من قلم:الطاهر عمارة

   تصميم عرب تايمز ..... جميع الحقوق محفوظة

tahirhobba@maktoob.com

المقالات السابقة


  * عن محطة الجزيرة

هل الجزيرة في قطر أم قطر في الجزيرة..؟


تساؤلات كثيرة تدور حول قناة الجزيرة القطرية والطفرة الإعلامية التي حققتها في وقت قياسي، وعن مصدر تمويلها، وسر استقطابها لهذا العدد الهائل من الإعلاميين المحترفين من معظم أقطار العالم العربي وعرب المهجر.
والحقيقة أن بعض الأسئلة مشروعة والبعض الآخر وليد وضع عربي بائس يائس جعل الكثيرين في عالمنا العربي لا يؤمنون بأي نجاح عربي، وإذا حدث شيء هنا أو هناك فإنهم يعزونه إلى رضا أمريكي أو دور أو مباركة غربية على الأقل.
قال لي صديق لبناني مرة إن الجزيرة مشروع أمريكي لامتصاص غضب الشارع العربي والتنفيس عنه عبر البرامج الحوارية الساخنة الشديدة التي تعبر عن رأي الشارع ومشاغله، والنتيجة -حسب رأي هذا الصديق- أن غضب الشعوب سيخف وربما يزول نهائيا وهو ما يساعد على بقاء الأنظمة التي تخدم المصالح الأمريكية في المنطقة.
وقد نسلم جدلا بصحة هذا الرأي، لكن النتائج لا تكون دائما تبعا لرغبة أولئك الذين يرسمون المخططات ويتولون متابعة تنفيذها في الخفاء، ولا أدل على ذلك من مثال أسامة بن لادن والقاعدة الذي ما زال ماثلا للعيان، فـ(ابن لادن) كان يقاتل القوات السوفياتية في أفغانستان، وكان جهاده هناك يلتقي مع المصالح والرغبات الأمريكية في القضاء على الشيوعية، لكن فكر الرجل وأجندته تطورت بعد ذلك لتبدأ بمعاداة الأسرة الحاكمة في المملكة العربية السعودية الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة، وتتطور بعد ذلك إلى حرب معلنة وشرسة على الولايات المتحدة الأمريكية ومصالحها في كل مكان.
ومن المفارقات أن هذا الصديق الذي كان ينتقد الجزيرة يعيش الآن في دولة قطر حيث التحق بطاقم العمل مع قناة الجزيرة.
هل الجزيرة في قطر أم قطر في الجزيرة؟
سؤال طريف سمعته عندما كنت أعمل مع قناة الجزيرة، ومن أحد الزملاء الذين كان لهم ثقلهم في غرفة أخبار الجزيرة تحديدا.
هذا السؤال أو الطرفة ربما يصلح أن يكون مدخلا لمعرفة سبب تمسك دولة قطر بقناة الجزيرة والاستماتة في الدفاع عنها، فالقناة هي التي أعطت للدولة هذا البعد والوزن العالمي، فقطر شبه جزيرة مجهرية تبلغ مساحتها أحد عشر ألفا وأربعمائة وسبعة وثلاثين كيلومترا فقط ، أي أن مساحة ولاية وادي سوف بجنوب الجزائر تساوي أكثر من سبعة أضعافها، ومع ذلك صارت كثير من دول العالم تحسب لها ألف حساب.

