من قلم: مسعد حجازي

   تصميم عرب تايمز ..... جميع الحقوق محفوظة


mossad_Hegazy@hotmail.co

المقالات السابقة

 * اغتيال الحريري
 * خطة سعودية لتفجير النفط
 * الشباب وثقافة العصر
 * اغتيال الحريري - مرة أخرى
 * تكلم يا أستاذ هيكل
 * مطلوب حكام خدام لا أسياد

 * منطق الصراع 1
 * منطق الصراع 2

 * منطق الصراع 3

 * منطق الصراع 4
 * الإرهاب والاستبداد

 * الإرهاب والإسلام
 * فريضة الفرائض
 * لماذا لم تسأل السادات
 * الرئيس والمرشد
 * الإخوان وصراع الطبقات
 * قنبلة خدام1
 * قنبلة خدام 2
  * عن الإخوان
  * الحقيقة العارية
  * حرب بالوكالة
  * صواريخ حزب الله
  * عن عتريس العراق 1
  * مسلسل جديد في كندا
  * اصلاح سياسي

 

 إصلاح سياسى؟!! "هاهاهاأوأوأو .. صحتين وعافية على بدنك يا تلح"!


كم واحد من القراء يتذكر أول فيلم سينمائى شاهده فى حياته؟

صدق أو لا تصدق.. لازلت أتذكر أول فيلم سينمائى شاهدته وأنا طفل صغير، كان فيلم " الفتوة" بطولة فريد شوقى وتحية كاريوكا وزكى رستم، وثانى فيلم كان " الوسادة الخالية" بطولة عبد الحليم حافظ ولبنى عبد العزيز، والفيلمان من إخراج المخرج الكبير صلاح أبو سيف، ولازالت مشاهد عديدة بعينها من هذين الفيلمين محفورة فى ذاكرتى الطفولية،.. طبعا لم أزوغ من المدرسة ولم أذهب إلى دار العرض بمفردى، كما أننى كنت متفوقا فى دراستى، وكنا فى المدرسة من إبتدائى وحتى المرحلة الثانوية نمارس كافة أنواع الأنشطة والهوايات، فكانت عندنا فى المدرسة فرق ومعسكرات " الكشافة"، وحصص للتربية الرياضية وحصص للتربية الفنية والأشغال اليدوية، وأخرى للموسيقى، وحصص للتربية الدينية، وفى حصة الدين كان التلاميذ الزملاء من إخواننا الأقباط يخيرون بين المكوث معنا فى الفصل أو حضور حصة دين خاصة بهم يشرف عليها أحد المدرسين أو المدرسات الأقباط،.. ليس هذا فحسب، بل كان عندنا حصة لمادة التربية الزراعية، كنا ندرس فيها أنواع التربة والمحاصيل والدورات الزراعية، وكنا أحيانا نقوم بعمل أنواع مختلفة من المربات كانت تباع لنا بأسعار رمزية.

فى المدرسة كانت توزع علينا وجبات غذائية مجانية يوميا،... بسكويت، مربى، عيش "فينو"، وألبان مجففة غير مسرطنة وخالية من الإشعاعات، كانت كلها تأتى إلينا كجزء من المعونة الأمريكية التى كانت تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية لمصر كمنحة إقتصادية.

فى المرحلة الثانوية وبعد نكسة 1967 تم إدخال مادة التربية العسكرية أو التدريب العسكرى، وكانت البنادق التى كنا نتدرب عليها لإطلاق النار من مخلفات حرب 1956، وكانت كبيرة الحجم، و ثقيلة الوزن، ولا تختلف كثيرا عن البنادق التى شاهدتها فى قصر الجوهرة أو فى المتحف الحربى فى القلعة، والتى أستخدمها محمد على باشا وجنوده فى التخلص من المماليك فى مذبحة القلعة، .. كنا نستخدم هذه البنادق فى التدريب العسكرى فى الوقت الذى كانت إسرائيل " المزعومة" تقوم فيه بغارات جوية فى العمق المصرى بطائرات الـ " سكاى هوك"، و" الفانتوم " الأمريكية الصنع!!،.. وأذكر أن مادة التربية العسكرية هذه كانوا يطلقون عليها أيضا حصة " الفتوة".

كان لفيلمى " الفتوة" و " الوسادة الخالية" تأثيرا كبيرا فى تكوين شخصيتى فى سن مبكرة، فتعلمت من الأول دورة الصراع الأبدى بين الخير والشر، وأن دوام الحال من المحال، وأدركت إلى أى مدى يمكن أن تصل إساءة إستغلال الإنسان لأخيه الإنسان، فزاد كرهى للظلم والإستغلال بكل أنواعه ونمت لدى بذور الرفض والتمرد، وروح التحدى، وقيمة العدل ،.. ومن رائعة الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس الوسادة الخالية تعلمت قيمة الرومانسية ورقة المشاعر والأحاسيس، وأن فى حياة كل إنسان وهم كبير اسمه الحب الإول، .. قد يكون وهما حقا لكن لا يمكن للمرء أن ينساه. من الأفضل للإنسان أن يجمع بين الشدة والحزم وبين الحب والرومانسية ولايسىء الخلط بينهما فيقسو على من يحبه ويلين مع من يهينه.

مشكلة الطغاة على مر العصور أنهم لا يعرفون الحب والرومانسية، يعرفون فقط سلاطة اللسان وغلاظة القلوب،.. أسود على شعوبهم ، وفى الحروب نعام.. هم يريدون القوة والسلطة، ولا يعرفون أن الحب طاقة وقوة هائلة، فيكتبون نهايتهم بأيديهم، بسوء أعمالهم وجرائمهم وغبائهم، فينتهى بهم الحال إلى مزبلة التاريخ.

من هنا يمكن أن نفهم الدور الخطير الذى يمكن أن تلعبه السينما فى حياة الإنسان سواء سلبا أو إيجابا. لقد غزت الولايات المتحدة الأمريكية العالم بالسينما الأمريكية وقبل أن تغزوه بجيوشها العسكرية.

فيلم الفتوة هو أنجح وأهم أفلام المخرج الكبير صلاح أبو سيف، ولا يزال ضمن قائمة أشهر مائة فيلم مصرى فى تاريخ السينما المصرية، وعلى حد علمى أنه يدرس فى معهد السينما فى مصر.

وقصة الفيلم قصة حقيقية حدثت فى سوق الجملة للخضر والفاكهة فى روض الفرج فى القاهرة فى أواخر الأربعينيات من القرن الماضى، وقد كتب القصة محمود صبحى، واشترك الكاتب الكبير نجيب محفوظ مع المخرج صلاح أبوسيف فى كتابة السيناريو، وأما الحوار فصاغه الفنان الراحل الكبير متعدد المواهب السيد بدير.،..
ولن أتعرض هنا بسرد تفاصيل القصة التى يعرفها الملايين الذين شاهدوا الفيلم سواء فى السينما أو عند عرضه على الفضائيات التليفزيونية .. قصة الصراع بين الشاب الصعيدى الفقير هريدى ( فريد شوقى) والمعلم أبو زيد ( زكى رستم ) إمبراطور سوق الخضر، وتحول هريدى إلى إمبراطور السوق أو أبو زيد " طبعة ثانية " أو أبو زيد رقم 2، ولكنى سأركز فقط على مشهد النهاية.

تعتبر نهاية هذا الفيلم أحسن نهاية ظهرت حتى الآن لفيلم مصرى، إنها النهاية وهى أيضا البداية، بداية الفيلم، وبداية دورة أخرى من الحياة والصراع والفساد ، والتغيير الوحيد فقط هو فى الأشخاص.

فى مشهد النهاية نرى شاب من الصعيد ( محمود المليجى ) يدخل سوق الخضر، ليبحث عن عمل، وأثناء سيره يأتى من خلفه أحد الباعة أو المارة ليصفعه على قفاه، .. يلتفت المليجى خلفه ويقول للشاب فى إمتعاض وضجر:
- إيه ده دى؟!!
- دى دمغة السوق
- الله يسامحك
تدخل هدى سلطان إلى الكادر مع المليجى فى لقطة " ميديام " ( متوسطة) وهى تقول له فى سخرية:
- هاهاهاأوأوأو .. صحتين وعافية على بدنك يا تلح
- صحتين على إيه؟!
- على القلم الحلو اللى كلته على قفاك .. طويل وعريض كده ويتفصل منك إتنين، وتتلزق قلم ماتمدش إيدك وترده!!
- عايز أكل عيش
- عيش!! .. وانته بخيبتك القوية دى حتاكل عيش هنا!!.. دول حياكلوك حاف ويغمسوا باللى خلفوك.

هذا المشهد الأخير من فيلم الفتوة والذى لم يستغرق سوى نصف دقيقة فقط لا غير تتلخص فيه كل مأساة الشعب المصرى منذ قرون عديدة وحتى اليوم.. مأساة القبول بضرب القفا من أجل " لقمة العيش"!!، دمغة السوق التى أصبحت دمغة الوطن... لقد بات الضرب على القفا سياسة وثقافة أصيلة متأصلة، .. فالحكومة – أى حكومة - تضرب الشعب يوميا على القفا، وأفراد الشعب بدورهم يضربون بعضهم البعض على القفا عمليا ومجازا بصفة يومية، كنوع من التنفيس أو التعويض عن عدم قدرتهم على ضرب الحكومة على قفاها!!

وكما ترون يا سادة فإن " الضرب على القفا " فعليا ومجازا هو " العقد الإجتماعى " الأزلى الذى لم يعرفه جون لوك أو جان جاك روسو، بين كافة الأنظمة العربية والشعوب العربية.

ونظرا إلى أننا فى مصر مشهود لنا بالقيادة والريادة ومسايرة التطور على أحدث ما وصل إليه العصر – طبعا عصرنا نحن ( من العصير) لا العصر الذى يعيشه العالم الخارجى – فقد تفتق ذهن حكومتنا السنية – أى حكومة نظيفة كانت أو عاطفية – فى مسيرتها النضالية الطويلة لتطوير سياسة الضرب على القفا على التفنن فى إبتكار أساليب ونظريات جديدة فى فنون التعذيب وإمتهان كرامة الإنسان وأبسط حقوقه، وبعد أن أثبتت هذه الأساليب فعاليتها وجدواها قمنا بتعليبها وتغليفها وتصديرها إلى كافة الأنظمة العربية المتقاذفة والصدامية حتى أصبحنا محل إنتقاد الإدارة الأمريكية والخارجية الأمريكية فى تقاريرها السنوية، إلى أن وقعت أحداث الحادى عشر زفت من سبتمبر 2001 فأدركت إدارة الرئيس الأمريكى بوش الإبن القيمة الحقيقية الثمينة لهذه الأساليب القمعية فسارعت بتطبيقها فى سجون جوانتانامو فى كوبا وأبو غريب فى العراق، لأن القانون الأمريكى يحظر التعذيب داخل الأراضى الأمريكية ويجرمه،... وبعد فضائح جوانتانامو وأبو غريب يأتى الرئيس بوش ليطالب علنا الأنظمة الحاكمة فى مصر والبلدان العربية بتطبيق الديمقراطية والإصلاحات السياسية!

لا حول ولا قوة إلا بالله، ويا مثبت العقل والدين.
الرئيس الأمريكى الذى أعلن ما يسميه " الحرب على الإرهاب"، وقامت أجهزة مخابراته وفرق البنتاجون من القوات الخاصة منذ سبتمبر 2001 بالقبض على وإختطاف وقتل ما لا يقل عن ثلاثة آلاف شخص فى دول كثيرة حول العالم، أحيانا بعلم ومساعدة حكومات هذه الدول، وأحيانا أخرى بدون علم الدول – يعنى " سوكيتى " على رأى أيوب جاد الحق (فؤاد المهندس) فى مسرحية السكرتير الفنى - فى إنتهاك صارخ لسيادة وأراضى دول أجنبية ذات سيادة- هذا الرئيس يقف على منصة الكونجرس فى خطاب حالة الإتحاد السنوى وعلى مرأى ومسمع من العالم كله مرتديا ثياب الواعظين ليطالب مصر والأنظمة العربية بالإسراع بتطبيق الديمقراطية والإصلاحات السياسية!!، ..

إن نداء الرئيس بوش هذا – فى رأيى – هو أكبر " ضربة على القفا " يوجهها رئيس أمريكى للشعب المصرى وكل الشعوب العربية .. كيف ولماذا؟

بداية أنا أزعم وبلا فخر أننى أعرف وأفهم الغرب والعقلية الغربية والسياسة الأمريكية وبوش الأب والإبن أكثر من أى زعيم أو حاكم عربى، بعد أن عشت أكثر من نصف حياتى فى الغرب وتحررت من ثقافة الضرب على القفا فى الشرق، .. أعرف متى يتكلمون الصدق ومتى يكذبون ومتى يتجملون، وأدرك الفرق بين السياسة الخارجية الأمريكية الكريهة البغيضة وبين الشعب الأمريكى الذى تعانى أغلبيته أيضا من جراء سياسة حكومته.

عندما يطالب الرئيس جورج دبليو بوش بتحقيق الديمقراطية والإصلاحات السياسية فى مصر والبلدان العربية فهو يكذب مهما حاول أن يتجمل، وذلك للأسباب الأربعة التالية:

- أولا بالنسبة لمصر، فمن المعروف أننا نعيش فى عصر القطب الواحد بعد إنتهاء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتى، وبعد أنفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم والهيمنة على مقدراته أصبحت مصر بالنسبة لأمريكا أكثر أهمية – من الناحية الإستراتيجية – من علاقتها بالولايات المتحدة خلال سنوات الحرب الباردة. إن الولايات المتحدة لن تسمح بأن تصل خلافاتها مع مصر ونظام الرئيس مبارك حول بعض القضايا إلى الدرجة التى تتدهور معها العلاقات الدبلوماسية أو تقطع تماما، إذ أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تتصور فضلا عن أن تتحمل تبعات وتأثيرات إغلاق قناة السويس – ذلك الممر المائى الحيوى –فى وجه السفن الحربية والبوارج وحاملات الطائرات الأمريكية، وما أسهل إغلاق قناة السويس بإغراق سفينتين فقط كما فعلت مصر بعد حربى السويس والأيام الستة، خاصة وأن البحرية الأمريكية هى التى قامت بأعمال التطهير للمجرى الملاحى من مخلفات الحروب والألغام البحرية وأعدتها للملاحة الدولية ودون أن تدفع الخزانة المصرية سنتا واحدا فى عام 1975، وهو نفس العام الذى عين فيه الرئيس أنور السادات الفريق طيار محمد حسنى مبارك نائبا له..

وتزداد أهمية القناة والرئيس حسنى مبارك شخصيا للولايات المتحدة إذا ما علمنا أن من حق مصر القانونى أن تمنع مرور حاملات الطائرات الأمريكية فى القناة حتى فى حالة السلم لأنها تحمل على متنها وفى باطنها أسلحة نووية، ولذا فإنه فى كل مرة تعبر فيها حاملة طائرات أمريكية قناة السويس فإنه يتعين أولا أن تتقدم الحكومة الأمريكية بطلب الحصول على تصريح خاص، لا يملك أحد فى مصر سلطة إصداره سوى الرئيس حسنى مبارك شخصيا، ولنا أن نسترجع جميعا الموقف البالغ الحرج الذى وجدت الولايات المتحدة نفسها فيه قبيل بدء الغزو الأمريكى على العراق عندما رفضت الحكومة التركية وبمساندة المؤسسة العسكرية لأول مرة السماح لـ 65 ألف من القوات الأمريكية بالمرور عبر الأراضى التركية لدخول العراق من الشمال من جهة الحدود التركية العراقية ، فاضطرت هذه القوات إلى تغيير مسارها والمرور عبر قناة السويس، ودخول العراق من الجنوب. وما ينطبق على حاملات الطائرات ينطبق أيضا على الطائرات الأمريكية الإستراتيجية التى تحمل قنايل وأسلحة نووية ومن بينها قاذفات الـ B-52 أثناء عبورها المجال الجوى المصرى، لا بد من الحصول أولا على تصريح خاص بإذن من الرئيس مبارك. إذن وكما رأينا فإن قناة السويس والمجال الجوى المصرى بالنسبة للولايات المتحدة أهم ألف مرة من كل دعاوى المطالبة بتحقيق الديمقراطية والإصلاح السياسى فى مصر، وكل الجدل الذى يثار فى القاهرة واشنطن كل عام حول التهديد الأمريكى بقطع المعونة الأمريكية عن مصر، هو محض هراء وتهديد أجوف، لأن هذه المعونة تصب فى المقام الأول وفى النهاية فى مصلحة الولايات المتحدة، وهى تستفيد منها أكثر من إستفادة مصر، كما أنها أصبحت بمثابة " رشوة " للنظام فى مصر ليس فقط لما يقدمه من خدمات جليلة، ولكن – وهو الأهم - لعدم القيام بما يمكن أن تقوم به مصر من دور مناوىء ومناهض للسياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط ، .. أقول هذا وانا أعلم أن الكثيرين سوف يتساءلون فى تهكم وسخرية: أى ثقل وأى دور؟! فأجيب بأننى كمراقب ومتابع لعلاقات مصر بالغرب طوال العقود الثلاثة الماضية، تولدت لدى قناعة راسخة بأن الغرب بصفة عامة والولايات المتحدة واسرائيل بصفة خاصة هم أول من يدركون أهمية وخطورة الدور المصرى والثقل المصري فى العالم العربى والشرق الأوسط ، وربما أكثر من كثير من المصريين أنفسهم، ذلك لأن حساباتهم لهذا الثقل والدور لا تتقيد بمن يحكم مصر بقدر ما هى حسابات إستراتيجية وسياسية دقيقة تتعامل مع ثوابت وحقائق التاريخ والجغرافية، كما أنهم أيضا يدركون ان ترمومترالدور المصرى يتأثر صعودا وهبوطا وفقا لدرجة حرارة الأحداث والتطورات فى المنطقة، وقد يصاب أحيانا بحالة من السكون Mute أو عدم الحركة أو الحركة المعلقة Suspended Animation إلا أن هذا الدور لا يمكن خصمه أو مصادرته، وهم الأن فى أشد الحاجة لهذ الدور والثقل المصرى فى المنطقة بشرط أن يعمل لصالحهم، ومن هذه النقطة يمكن أن نفهم سر الغضب والإستياء الأمريكى من مقاومة الصديق المصرى للضغوط الأمريكية الرهيبة على النظام لإرسال قوات عسكرية مصرية ولو رمزية إلى العراق لتخفيف وطأة المأزق الأمريكى الحالى فى العراق.

- ثانيا: ما يهم الولايات المتحدة الأمريكية فى الشرق الأوسط بالدرجة الأولى هو ضمان مصالحها الإستراتيجية الحيوية فىمنطقة الخليج والتى تتلخص فى هدفين رئيسيين: الأول هو ضمان السيطرة الكاملة على منابع البترول حيث يوجد أكبر مخزون إحتياطى للنفط فى العالم، والإحتفاظ بالنصيب الأكبر من أرصدة البترول للدول المنتجة داخل البنوك الأمريكية، وإعادة تدوير واستثمار هذه الأرصدة داخل الولايات المتحدة لخدمة الإقتصاد الأمريكى أولا,... والهدف الثانى هو استمرار وصول طلبات هذه الدول على شراء السلاح الأمريكى بأثمان باهظة بعشرات ومئات المليارات من الدولارات.

بترول وسلاح وإزدهار الدولار الأمريكى فى أسواق الصرف العالمية هو ما يهم الولايات المتحدة من قضايا من الشرق الأوسط ومنطقة الخليج بالذات، وليس تحقيق الديمقراطية أو الإصلاح السياسى أو الإكتراث الحقيقى بحقوق الإنسان العربى، ويكفى للتدليل على ذلك بمثل واحد لحدث مأساوى أليم جرت فصوله فى أوائل عام 1991، حين وقف الرئيس الأمريكى جورج هربرت وولكر بوش وهو فى أوج إنتصاره بعد حرب تحرير الكويت يحرض الأكراد فى شمال العراق على النهوض والثورة للإطاحة بـ " الطاغية وديكتاتور العراق الرئيس صدام حسين"، فاستجاب الشعب الكردى لنداء " بوش المنصر" المنتصر فماذا كانت النتيجة؟ تحركت بقايا الجيش العراقى المنهك ووحدات الحرس الجمهورى وطائرات الهليوكبتر بأوامر من صدام ضد الأكراد، وأعملوا فيهم القتل والذبح وعمليات الإبادة، فهرعت مئات الآلوف من الأكراد من الرجال والشيوخ والنساء والأطفال يهيمون على وجوههم فى المناطق الجبلية الوعرة فى عز الشتاء القارس، صوب الشمال حيث الحدود العراقية التركية تطاردهم فلول جيش صدام المقدام،.. وتحت ضغط الرأى العام العالمى والأمريكى تدخل الرئيس بوش وبعد أنتهاء المذبحة للحد من آثار الكارثة الإنسانية بعمل جسر جوى من المساعدات والمؤن الغذائيةّّ!!.

- ثالثا: ضمان حماية إسرائيل وأمنها، وتفوقها العسكرى على مجموع القوى العسكرية العربية.

- رابعا: تطبيق الديمقراطية والإصلاح السياسى فى مصر والعالم العربى تطبيقا فعليا ليس فى مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، ولا إسرائيل وأمامنا مثل حركة حماس بالأمس القريب. الولايات المتحدة تفضل التعامل مع الأنظمة الديكتاتورية الأوتوقراطية فى العالم العربى، وترعاها، وهذه الحقيقة أكدها الجنرال ألكسندر هيج وزير خارجية أمريكا السابق فى مذكراته، وغيره من الساسة الأمريكيين، وأوضح هيج أن الإدارة الأمريكية تحصل على موافقة أى حاكم عربى على ماتطلبه فى يسر وسهولة لأنه هو وحده صاحب القرار، على عكس التعامل مع الحليف الإسرائيلى، الذى لا يستطيع أن يعطى موافقة فورية فى الأمور الهامة إلا بعد أن يعرض الأمر على الكينيست (البرلمان) الإسرائيلى، لأن فى إسرائيل ديمقراطية، ولا يهمها إلا مصالحها هى أولا وحتى لو كانت تتعارض أحيانا مع المصالح الأمريكية، ومصلحة إسرائيل الحقيقية هى فى إستمرار الإدعاء فى الغرب بأنها واحة الديمقراطية الوحيدة فى وسط محيط الديكتاتوريات العربية التى تريد إلقاءها فى البحر، فيستمر التعاطف الدولى نحوها وتتدفق المساعدات المالية.

يتضح لنا مما سبق أن كل ما يقال للشعوب العربية عن الديمقراطية والإصلاح السياسى سواء من الأنظمة الحاكمة أو الغرب هو ضحك على الذقون وضرب على القفا، ولكى يستمر الحال كما هو عليه فلابد من الفساد وإنتشاره، .. إنتشار الفساد فى مصر أو العالم العربى ليس أمرا عارضا أو عشوائيا، وإنما هو سياسة وهدف .

فى الواقع إحنا كمان الحق علينا…
صبرنا سنين طويلة والدمع فى عينينا ..
خدنا على ضرب القفا
لما عقولنا بقت فى رجلينا
زى هريدى فى سوق الخضار
أكل العيش يا ولداه
خلاه يشتغل بدل الحمار
بعد ما اترقى الحمار
وبقى يأكل " كافيار "
حاجة تطير العقل يا أفكار!!
الفتوة بقى فتوات!!
وأبو زيد اللى عمره مامات
بقى عشرة ومية، وحرامية بالألوفات!!
والساقية دايرة والعين متغمية
فى دايرة جهنمية!!
من أيام خوفو أزلية!!
والنسل عمال يزيد
وهريدى يبقى أبو زيد…

