مقال: نضال فتحي العرابيد

   تصميم عرب تايمز ..... جميع الحقوق محفوظة


 

nedal981@hotmail.com

 المقالات السابقة للكاتب

 * الاصلاحات الداخلية في السلطة
 * النكبة تلو النكبة
 * كاريزما عرفات

 * حتى لا يفقد ابو مازن ماء الوجه
 * المناورات التركية
 * الشخصية السيكوباتية الفلسطينية
 * عسكرة الانتفاضة
  * مؤتمر لندن
  * عولمة الثقافة
  * السلطة الخامسة
  * نصر عذب ومهمات شاقة
  * مخاطر الليبراليين العرب
  * بالحوار سنخرج من الازمة
  * المقاومة خيار استراتيجي
  * بداية عصر جديد
  * من اجل فتح
  * هجرة العقول

 

هجرة العقول... من يكبح جماحها


منذ أكثر من نصف قرن والشعب الفلسطيني يشهد انتكاسات متلاحقة وكأننا أصبحنا مجتمع صدمات متنوعة سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية لم تشهد مثلها المجتمعات التي قبعت تحت مظلات الاحتلالات لربما أن هذا حظنا التعيس مع أقبح وجوه الاحتلالات على مر عصور الحضارة العالمية أو قد تكون هناك أسباب وعلل خفية تكمن خلف سلوكياتنا وعدم قدرتنا على إدارة أزماتنا بطريقة إيجابية إضافة لافتقارنا للصلابة النفسية بشكلها الصحيح أو كما يعتقد بعض المعالجين النفسيين ممن يملكون أفقا سياسيا بأن المجتمع الفلسطيني يعيش مرحلة تخدر نفسي وأنا أتفق مع وجهة النظر هذه نتيجة للصراعات المريرة مع الاحتلال وفلسفته السوداء منذ نكبة عام 1948 وهزيمة 1967 التي كسرت شوكة الجيوش العربية مما أفقد الفلسطينيون ثقتهم بأنظمة الحكم العربية وجيوشها التي تفتقر إلى الإمكانيات النفسية والعسكرية واللوجيتكية في مواجهة عصابات ناشئة على أرض فلسطين أطلقت على نفسها اسم حكومة إسرائيل حتى ازدادت الانتكاسات المرحلية فعن ماذا نتحدث عن تفاهمات واتفاقيات عقبت انتفاضة الثمانينات ولم تعترف بعد بها الحكومات الإسرائيلية التي خلفت حكومة رابين أم عن ملف الأسرى خلف قضبان السجون ومعارك الأمعاء الخاوية للفت أنظار المجتمع الدولي الصامت أم مأساتهم في سجون الاحتلال أم عن انتفاضة الأقصى الأولى أم الأخطر منها التي نحياها الآن وقد فقدنا ثلاث أرباع ما استلمته السلطة الفلسطينية من أرض مقابل السلام.

كما نحن نعتقد أو كما يعتقد الجانب الإسرائيلي أرض مقابل أمن لهيمنة ولمستوطناتهم القائمة على مساحات كبيرة في الضفة والقطاع أم نتحدث عن أكبر جدران العنصرية والتهامه لأراضي فلسطينيي قرى الضفة الغربية أم عن اقتصاد وطني لاقى حتفه أم عن انقلاب أم عن سلطة فلسطينية تعطلت برامجها وافتقدت توازنها المطلوب......إلخ.

ولكن من الأهمية الكبرى أن نتحدث عن قضية شائكة أو إن جاز التعبير عن كارثة تفوق خطورتها عن القضايا سالفة الذكر من حيث أثارها السلبية وضررها على الشعب الفلسطيني من حيث سرعة سريانها وانتقال عدواها الخبيثة لاسيما من حيث فائدتها المثمرة والأكثر نجاحاً بالنسبة للاحتلال والمشروع الصهيوني.

هذه القضية الخطيرة عزيزي القارئ غالبنا يتجاهلها إما نتيجة للاستهتار الموجود وإما نتيجة حالة التخدر النفسي الذي أصاب المجتمع، إنها قضية الهجرة من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وبشكل خاص الأراضي الخاضعة للسيادة الفلسطينية إلى الخارج، وما أدراك ما هذه الهجرة؟! إنها بكل أسف ليست هجرة أجساد كما يظن البعض إنها هجرة العقول الفلسطينية ممن يحملون المؤهلات الأكاديمية العليا إلى الدول الاسكندنافية مثل السويد والنرويج ونجدها مثل الهجرة إلى كندا واستراليا.. وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن هذه الكارثة حدثت في المحيط الذي أحياه حيث فقدن خمسة من الأصدقاء الذين كنت أفتخر بهم لما يحملوه من شهادات عليا وفي لحظات من الزمن المتسارع كانوا قد هاجروا إلى السويد وجاراتها من الدول المتلهفة لهؤلاء العقول إنهم اتخذوا قرار الهجرة نتيجة لعدم مقدرتهم على الاستمرار فلا توجد لهم أي فرصة عمل ولست أبالغ حينما أسترجع المشهد الصارم واستحضره في ذهني لأحد هؤلاء الأصدقاء عندما كان بيننا ولم يجد فرصة عمل مما أجبره هذا الواقع التراجيدي إلى محاولته التكيف مع الحياة الفلسطينية يقوم هذا الصديق الدكتور إلى فتح كشك صغير يبيع فيه بعض السندوتشات للمواطنين وبعد ذلك فكر في الهجرة إلى الخارج ولم تنقطع بيني وبينه الاتصالات هو ومن معه حيث أنه الآن طبيب متخصص في جراحة القلب ويعمل في منصب رفيع المستوى في إحدى المستشفيات السويدية وفرق بين الثرى والثريا، بين الدكتور الذي يبيع السندوتشات والبؤس يعتلي حاجبيه وبين الدكتور نفسه وهو يزاول مهنة الطب وشعر بقيمته، نعم إنها الحقيقة المريرة وهذا الصديق واحد من مئات الأكاديميين فما بالكم أنه يوجد من الفلسطينيين من كانوا يتعايشون بيننا والآن يعيشون في دول الغرب والولايات المتحدة الأمريكية وقد ارتقوا إلى مراتب العلماء في الفلك والذرة وغيرها من العلوم الطبيعية والإنسانية أمسينا نحن بأمس الحاجة إلى هؤلاء الأكاديميين وأدمغتهم لننهض بمجتمعنا ومؤسساتنا القاحلة من الكفاءات هل لهذا السبب نحن متأخرون في عملية التنمية الاجتماعية التي تحتاج بالدرجة الأولى إلى الموارد البشرية المتخصصة أم سنظل نصوت إلى برنامج سوبر ستار العرب الخالعة التي تسوّق وتلقى رواجا في المجتمعات العربية وإلى متى هذا الانحطاط بكرامتنا وإنسانيتنا العربية الأصيلة وإلى متى سنبقى ننعت الزمن مع أن الزمن لا يتغير هو كما هو ولكن البشر هم من يعبثوا بعقاربه.

والجدير بالذكر أن الكثير ممن لا يحملون المؤهلات الأكاديمية قد أطلقوا العنان والمحاولات الماراثونية للحصول على الهجرة ولم يتم الموافقة على طلباتهم وفي المقابل نجد من يحملون المؤهلات والكفاءات تأتيهم الموافقة بسرعة غريبة ألم نفكر في هذا السر العجيب؟! ألم نجلس مع أنفسنا ونضع الاحتمالات الجدلية لمثل هذه الكارثة المحدقة بنا وما أعتقده له دوراً كبيراً في ذلك هو مساهمة الوكالات اليهودية والموساد الإسرائيلي بالتنسيق مع حكومات البلدان المختلفة في أوروبا بالتخطيط المنهجي لتفريغ الأراضي الفلسطينية من خيرة شبابها وعقولها الفذة والأشد غرابة أين دور مؤسسات المجتمع الفلسطيني فمن عقد الندوات وتخصيص حلقات النقاش لوضع حد لهذا التدهور الخطير ومعالجة هذا الوباء الذي كثيراً ما تجاهلناه.. كذلك أين دور السلطة الفلسطينية بوزاراتها المتعددة لماذا لا تفتح الأبواب لقبول طلبات الأكاديميين ومنحهم الفرص تحت نبد تعيين الكفاءات ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب واللائق وأين دور الأجهزة الأمنية في كبح جماح هذه الظاهرة الأشد خطورة من الاحتلال فقبل أن نلوم الاحتلال ونجعله شماعة لتعليق فشلنا الذريع وحبلاً لنشر غسيلنا القذر لنوجه اللوم والانتقاد لأنفسنا أولاً ولنستبصر بقضايانا العالقة لوضع البرامج الإنشائية والوقائية والعلاجية إن تطلب الأمر نساهم في وضع حل جذري لها حتى لا ندور في دائرة مغلقة وحتى لا تسجل ألواح التاريخ الفلسطيني الاتهامات بتدميرنا الإمكانيات وتحطيم العقول فنحن بعدنا في مرحلة التكوين والإعداد والبناء لتجسيد حلمنا الفلسطيني على أرض الواقع وإثبات أنفسنا فالفرصة أمامنا لنستثمرها جيداً قبل أن يستثمرها الاحتلال بعكس رغباتنا وأمنياتنا الوطنية

 

 

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة

المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل  الكاتب  وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز