|
جريدة عرب
تايمز وأجهزة المخابرات العربية
وموقف المواطن العربي منها
استوقفني ما كتبه احد الأشخاص في العرب تايمز بعنوان رسالة من احد ارصفة
الجامعة. و أعادني لذكريات أيام الجامعة والتي هي ليست بالبعيدة جدا إلا أنها
تبدو الآن مشوشة بسبب هموم الغربة واختلاط حلوها بمرها في تجانس غريب. وهي في
تشابهها لما كتبه هذا الزميل تصيبني بالغثيان والاشمئزاز لأنها تدل على أن
الحالة العربية لم تتحسن قيد أنملة.
فقد درست في إحدى الجامعات الأردنية والتي تماشت مع التوجهات العوراء للملك
البائد في عام 1998 في حرية نقل المعلومات ورفع القيود عن الصحافة والمطبوعات
تكميلا للمسيرة الديمقراطية المشلولة. وعلية فقد افتتحت الجامعة مقهى للانترنت
كان يرتاده الطلبة لتمضية الوقت في الدردشة مع جانيت في امريكا او مع كيرستي في
استراليا. وكان هذا التوجه محمودا عند إدارة الجامعة ومكتب المخابرات.
و في يوم من الأيام دعاني زميل يدرس علوم الكمبيوتر للمقهى مع شخص ثانٍ وباح
لنا بسر عظيم ، وقال بأنه سيطلعنا على موقع لم تعرف العرب مثله من قبل موقعاً.
واقسم علينا أغلظ الإيمان بأن لا نفشي بسره حتى لا تطير رقبته ورقبة اللي خلفوه
خصوصا وانه ليس مواطنا أردنيا وإنما من الأعراب المغضوب عليهم في دول عده.
وحينها وقعت عيني على موقع العرب تايمز. وبخبرة هذا الزميل فقد كان يعمل على
كسر البروكسي والدخول للموقع. ومن حينها اخذت انتظر موعدي معه لنتصفح الموقع
ونقرأ عن "بعبوص الاسبوع" وعن" خبرطازه وتعليق اطزز منه" المصحوب بصورة البقرة
الشهيرة.
والملاحظ ان حرية نقل المعلومات المزعومة قد شملت العديد من المواقع الا انها
لم تشمل موقع العرب تايمز والذي كان محظورا حظراً شديدا، لدرجة اننا عندما كنا
نتوجه للمقهى كنا نلتف حول شاشة الكمبيوتر لنغطيها فلا يرانا احد. وهذا الحظر
هو ليس حكرا على الاردن وحدها بل هو كذلك في العديد من الدول العربية والتي لا
تحظر المواقع الجنسية، لكنها في المقابل توظف كل طاقتها لحظر العرب تايمز.
ويبدو بان أجهزة المخابرات العربية تريد من هذا العربي أن يبقى مشغولا بفرجه
وشهوته عن عقله. وتريد للعربي كلما حاول التفكير أن يضع يده على عضوه التناسلي
فتتقدم أهميته على ما غيره. وكنت احمد الله ان العاملين في جهاز المخابرات
الأردنية جلهم من الجهلة والأغبياء والمتخلفين الذين لا يحسنون فك الخط العربي،
لذلك لم يكن هناك أي حظر على المواقع الانجليزية والتي لا يعرفوا أن يقرؤا منها
كلمتين.
لقد كانت العرب تايمز ومازالت حالة طليعية في الصحافة العربية على الانترنت.فهي
التي تعمل عمل الصدمة الكهربائية المنبهة للعقل. وهي أول صحيفة من نوعها على
الانترنت لهما ما يميزها من خصائص لا تحظى بها أي صحيفة عربية أخرى على
الانترنت. فهي التي قلبت موازين المعادلة بعدما كانت أجهزة المخابرات هي التي
تفرض بسطوتها أو مالها ماذا يجب ولا يجب ان يكتب في الصحف وما يجوز ولا يجوز أن
يتداوله الناس بينهم، انتقلت هذه الأجهزة إلى حالة الدفاع والانكفاء مهزومة بعد
كل محاولة فاشلة لحجب الموقع.وشعرت هذه الأجهزة بل وتيقنت الآن بأن حالة
الاستنفار والاسوار العالية المفروضة على الوطن وعلى عقل العربي قد انهارت وان
هذه الأجهزة فقدت هذا الصولجان الذي أحاطت نفسها به قبل بدء عصر التنوير.
واستفادة العرب تايمز من ثورة المعلومات الرقمية واستغلتها على أحسن وجه لتصل
الى كل بلد عربي ولتعمل على حرية توصيل الخبر ونقله بكل مصداقية في مواقف شتى.
ومما زاد الأمور تعقيدا على أجهزة المخابرات بأن اللغة المستخدمة في العرب
تايمز هي اللغة الساخرة التي تحمل في ثناياها مرارة الحالة العربية المترديه
ولكنها أيضا اللغة اليومية التي يتحدث فيها المواطن العربي العادي المسحوق
والمبطوح ارضاً. وبرغم من ان الكثيرين و أنا منهم قد يبدون تحفظهم على المستوى
اللفظي الموجود في بعض اخبار العرب تايمز– لست هنا لاجد مبررات لاحد- إلا أن
هذا ما ساعد على انتشار الصحيفة لحد ما. فهذا ما يتمنى ان يتحدث به المواطن
العربي و أن يشتم و ينعت به الرئيس وجهاز المخابرات في بلده وهي اللغة التي
يتداولها في جلساته مع اصدقائه المقربين أو زوجته. وعلية فقد وجد هذا العربي
المسحوق صحيفة تتحدث بلغته وتفهمه ويفهمها و تحمل همه فزاد اقترابه منها وتعلقه
فيها. ولكن ذلك لا يعني ان تتحول الصحيفة الى منبر للشتائم أو الى منبر لشتائم
تحوي اجزاءً من مقالات.
العرب تايمز هي صحيفة من لا صحيفة له. هي للقاريء الذي لا يريد ان يجتر مخلفات
اجهزة المخابرات والذي مل من الديباجة المعهودة في الصحف المحلية والعديد من
الصحف العربيه المحشوة بترهات من مثل بال الرئيس على نفسه وتبرز الملك على
وزيره. حيث يصبح البحث عن الخبر المجرد من أي محسنات لفظية هو الأساس عند هذا
المواطن الذي يريد أن يعرف كيف باعه الحاكم هو وزوجته و أولاده لقاء حفنة من
الدولارات وقبلة على يد مادلين اولبرايت. وحين تصبح قراءة الخبر من غير رتوش
وبعيدا عن مقص الرقيب مطلبا ساميا ومهما أكثر من رغيف الخبز. وهي كذلك بمثابة
النافذة التي يطل منها على وطنه ليعرف أسراره وخباياه وفضائح مسؤوليه الذين
ضحكوا عليه في مهزلة عربية سموها المواطن الصالح.
ويتواجد في العرب تايمز الكاتب المقهور الذي عارض القدر فغضبت عليه آلهة العقاب
في وطنه المسماة بالمخابرات. أو الذي يريد أن يدفع نحو التغير ولا تستطيع صحف
كثيرة تحمل كتاباته التي ستجلب لها وجع الرأس. وهي لمن يريد أن يقرأ آلامه بقلم
غيره ولمن يريد أن يستذكر أوجاع الماضي ودرب الآلام.
هذه العلاقة بين العرب تايمز و القارئ والكاتب العربي هي اقوي من أن يحجبها
جهاز مخابرات أو جدار ناري او بروكسي تفرضه حكومة بلهاء هنا أو هناك. فقد اختلط
الثلاثة في جدلية سمتها الأساسية الثقة المتبادلة بين الأطراف ووحدة الرؤية.
وهذا بالمحصلة يلقي بعبء ومسؤولية كبيرين على الصحيفة التي عليها أن ترتقي
دائما إلى مستوى الثقة لتستمر كما استمرت طوال هذه السنين. ولتمعن في اذلال
اجهزة المخابرات العربية التي لم تعد تقدر على ترقيع فضائح وخيانات الحكام
العرب.
07/09/04 |