|
التعصب اللغوي
من الملاحظ وجود تعصب لغوي ظهر واضحا في مفاهيم لغوية خاطئة لدى كثير من العرب
، خصوصا المتدينين المتشددين منهم ، فهم ـ مثلا ـ يحرمون في الاستعمال اللغوي
مصدر الخلق ، وفعل خلق ، والخالق كاسم فاعل ، فى كل أنشطة العمل الإنساني
بالرغم من أن الله قد استعمل فى القرآن فعل الخلق للإنسان ، حيث قال على لسان
عيسى " إنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير، فأنفخ فيه ، فيكون طيراََ بإذن الله
" ( أل عمران:49) وقال أيضاَ " إذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني" (المائدة :
110 ) وإذ يجعل الله من فعل الإنسان خلقاَ ، ومن الأفراد خالقين ، فإنه يجعل
ذاته فوقهم جميعا ، قال تعالى " فتبارك الله أحسن الخالقين " (المؤمنون : 14).
وقال " أتدعون بعلاَ ، وتذرون أحسن الخالقين " (الصافات : 125) وقال ـ عليه
السلام ـ يقرر بأن النحاتين والرسامين خالقون فنهم " إن أصحاب الصور يعذبون يوم
القيامة ، يقال لهم : " أحيوا ما خلقتم " وبالمثل فإن الله هو الرزاق ، ويرزق
الإنسان الذي يصبح بدوره رازقاَ ، ويظل الله " خير الرازقين " (الحج : 22 ) ،
(المؤمنون :23 ) ، (سبأ : 34 ) ، ( الجمعة : 62 ) .
إن تخوف المتعصبين أو المتدينين المتشددين من تطاول المخلوق إلى مقام الخالق
حظر على العربي المسلم أنواعاَ من الخلق ، تشهد بالإبداع فى كثير من المجالات
مثل : مجال الصناعة ، ومجال الفن ، كالنحات الذى يخرج أشكالاََ مجسدة فى هيئة
إنسان ، أوطير، أو حيوان ، وذلك تحت دعوى المحاكاة أو التقليد لصنع الله فى
إبداع أصول الكائنات ـ كما يزعمون ـ كما ان ذلك الصنع يعيد من جديد وضعية
التماثيل فى الجاهلية كآلهة معبودة ، ـ كما يدعون ـ وقد يصبح صنعها وسيلة إلى
عبادتها ، ومن ثم وجدنا كثيرا من فقهاء أهل السنة نهوا عن صنع التماثيل ،
وأدخلوا ذلك فى باب المحرم ، وعلل بعضهم فى القديم ذلك التحريم بقرب العهد من
الجاهلية ، وإمكانية الارتداد إليها ، وبعضهم أطلق التحريم فى كل عصر وفى كل
مكان ، ولا نظن أن المسلم في هذا العصر قد ارتد عامياَ جاهلياَ ،لا يفرق بين
الإله والحجر ، إن الاسلام حرم عبادة الأوثان ( الاصنام والتماثيل ) ولم يحرم
صنعها ، حتى عندما كانت تعبد . يقول إبراهيم الخليل "واجنبني وبني أن نعبد
الأصنام"( إبراهيم : 35 ) كما استنكر عبادة الاصنام لا صنعها ، قال : " أتعبدون
ما تنحتون ؟ " ( الصافات:95) وكان الرسول ـ عليه السلام ـ ضد " الأوثان التى
تعبد فى الجاهلية ، لا ضد التماثيل التى تصنع كأعمال فنية ، قال الرسول "إن
الله بعثنى رحمة وهدى للعالمين ، وأمرنى أن أمحق المزامير ، والمعازف ،
والخمور، والاوثان التى كانت تعبد فى الجاهلية ".
ولقد دخل العرب الفاتحون باسم الإسلام بلاد العراق ومصر، ووجدوا فيها كثيرا من
هذه التماثيل ، فلم يتعرضوا لها بأذى ، وتركوها آثاراَ تاريخية ، تشهد بحضارة
الغابرين … إن الذين تخوفوا على الدين ، تعصبوا ، فتوسعوا فى مفهوم الحرام ،
وضيقوا كثيرا على الناس فى حياتهم ، فقد صنع التعصب اللغوي والفتاوى التحريمية
قوالب حددت للناس سلوكهم ، الذى انحصر فى دائرة ضيقة للنشاط الإبداعى ، مما كبت
فى الإنسان كماَ كبيراَ من استعداداته الداخلية ، التى كان يمكن لها أن تقوم
بأنواع سلوكية مختلفة ، تثرى بها الحضارة والحياة .
كذلك من أمثلة التعصب اللغوي المفاهيم اللغوية الخاطئة لكلمة بدعة ، التى جرمت
المبدعين ، وأخرجتهم من دائرة المجددين الواجب تقديرهم ومكافأة نبوغهم ، إلي
دائرة المبتدعين المارقين الهادمين للدين ، وتبدا حكاية التبديع بفهم قاصرلحديث
الرسول ـ عليه السلام ـ " ………… وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ،
وكل بدعة ضلالة ، وزاد بعضهم ـ لشدة التخويف ـ وكل ضلالة فى النار " وللأسف ،
كانت البدعة سلاحا يشهره المسلمون فى فرقهم المتصارعة ، بعضهم ضد البعض ، فمن
أنكر على غيره قولاََ أو فعلا " كفره أو بدعه .
ويتصل بالتعصب اللغوي المفهوم الخاطئ للبدعة فى العلم ، حيث نجد كثيراَ من
فقهاء السنة لم يعترفوا الا بالعلم الدينى الذى اشتغل به الرسول محمد ـ عليه
السلام ـ وصحابته ويشيرون إلى أن لفظة العلم فى القرآن تقتصر على الفقه " علم
الحلال والحرام " أو( علم الدين ) بصفة عامة ، وبما يتضمنه من تفسير ، وحديث ،
وعقيدة ، وفقه ، ويعتبرون أن ما أحدثه المسلمون بعد ذلك من علوم فهى من قبيل
البدع التى يجب أن ينصرف عنها الناس ، ولا يشغلون بها أوقاتهم
( [1] ) يقول ابن القيم الجوزية : " كل طائفة
اعتقدت أن العلم ما معها وفرحت به …. وأكثر ما عندهم كلام وآراء خرص ، والعلم
وراء الكلام " ويرى أن العلم الحقيقى هو العلم الذى جاء به القران ، مستشهداََ
بقول تعالى : " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم …. ولئن اتبعت أهواءهم
بعد الذى جاءك من العلم ….أنزل بعلم …إلى آخر مثل هذه الآيات
( [2] ) ، وابن رجب البغدادي الحنبلي لا يرى فى
العلم إلا ما اشتغل به السلف الصالح ، والذى قصروه على علوم الدين الضرورية ،
وما تطلبته من لغة دون توسع رافضاَ لما جد بعدها من علوم ، قائلا ََ " وأما ما
حدث بعد الصحابة من العلوم التى توسع فيها أهلها ، وظنوا أن من لم يكن عالماَ
بها فهو جاهل او ضال فكلها بدعة " ( [3] ) .
ومع ذلك ، وجد بعض باحثين مستنيرين ، انفتحوا على ثقافات أجنبية ، وأفادوا من
حضارات سابقة ، وكانت لهم نظرات حضارية ، واجتهادات علمية منهم : " الجاحظية "
إحدى فرق المعتزلة من أتباع الجاحظ قالوا : " المعارف كلها ضرورية " وأبو الحسن
العامري قرر بأن " كل واحد من أبواب العلوم فى نفسه جليل الشأن ، رفيع المكان "
( [4] ) والماوردى يؤكد أن كل العلوم شريفة ،
ولكل علم منها فضيلة " ( [5] ) ، لأن العلم
بالالف واللام لا يختص معلوماَ دون معلوم ، ولا مشارا إليه دون مد لول عليه ،
ومن ثم فقد دخل فى هذا الطى كل ما أنبأ عن شئ ، كان ذلك من قبيل الحس أو من
قبيل العقل عن مصادفته ، ونبغ أعلام أبدعوا فى الحضارة ، منهم : " جابر بن حيان
فى الكيمياء ، وابن الهيثم فى البصريات ، والخوارزمى فى الجبر، وعمر الخيام فى
الهندسة التحليلية ، وأولاد بنى موسى فى الرياضيات ، والزخاوى وابن النفيس فى
الطب ، والبيرونى فى التقويم وتاريخ الاديان ، والبطروجى والزرقانى فى الفلك ،
وابن البيطار فى النبات ، وابن بصال فى علم الفلاحة التجريبى ، وابن خلدون فى
الاجتماع .
إن القيمة الحقيقية للكلمة تكون بمقدار ما لدلالتها من وضوح واستخدام سليم في
المجتمع ، ومرونة في الإحاطة بأكبر عدد من الأفكار الجزئية ، والتفاصيل الفرعية
التي تدخل في نطاق هذه الدلالة ، فاللفظة في الكلام تشبه إلي حد كبير ورقة
النقد في الاقتصاد ، لابد أن تغطيها قيمة اقتصادية حقيقية من الذهب أو غيره من
القيم المصطلح عليها ، وبدون هذا الغطاء لا تخرج ورقة النقد عن أن تكون قصاصة
ورق ، لا حول لها ، ولا قوة .
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ) محمود قمبر : دارسات تراثية فى التربية
الإسلامية ( الدوحة : دار الثقافة ، ج2 ،1987 ) ص ص : 300 ـ 304
[2] ) ابن القيم الجوزية : الفوائد (بيروات: دار
النفائس ، ط3 ، 1982م ) ص ص : 136 ـ 137
[3] ) ابن رجب البغدادى الحنيلى : فضل علم السلف
على الخلف ( القاهرة : المكتبة العربية ومطبعتها ، د. ت . ) ص 14
[4] ) أبو الحسن العامرى : كتاب الإعلام بمناقب
الاسلام ( القاهرة : دار الكتاب العربى للطباعة واالنشر ، 1967م ) ص 100
[5] ) أبو الحسن المارودى : أدب الدنيا والدين (
بيروت : دار الكتب العلمية ، ط 4 ، 1978م ) ص ص : 43 ـ 44
|