|
رسالة مفتوحة
إلى الرئيس شافيز
دعني أعرفك عن نفسي يا سيدي. أنا عربي. ولست أدري لماذا أشعر بالخجل عندما أقول
كلمة عربي.
هل تعلم يا سيدي من أين جاءت كلمة عربي؟؟ .... إذاً إسمح لي أن أروي لك
الحكاية.
قالوا بان في الزمان الغابر وخارج حدود التاريخ كان يعيش قوم اسمهم "العرض".
والعرض في لغتنا أيها الفارس كلمة مرتبطة بالمروءة والشهامة و الغيرة و النخوة
وفي المقابل ترتكب باسم العرض في أوطاننا جرائم كثيرة. وقيل أيضا بان العرض
كانوا قوما ألوا باس شديد، كانوا يذودون عن الحوض بالسلاح و ينصرون المظلوم
ويبطشون بالظالم و يحكمون بالعدل. و توارثت الأجيال هذا النسك جيلا بعد جيل ومع
مرور الزمن بدأ العرض يتغيرون شيئاً فشيء وتسربت إلى نفوس سادتهم الأنانية
والخبث والخيانة و الدجل و بدئوا يمكرون لبعضهم البعض ويقتلون بعضهم البعض ولا
يراعون إلاًّ ولا ذمة وأخذوا يسفكون دماء بني قومهم ويستعبدونهم. ومع هذا
التغير في السلوك تغير اسمهم أيضا فأصبح اسمهم "العر". و العر يا سيدي النبيل
في لغتنا كلمة مرادفة للعار وقاك الله إياه. و العار كلمة مرتبطة بكل ما هو
نقيض للعرض.
اجتمعت أقوام العر بسادتها و نظروا في أمرهم فوجدوا أن اسمهم أصبح رذيلة وان
السنة العجم بدأت تلوكهم فقرروا أن يستروا عورتهم – وهي كلمة مرادفة للعار أيضا
– وان يضيفوا حرفا في نهاية اسمهم فكان "العرب". و بهذا خسر العرب أولى مقومات
عروبتهم وهو حرف الضاد الذي يميز لغتنا.
لم يستطع يا سيدي أن يقف العرب في وجه الفرس و الروم بل كانوا يتناحرون فيما
بينهم فكانت البسوس و داحس والغبراء. و ما أشبه الأمس باليوم. أما أنت أيها
النبيل فقد وقفت بوجه الروم. هل لديكم في لغتكم أو ثقافتكم تعريف لكلمة عرض؟
أنت يا سيدي وقفت لأمريكا فكنت نداً لها ففي دمائك يجري لهيب الثورة، أما نحن
فقد انطفأت نارنا مع أول برميل نفط غطسنا فيه.
أنت وقفت مع الوطن ووقف الوطن معك لتقول للروم بأن عصر الإقطاع والممالك ولّى
إلى غير رجعة. أما نحن فقد وقف حكامنا على الوطن وصعدوا على أكتاف ورؤوس
المواطنين ليأدوا السجدة الأخيرة لإله الاباطرة قبل أن يسلموا مفاتيح الكعبة.
ماذا تقولون يا سيدي لكلمة "الكرامة" في وطنكم. فقد نسينا معنى هذه الكلمة منذ
أمد، حتى أنها حذفت من قواميسنا. وهم الآن يدرسون أطفالنا في المدارس بأن
الكرامة تعني التنازل. أتعرف لماذا؟؟ لان كلمة كرامة في لغتنا مرادفة للكرم وهو
من شيم العرب. والكرم هو أن تعطي ما هو لك لغيرك عن طيب خاطر. ولهذا يا سيدي
فأول ما تنازل عنه المواطن العربي للحاكم هو كرامته. وبعدها تنازل حكامنا عن
نفطنا وهو الكرم بعينه ثم تنازلوا عن شرفهم وعن وطنهم وعن دماء شهدائهم و باديء
ذي بدء عن عرضهم كما رويت لك في أول الحكاية.
حدثني من فضلك أيها الحر، ألا تخشى من أن تفرض أمريكا عقوبات على بلدكم؟ ألا
تخشى أن ينام قومك جياعاً دون عشاء؟ عندنا يطأطئ الحاكم رأسه ويرفع مؤخرته
لأمريكا حتى لا يجوع شعبه وحتى يبيت الكل شبعاناً، هكذا علمونا في نشرة الأخبار
حتى ندعو للحاكم.
أرجوك أن تحدثني عن معنى المقاومة، فأنت قاومت أمريكا وقاومت مندوبي أمريكا في
وطنك. وقفت ضد البرجوازية وكنت كادحاً مع الكادحين ، أحسست بألم الضعفاء فكان
الألم يزيدك قوة ويجعلك متمسكا بالحق أكثر. لم تكن تتكلم كثيراً يا سيدي بل كنت
تعمل بجد من اجل المحرومين.
أما نحن يا سيدي فنحن أهل الكلام. ونتحدى أية امة أن تأتي بكلام ككلامنا. هل
تعلم بان العرب في الزمان الغابر كانوا يجتمعون من كل أصقاع الأرض في اكبر
جمهرة في موسم الحج في سوق عكاظ. كانوا يقضون أياما وأسابيع وهم يتبارزون
بالكلام فقط ويلقون القصائد الحماسية ويحتسون الخمر. وما أشبه الأمس باليوم.
أنت يا سيدي تستحق لقب الزعيم والمناضل والثوري وأبو الجماهير والنقي لأنك تدرك
بان ثروة الوطن هي لأبناء الوطن وبأنها ليست للتصدير وبخصم جمركي. ولأنك تريد
أن تجعل لبلدك وزنا في هذا العالم ولأنك تريد أن تكون حراً مستقلا ولا تريد أن
تكون عبداً. أما عندنا يا سيدي فحكامنا يستحقون لقب اللئيم والمخاتل و النوري
وناكح الجماهير والبغي لأنهم باعوا نسائنا وأطفالنا وباعونا مع الوطن. ومع كل
عربي برميل نفط مجاناً. خدعونا بالقاهر والظافر والحسين والعباس و اسامه وخليل
... هل خدعت قومك يا سيدي؟ وهل طأطأت رأسك وسلمت سلاحك بعد أول طلقة كما فعل
حكامنا؟
كم أتمنى أن اعرف ماذا قلت لصدام حسين عندما زرته قبل أربع سنوات؟ هل كذب عليك
وقال بأنه سيحرق نصف إسرائيل وانه سيترك النصف الأخر حسب التساهيل؟ نحن ملوك
الكذب والرياء يا سيدي، لقد أنجبنا مسيلمة الكذاب الذي لم تعرف البشرية مثله
كاذباً قط. ولدينا كذبة بيضاء وأخرى سوداء وكذبة مسطحة وأخرى مفلطحة. حكامنا
يكذبون علينا صباح مساء والجريمة أننا نصدق كذبهم ونصفق لهم.
لقد رأيت يا سيدي منظر الجماهير في بلدكم العزيز وهي تخرج للشوارع لتعبر عن
دعمها لك. وعلمت بأنهم خرجوا طواعية ومن تلقاء نفسهم لأنهم أحبوك بعدما آمنوا
انك أحببتهم وانك معهم ولست ضدهم وبعد أن صدقوك لأنك صدَقتهم.
أما عندنا فنحن نخرج كالغنم يسوقنا رجل الأمن بالعصي سوقاً. فالمدارس تعطل
إجباريا وعلى جميع الطلبة أن يخرجوا للشوارع ليحيوا الرئيس ومن لايذهب يرسب في
صفه. والدوائر الحكومية تعطل كرها وعلى الموظف أن يخرج وهو صاغر ليتبارك برائحة
النفط المحروق في عادم سيارة الحاكم ومن لا يخرج يفصل من عمله ويصبح نزيلا على
حساب الدولة في سجون المخابرات إلى ماشاء الله. ولأننا رعايا دولنا فللحاكم أن
يرعانا رعياً كما يشاء. أليس هذا هو الولاء أم أن هناك معنى أخر؟
أنت صادق يا سيدي مع نفسك ومع شعبك. فلا تخرج بخطب حماسية على شاشات التلفزيون
وفي السر ترسل الرسائل لأمريكا تستجدي رضاها. وأنت لا تعد شعبك بأن السماء
ستمطر عليهم ذهبا وفضة في حين تعلم بان ماهو قادم أصعب. أنت لاتنافق للعم سام
لأنك تدرك أن العم سام صاحب مزاج صعب وهو لايحب المنافقين بل يريد عبيداً.
أما نحن، فحكامنا سادة في النفاق والكذب. وبلا فخر فعبدالله بن ابي ابن سلول
المعروف بتاريخنا بأمير المنافقين هو عربي حتى الصميم – ألا ترى معي بأننا امة
صاحبة تاريخ عريق. حكامنا يكذبون علينا قبل النوم وبعد النوم ومابين الوجبات
ويخدعوننا بخطب وكلام. وهو نفس مافعله زعيم ثورة الفاتح الذي كان يقيم الدنيا
ولا يقعدها بخطبه الرنانة وفي النهاية كان قد سلم جميع أسلحته لأمريكا والعرب
في غفلة من أمرهم.
لا تتنهد يا سيدي فالحسرة اكبر من أي تنهيدة. هذا هو تاريخنا وحاضرنا وعصرنا
وعاصرنا يغص بالأوجاع ويفيض بالخيانات والتنازلات. ونحن الشعوب مازلنا نتصارع
على ألِّف ولا تؤلفان.
هل عرفت الآن لماذا اشعر بالخجل عندما أقول باني عربي؟؟
23/8/2004 |