع من الاختناق داخل صالات المطارات , ولا أتمنى شيئا إلا أن أخرج منها بسرعة . ولذلك لا أتطلع الى ما فيها ولا الى من فيها.

أما هذه المرة ، وأنا أتراجع من المنطقة الجمركية الى منطقة الجوازات ، فقد أتيحت لي الفرصة كي اقلب النظر فيما حولي ، خاصة وأنني بقيت في تلك الساحة حوالي نصف ساعة لا اعرف لماذا أنا في هذا المكان ، وكل ما شاهدته مجموعة من ضباط الأمن الداخلين والخارجين ، وكل واحد يتطلع إليَّ من زاويته الخاصة.

ولبثت ساعة أو بعض ساعة لا اعرف بالضبط لماذا أنا على هذه الحالة ، وخلال ذلك توقعت كل شيء من أسوا الاحتمالات الى أقلها شأنا . وحاولت أن أقـنع نفسي بأن الأمر أهون من أن يستغرق كل هذا الوقت... وكان من الغريب أن أظل هكذا ,لا اعرف لماذا أنا هنا في هذا المكان ، وفي هذه اللحظة وعلى غير رغبتي , وسألت الشخص الذي استدعاني عن الأمر , فقال لي أن اسمي في "قائمة الأشخاص الممنوعين من دخول البلاد". وأسقط في يدي ، كما يقولون ، لولا أنه أضاف بسرعة : "لكن من الواضح أن الأمر فيه نوع من تشابه الأسماء، وكلها لحظات ونكتشف ذلك"

استمرت هذه "اللحظات" ثلاثة أشهر لم يُسمح لي خلالها حتى بالاتصال تلفونيا أو بالخروج من "الفندق" . وذات يوم قارس البرودة من أيام "كوانين" دمشـق ، رافقني ضابط شاب (كان في غـايـةاللطف والتهـذيب) الى شعبة المخابرات ، وطلب الى أحد رجال الشرطة إحضار ملف السيد "عبد القادر حسن الياسين" ،الممنوع من الدخول.

ومن المعلومات التي تضمنها الملف تبين له أنني لست الشخص المطلوب. وفي الحال إتصل بأحد كبار المسؤولين وأبلغه أن "المذكور" (الذي هو أنا) ليس عـبد القادر حسن الياسين (الذي هو هـو) , والذي لا اعرف لماذا مـُنع من الدخول سوى أنه عامل, ضـُبط وهو يحاول تهريب مئـة كيلوغراما من الحشيش ، فسُجن وطـُرد من سوريا ومـُنع من دخولها. وتبين لي ، بعـد فوات الأوان ، أنه كان بالإمكان حلّ هذا الإشكال خلال دقائق ، وأنا في المطار ، ودون حاجة الى كل هذه التعـقـيدات ولأن أمضي في "ضيافة" الإخوان ثلاثة أشهر.

وقلت للضابط الشاب دون أن أفقد أعصابي : " كان بالإمكان التأكد من ذلك في المطار، ودون أن أرهق الميزانية بأعباء استضافتي ثلاثة أشهر ، خاصة وان "معركة المصير" بحاجة الى كل فلس ."

وأكد لي الضابط المهذب بأن الأمر "ليس بهذه السهولة" ، وذكـَّرني بأن "دخول الحمام ليس كالخروج مـنـه" ، وأكـد لي أنه يتلقـى يوميا من المطار فقط عشرين حالة تشابه أسماء ، بعضها لا يمكن الفصل فيه بسرعة ، ويحتاج الى"تدقيق غير عادي" ، فضلا عن أن إمكانية تزوير الجوازات أمر وارد ... ودون اسقاط مثل هذه الحجج من الاعتبار ، فان المراجعة أمر مطلوب خاصة وان قائمة الممنوعين من الـدخول طويلة . ولفت الضـابط الشـاب انتباهي الى أن رقمي ، أو على الأصح رقم السيد عبد القادر حسن الياسين ، (الذي ليس انا) هو 370 في حرف "العـين" فقط ، فما بالنا بالحروف والقوائم الاخرى؟ وعلى الرغم من عدم اقتناعي بما قاله الضابط الشاب فقد قلت له بأن جواز سفري والصورة الفوتوغرافية فيه يحويان من الأدلة ما يقطع بأنني لست الشخص المطلوب ... وفي مثل حالتي ، هل كان الأمن في هذا البلد سينقلب رأسا على عقب لو كلف ضابط المخابرات المسؤول نفسه عناء الاتصال بجهة عملي وسؤالهم والتأكد منها مما إذا كنت أعمل لديها أو لا .

على أي حال ، قضية السجن خطـأ ، أو حتى المعاملة الخطأ ، قضية مثارة في أوساط كثيرة ، ولكن الجديد في الأمر هو الاتجاه القانوني على المستوى العالمي الى دفع تعـويض عن هذا الخطأ. وقد حدث هـذا في نيوزيلندة حيث حصل مواطن سويدي على تعـويض قدره حوالي 14 مليون كراون سويدي (حوالي مليوني دولار أمريكي) لأنه سُجن خطأ لمدة ثلاثة أعـوام بتهمة قتل أحد جيرانه. وبعد مرور ثلاثـة أعوام على صدور الحكم تأكدت المحكمة بأن التهمة باطلة ، وأنه بريء . ولكن هل تعادل المليوني دولارا فقدان الحرية ثلاثـة أعـوام؟

بعدما تأكد لهم بأنني "لست الشخص المطلوب"، تكرم الضابط المسؤول بالافراج عني . وعلى المدخل الرئيس لسجن "المزِّة" (الذي يطلق عليه السوريون ـ تـنـدُّرا ـ لقب" شيراتون أبو سليمان"(الرئيس السوري الراحل حافـظ الأسـد) ، شدَّ الضابط الشاب على يدي مودعا وقال بلهجته الشـامية المألوفة :

"لك أخي ، أشكر ربك انك ما مضيت غير 3 أشهر ... في غيرك مضى سنين , انت حظك م السما...!!".
 

 

 

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة

المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل  الكاتب  وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز