من قلم: ناصر ثابت
nasser@nasserthabet.com

   تصميم عرب تايمز ..... جميع الحقوق محفوظة

ناصر ثابت
Nasser Thabet

 

كتابات سابقة


 * قصيدتان

 * امام تمثال الحرية
 * لا يستتاب مكابر مغرور
 * قمة الخراف
 * رثاء
 * تنويعات حاقدة
 

 

 

قصيدتان
بالكادُ أفيقُ من الأحزان
كاليفورنيا 18 تموز 2005
(1)
سأمدّ شراييني
ما بين مساءات العالم جسرا
في العام التاسع والعشرينَ لميلادي..
سأحسُّ رمادَ الغيمِ يحطُّ على قلبي
أكثر من أيامي الأخرى
يتسربُ من بين خلايا صدري.. كالمعتادِ..
فأخذتُ أحاور أطياف الذكرى
ولأنيَ طفلٌ لا يعرفُ لونَ البحرِ
مللتُ من الكلماتِ المثقوبةِ...
من احزاني اليومية
من بردٍ يلسعني كل صباحٍ عند محطة بيلمونتْ
ومللتُ من الأمل المشنوق ِ
على جيد قطار يتوجه عند الظهر جنوباً...
ومللتُ من الشعراءِ المخدوعين بأنفسهم...
من الأشعار المبثوثة فوق مزابلنا
مثلَ الثلاجات المعطوبةِ
مثل ترابٍ ليس له في الخصب نصيبْ
ومللتُ من الحب المذبوحِ
ومن شجرٍ لا يثمرُ إلا الحسرةَ
من كلِّ نساء المعمورةِ
من نفسي
من آلام الروح ِ
من الركضِ على بندول الساعة كالملدوغ مساءً
حتى أشربَ قبل حلول ِ العتمة كأسَ نبيذٍ
أو أتسلى برواياتِ الرائع "حنا مينا"
مِن كل تفاصيل هزائمنا
من ماضينا
ونعاسي قبل الوقت المرجوِّ
وميليَ للأرداف المملوءةِ بالهرموناتِ النسوية...
للأجسادِ المطليةِ بالسكر والنعناعْ
أو للأفكار المَيْتَةِ
للأحلام وللإقذاعْ
ومن الإصغاءِ الى الأخبارِ
منَ التلفاز الأبله والحاسوب الفاجرِ والمذياعْ
لم تعدِ القبلُ العطرية تلمسُ قلبي..
لم تعدِ الأوضاع الجنسية تأخذني للمجد ولا للشهرة
لم تتطور لغتي منذ سنينْ
لم أقترب الآن من الصوفية
أو من عشق ذوي التاريخ الأبيض
أو من ذاكرة الزيتونْ
يا أمواج البحر الحبلى بدموع الأفق المحزون
دمعكُ أصعبُ أسئلة الإنسانْ
لكن الزبدَ المقتولَ على الشطآن
يُشعرني بالملل الجارف حتى من أنسام الصبحِ
ومن لعنة أيام حزيرانْ
وحرارة تموز
من ضحكات الشمس
إذا عاتبها الشعرُ
كأن رياحَ بحيرةِ "تاهو"
تعرف وجهي...
تسمعُ صوتي..
تحكي للجبل الجالس فوق الشرفات العليا
أن صغار طيور الرمان ستأتي...
تعرفُ أني
حين رأيتُ العمر يغذُّ الخطوَ إلى المجهولِ
مللتُ من الإصغاءِ إلى من ينعتني بالكفرِ
ومن نار الإبقاء على قلبي حيا في جوفي..
من تلك الرعشة حين يحط على كتفيَّ غرابُ الخوفِ
من إيقاعاتِ الشعر العربيةِ...
من بعض خياناتِ الريحانْ
من شارع رالستون
ذاك المجنون المملوء بأحلى الغزلان...
بالكاد تطل بيوت ُ مدينتيَ الفتانةِ من خضرته
بالكاد يغادرهُ النهر الهادرُ
حتى يدخلَه نهرٌ آخر..
أمشي فيه سريعا
أبحثُ عن نفسي بين جوانبهِ
أبحث عن عامي التاسع والعشرين ْ
عن ذكري ميلاديَ
حينَ مللتُ من البحثِ عن الأسئلة العظمى
ومللتُ من الإحسان إلى أهل العهرِ
ومن شتم ذوي الأفكار الرجعية
من لثم أصابع أقدام النسوة بالعينينْ
و ألمٍ يسكنُ رأسيَ دون بوادر أن يتركني
إلا في العام التاسعِ بعد المئة الأولى
من ليلٍ يرقصُ في الغرفة مقتولا...
(2)
كلّ فنادق بلدةِ كارسون
تحملُ صبغة أصحابِ الأرض الأصليينْ
ونيفادا
خرجتْ عند حلول العتمة
كي تأخذني بالأحضانْ...
لم ألحظ في البلدة
–مثل الشائع في أفلام الكاوبوي-
أيَّ حصانْ
وهناك... قريباً... بين جبالٍ لا يرهقها الصخرُ الشاهق
ترقدُ تاهو
بين الأفخاذ...
وتسقي في الصحراءِ جبالا أوتادا
يا نيفادا
يا وطن الهنديِّ الأحمرِ
هذا سروُك يستر عريَ الثلجِ
ويستر تاريخا دمويا
يمنحني ضجرا وغبارْ
يُسمِعُني حين أمرُّ بلا عينين حكايا النارْ
كي لا أتذكرَ أجداديْ...
(3)
في العام التاسع والعشرين لميلاديْ...
لا أعرفُ كيف أعود إلى رام الله
كان الدربُ طويلا جدا
كان الله يرشُّ على أنفاسيَ وردا
فدخلتُ متاهاتِ الأرض الفرعونية
وضربت البحرَ لأفتح فيه طريقا
وعبرتُ إلى المجهولِ الآخر مشنوقا
وجمعتُ من الشاطيء بعضَ الأصدافْ
يا قصةَ ذاك الوطن اشتقتُ إليكِ
وإلى الأصحابِ المجهولينْ
و حبيباتِ القلبِ المجهولاتْ
وإلى الشهداءِ المسكونينَ
بآلهة الصمتِ
هل جاءت لحظة موتي؟
إني الآن أحسُّ بأني أكتب
آخرَ ما أملكُ من كلماتْ
إن الزمن المثقلَ بالآمال الحلوة يأتي
بعد دخوليَ في أقبيةِ الظلماتْ
إن الزمنَ الرائعَ آتْ...


آهٍ يا زمنَ النتْ
(1)
آهٍ يا زمنَ النتْ
يا زمن الكلماتِ المدهونةِ بالزيتْ
يا زمنَ الشعراءِ المفروضينَ علينا
كي نعشقَهم
يا زمنَ الإسفافِ البحتْ

(2)
آهٍ يا زمن النتْ
يا زمن الأفكارِ المسروقةِ
يا سلةَ إبداع معطوبٍ
قل لي
من أينَ أتيتْ؟
يا سيلَ وجوهٍ جامدةٍ
تكتبُ أيَّ كلامٍ
تعلكُ أغطيةً ونوافذَ
حتى تقتلَ سيفَ الوقتْ
كيف إلى شرفةِ منزلنا
بعد حلولِ ظلام العقل الفارغ جئتْ؟
وعلى كتبِ الأشعار جلستْ؟

(3)
آهٍ يا زمنَ النتْ
جاءَ سماسرة الأدب العربي إليكَ
لكي تمنحهم
كلماتٍ تُحكى
أو صوتْ
وسلالمَ
ترفعهم فوق حدائقنا العطرية
ومناجلَ
تقطعُ قاماتِ زنابقنا الشعرية
وتهلّلُ للسُّلِّ الفكريّ
وترقصُ للعنةِ والموتْ

(4)
آهٍ يا زمنَ النتْ
ما عاد هنالكَ من يحزنُ
من أجل معلقة الأعشى
منذ أتيتْ
ما عاد هنالك من يفترشُ غيومَ اللغة العربية
منذُ أتيتْ
ما عدنا نملك ذاكرةً..
إلا ما تمنحُنا أنتْ
صارَ هنالك جيلٌ يقفزُ
فوق حبال تفاهتهِ
ويقبلُ رأسكَ من تحتْ

(5)
آهٍ يا زمنَ النتْ
آهٍ يا مزبلةَ الاذواقِِ
ويا آنية الزفتْ
قل لي ماذا بقلوب العشاق فعلتْ
قل لي ماذا بمدادِ الأقلام
وعطر الأزهارِ
وأجنحةِ فراشاتِ الأفكار فعلتْ
إني من هذا الأدبِ الموغل في القبح... مللتْ
إني من هذا الشعر الموغل في القبح... مللتْ
هلا أطربتَ مسامِعَنا...
بنشيدِ الصمتْ
 

 

 

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة

المقالات  المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل  الكاتب  وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز