النكبة تلو النكبة والمذبحة تلو المذبحة
بقلم / نضال فتحي العرابيد
كـــــاتب وناقـــد سيــــاسي
مكتب الرئيس عرفات - غزة
nedal elarabeed <nedal981@hotmail.com

كاريزما الرئيس الراحل عرفات جعلت منه اسطورة


(من يكفكف دموعنا في ليلة عيدنا وقد رحلت زعيمنا فالعيد أنت وبرحيلك لا عيد لنا )تلك هي احدى الرسائل الشهيرة التي تناقلها محبين الرئيس الراحل عرفات وتسابقوا يرسلونها لبعضهم عبر هواتفهم الخلوية يواسون بعضهم بعد موراة الثرى لجثمان الرئيس عرفات في مقره في المقاطعة بمدينة رام الله قبل عيد الفطر بيوم هذه المقاطعة التي اكتسبت شهرة نتيجة لصمود الزعيم عرفات بين جدرانها المتهاوية محاصراً لمدة لا تقل عن العامان ونصف العام احكمت عليه قبضة شارون والياته العسكرية حصاراً خانقاً لربما عقاباً للرئيس عرفات وثمناً لعناده السياسي وكاريزما شخصيته التي عبرت عن رفضها المطلق لتقديم اي تنازلات للجانب الاسرائيلي .

 حقيقة ان المرض المجهول الذي اصابه وعجز الاطباء الفرنسين عن تشخيصه في مستشفى بيرسي العسكري في باريس وقلقلة التقارير الطبية والفحوصات التي اوضحت ان الرئيس يعاني من اللوكيميا في الدم وتارة تقول انه عاني من تكسر في صفائحه الدموية وتارة تتوقع انه يعاني من تسمم في الدم ، ولربما ان هذا التوقع الاخير هو الارجح برأي لان شارون كثيراً ما شدد في لقاءاته الاخيرة بان مصير الرئيس عرفات هو مثل مصير الشيخ احمد ياسين مؤسس حركة حماس التي اغتالته طائرات اسرائيلية بمتابعة شارون لعملية الاغتيال هذا من جانب اما من جانب اخر فان الاعلام الاسرائيلي كان يكشف لنا في فترة ركوض عرفات في سريره العيادي انه اقترب موعد موته ولم يبقى له سوى ايام ثم لاحظنا ان الاعلام الاسرائيلي وصحيقة يديعوت احرونوت الاسرائيلية الناطقة باللغة العربية كانت تعلن عن خبر وفاة الرئيس اكلينيكياً وحتى ان التلفزيون الاسرائيلي اكد خبر وفاة عرفات قبل ان يعلن المصدر الرسمي الفرنسي او الفلسطيني وهذا دليل قاطع على الايدي الخفية للموساد الاسرائيلي الذي لعب مثل هذه اللعبة القزرة قبل اعوام وقامو بتسميم السيد خالد مشعل مسؤل المكتب السياسي لحركة حماس في عمان ونتيجة للضغوطات اجبرو على كشف شيفرة المضاد لهذا التسمم الذي انقذ حياة مشعل ولكن الحالة بالنسبة لعرفات فهي مختلفة جداً لان اسرائيل لو كشفت النقاب عن دسها السم لعرفات قد يقلب المعادلة في الاراضي الفلسطينية والشرق الاوسط ضد اسرائيل وحينها ستجدد حركة فتح مسلكياتها الثورية وستكون لحظة حاسمة لخروج الميثاق الوطني من عنق الزجاجة مبشراً باستئناف مرحلة الكفاح المسلح الذي يدعو الى قيام دولة فلسطينية واحدة ولم يعترف بوجود شرعي لقيام ما يسمى بدولة اسرائيل .

 اما بالنسبة لتضارب الانباء ما بين موت عرفات ودخوله في غيبوبة ما بين الموت والحياة قد اربك القيادة الفلسطينية التي شاهدنا ملامح الاضطرابات على وجه مسؤليها وما كانت تعقده من اجتماعات ماراثونية لما بعد عرفات وهذا بالتالي ادخل المواطنين الفلسطينيين وخاصة اللاجئين في دوامة من الحرب النفسية الضروس التي ازهقت مشاعرهم واحبطت معنوياتهم لمدة اربعة عشر يوماً ادخلتهم مرحلة التخدير النفسي ، حيث كان الرئيس في تلك الايام المنصرمة يتصارع مع الموت حتى اتت الحقيقة التي لا شك ولا جدال فيها وبدت الصورة قاتمة وسوداوية عندما اعلن رسمياً على لسان الطيب عبد الرحيم امين عام الرئاسة الفلسطينية خبر وفاة الرئيس صبيحة يوم الخميس الحادي عشر من نوفمبر تشرين الثاني ، والموع تترغرغ من مقلتيه حينها شلت الحياة في الاراضي الفلسطينية ولم يعد الفلسطينيون قادرون على تصديق القدر لما الم بهم من مصيبة افجعت افــئـدتهم واربكت كيانهم ، ليس فقط محبين عرفات وحدهم الذين صدمو ا نتيجة رحيله وغيابه عن الحياة الفلسطينية بمناحيها المتعددة بل كل من عايشوا هذا الرجل وعاصروا سيرته التاريخية بما تحتويه من نضال حافل سيما معارضوه من حركة فتح ذاتها او حتى خصومه ومنتقدوه من اليساريين او اليمينيين من التيار الاسلامي كلهم تأثروا برحيل الرئيس عرفات ولست ابالغ لانني من احد العاملين في طواقم امن وحماية الرئيس عرفات ، لكنها الحقيقة التي طالما لازمت سيرة الرئيس وصنعت من خصائص وسمات شخصيته الكاريزماتية محبين كثر مع العلم بان البعض اختلف مع بعض سياساته وقراراته التي طغت على روح المؤسسة الفلسطينية الا انهم وبرغم اختلافهم معه كانوا متفقين عليه متقربين منه على ما يبدو قد يعود الامر كما اسلفت نتيجة كاريزما الرئيس عرفات وبناءه السيكولوجي وحنكته السياسية ، كذلك براعة زاك الزعيم في فن ادارة امور الشؤون الفلسطينية وتاريخه النضالي الذي تجاوز اربعة عقود قاد خلالها احدث حركات التحرر الثورية في التاريخ الحديث المعاصر متنقلاً بين عواصم الدول العربية والاجنبية طالباً الدعم الشرعي لنصرة القضية الفلسطينية ، ايضاً قوة خطابه السياسي الذي جمع ما بين المتناقضات ومن له علاقة بعلم المنطق يجزم بان هذا العلم يؤكد على استحالة اجتماع النقيضين معاً الا ان الرئيس عرفات احبط هذه القاعدة وخيب نظرية ارسطو ومناطقة العصور المختلفة وتفنن بنجاح لم يسبق له مثيل في جمع النقيضين معاً بدليل انه كان محارباً شجاعاً يتحلى بالروح العسكرية القتالية وفي نفس الوقت باحثاً عن السلام الحقيقي يرفع غصن الزيتون بيد ورافعاً البندقية بيده الاخرى .

 لقد كان رمزاً للمقاومة المشروعة التى ضجت فراش رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون وفي حين اخر رمزاً للسلام يطالب اللجنة الرباعية بالاسراع في تطبيق بنود خطة السلام المسماة بخارطة الطريق ، والاكثر اثارة للعجب انه كان يحجم معارضوه بجناح وفي نفس الوقت يحنو بهم بحنية ابوية وسياسية يضمهم تحت جناحه الاخر ، وبصريح العبارة لا يسعنا ككتاب الا ان نسميه الرجل الذي دخل موسوعة جينس بعبقريته التي اضرمت النار في جبل من الجليد .

 فمن منا كفلسطينيين وبخاصة منتسبي حركة فتح التي كان يقودها الرئيس توجسنا لما شهدته هذه الحركة من صراعات دراماتيكية داخل بناءها التنظيمي ولم ننكر بان الرئيس كان يتفنن وينجح في احتواء تلك الصراعات بذكاء خارق للعادة محافظاً على نسيج هذه الحركة يزيدها قوة وصلابة ، ايضاً ما من صراعات حدثت بين الفصائل والقوى الوطنية والاسلامية الا وبحث لها الرئيس عن مخرج دون اي اضطرابات او حسارة تزكر ليثبت في كل مرة انه طبيب جراح بسياسته يستئصل الغدد الملتهبة بالصراعات قبل ان تتحول الى معضلات يعطي الوصفة ويعالج الداء يلملم الجراح ويحتوي الأزمات الفلسطينية والوعكات السياسية بأعجوبة لم تخطر ببال احد ، لقد احبه الفلسطينيون نتيجة تمسكه وعدم تفريطه بالثوابت الفلسطينية رغم الضغوطات العربية والاجنبية حتى انه نجح في التعامل مع المعير الازدواجية للادرات الامريكية في متظورها للقضية الفلسطينية ولم تنجح ادارتي كلنتون الديمقراطي ودبليو بوش الجمهوري في الغط عليه حتى عجزت الثانية في تعاطيها مع سياسة عرفات واتهمه رئيسها بوش بل امطره بالاتهامات التي تصفه بالعقبة التي تحول دون تطبيق عملية السلام ولسنا مبالغاً او مغالياً حينما اقول بان الكثير من الفلسطينيين لم يصدق خبر وفاة عرفات وسخرو من القدر حتى ان البعض منهم ردد عبارة (لقد دفنت نصف القضية الفلسطينية معك ايها الزعيم ) اثناء موارة جثمانه الثرى وقد يعود ذلك حسب تقديري لان الجميع يعتقد ان الرئيس عرفات هو عملاق القضية الفلسطينية او بمعنى اكثر دقة انه الوحيد الذي ادرك قواعد اللعبة الاسرائيلية وفهم ابعاد القضية الفلسطينية ولب الصراع الفلسطيني /الاسرائيلي وخبره جيداً ايضاً صاحب النفس الطويل في البحث عن الحلول الابداعية حتى وهو قابع تحت الحصار في رام الله فبصبره وجلده كان له نصيب من مديح الكتاب والسياسيين بان وصفوه بانه يحاصر حصاره ويثبت للجميع بانه الاقوى كما عودنا دائماً : فعلاً لقد غاب عرفات ولكن فكره باقي بوجداننا نحن الفلسطينيين وسيبقى في وجدان الملايين من الاحرار في العالم باسره وسيرته سيتصارع الكتاب والادباء على تدوينها بما فيهم الكتاب اليهود من المحايدين والمحبين للسلام بمفهومه العادل ، كيف لا وانا استحضر في ذهني صورة الغلاف للكتاب الشهير للكاتب اليهودي الفرنسي السيد (أمنون ) له مني كل التقدير والاحترام هذا الكاتب المحايد والذي جمعته صداقات حميمة مع الفلسطينين ومع الرئيس عرفات بخاصة كان كتابه عبارة عن سيرة لحياة عرفات وهو على قيد الحياة هذه السيرة مكونة من 400 صفحة بعنوان (عرفات الرجل الذي لا يقهر ) نعم انها حقيقة تعبر عن واقع تراجيدي مؤلم فقد عجز رحم فلسطين ان ينجب مثل الرئيس عرفات بكل المقاييس والخصائص ، وبغيابه يكون قد ترك الزعيم الراحل فراغات متعددة سياسية وثورية وعسكرية وسيكولوجية وعاطفية جعلت منه اسطورة لن تموت بموت صاحبها ولن يستطيع خلفه ملؤها مهما تمتعـوا من قدرات فبدونه اصبحنا ايتام واصبحت قضية الشعب الفلسطيني ايضاً يتيمة الاب والمعلم والقائد .