د. عبد الرحمن كامل عبد الرحمن محمود
استاذ المناهج وطرق التدريس المساعد في جامعة القاهرة
 كلية التربية في الفيوم ــ مصـــــــــر .
خاص بعرب تايمز
kam12005@yahoo.com

الحوار الديني



" الحوار الديني" تختلف وتتنوع أطرافه ، وأهدافه ، ومستوياته ، وأساليبه .

فالأطراف المتحاورة تختلف ، وتتنوع ، فقد تكون من رجال دين ، أو أكــــاديميين متخصصين في الأديان ، أو ناشطين في العمل الخيري ، أو المهتمين بتعظيم دور الأديان في نواحي الحياة المختلفة ، أو خليط من هؤلاء وأولئك.

وأهداف الحوار أيضًا تختلف ، وتتنوع ، فهناك حوارات تبحث عن تفاهم متبـــادل ، أوتعارف أعمق ، وهناك أخرى تبحث عن القيم المتفق عليها ، وهناك حوارات تبحث عــن موقف مشترك من قضية بعينها ، وهناك حوارات ذات أغراض سياسية... وهكذا.

وأساليب الحوار تختلف ، وتتنوع ، وطريقة "استدعاء الدين" أيضًا تختلف ، وتتنوع ؛ فهو يُستدعى كتجربة روحية أحيانًا ، ويستدعى كتاريخ وممارســــة أحيانًا أخرى ، ويستدعى كنصوص مقدسة أحيانًا ثالثة ، أو كقيم مجردة ، أو كواقع حي يومي يتحرك على أرض الواقع.

ويختلف الحوار ويتنوع في نطاقــه واتساعه الجغرافي بين المحلي والإقليمي والدولي ، وفي تحديده للأديان ، فقد يقتصر على الأديان السماوية المسماة بـ"الإبراهيمية" ، وقد يتضمن ديانات أخرى مثل: الهندوكية والبوذية وغيرها ، وقد يكون داخل دين واحد بين مذاهب وطوائف شتى ، أو بين دين وآخر، أو بين عدة أديان في وقت واحد.

لذلك من الخطأ انتقاء وجه واحد وإصدار الحكم عليه بالسلب أو بالإيجاب وسط ظاهرة متعددة الوجوه .

ومن الملاحظ وجود تحفظات ـ وبخاصة لدى الإرهابيين المسلمين ـ بشأن الحوار الديني ، وهي مبنية ـ لديهم ـ على أساس إدراك يحتاج إلى إعادة نظر في حد ذاته.

فهم ينظرون إلى الغربيين مثلاً بوصفهم "أهل الكتاب" الذين تحدث القرآن في مواضع عن عداوتهم للمسلمين ، وبأن الحوار معهم لا طائل من ورائه ، وأن الإسلام بوصفه الدين الحق لا يحتاج إلى الحوار مع أهل الباطل ... إلخ.

وهذا منطق خاطئ وإدراك معيب أصلاً يتجاهل آيات تدعو للجدل بالحسنى ، ويُسقط التاريخَ من حساباته فيتسرع في إصدار أحكام على أسس خاطئة.

ففي التطور التاريخي الغربي تخلصت أوروبا من سلطة الكنيسة ، وفصلت بين الكنيسة والدولة ، وكان من أسباب التقدم والرقي الحضاري الأوروبي أن أوروبا بحثت عن عقيدة ودين خارج عباءة القساوسة التي رأتها ضيقة ، والأمثلة التاريخية عديدة .

وبالرغم من ذلك يصرّ كثير من المسلمين ـ خصوصا الإرهابيين ـ على إدراك ناقص مشوه لكثير من أفكار ودوائر الحوار بوصفها وجها من وجوه المؤامرة التي تستهدف الدين ، ويتعاملون معها بكثير من القوالب اللفظية التي تعودنا على قراءتها وسماعها من قبيل "الاختراق" و "الدسائس" .

إن عالم الروحانيات أو الدين بمفهومه ـ بعيدا عن عباءات رجاله المتعصبين ـ يبحث عن روحانية تتجلى في الفنون ، أو تبحث عن اجتماع مع آخرين على حدود للمعالم السلوكية الإنسانية العالمية ، وهذا كله يجد تعبيراته في مجتمعات حضارية .

وعليه تبدو أهمية وضع " الحوار الديني " في سياقه الأنسب الذي يبدو الأكثر تعبيرًا عن طبيعته ، ويمكن توضيح المعالم التي تشكل سياق الحوار الديني فيما يأتي :

1 ـ قبول الآخر :

إن المتدينين المتعصبين يفترضون ثباتًا حيث لا ثبات ، فهم ـ في الحوار معهم ـ يستدعون مفاهيم وتوابع ، تنسب الشر إلى جهة متحيزة ، ورسمت لها ـ وللخير بالتالي ـ صورة بدائية بسيطة ، وبالتالي فذواتهم بريئة كالحمَل ، وضحية لمؤامرة من الآخر ، الذي يرونه ـ "منبع الشرور" و"مستودع الآثام" ، فهو بمثابة الذئب الضاري الذي ينبغي مطاردته ، ليشبعوه ضربًا وجلدًا .

وعليه يبدو لنا أن الفصل المتوهم بين "أنا" ثابتة محددة متبلورة ، و"آخر" له نفس الثبات والتحديد والتبلور، نحسبه فصلاً متعسفًا جر معه بقية الخطأ كالقبول والتسامح... إلخ .

وهذا الفصل بين الذات والآخر مبني ـ لديهم ـ على أساس إدراك يحتاج إلى إعادة نظر أيضا لأن التصور الديني ـ خصوصا التصورالإسلامي للذات ـ كاد يحول الذات إلى حالة من الوسواس القهري المتسلط ، فالشر كامن في النفس ، وفي كل نفس ، ويحتاج إلى عون لمحاربته ، فالهوية كحالة لا تكف عن التشكل والتبلور، والانكماش والتمدد الداخلي .

إن الهوية ـ كما تبدو لنا في الحوار الحضاري ـ كائن حي ينمو ويتنفس ، ويكتسب خبرة وثراء بالتفاعل والتنوع ، ويختنق بالعتمة والقيود ، والانغلاق والتضييق ، ورفض الآخر.

2 ـ مرونة وواقعية الحوار :

إن الدخول بالحوار في قطاعات ، ومستويات متعددة أصبح ضرورة لازمة لخلق حالة حوارية عامة تنضج عقلية منفتحة ناقدة مرنة متفاعلة تتجاوز أساليب التلقين والتقليد والترديد الشائعة في تلقي المعرفة ، وتداولها في مجتمعاتنا.

والحوار الديني يجب أن يوظف في تحسين ظروف العيش ، وحل المشكلات الواقعية ، ونمو التعارف والتواصل العميق الذي يحترم التنوع ويستثمره لمصلحة الجماعة الوطنية ، والانتماء للوطن بدلاً من أن يكون هذا التنوع سببًا ومقدمة للشقاق ، والطائفية ، والحرب الأهلية ، فالداعية لا يكفي أن يعلّم الناس شؤون دينهم بل ينبغي أن يستوعب بعمق شؤون دنياهم ، ويكون نافذة لهم على العالم ، كما يكون بابًا من أبوابهم نحو إنتاج متميز لخلق اقتصاد قوي ، ومجتمع يدينون بالانتماء إليه .

3 ـ استخدام لغة حضارية :

إن المتدينين المتعصبين ، أو الإرهابيين الذين يقتلون المدنيين بلا تمييز عقابًا لحكوماتهم ـ كما يرى هؤلاء المتعصبون أو الإرهابيون ـ يستخدمون العنف كلغة يرونها وسيلة وحيدة " لفهم ، وحل " الخلافات ، ويغضون النظر عن نتائج هذا الاستخدام وتداعياته ، إن هؤلاء يمثلون طرفًا آخر في حوار وهمي ، يتوهمونه ، إن أجنده مثل هذا الحوار تتسع لتشمل الموقف من الأسرة ، ومن الحريات المختلفة وقضايا العدل والحرية... إلى آخره .

إننا نطمح إلى حوار ذي لغة حضارية ، تتناول هموما مشتركة ، واختيارات محددة في المجالات الإنتاجية والاجتماعية ، والثقافية ، والتنموية ، وهذا في حقيقة الأمر يجعل لغة الحوار الديني مفتوحة على الأفق الطبيعي المهم الذي ينبغي الانفتاح عليه ، وهو أفق "حقوق الإنسان" ، وآفاق ما يسمى عصر العولمة .

لقراءة المقالات السابقة للدكتور عبد الرحمن انقر هنا