وقد ظهرت الجزيرة مع ظروف وتحولات جديدة طرأت على دولة قطر، فانقلاب الأمير الحالي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني على والده أعلن عهدا جديدا في جميع جوانب النهضة والعمران، وحكى لي بعض من عاشوا في قطر قبل عام ستة وتسعين من القرن الماضي أن الطرقات العامة الرئيسية في العاصمة الدوحة لم تكن خالية من الحفر ومظاهر الإهمال الذي مس أيضا جوانب أخرى، وهو الأمر الذي تغير في عهد الشيخ حمد الأمير الحالي حيث بدأ نهضة عامة في جميع المجالات وفتح بلاده لتكون وجهة لجميع أشكال وأنواع المؤتمرات والملتقيات الدولية، ولتكون قبلة للرياضيين ومحضنا للمباريات والمسابقات الرياضية العالمية بشتى أصنافها.
كما تزامن انطلاق الجزيرة مع توقف تلفزيون البي بي سي العربي في لندن فكان أن استقطبت الجزيرة عددا كبيرا من كوادره كانت لهم بصماتهم الواضحة في إرساء تقاليد إعلامية ومهنية عالية ساهمت في أن تدفع بالجزيرة خطوات إلى الأمام.
أما مسألة التمويل التي دندن وما زال الكثيرون يدندنون حولها، فقد ورد في كتاب تعريفي أصدرته إدارة الجزيرة أن الحكومة القطرية تعهدت بدعم القناة لمدة خمس سنوات على أن تعتمد بعد ذلك على نفسها من خلال الإعلانات وبيع البرامج وغيرها.
والواضح أن القناة لم تعتمد بعد على نفسها بسبب المحاصرة الإعلانية المعلنة عليها من قبل أكثر الشركات الخليجية، والتي أوصى بها رسميا أحد اجتماعات وزراء إعلام دول مجلس التعاون الخليجي.
وقد تباينت الأقاويل حول مصادر تمويل الجزيرة حسب الظروف والأحداث السياسية، فقيل مرة إنها تتلقى دعما من إسرائيل، وقيل إن رجل أعمال فرنسيا من أصل يهودي يمتلك نسبة أربعين في المائة من أسهم الجزيرة، وعندما كان نظام صدام في صدارة الأحداث العالمية قال البعض إن الجزيرة تتلقى دعما من صدام ونظامه، وقد سئل فيصل القاسم -صاحب برنامج الاتجاه المعاكس- عن هذا الأمر، وكان يومها ضيفا على إحدى الفضائيات العربية، فأجاب بشيء من السخرية أن قطر التي تتربع على احتياطي عظيم من الغاز ليست عاجزة عن دفع مبلغ كذا أو كذا لقناة الجزيرة.
ومهما قيل عن قناة الجزيرة وأثير حولها من شبهات، وحتى لو كشف المستقبل عن شيء مريب في تركيبة الجزيرة، ومهما كانت نوايا وأغراض من أسسوها، فقد صارت ظاهرة إعلامية قائمة بذاتها، ومن المؤكد أن أي باحث منصف خلال العقود القادمة، وهو يكتب عن الإعلام العربي في هذه المرحلة لن يستطيع إغفال باب أو فصل أو حتى مبحث في رسالته العلمية، وهو: الإعلام العربي قبل قناة الجزيرة، وبعده مباشرة باب أو فصل أو مبحث عنوانه: الإعلام العربي بعد ظهور قناة الجزيرة وعلى العموم فإن دولة مثل قطر استطاعت أن تخرج للعالم العربي في زمن الانكسار والتخلف قناة إخبارية حرفية صارت تنافس قريناتها من كبريات محطات الأخبار الدولية

وليس بعيدا عن دولة قطر نجد دولة الإمارات العربية المتحدة قد تفردت بمدينة دبي التي صارت ملتقى للاقتصاد العالمي، ومحطة مهمة لخطوط الطيران العالمية فضلا عن الإقليمية.
فإذا كانت الأقطار العربية في أوضاع لا تمكنها من نهضة شاملة، فلتحاول كل واحدة أن تتحرك في أحد أوجه التقدم والمدنية، فلتتميز دولة عربية مثلا بوكالة أنباء تنافس رويترز وأخواتها، ولتتميز أخرى بقناة إذاعية تخاطب العالم بأشهر لغاته كما تفعل البي بي سي، ولتبرز أخرى في مجال الصناعة وأخرى في السياحة وهكذا بدل الانشغال بتوزيع الاتهامات على هذه الدولة أو تلك لأنها تميزت بشيء ما في هذا الزمن العربي التعيس.
قناة الجزيرة وما شابهها من القنوات الإخبارية صارت تستحوذ على قطاع كبير من المشاهدين العرب، وهو الأمر الذي يقلق الكثير من أصحاب القنوات الرسمية وشبه الرسمية، ويتحول هذا القلق في بعض الأحيان إلى تحامل واضح على الجزيرة وغيرها.
ودعنا نوافق جدلا على أن لكل أحد الحق في أن تكون له قناة تلفزيونية تغطي أخباره الخاصة أولا بأول، فإذا سافر من مدينة إلى أخرى فستسرد علينا هذه القناة أخبار قائمة طويلة من المودعين، وعندما يصل بحفظ الله وسلامته بعد ساعة إلى مقصده تسرد علينا القناة أيضا قائمة أطول من المستقبلين والمهنئين بسلامة الوصول، وإذا مرض تخرج علينا القناة ببرنامج مباشر يستقبل مكالمات المنشغلين بأمره والداعين له بالشفاء وطول العمر، أما إذا ظهر إلى الوجود مولوده الأول أو ولي عهده فإن هذه القناة ستتحفنا لثلاثة أيام متتالية باحتفالات وأفراح لا أول لها ولا آخر.
فلنقل إننا وافقنا على هذه القناة وأشباهها، لكن ما لا يقبله عاقل أو حتى نصف عاقل أن يأتي أصحاب أمثال هذه القنوات "الشخصية" ويتهجموا على الجزيرة أو غيرها من القنوات لأن المشاهدين انساقوا إليها جملة وتفصيلا.
المشكلة فيما يبدو أن هناك عقليات متنفذة في عالمنا العربي (تبرمجت) ولعقود من الزمن على الفكر الواحد والرأي الواحد وعلى أن كلامها مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وآذانها موصدة أمام الرأي الآخر، وتفضل أن تعيش بنفس العقلية القديمة إلى أن تصل معها سالمة إلى مثواها الأخير...
التغيير سنة كونية والتحولات في مجتمعاتنا قادمة لا محالة، والسير إلى جانبها وتكييفها مع ما يماشى مع ثوابتنا ومصالح بلداننا هو عين العقل والحكمة، أما غير ذلك فهو ضرب من العجز والغفلة معا... عافانا الله من ذلك

 

 

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة

المقالات  المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل  الكاتب  وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز