|
الحوار الديني
" الحوار الديني" تختلف وتتنوع أطرافه ، وأهدافه ، ومستوياته ، وأساليبه .
فالأطراف المتحاورة تختلف ، وتتنوع ، فقد تكون من رجال دين ، أو أكــــاديميين
متخصصين في الأديان ، أو ناشطين في العمل الخيري ، أو المهتمين بتعظيم دور
الأديان في نواحي الحياة المختلفة ، أو خليط من هؤلاء وأولئك.
وأهداف الحوار أيضًا تختلف ، وتتنوع ، فهناك حوارات تبحث عن تفاهم متبـــادل ،
أوتعارف أعمق ، وهناك أخرى تبحث عن القيم المتفق عليها ، وهناك حوارات تبحث
عــن موقف مشترك من قضية بعينها ، وهناك حوارات ذات أغراض سياسية... وهكذا.
وأساليب الحوار تختلف ، وتتنوع ، وطريقة "استدعاء الدين" أيضًا تختلف ، وتتنوع
؛ فهو يُستدعى كتجربة روحية أحيانًا ، ويستدعى كتاريخ وممارســــة أحيانًا أخرى
، ويستدعى كنصوص مقدسة أحيانًا ثالثة ، أو كقيم مجردة ، أو كواقع حي يومي يتحرك
على أرض الواقع.
ويختلف الحوار ويتنوع في نطاقــه واتساعه الجغرافي بين المحلي والإقليمي
والدولي ، وفي تحديده للأديان ، فقد يقتصر على الأديان السماوية المسماة
بـ"الإبراهيمية" ، وقد يتضمن ديانات أخرى مثل: الهندوكية والبوذية وغيرها ، وقد
يكون داخل دين واحد بين مذاهب وطوائف شتى ، أو بين دين وآخر، أو بين عدة أديان
في وقت واحد.
لذلك من الخطأ انتقاء وجه واحد وإصدار الحكم عليه بالسلب أو بالإيجاب وسط ظاهرة
متعددة الوجوه .
ومن الملاحظ وجود تحفظات ـ وبخاصة لدى الإرهابيين المسلمين ـ بشأن الحوار
الديني ، وهي مبنية ـ لديهم ـ على أساس إدراك يحتاج إلى إعادة نظر في حد ذاته.
فهم ينظرون إلى الغربيين مثلاً بوصفهم "أهل الكتاب" الذين تحدث القرآن في مواضع
عن عداوتهم للمسلمين ، وبأن الحوار معهم لا طائل من ورائه ، وأن الإسلام بوصفه
الدين الحق لا يحتاج إلى الحوار مع أهل الباطل ... إلخ.
وهذا منطق خاطئ وإدراك معيب أصلاً يتجاهل آيات تدعو للجدل بالحسنى ، ويُسقط
التاريخَ من حساباته فيتسرع في إصدار أحكام على أسس خاطئة.
ففي التطور التاريخي الغربي تخلصت أوروبا من سلطة الكنيسة ، وفصلت بين الكنيسة
والدولة ، وكان من أسباب التقدم والرقي الحضاري الأوروبي أن أوروبا بحثت عن
عقيدة ودين خارج عباءة القساوسة التي رأتها ضيقة ، والأمثلة التاريخية عديدة .
وبالرغم من ذلك يصرّ كثير من المسلمين ـ خصوصا الإرهابيين ـ على إدراك ناقص
مشوه لكثير من أفكار ودوائر الحوار بوصفها وجها من وجوه المؤامرة التي تستهدف
الدين ، ويتعاملون معها بكثير من القوالب اللفظية التي تعودنا على قراءتها
وسماعها من قبيل "الاختراق" و "الدسائس" .
إن عالم الروحانيات أو الدين بمفهومه ـ بعيدا عن عباءات رجاله المتعصبين ـ يبحث
عن روحانية تتجلى في الفنون ، أو تبحث عن اجتماع مع آخرين على حدود للمعالم
السلوكية الإنسانية العالمية ، وهذا كله يجد تعبيراته في مجتمعات حضارية .
وعليه تبدو أهمية وضع " الحوار الديني " في سياقه الأنسب الذي يبدو الأكثر
تعبيرًا عن طبيعته ، ويمكن توضيح المعالم التي تشكل سياق الحوار الديني فيما
يأتي :
1 ـ قبول الآخر :
إن المتدينين المتعصبين يفترضون ثباتًا حيث لا ثبات ، فهم ـ في الحوار معهم ـ
يستدعون مفاهيم وتوابع ، تنسب الشر إلى جهة متحيزة ، ورسمت لها ـ وللخير
بالتالي ـ صورة بدائية بسيطة ، وبالتالي فذواتهم بريئة كالحمَل ، وضحية لمؤامرة
من الآخر ، الذي يرونه ـ "منبع الشرور" و"مستودع الآثام" ، فهو بمثابة الذئب
الضاري الذي ينبغي مطاردته ، ليشبعوه ضربًا وجلدًا .
وعليه يبدو لنا أن الفصل المتوهم بين "أنا" ثابتة محددة متبلورة ، و"آخر" له
نفس الثبات والتحديد والتبلور، نحسبه فصلاً متعسفًا جر معه بقية الخطأ كالقبول
والتسامح... إلخ .
وهذا الفصل بين الذات والآخر مبني ـ لديهم ـ على أساس إدراك يحتاج إلى إعادة
نظر أيضا لأن التصور الديني ـ خصوصا التصورالإسلامي للذات ـ كاد يحول الذات إلى
حالة من الوسواس القهري المتسلط ، فالشر كامن في النفس ، وفي كل نفس ، ويحتاج
إلى عون لمحاربته ، فالهوية كحالة لا تكف عن التشكل والتبلور، والانكماش
والتمدد الداخلي .
إن الهوية ـ كما تبدو لنا في الحوار الحضاري ـ كائن حي ينمو ويتنفس ، ويكتسب
خبرة وثراء بالتفاعل والتنوع ، ويختنق بالعتمة والقيود ، والانغلاق والتضييق ،
ورفض الآخر.
2 ـ مرونة وواقعية الحوار :
إن الدخول بالحوار في قطاعات ، ومستويات متعددة أصبح ضرورة لازمة لخلق حالة
حوارية عامة تنضج عقلية منفتحة ناقدة مرنة متفاعلة تتجاوز أساليب التلقين
والتقليد والترديد الشائعة في تلقي المعرفة ، وتداولها في مجتمعاتنا.
والحوار الديني يجب أن يوظف في تحسين ظروف العيش ، وحل المشكلات الواقعية ،
ونمو التعارف والتواصل العميق الذي يحترم التنوع ويستثمره لمصلحة الجماعة
الوطنية ، والانتماء للوطن بدلاً من أن يكون هذا التنوع سببًا ومقدمة للشقاق ،
والطائفية ، والحرب الأهلية ، فالداعية لا يكفي أن يعلّم الناس شؤون دينهم بل
ينبغي أن يستوعب بعمق شؤون دنياهم ، ويكون نافذة لهم على العالم ، كما يكون
بابًا من أبوابهم نحو إنتاج متميز لخلق اقتصاد قوي ، ومجتمع يدينون بالانتماء
إليه .
3 ـ استخدام لغة حضارية :
إن المتدينين المتعصبين ، أو الإرهابيين الذين يقتلون المدنيين بلا تمييز
عقابًا لحكوماتهم ـ كما يرى هؤلاء المتعصبون أو الإرهابيون ـ يستخدمون العنف
كلغة يرونها وسيلة وحيدة " لفهم ، وحل " الخلافات ، ويغضون النظر عن نتائج هذا
الاستخدام وتداعياته ، إن هؤلاء يمثلون طرفًا آخر في حوار وهمي ، يتوهمونه ، إن
أجنده مثل هذا الحوار تتسع لتشمل الموقف من الأسرة ، ومن الحريات المختلفة
وقضايا العدل والحرية... إلى آخره .
إننا نطمح إلى حوار ذي لغة حضارية ، تتناول هموما مشتركة ، واختيارات محددة في
المجالات الإنتاجية والاجتماعية ، والثقافية ، والتنموية ، وهذا في حقيقة الأمر
يجعل لغة الحوار الديني مفتوحة على الأفق الطبيعي المهم الذي ينبغي الانفتاح
عليه ، وهو أفق "حقوق الإنسان" ، وآفاق ما يسمى عصر العولمة .
|