من قلم: د. سيد ريحان

   تصميم عرب تايمز ..... جميع الحقوق محفوظة


 

sayedrihan@hotmail.com
 

  

المقالات السابقة

 * اصولي ام علماني
 
* وتأكل العلمانية بثدييها
 
* نقاش المعجزات القرانية
 
* الاعلام الالكتروني قنبلة نووية
 
* عندما لاعبت الاوتوبيس شطرنج
 
* تنظيم القاعدة يا مدرسة
 
* قبل ان نمسح البلاط
 
* انت فين يا جهاد
 
* شارون كان لقطة

 * ابطال العرب في فن الانسحاب
 
* اسرائيل ترقص العرب بدبوس ابرة

 * شعوب كومبارس

 * هل يحكم شارون مصر

هل يصل شارون لحكم مصر؟


يخيل إلىّ أننا ما دمنا بصدد الإصلاح فيجب علينا أن نصلح منظومة الحكم كلها إصلاحا صحيحا يتوافق مع أحدث إصدارات نظم تشغيل الدول الموجودة فى السوق العالمى...فوجود منظومة حكم قديمة مشابهه لإصدارة الويندوز3.3 لإدارة دولة فى حجم وثقل مصر، تتعامل مع نظام عالمى يدار معظمه بأحدث الإصدارات السياسية، لابد وأن ينتج عنه مشاكل لا حصر لها، مثل عدم التوافق مع أى نظم تطوير، وبطء شديد فى التشغيل، وعدم قدرة على استيعاب البرامج الحديثة فى أى مجال، وربما تكون نهاية المطاف أن (تهنّج) الدولة، وتتوقف عن العمل تماماً!!

وأنظمة التشغيل الحديثة، تتمتع بمميزات عديدة، أهمها أن سلطات رئيس الجمهورية تتضاءل فيها بدرجة كبيرة، لأن هذه السلطات تتوزع على مؤسسات الدولة المختلفة، وتخضع لنظم رقابية صارمة، مضادة للاختراق ومحصنة ضد الفيروسات البشرية، وهو الوضع الذى تقل معه أهمية شخص رئيس الجمهورية إلى حد كبير، قد لا يفرق فيه ساعتها إن كان زيد أو عبيد أو نطاط الحيط، فهو فى هذه الحالة مجرد موظف عام لدى الشعب لمدة محددة، يقوم فيها بالتنسيق بين السلطات، وتنفيذ سياسات موضوعة سلفاً من قِبَل مؤسسات متخصصة، ويمكن تطلع فى دماغ الشعب يخصم له يومين من مرتّبه لو ذهب لقصر الرئاسة متأخرا، أو مش حالق دقنه!!..أمّا إذا تركزت السلطة فى يد شخص واحد أو حتى مجموعة صغيرة من الأفراد، كما هو الحال فى النظم القديمة، فلابد وأن يشوب الأداء قصور واضح، و تتباطأ معدلات التنفيذ، لأن الحاكم ليس سوبرمان، أنه أولا وأخيرا بشر له طاقات وقدرات محدودة، حتى وإن كان بطلاً قومياً وصاحب ضربة جوية ساحقة ماحقة لم تصد ولم ترد!.

لهذا ففى تصورى أن تركيز جهود أغلب حركات المعارضة على تغيير شخص الرئيس مبارك فقط تحت شعار (كفاية)، ودون تغيير مُسبق للمنظومة السياسية بأكملها، ودون أن يملك أصحاب الدعوة أى تصوّر لمستقبل ما بعد هذه الكفاية، هو نوع من قصور الرؤية السياسية، حتى لو تمتع أغلبهم بدوافع مخلصة ونوايا حسنة، ولكن منذ متى والنوايا الحسنة وحدها كانت تكفى؟..إن الحركة فى حالة نجاحها فى تحقيق هدفها (الكفاية) سيتعين عليها فى الغالب تشكيل حركة جديدة بعدها تسمى (هه وبعدين؟)..أو حركة (حوسة!).. أو (لايصين وهنعمل إيه؟!).

إن قصورا فى الرؤية إلى هذا الحد قد يصل إلى مرتبة العبث بمصلحة هذا الوطن وأمنه القومى لأن عدم تحديث منظومة الحكم نفسها لن يجدى معه تغيير شخص الحاكم إطلاقا، حتى لو حصلنا على حاكم بأعلى المواصفات والقدرات البشرية..لأننا هنا كأننا ننصّب مثلا أحدث جهاز مالتى ميديا على نظام سوفت وير قديم جدا، ووضع كهذا سيتسبب فى الكثير من الإضطرابات الأمنية الهائلة على المستويين الداخلى والخارجى، مما سينسف معه بالتأكيد أية نتائج طيبة (ولكن بطيئة) وصلنا إليها فى ظل المنظومة القديمة الحالية.

