من قلم: نضال نعيسة
sami3x2000@yahoo.com

   تصميم عرب تايمز ..... جميع الحقوق محفوظة


 

 المقالات السابقة للكاتب

  * اللعب مع الكبار
  * البدون
  *
أضغاث أحلام
  * ايها السيدات والسادة لقد اصطدناه
  *  سوق عكاظ الالكترونية
  * الحمدلله ع السلامة
  * المعصومون

  * الحضاريون الجدد
  * انهم يأكلون الاصنام
  * لا تحاكموا هذا الرجل
  * عندما يموت الكبار
  * النهايات المنطقية
  
*
السقيفة
  * سجناء بلا حدود
  * فقراء بلا حدود
  
* الديكتاتورية هي الحل
  * حروب المقاطعة
  * مواجهة مع الذات
  * طل الصبيح ولك علوش

  * أياك ثم اياك
   * تراث المخابرات في كتابات الادباء
 
 * ليل العربان الطويل
  * اللقمة السائغة
  * قمة الهاويات
  * عندما يتأدب الجنرالات
  * خلايا نائمة
  * اكتشافات عظيمة
  * كذبة نيسان
  * صبرا ال دليلة
  * لوحة من الصحراء
  * عن اكثم نعيسة
  * متى تكسر الخوابي
  * حالة مستعصية
 
* كم من العرفاء
  * كفاية يا فيصل القاسم
  * حقوق النسوان
  * صور صدام والبورنو السياسي
  * سراويل الطغاة
  * مقالب العربان
  * سيناريو الفصل الاخير
  * مبروك للحلاقين
  * الاستقواء بالداخل
  * اللعبة مستمرة
  * طواحين ابو مطر
  * ثقافة التخوين
  * العجوز الشمطاء
  * شعبولات الاعراب الجدد
  * عهود الامان
  * حروب الاشرار
  * ملوك غير متوجين
  * نمر من ورق
  * نفاق بلا حدود
  * الجنرال توني بلير
  * الاستبداد الجميل
  * موناليزا من بلادي
  * الف كلمة جبان
  * كاترينا
  * ميليس شاغل العربان
  * وزير الامتاع والمؤانسة
  * سوريا والرهان العربي
  * اسواق العرب السوداء
  * ممنوع عليك الحب
  * اباحية صولاغ
  * الغاء جهاز امنالدولة
  * ابناء الشارع
  * علماء النفس السوريون
  * صحوة اهل الكهف
  * مضادات الاكتئاب السورية
  * كلنا شركاء
  * مصحف السيد الرئيس
  * الفرس المجوس
  * اللجؤ الى السماء
  * يوم المزبلة الوطني
  * حماس وداعا للشعارات
  * لا تنه عن خلق
  * خدام وبيانوني
  * هل يعتذر العرب
  * احزاب العرب الكوميدية
  * لبوة الشرق
  * زمن التعتيم والحصار
  * الاستبداد
  * عن المعارضة السورية
  * نهاية الزرقاوي
  * هزيمة العربان في المونديال
  * نهاية التاريخ العربي
  * اعلام خجولة
  * سقوط الذرائع الواهية
  * اسرائيل تصنع الرأي العام العربي
  * تلفزيون المستقبل
   * للبيت رب يحميه
   * الفبركة الامنية
   * المزرعة الاخوانية
   * كل ربع ساعة وانت بخير
   * مثلث برمودا الفكري
   * هولندا والمسلمون
   * انتفاضة محاكم التفتيش
   * الكاميرا الخفية
   * محاكمة جنبلاط
   * شهداء الطغيان
   * اين العرب
   * لماذا لا ينصرهم الله
   * اعدام المهدي المنتظر

 

إعدام المهدي المنتظر


حين كانت الرصاصات تطلق، من كل حدب وصوب، كوابل أعمى على أبي قمر اليماني، المهدي المنتظر العراقي وجماعته، في معركة النجف العنيفة الاثنين الماضي، كانت تـُطلق بالفعل على ثقافة بكامل رمزيتها المزرية ومعها رزمة من الأساطير والأوهام، وليس على مجرد مجموعة مهووسة من الأفراد المتعوسين الأشقياء. ألم نقل سابقاً إنهم يأكلون الأصنام، أصنامهم التي يصنعونها بأيديهم؟ لم يكن أبو قمر اليماني، أو كاظم عبد الزهرة، سوى أي اسم آخر للطوابير الجرارة التي لا تنتهي من مخلفات آلة الضخ العقائدي الهائلة، التي تقدم قرابين جديدة كل يوم على مذبح العقل، مسلحة بموروثها الإيديولوجي المقدس الذي لا يسمح أبداً بإعادة مراجعته وتقييمه أو حتى الاقتراب منه إلا وفق الطقوس المعتادة من التسليم والخضوع المطلق والابتهال. أبو قمر اليماني الذي ادعى بأنه المهدي المنتظر، كان، وقبل أي شيء آخر، نتاجاً أنموذجياً بامتياز، وهو بالآن ذاته، ضحية لثقافة الغيب التي تسوق الأوهام، والرؤى المستحيلة، والخرافات، والخيالات. إنها النماذج الحية الحاضرة والماثلة لتعطيل العقل وتغييبه، في أسمى تجلياتها الحسية والآدمية المنظورة.

أياً تكن الأسباب والدوافع والذرائع لهذا المشهد الدموي العنيف، بتأويلاته الغيبة المفرطة، فنحن أمام حالة واضحة من انعدام الوزن العقلي والخلخلة الاجتماعية والفكرية الخطيرة التي أصبحت ورماً فكرياً مستفحلاً من الصعوبة بمكان استئصاله، أو وضع حد له، وله في كل يوم مفاعيل جديدة، وتطورات مختلفة تحدث بشكل أو بآخر لتأتي على ما تبقى من حلم وردي آفل بمجتمعات متحررة من سطوة كوابيس الغيب الطاغية. ولن يكون من العجب أو الدهشة البتة أن يتقمص الرعاع والغوغاء أية أيقونات أسطورية أخرى في عملية التعويض الكبرى بعد الانهيارات المجتمعية الشاملة على الصعد القيمية والمعرفية والأخلاقية المختلفة.

إنهم يقتلون أصنامهم التي صنعوها بأيديهم، لا لشيء إلا ليصنعوا غيرها، وينتظروا أن تصبح رؤوسها يانعة ليقطفوها وهم يمسحون الدماء ببرودة عن حد السيف، أو وهم ينفخون البارود الصاعد من فوهات بنادقهم، ويغيبون وراء الغمام الذي تخلفه أحذية عساكرهم. ماذا كانت تنتظر هذه المجتمعات أن يخرج من بين ظهرانيها سوى الزرقاوي، وبن لادن، وأبي درع، وأبي قمر اليماني، و"الشهيد" المؤمن صدام، وخلفهم طوابير جرارة ممن أجريت لهم عمليات غسل ناجحة للدماغ، وهي العمليات الوحيدة التي تكلل بالنجاح، والحمد لله. هل كان أحد من السذج يتوقع أن يخرج من بين هذه المجتمعات المروّضة والمدجـّنة غاليلو آخر، أوديكارت ثان، أوحتى نيوتن جديد يطرحون تساؤلات العقل الكبرى، ويعيدون تركيبه من جديد حين يضعون علامات الاستفهام المتعددة بكل شجاعة حول كثير من المسلمات، والبدهيات، والمحرمات؟ أم أن تستمر آلة الضخ والحشو الأجوف تتكفل كل لحظة بتخريج مهدي منتظر هنا، أو مدع للنبوة هناك، ومن الذي سيقرر من هو أو لا هو المهدي المنتظر؟

قرأت هذا الصباح قصة مرعبة، حدثت في أحد محميات العقل القاحلة والغيب المطلق، عن طفل صار لديه فوبيا حين الدخول إلى الحمام ما لم ترافقه والدته أو والده، لأن مدرّسته النبيهة قد زرعت في عقله المسكين الصغير، بأن الشيطان سيكون في انتظاره هناك ما لم يردد دعاء دخول الحمام، وصارت الهلوسات تنتابه كلما فكر بالذهاب لقضاء حاجته، ولا بد بأنه، وكنتيجة لذلك، قد أضحى في حالة من التشوه هو بحاجة لعلاج نفسي وإعادة تأهيل بسبب تلك الخرابيط والخزعبلات التي تشرعها هذه المجتمعات وتحيطها بهالة من التقديس والورع والإيمان. كما قرأت في مكان آخر عن شيخ ضرب طفلاً حتى الموت لإخراج الجن والعفاريت من جسده النحيل الصغير التي أدخلتها ثقافة الخرافة والأوهام بالجملة إلى نفسه وعقله، وعشعشت في كيانه الغض الطري.

لا تظلموه فقد مات المهدي المنتظر وهو يعتقد فعلاً بأنه المهدي المنتظر، كما أصبح ذاك الطفل يرى الشياطين تماماً، في كل مرة يدخل فيها إلى الحمام ولن تستطيع قوة في العالم كله أن تنزع من عقله تلك الصورة المريضة الشوهاء. بقي هذا، ومات ذاك شر موتة وأفظعها مع مئات من أتباعه ومناصريه البؤساء، بسبب مجزرة العقل الجماعية السابقة التي تعرضوا لها قبل هذه المذبحة الدموية لا بالذات، لكن هذا الطفل، وسواه، ما زال يعيش بيننا ولا ندري من هو قادر على إخراج تلك الشياطين والجن والعفاريت من جسده وعقله، وأي مصيبة وداهية سيجلبها وسيكون عليها حين يكبر، وتكبر معه هذه الشياطين والعفاريت التي تسكته ليل نهار وتوجه سلوكه، وتحكم نظرته للعالم والأشياء. وقد يكون بموت هذا "المهيدي" قد أسدل الستار على واحدة من قصص الغيب الدمويةً، إلا أنه من غير المضمون أبداً ألا يطلع لنا مدع للألوهية، والنبوة، والمهدوية في أي مكان آخر، في هذه البيئات الرثة المغلقة التي لا تولد إلا الأشباح، ولا تؤمن إلا بالغيب، ولا تعشق إلا الخرافات والأساطير.

ألا يحق لنا أن نتساءل بعد كل هذا العبث واللامعقول والانفلات هل هؤلاء الأطفال، مع صاحبنا اليماني، ضحايا أم جناة؟ وما هو مصير تلك العقول الممسوخة التي تعيش في حالة من السبات، والموات، والغيبة والغيبوبة الكبرى، وتسكنها الأرواح والأباليس والشياطين والأشباح.

ولحين ظهور مهدي منظر آخر، من يخرج كل تلك العفاريت والجن والشياطين التي تعشعش في عقول، وأمخاخ الناس؟

 

للعودة الى صفحة الكتاب العرب .... انقر هنا

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة

المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل  الكاتب  وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز