|
الرد العربي على مشرع الاصلاح الامريكي ...تعزيز الديكتاتورية
Sunday May 22, 2005
عندما طرحت الولايات المتحدة الأمريكية مشروع إصلاح الشرق الأوسط وحددت الإطار
الخارجي لهذا المشروع بإقامة نظم ديموقراطية وفتح الباب أمام التبادل السلمي
للسلطة وللتعددية السياسية، نظر الحكام العرب ومثقفيهم إلى هذه الطرح على انه
تدخل أمريكي في الشؤون العربية وانه مشروع لتركيع العرب لصالح إسرائيل.
وقيل بان هذا المشروع هو امتداد لرؤية شيمون بيرس للشرق الأوسط الكبير الذي
تسود فيه إسرائيل. وشدد العرب على أن الإصلاح يجب أن ينبع من الداخل.
ولو تأملنا هذه العبارات لوجدنا أنها تحمل تناقضا يثير التقيؤ في وجه قائليها
من حكام عرب أو مثقفين يعملون لديهم.
فبداية، يحق لنا أن نتسائل لماذا لم تنبع هذه الإصلاحات على طوال الثلاثة عقود
الماضية. وهي فترة البداية لتركز الأنظمة الديكتاتورية العربية وهي في المقابل
فترة النهاية للصراع العربي الإسرائيلي الرسمي الذي تتولاه هذه الأنظمة. وقد
شهدت هذه المرحلة أيضا إرهاصات المد الأمريكي في المنطقة العربية وحالة
الاستئناس التي ابداتها هذه النظم نحو السياسات الأمريكية لتبلغ مرحلة الأوج في
بداية التسعينات في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي.
فكما قال الأستاذ هيكل في حلقاته وهي التي بمثابة شهادة على العصر، بان
الأوروبيين قد حذروا من أن الأمريكيين قادمين بخطة للشرق الأوسط وان على العرب
أن يردوا بخطة بديلة ويقطعوا الطريق على الأمريكان. إلا أن ماحدث هو أن استمرت
الأنظمة العربية في غيّها وخوضها في دماء شعوبها بنسبة 99.99%. واستمرت بحالة
تطبيق القوانين البوليسية وحظر الأنشطة السياسية والأحزاب – وان وجد بعضها الآن
فهي إما غير فاعلة أو مجرد أبواق سلطوية- وراحت تعلن بأن حفظ امن الوطن هو
مسالة مقدسة لمجابهة العدو المواطن.
وبذلك فقد رسخت الأنظمة العربية حالة من الجمود السياسي والاجتماعي حيث تكتفي
بالتواصل مع الجماهير عبر الأجهزة الأمنية مما أدى إلى حالة من التعفن في نسيج
الدولة في جانب لأنها لم تعمل على تطوير آلياتها أو الارتقاء ببنيتها وفي
النسيج السياسي في الجانب الأخر حيث عملت دائما على تحجيمه أو إقصائه أو تقييد
حركته.
من ناحية ثانية حبست هذه الأنظمة ونخبها ومن لف لفيفهم نفسها في أبراج عاجية
فانفصلت عن الواقع المأساوي الذي يحياه العربي. فالعربي يغرق في بحور من الجهل
والتخلف والأمية بينما تنعم هي بملذات الحياة. حتى أن لغة الخطاب التي يسمعها
العربي في المذياع أو التلفاز لاتعكس حقيقة ما يحياه على ارض الواقع وما يعانيه
على أيدِ هذه الأنظمة. فبدت هذه النظم في نظر الكثير كنظم مريضة بفصام سياسي
وأخلاقي. وأصبحت هذه النظم تنظر إلى العربي بأنه رعاع أحمق وانه كطابع البريد
الذي يزداد التصاقاً بك كلما بصقت عليه.
وقد صحب هذا عملية تمرير متقنة لكافة المشاريع الأمريكية للمنطقة. فمن حرب
الخليج الأولى إلى أفغانستان والجهاد إلى حرب الخليج الثانية والثالثة وما
بينهما من اتفاقيات كأوسلو ووادي عربة واللتان سبقتا بكامب ديفيد السادات نلاحظ
بأن الفساد والديكتاتورية كانتا تنبعان من الداخل والخارج سوياً.
فعملية السلام وحدها مهدت الطريق أمام إسرائيل عن طريق عرابها في الخليج الملك
البائد حسين بأن تفتح مكاتب تمثيل دبلوماسي وتجاري ومؤسسات ولن يكون آخرها مكتب
إسرائيل في ابوظبي أو تملك العراق ابتداءً من شماله.
فالمهزلة بأن حكامنا العرب أساتذة في علم الفساد والعمالة وليسوا بحاجة لضغط من
الخارج ليركعونا ولتسييد إسرائيل علينا. ويبدوا بأن هذا هو برنامجهم الذي ردوا
فيه على الأوروبيين.
وما نراه ألان من ترسيخ لمرحلة ديكتاتورية جديدة قادمة بدأت من بشار الأسد في
سوريا حتى قبل أسابيع من عملية تفصيل الدستور اللبناني وما سنراه لاحقا في مصر
من عملية مسح لكرامة الدستور المصري إنما هو امثل رد يبديه الحكام العرب على
مبادرة الإصلاح الأمريكي وتأكيد على ينابيع الخير التي لم تكتشف بعد في مؤخرة
الحاكم.
إن حالة الفصام السياسي والأخلاقي التي تعيشها الأنظمة العربية بلغت حداً تجاوز
المعقول. ففي لبنان مازال "مسيو" لحود يتغنى بالديموقراطية اللبنانية ويوجد
المبررات لسلب السلطة بضرورة المرحلة ولإتمام مافشل في إتمامه في المرحلة
السابقة. وفي مصر يتهيأ الريس لتوريث ارض الكنانة وشعبها لولده لتكون إقطاعا من
أقطاعاته. فلا احد يقدر على الوفاء بمتطلبات المرحلة إلا مبارك وعائلته التي
اصطفيت وفضلت على العالمين.
من الواضح بأن إسرائيل لاتحتاج لخطة أمريكية لتسيطر على الشرق الأوسط فالحكام
العرب يؤدون المهمة على أتم وجه ومن دون خطط. ولولا أن الحكام العرب شعروا بأن
مبادرة الإصلاح الأمريكي جاءت لتهدد امتيازاتهم وعروشهم لما رفضوها بهذا الشكل.
ايمن نزال |