رغم كل هذا فإن الشعب المصرى " حمال الأسية" لا يعرف اليأس، فهو يقاوم حكامه عبر تاريخه بسلاح النكتة، والتهكم والسخرية، وتجلت عبقريته حتى فى السخرية من "ضرب القفا " ، فتبنى سياسة الإحتواء، وقاوم الضرب على القفا بالغناء للقفا فى رائعة المخرج على عبد الخالق " الكيف" فغنى محمود عبد العزيز:

" يا حلو بانت لبتك.... أول ما دابت قشرتك
تحرم على محبتك ،.... وراح أتوب عن سكتك
القلب منك مليان جفا،... والصبر من قلبى أتنفى
وضاع معاكم الصفا، ... ضيعته بعندك يا قفا
آه يا قفا .. آه يا قفا".

قضيتنا الكبرى ياسادة ، ومعضلة المشاكل فى مجتمعاتنا العربية هى فى القهر والإستبداد.
إن العقبة الرئيسية وحجر العثرة المصنوع من الجرانيت فى طريق التغيير والإصلاح ليس تغيير الحكام كأفراد، فهم أولا وأخيرا من ذات التربة ولم نستوردهم من الخارج، ولا حتى فى الإرهاب والتطرف الدينى أو الطائفية البغيضة، فهذه كلها ليست إلا عوارض وأعراض لمرض الإستبداد المزمن – الداء الحقيقى.

الإستبداد وحب السلطة وطول البقاء فيها هو آفة الآفات والمركز الرئيسى لتفريخ الطغاة، وكما قال المؤرخ الإنجليزى " جون لاكتون" :

" السلطة مفسدة ، والسلطة المطلقة تفسد على الإطلاق" ( Power Corrupts And Absolute Power Corrupts Absolutely )

إن أقدار الشعوب ومصائرها لا ينبغى أن تصبح حقولا للتجارب ومرتعا لهوى الحكام.

قضيتنا هى الإستبداد ... الإستبداد بمعناه ومفهومه الواسع وليس فقط السياسى، فهو أس البلاء والسبب الرئيسى لتخلف الأمة وإنتشار الفساد، كما أنه وقبل كل شىء إعتداء صارخ على الإنسان فى وجوده الحقيقى الذى خلقه الله عليه .

بقليل من التفكير وإعمال العقل سوف نكتشف أن القبول بالإستبداد هو استسلام، والشعوب التى تستسلم للإستبداد أو تحاول أن تخلق له المبررات تحت أى ذرائع لا يحق لها أن تطالب بالحرية أوالديمقراطية ولا تستحق كلاهما لأنها لا تريد أن تدفع الثمن ، أو هى تدفعه ولكن دون مقابل سوى السعى وراء " لقمة العيش"، وثمن الحرية والديمقراطية هو ثمن فادح وباهظ التكلفة لأن الشعوب التى تدفع الثمن تدفعه مضاعفا لنفسها وللأجيال القادمة.

إن التفكير يا سادة يا كرام هو الفريضة التى تلتقى معها وتدور حولها جميع الفرائض..
إنه الفريضة الغائبة فى زمن التغييب العقلى والفكرى، وفوضى الفتاوى الدينية التى لا تخدم إلا الإستبداد.

نحن لا ينقصنا إلا قوة الإرادة، وفى ذلك تقول الكاتبة " فلاور نيوهاوس " :
" إن نقص قوة الإرادة غالبا ما يسبب فشلا أكثر من نقص الذكاء أو القدرة المادية".

إذا توافرت الإرادة الجماعية للأفراد يمكن أن يحدث التغيير والإصلاح الحقيقى، وتعود المدرسة كما كانت فى طفولتى، وأفضل بمعاييرعصر القرن الواحد والعشرين... عصر " الإنترنت ".

لا يكفى أن نقول للحاكم الفرد " كفاية" كام سنة ليأتى لنا " هريدى" أسوأ من " أبو زيد ".
يجب أن نقول كفاية لنظام الإستبداد والقهر و" الضرب على القفا " بكل صنوفه وأشكاله.

 

 

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة

المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل  الكاتب  وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز