|
لمصلحة من اختطف هؤلاء
قد نجد تفسيراً لاختطاف الأتراك والنيباليين والهنود وغيرهم ممن يأتون للعراق
للعمل مع الأمريكان سواء في مجال البناء أو النقل. ولكن ما لا يمكن تفسيره ولا
إيجاد سبب منطقي له هو اختطاف الصحفيين أو موظفي المنظمات الإنسانية.
فقد كنا في بداية الحرب نستهجن سيطرة أمريكا وبريطانيا على الإعلام وإجبارهم
الصحفيين على تغطية أمور محددة ومعينة تم اختيارها مسبقاً. ومن كان يغامر من
الصحفيين ليغطي خارج الإطار المنصوص عليه كان يتعرض في الغالب للقتل. وكنا نعرف
بأن الهدف من ذلك هو التعتيم الإعلامي على الجرائم التي ارتكبتها أمريكا في
طريقها إلى بغداد.
و ما نشهده حتى ألان من قتل للصحفيين وإغلاق لمكاتب المحطات الإعلامية ما هو
إلا استمرار لنفس المسلسل، حتى لا تكون هناك إلا حقيقة واحدة وهي تلك التي
يملكها مجلس العهر المحلي وقوات الاحتلال. وفي كل مرة كان يقتل فيها صحفيا أو
تغلق فيها محطة كانت ترتفع الصيحات من جميع أرجاء العراق والوطن العربي بأن
هناك مجازر ترتكب بحق العراقيين يراد التغطية عليها.
ولكن عندما يكون الخاطف هو العراقي نفسه وبالأخص عندما تكون جماعة إسلامية
أصبحت معروفة بعد عدة عمليات قامت بها ضد قوات الاحتلال فمن المستفيد من ذلك؟
لمصلحة من يتم خطف صحفيين فرنسيين قدما إلى العراق لنقل صورة الواقع وإسماع
العالم اجمع عويل الدبابات الأمريكية وهي تهرس عظام العراقيين صباح مساء
ولينقلوا صورة الأجداث الممزقة والمختلطة بصفيح القنابل والصواريخ.
والأدهى من ذلك كله هو أن يطالب الخاطفين فرنسا بإلغاء قانون الحجاب أو ما سمي
خطأ وزوراً بقانون الحجاب حتى تبقى الصورة بأن المسلم والإسلام مستهدفان
دائماً. وإنما سمي القانون بقانون إلغاء الرموز الدينية ليشمل أي دين. ولا أدري
أي تخطيط وذكاء تتمتع به مثل هذه الجماعات الإسلامية لتنقل صراعها بهذا الشكل
المهين إلى فرنسا وتستخدم أشخاص أبرياء ككبش محرقة. وكأن مشاكل هذه الجماعات
انتهت مع الأمريكيين وبأنهم رحلوا من العراق.
ثم وجدت هذه الجماعة والمسماة بالجيش الإسلامي نفسها في مأزق حرج فوضعت شروطها
الثلاثة المهزلة والتي من بينها الشرط الأهم وهو خمسة ملايين دولار. إذا
العملية لم تكن انتقاما للحجاب الذي تم حجبه في فرنسا ولم تكن دفاعا عن حقوق
المسلين في العالم بل هي قضية مادية بحته. وبذلك تستمر هذه الجماعات الإسلامية
ابتداءً من القاعدة وحتى اصغر جماعة في العراق في استقطاب عداء العالم للمسلمين
بشكل عام وللعرب بشكل خاص ثم يبدأ الصياح لماذا يستهدفنا العالم.
وفي المقابل فإن هذه الجماعات الإسلامية – وهي إسلامية حقا فأرجو أن لا يدعي
احد بأنها لا تمثل الإسلام- تعمل على مسخرة وتسفيه نضال الشعوب من اجل التحرر
بأفعالها وتريد عزل المسلين عامة تحت اسم الدفاع عنهم، ليدخلوا العالم الإسلامي
في تجربة العصور الوسطى الأوروبية فنصبح كالمستجير من الرمضاء بالنار بهروبنا
من أنظمة الحكم الديكتاتورية إلى الأنظمة الدينية الظلامية. ولو كانت هذه
الجماعات تستطيع أن تروج لأفكار خلاف الجهل والتخلف لما كانت نسبة الأمية في
أفغانستان 80%. ولسنا في حاجة كبيرة للتدليل على أفعال هذه الجماعات ابتداء من
سوريا ثم مصر والجزائر مرورا بافغانستان وليس انتهاءً بالعراق.
وإنني لا أرى أي مبرر أخلاقي لخطف موظفي الإغاثة الايطاليين والذين جاءوا
للعراق لمساعدة العراقيين إنسانيا. ولتأمين الاحتياجات الدنيا التي تعين
الإنسان في الاستمرار على الحياة. فعمليا وجود ايطاليين وحتى أمريكيين أو
بريطانيين يعملون في منظمات إنسانية في العراق وغيره من مناطق الصراع هو بمثابة
رسالة واضحة منهم عن عدم رضاهم عن مواقف دولهم وإنهم يغلبون الجانب الإنساني
الذي اختاروه كمنهج ويرتقون به عن أية خلافات سياسية. فهل جزاء الإحسان إلا
الإحسان.
بالطبع هذه الأمور وغيرها لا تخدم العراقيين ويتعدى ضررها وأثرها العراق ليشمل
العرب كافة. فلم تعد هناك حاجة بعد إلى أن تنتج هوليوود أفلاماً تعمل فيها على
تصوير العربي كمسخ وإرهابي وشخص غارق في الملذات والدم على حد سواء. لأننا ألان
نملك هذه الإمكانيات بأيدينا ولنا قدرة على إتقانها فأهل مكة أدرى بشعابها
والقرآن والسنة موجودان وكل جماعة تفسرهما كما تشاء وتجد فيهما ما يرضي توججها
من حجج وآيات وأحاديث وهي بذلك تعمل على تسفيه الدين وأهانته وجعله الواجهة
الأولى التي تتلقى صدمة رد فعل الطرف المقابل. ثم يبدأ الصياح من جديد بأننا
مستهدفون.
أيمن نزال
14/9/04 |