فإذا ما تصور المعارضون أن مجرد تغيير الرئيس مبارك وإنهاء حُكمه سوف يأتى لنا بشخص جديد يكون لديه القدرة وحده على تطوير منظومة الحكم كاملة، وفى نفس الوقت يقوم بتغيير وعى وثقافة أمّة بأكملها!!...يعنى واحد يقوم بالليلة كلها، وكأنه واخد العملية مقاولة تسليم مفتاح!!..فإنهم سيكونون أشبه بالنعامة التى تدفن رأسها فى الرمال، لأنهم يتعامون عن الأسباب الحقيقية لما نحن فيه، الأسباب الكامنة فينا جميعا من تأصل لثقافة القهر والتسلط والديكتاتورية، و تجذرللتعصب القبلى والطائفى،... وحب لنانسى عجرم!

ثم أين هو هذا الشخص؟؟...إن جميع لاعبينا السياسيين المعارضين يبدو وكأنهم قد فوجئوا بموعد المباراة، رغم علمهم بموعدها منذ سنوات!!..فأين كانوا من قبل؟ ..هل آثروا السلامة خوفا من بطش قانون الطوارئ كما يقولون؟..حسب معلوماتى أن قانون الطوارئ مازال ساريا حتى الآن!..فلماذا بدأوا بالتحرك الآن فقط؟..هل كانوا فى انتظار إشارة أمريكا بأنها غير راضية عن نظام الحكم فى مصر؟ وهل هذا يعتبر إقرارا منهم وموافقة بأن أمريكا تمتلك 99% من أوراق اللعب فى المنطقة؟... ألم يسأل أحدهم نفسه ويحلل بدقة لماذا غضبت أمريكا الراعى الرئيسى لجميع حفلات الهيمنة فى المنطقة والتى تنظمها إسرائيل؟

إن تغيير مبارك فى ظل عدم وجود مرشح (جاهز) للرئاسة فى هذا الوقت الضيق، والذى لا يسمح أبداً باختيار سليم لمن يشغل منصباً خطيراً كهذا، يصبح نوع من المقامرة بمستقبل هذا الوطن، فإما أن نفوز بما نتمناه، وهو احتمال ضعيف جدا فى ظل تمسكنا بموروثات عصبية صارخة، وإما أن نلبس خازوقا محترما لا نستطيع الفكاك منه على الأقل لمدة قرن من الزمان، وهو الاحتمال الأرجح!!... وأقول مرشح (جاهز) حتى لا يتبادر إلى الذهن مقولة شلة المنافقين و كدابى الزفة بأنه لا يوجد بمصر كلها من يصلح للحكم غير الرئيس مبارك...ونحن لا نقول بذلك أبداً، ففى هذا تسفيه لشعب بأكمله وتسفيه أكبر لعقل من توجه إليه هذه المقولة، ولكن فقط نتساءل أين هو هذا البديل فى وقتنا الحالى، وكيف سنصل إليه؟!

ولتوضيح الصورة أكثر أطرح سؤالاً...هل من الممكن فى ظل دستور حالى أشبه بلوائح دورى المظاليم، ومنظومة حكم مليئة بالثقوب وكأنها مصفاة طماطم، أن يصل إلى الحكم شخصا سويا يملك الحد الأدنى من المواصفات التى نتمناها فى رئيس مصر، دون أن يزاحمه، ويكسبه، نصّاب أو مُدّعى يخدعنا ويُلبسنا العِمَّة ويجعلنا فى النهاية أقفاص جوافة؟!!.

إن الوصول لكرسى الحكم فى أى دولة فى العالم حتى ولو كانت ميكرونيزيا أو بامبوزيا العظمى لابد وأن يكون من خلال قوة هائلة تدفع شخص ما لهذا الموقع، وفى نفس الوقت تتمكن من حمايته من الإزاحة فى أى لحظة من قِبَل الذين كانوا وسيظلوا يطمعون فى موقعه من فصيلة عبده مشتاق وعزيزة نفسى فيه!!

ولا شك أن أكبر وأهم قوة تمتلك هذه القدرة هى قوة شعب واع بالفكر الديمقراطى ويمارسه فى أدق شئون حياته على مستوى الفرد والأسرة، شعب لا تؤثر فيه النعرات الطائفية، ولا الخطب الحماسية، أكثر مما تؤثر فيه لغة المنطق والعقل، شعب كهذا يستطيع بمنتهى السهولة اختيار رئيسه من بين عدة مرشحين يمثلون مختلف الاتجاهات والتيارات السياسية، ويعرض كل منهم برنامجه الكامل وتصوراته للمستقبل فى حرية تامة، مع إتاحة فرص إعلامية متساوية وعادلة بين جميع المرشحين لعرض هذا البرنامج بكافة تفاصيله الدقيقة، و تنظيم مناظرات علنية متعددة بين المنافسين وبعضهم البعض، تديرها كوادر إعلامية مميزة، ومن خلال ذلك يسقط من يسقط خلال السباق، ويصل الأفضل منهم إلى كرسى الحكم مدعوماً بقوة الشعب الذى اختاره، فإذا ما اكتشف الشعب فى أى لحظة أنه أساء الاختيار، فما أسهل عزله دستوريا، دون الحاجة لعزرائيل أو تصويره بملابسه الداخلية!.

ولكن فى غياب منظومة تحقق هذا التصور، تصبح قوة الشعب لا محل لها من الإعراب، وتتصدر الساحة قوى أخرى تحاول الدفع بمرشحها بأى طريقة، عبر أى ثقب أو ثغرة تتمتع بها منظومتنا الحالية المهلهلة، وثقافتنا القبلية البالية، والتى يمكن من خلال ثقوبها أن ينفذ شارون نفسه ليجلس متربعا على عرش مصر، بمجرد أن يلعن أبو إسرائيل فى صرختين مدويتين، و يعلن أنه بعد جلسة مع عدلى القيعى اكتشف أنه أهلاوى منذ الصغر، وكان يبكى على حائط المبكى بحرقة لأنه لا يملك فانلة حمراء، وستجد ساعتها من يدافع عنه بمقالات نارية تمجد فى قدراته كصانع ألعاب دولى ممتاز وأنه فى عالم الاحتراف لابد وأن ننسى له أى ميول سابقة !!.

إن ما يحدث فى مصر الآن فى الحقيقة ما هو إلا صراع على السلطة بين هذه القوى التى أقصدها، وهو الصراع الذى يجب أن ننتبه له جميعا، ونحدد أطرافه بدقة، ونضع أيدينا على دوافعه الحقيقية حتى لا يستخدمنا أحد أطرافه لتصفية بقية القوى نيابة عنه!.. و أولى أطراف هذا الصراع هى القوى الخارجية التى لا تعدم وسيلة أبداً لتحقيق مصالحها أولا،ً وقبل كل شئ، سواء كانت الوسيلة مشروعة تحت شعارات براقة، كتحقيق الديمقراطية والعدل و المساواة، أو غير مشروعة كما يحدث بالعراق، بينما هى فى الحقيقة لا تضع مصالح الشعوب فى أجندتها على الإطلاق، فإن تلاقت مصالحها مع مصالح الشعوب فلا ضير، و إن تقاطعت فما أسهل أن تكافئ رموز أى شعب برحلات ترفيهية إلى مصايف أبو غريب، لترفع عن كاهلهم تكلفة الملابس فى ظل هذا الغلاء الرهيب!!.

وعلى المستوى الداخلى هناك قوة الإسلاميين كطرف لا يمكن تجاهله، لأن من المؤكد أنهم لن يجلسوا على مقاعد المتفرجين فى هذه اللعبة، بل أنهم يعلنون صراحة سعيهم للحكم منذ نشأتهم، فلماذا يتقاعسون عن فرض رؤيتهم الآن؟ والتى وإن كانت حتى الآن غير واضحة المعالم لأى متابع، على الأقل بالنسبة لى، إلا أن من يدقق قليلا يجد أنهم فى الحقيقة عدة قوى وليسوا قوة واحدة، وتتباين رؤاهم بدرجة كبيرة، حتى أنهم يختلفون بشدة على الشكل الأمثل لنظام الدولة، بداية من مؤيدى النظام التركى، وانتهاء بمن يفضلون نظام الخلافة!.. ولكن الشئ المؤكد أن عدم اتفاقهم على تصور واحد معلن، يشعرنا بالقلق من احتمال أنهم يخفون تصوّرا يعرفون أنه سيواجه بالرفض، لذلك يخشون إعلانه، أو أنهم لا يملكون أى تصور من الأصل، وسوف يتركون كل شئ على ما هو عليه، مع تقديم أهل الثقة من الجماعة، على أهل الخبرة من خارج الجماعة، و التمسك ببعض المسميات واللافتات الإسلامية فى ظاهرها، دون أى تغيير جوهرى يُذكر، فنصبح كمثل من استبدل بيبسى كولا بمكة كولا، ونام مطمئنا لأنه أصبح من المجاهدين !

أمّا قوى أحزاب المعارضة الموجودة على الساحة فهى بحالتها الحالية مجتمعة لا تمثل وزناً ولا ثقلاً يمكن الالتفات إليه، ولا تملك رصيدا لدى جموع الشعب، فضلا عن أننا لم نر أى منها يطبق نظاماً داخلياً نلمس منه إيمانهم بما يرفعونه من شعارات، و أيا كان السبب فى ضعفهم بهذه الصورة سواء كان الحزب الحاكم كما يدّعون، أو فقر الفكر السياسى لديهم كما يقول المحللون، فنحن لا تهمنا الأسباب حالياً بقدر ما يهمنا أن فى ضعفهم عدم القدرة على الدفع بشخص واحد يتفقون عليه، يحمل فكرهم إلى كرسى الحكم، إلا لو استطاعوا الاتفاق على مرشح يحمل فكراً اشتراكياً، رأسمالياً، ليبرالياً، تقدمياً، أهلاوياً، وزملكاوياً فى نفس الوقت!!.

فإذا أتينا لأكثر القوى المتصارعة خطورة، رغم أنها الأقل عدداً على الإطلاق!!..نجد أنها مجموعة المومياوات المسيطرة على الحزب الوطنى منذ عهد الفراعنة، وتكمن خطورتهم فيما يملكونه من وسائل وإمكانات التسلط وفرض الهيمنة على الشعب المغلوب على أمره، وهم يقاومون باستماتة شديدة أى تغيير للأوضاع، لأن فى ذلك خطر داهم على مراكزهم و مكتسباتهم الناتجة عن بقائهم فى السلطة لعقود طويلة، كانت كافية لأن ينمو كل منهم بتوحش ويتحول إلى مؤسسة شرسة تقتات على الفياجرا حتى تستطيع انتهاك عرض كل من يتعرض لهم فى قلب ميدان التحرير!!.

وأعتقد أن هذه المجموعة الأخيرة هى العقبة الحقيقية فى طريق الشعب نحو عودة الوعى والإصلاح، ولكن لأن الرئيس مبارك لسبب أو لآخر لم يخلص الشعب منهم، حتى أن الآمال التى بناها الشعب مع بداية ظهور ابنه جمال على المسرح السياسى، بأنه سيكون المخلّص المنتظر، ذهبت كلها أدراج الرياح، مما جعل المعارضين يتجهون مباشرة بيأسهم نحو مهاجمة شخص الرئيس نفسه، لأنه الوحيد فى نظرهم الذى يستطيع التطهير و الإصلاح الجاد، ورغم ذلك لا يفعل!!..أو ربما يفعل ببطء شديد تتجاوزه قدره الشعب على الصبر والاحتمال!.. ونحن قد نتفهم دواعى ثورة هؤلاء، ولكن التفهم هنا لا يجعلنا نتجاهل صوت العقل والحكمة الذى يفرض على الجميع التروّى وعدم الاندفاع حتى نجنب الوطن أية مخاطر قد يتعرض لها، كما يفرض علينا أن نوجه جهودا أكبر نحو مطالبة الرئيس مبارك بتنظيف مؤسسات الحكم، نظافة تزغلل!...لنبدأ مرحلة جديدة انتقالية، يعيد فيها الشعب بناء نظامه السياسى المنهار على أحدث نظم مفهوم إدارة الدولة، ويقوم بإعادة تشكيل وعيه حضاريا، من خلال الاستخدام الأمثل لمنظومتى التعليم والإعلام، مما لا يسمح لأى قوة بعد ذلك، غير قوة الشعب، أن تفرض علي الوطن ما هو ضد إرادته، حتى ولو كان الفيفا نفسه!

وتخيلوا لو تجمعت كل جهود القضاة وأساتذة الجامعات وحركات المعارضة على اختلاف توجهاتها من أحزاب وكفاية ولابد ومافيش وترسانة ودراويش، وغيرهم من الفئات الأخرى التى تقف حتى الآن صامتة، لأنها لا ترفض التمديد لشخص مبارك، لكن ترفض التمديد لكهنة كل العصور.. لو أن كل هذه الجهود تجمعت واتخذت كافة الوسائل السلمية الممكنة لتطالب الرئيس مبارك بالإصلاح، طبقا لتصورات شعبية معدّة جيدا، ومدروسة بعناية على يد خبراء ومتخصصين فى كافة المجالات، ومن كافة الاتجاهات، فلن يكون أمام الرئيس سوى الاستجابة لإرادة هذه الجموع، وتخليصهم من الكهنة، أو على الأقل رفع يد الحماية عنهم، بتخليه عن رئاسة معبدهم، ووقوفه محايدا بين جميع القوى والتيارات، تاركا الخيار للشعب..والطماطم بالمرّة حتى نفعصهم بها، وعندئذ سيقول الشعب كلمته فيهم، ويضع نهايتهم بنفسه، ويتخلص منهم بطريقته الخاصة فى أسرع وقت ممكن قبل أن تنضم مصر لاتفاقية حظر رمى النفايات البشرية فى المجارى!.

 

 

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة

المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل  الكاتب  وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز