د. عبد الرحمن كامل عبد الرحمن محمود
استاذ المناهج وطرق التدريس المساعد في جامعة القاهرة
 كلية التربية في الفيوم ــ مصـــــــــر .
خاص بعرب تايمز
kam12005@yahoo.com

التعصب اللغوي


من الملاحظ وجود تعصب لغوي ظهر واضحا في مفاهيم لغوية خاطئة لدى كثير من العرب ، خصوصا المتدينين المتشددين منهم ، فهم ـ مثلا ـ يحرمون في الاستعمال اللغوي مصدر الخلق ، وفعل خلق ، والخالق كاسم فاعل ، فى كل أنشطة العمل الإنساني بالرغم من أن الله قد استعمل فى القرآن فعل الخلق للإنسان ، حيث قال على لسان عيسى " إنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير، فأنفخ فيه ، فيكون طيراََ بإذن الله " ( أل عمران:49) وقال أيضاَ " إذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني" (المائدة : 110 ) وإذ يجعل الله من فعل الإنسان خلقاَ ، ومن الأفراد خالقين ، فإنه يجعل ذاته فوقهم جميعا ، قال تعالى " فتبارك الله أحسن الخالقين " (المؤمنون : 14). وقال " أتدعون بعلاَ ، وتذرون أحسن الخالقين " (الصافات : 125) وقال ـ عليه السلام ـ يقرر بأن النحاتين والرسامين خالقون فنهم " إن أصحاب الصور يعذبون يوم القيامة ، يقال لهم : " أحيوا ما خلقتم " وبالمثل فإن الله هو الرزاق ، ويرزق الإنسان الذي يصبح بدوره رازقاَ ، ويظل الله " خير الرازقين " (الحج : 22 ) ، (المؤمنون :23 ) ، (سبأ : 34 ) ، ( الجمعة : 62 ) .

إن تخوف المتعصبين أو المتدينين المتشددين من تطاول المخلوق إلى مقام الخالق حظر على العربي المسلم أنواعاَ من الخلق ، تشهد بالإبداع فى كثير من المجالات مثل : مجال الصناعة ، ومجال الفن ، كالنحات الذى يخرج أشكالاََ مجسدة فى هيئة إنسان ، أوطير، أو حيوان ، وذلك تحت دعوى المحاكاة أو التقليد لصنع الله فى إبداع أصول الكائنات ـ كما يزعمون ـ كما ان ذلك الصنع يعيد من جديد وضعية التماثيل فى الجاهلية كآلهة معبودة ، ـ كما يدعون ـ وقد يصبح صنعها وسيلة إلى عبادتها ، ومن ثم وجدنا كثيرا من فقهاء أهل السنة نهوا عن صنع التماثيل ، وأدخلوا ذلك فى باب المحرم ، وعلل بعضهم فى القديم ذلك التحريم بقرب العهد من الجاهلية ، وإمكانية الارتداد إليها ، وبعضهم أطلق التحريم فى كل عصر وفى كل مكان ، ولا نظن أن المسلم في هذا العصر قد ارتد عامياَ جاهلياَ ،لا يفرق بين الإله والحجر ، إن الاسلام حرم عبادة الأوثان ( الاصنام والتماثيل ) ولم يحرم صنعها ، حتى عندما كانت تعبد . يقول إبراهيم الخليل "واجنبني وبني أن نعبد الأصنام"( إبراهيم : 35 ) كما استنكر عبادة الاصنام لا صنعها ، قال : " أتعبدون ما تنحتون ؟ " ( الصافات:95) وكان الرسول ـ عليه السلام ـ ضد " الأوثان التى تعبد فى الجاهلية ، لا ضد التماثيل التى تصنع كأعمال فنية ، قال الرسول "إن الله بعثنى رحمة وهدى للعالمين ، وأمرنى أن أمحق المزامير ، والمعازف ، والخمور، والاوثان التى كانت تعبد فى الجاهلية ".

ولقد دخل العرب الفاتحون باسم الإسلام بلاد العراق ومصر، ووجدوا فيها كثيرا من هذه التماثيل ، فلم يتعرضوا لها بأذى ، وتركوها آثاراَ تاريخية ، تشهد بحضارة الغابرين … إن الذين تخوفوا على الدين ، تعصبوا ، فتوسعوا فى مفهوم الحرام ، وضيقوا كثيرا على الناس فى حياتهم ، فقد صنع التعصب اللغوي والفتاوى التحريمية قوالب حددت للناس سلوكهم ، الذى انحصر فى دائرة ضيقة للنشاط الإبداعى ، مما كبت فى الإنسان كماَ كبيراَ من استعداداته الداخلية ، التى كان يمكن لها أن تقوم بأنواع سلوكية مختلفة ، تثرى بها الحضارة والحياة .

كذلك من أمثلة التعصب اللغوي المفاهيم اللغوية الخاطئة لكلمة بدعة ، التى جرمت المبدعين ، وأخرجتهم من دائرة المجددين الواجب تقديرهم ومكافأة نبوغهم ، إلي دائرة المبتدعين المارقين الهادمين للدين ، وتبدا حكاية التبديع بفهم قاصرلحديث الرسول ـ عليه السلام ـ " ………… وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وزاد بعضهم ـ لشدة التخويف ـ وكل ضلالة فى النار " وللأسف ، كانت البدعة سلاحا يشهره المسلمون فى فرقهم المتصارعة ، بعضهم ضد البعض ، فمن أنكر على غيره قولاََ أو فعلا " كفره أو بدعه .

ويتصل بالتعصب اللغوي المفهوم الخاطئ للبدعة فى العلم ، حيث نجد كثيراَ من فقهاء السنة لم يعترفوا الا بالعلم الدينى الذى اشتغل به الرسول محمد ـ عليه السلام ـ وصحابته ويشيرون إلى أن لفظة العلم فى القرآن تقتصر على الفقه " علم الحلال والحرام " أو( علم الدين ) بصفة عامة ، وبما يتضمنه من تفسير ، وحديث ، وعقيدة ، وفقه ، ويعتبرون أن ما أحدثه المسلمون بعد ذلك من علوم فهى من قبيل البدع التى يجب أن ينصرف عنها الناس ، ولا يشغلون بها أوقاتهم ( [1] ) يقول ابن القيم الجوزية : " كل طائفة اعتقدت أن العلم ما معها وفرحت به …. وأكثر ما عندهم كلام وآراء خرص ، والعلم وراء الكلام " ويرى أن العلم الحقيقى هو العلم الذى جاء به القران ، مستشهداََ بقول تعالى : " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم …. ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذى جاءك من العلم ….أنزل بعلم …إلى آخر مثل هذه الآيات ( [2] ) ، وابن رجب البغدادي الحنبلي لا يرى فى العلم إلا ما اشتغل به السلف الصالح ، والذى قصروه على علوم الدين الضرورية ، وما تطلبته من لغة دون توسع رافضاَ لما جد بعدها من علوم ، قائلا ََ " وأما ما حدث بعد الصحابة من العلوم التى توسع فيها أهلها ، وظنوا أن من لم يكن عالماَ بها فهو جاهل او ضال فكلها بدعة " ( [3] ) .

ومع ذلك ، وجد بعض باحثين مستنيرين ، انفتحوا على ثقافات أجنبية ، وأفادوا من حضارات سابقة ، وكانت لهم نظرات حضارية ، واجتهادات علمية منهم : " الجاحظية " إحدى فرق المعتزلة من أتباع الجاحظ قالوا : " المعارف كلها ضرورية " وأبو الحسن العامري قرر بأن " كل واحد من أبواب العلوم فى نفسه جليل الشأن ، رفيع المكان " ( [4] ) والماوردى يؤكد أن كل العلوم شريفة ، ولكل علم منها فضيلة " ( [5] ) ، لأن العلم بالالف واللام لا يختص معلوماَ دون معلوم ، ولا مشارا إليه دون مد لول عليه ، ومن ثم فقد دخل فى هذا الطى كل ما أنبأ عن شئ ، كان ذلك من قبيل الحس أو من قبيل العقل عن مصادفته ، ونبغ أعلام أبدعوا فى الحضارة ، منهم : " جابر بن حيان فى الكيمياء ، وابن الهيثم فى البصريات ، والخوارزمى فى الجبر، وعمر الخيام فى الهندسة التحليلية ، وأولاد بنى موسى فى الرياضيات ، والزخاوى وابن النفيس فى الطب ، والبيرونى فى التقويم وتاريخ الاديان ، والبطروجى والزرقانى فى الفلك ، وابن البيطار فى النبات ، وابن بصال فى علم الفلاحة التجريبى ، وابن خلدون فى الاجتماع .

إن القيمة الحقيقية للكلمة تكون بمقدار ما لدلالتها من وضوح واستخدام سليم في المجتمع ، ومرونة في الإحاطة بأكبر عدد من الأفكار الجزئية ، والتفاصيل الفرعية التي تدخل في نطاق هذه الدلالة ، فاللفظة في الكلام تشبه إلي حد كبير ورقة النقد في الاقتصاد ، لابد أن تغطيها قيمة اقتصادية حقيقية من الذهب أو غيره من القيم المصطلح عليها ، وبدون هذا الغطاء لا تخرج ورقة النقد عن أن تكون قصاصة ورق ، لا حول لها ، ولا قوة .

--------------------------------------------------------------------------------

[1] ) محمود قمبر : دارسات تراثية فى التربية الإسلامية ( الدوحة : دار الثقافة ، ج2 ،1987 ) ص ص : 300 ـ 304
[2] ) ابن القيم الجوزية : الفوائد (بيروات: دار النفائس ، ط3 ، 1982م ) ص ص : 136 ـ 137
[3] ) ابن رجب البغدادى الحنيلى : فضل علم السلف على الخلف ( القاهرة : المكتبة العربية ومطبعتها ، د. ت . ) ص 14
[4] ) أبو الحسن العامرى : كتاب الإعلام بمناقب الاسلام ( القاهرة : دار الكتاب العربى للطباعة واالنشر ، 1967م ) ص 100
[5] ) أبو الحسن المارودى : أدب الدنيا والدين ( بيروت : دار الكتب العلمية ، ط 4 ، ‎1978م ) ص ص : 43 ـ 44

 

لقراءة المقالات السابقة للدكتور عبد الرحمن انقر هنا