|
التكنولوجيا
والكلامولوجيا
أرى " الإسلام " و " الغرب " صراعا بين حضارتين : إحداهما تجعل سكونية الثبات
والدوام أساسها ، وأخرى تجعل دينامية الحركة والتطور أساساََ لها.
إن محددات السلوك ( الخير والشر) في الإسلام حددت سلفا ، وهبطت على المسلم من
عل ، فهي ليست من صنع الإنسان ، ولكنها شاءها الله للإنسان ، فالقوانين
السلوكية سابقة على تجارب الإنسان....
أمافي الحضارة الغربية فالتجارب تسبق القوانين السلوكية ، وحدود الصواب والخطأ
أو الخير والشر من صنع الإنسان ، ولذلك اهتم الغرب بالتجارب ، فحللوا الواقع
وملأوا الدنيا بتجاربهم وعلومهم واختراعاتهم ، وانشغل غيرهم بالمصدر الذي أتت
منه القوانين التي تحدد سلوكهم ، فاهتموا بالحلال والحرام ، والنار ، وعسل
الجنة ، وخمر الجنة ، ولحم وطيور الجنة ، ومن سيدخل الجنة ، وما مصير أهل
الأعراف ـ الذين يقفون على جبل بين الجنة والنار ، وتوجد سورة كاملة باسمهم في
القرآن ـ هل سيدخلون الجنة أو النار؟!!!!! ....وما إلى ذلك من كلام يسمونه "
علما " وهو لا يعدو كونه ميتافيزيقا أو "كلامولوجيا" فكان لابد من الصراع بين
العرب والغرب ، وإن شئت قل : الصراع بين التكنولوجيا والكلامولوجيا .
ولذلك في كثير من الدول العربية ينظر العربي اليوم في أسواقه إلى طعامه ،
وشرابه ، ومسكنه ، وملبسه ، وأداة انتقاله ، وسلاح دفاعه فيرى نفسه مجردا عاريا
، بلا غطاء في دنيا السيطرة والتوجيه فيها للمنتجين من أبناء البشر ، فهو يأكل
ما لايزرع ، ويلبس ما لا ينسج ، ويركب ما لا يصنع ، ويدافع عن نفسه ، وفيما
يردده عن اعتزازه بدين وعرض وأرض ومال بسلاح لا ينتجه ، ولا يطوره.
فكيف يمتلك العالم العربي " ثروة " من المفكرين والمنظرين الكتاب والباحثين ثم
يكون معدما ، يمد يديه لكافة موائد العالم ، فأين هؤلاء حقا ؟ وأين يتحدثون ؟
وما أثر ما يكتبون ويبحثون في حياتنا اليومية أفرادا ومؤسسات ؟!!! فهل من حل
لهذه المعادلة لنصبح أربابا نملك التكنولوجيا ، بدلا من تنامي الكلامولوجيا ؟
!!!!!
أتساءل عم نحتاجه لسد احتياجاتنا ، وكم يحتاج هذا الأداء أو ذاك من تربية
واقعية مغيرة في الأفراد والجماعات ، في البواعث والأهداف ، والسلوك الظاهر
والباطن ، في الهيئات الشعبية والمؤسسات الحكومية ، فيمن يصدرون القرار ، ومن
ينفذونه ، ومن ينفذ عليهم ؟
إننا نفكر في كم الاستهلاك ونوعه ، وفي الإنتاج وأولوياته، فيما نستهلك من
تكنولوجيا ، وما تستهلكنا به الكلامولوجيا .
ماذا تخطط له أنت بذاتك في حاضرك ومستقبلك ؛ لتكون بناء وحارسا ونواة وسلاحا
لوطنك ليقوم بدوره الأصيل ، وخلية حية من جسد مستقبله الآتي الأكيد ؟!!!
هل لهذا السؤال أهمية بحيث يدار بصيغة أو بأخرى في مؤسساتنا العلمية لأجيالنا
الذين يدركون بذكائهم حقيقة الحالة التي انتهى إليها العربي في كثير من الدول
العربية إن لم تكن كلها ؟!!!!!
إن كل فرد مسؤل عن كل " لحظة " من العمر أو " قرش " من المال أو " موقع " من
الأرض يشغله . وهذه العناصر هي نفسها التي تبني الحضارات أو تهدمها ، وتقيم
الدول أو تزلزلها ، فمن ثقلت موازينه " إيجابا " من تلك العناصر فهو في عيشة
واقعية راضية ، ومن خفت موازينه منها فسوف يلقى الهوان والضياع .
و " العمر " إن تأملناه هو الوقت ، وهو هذه اللحظات التي تمر عليك قارئا هذه
السطور ، ثم استثمار ما وعيت مما قرأت حتى يصير إضافة ، ثم تضيف إليها أنت في
سائر وقتك ما يثريها ، ويجعل الدنيا تعمر من بعد خراب ، وتزدهر بعد إقفار . وهي
عند آخرين لحظات محطمة ملوثة ، تنحط بها الدنيا زهدا فيها ، عيشا على زبد
الوعود ، ومعسول الكلام في حياة أخرى ، غير دنيا الواقع التي يعيش فيها الأفاعي
والجرذان ، ينعق فيها البوم والغربان ، وهم لا يدرون أنها ما خربت أو تلوثت إلا
لإهانة الإنسان معنى " التكنولوجيا " السامية الشأن .
و " المال " هو القوة المحركة الجبارة الهائلة الذي لا ينبغي أن يتجاوز دوره "
خادما " الحياة البشرية السامية . انظر ماذا يفعل بالحياة إن هو بقي أو أبقيناه
عبدا لخدمة أهداف الحياة المنتجة الشريفة ، ثم انظر ماذا يفعل إن أبقاه العرب
إلاها معبودا ، عجلا ذهبيا جسدا له خوار في الخزائن ، يزين استهلاكا تضطرب به
جنبات الحياة ، ثم يتسابق الناس به في سعار و نهم .
و " الأرض " من بعد ذلك بوار في معظم أراضي الأمة العربية ، وهي التي كانت
مزرعة العالم ، تمده بالمحاصيل مثل : القمح ، والقطن والأرز ، وصار العرب _ في
كثير من البلاد العربية _ يتكففون اليوم الأمم حتى تصاعدت ديونهم ، وفوائدها .
وأمام قوى الحضارة بعلمها الواقعي تقف الشعوب العربية عاجزة ، لا تنتج سوى
الكلام ، إنها تنتج وتملك الكلامولوجيا فقط ، وتستورد التكنولوجيا ، فهي تشتري
السلاح المكدس الذي ذهبت قيمته عند منتجيه بسبب ما أنتج من جديد يفوقه ، فتآكلت
أو كادت تتآكل الحقوق العربية في الواقع المتدني الذي تعيشه .
ومن ثم فإن ما ترونه في هذا العالم من صراعات تتحرك بها الشعوب ، وتتصادم بها
القيادات والمذاهب إنما يصنعها ، ويحركها ، ويحدد مصيرها التكنولوجيا .
فما أولانا بعلوم واقعية ، تملأ دنيانا بالتكنولوجيا بفضل الأمناء المنتجين
الأقوياء ، وتقرع آذاننا بتحجيم مساحات الضياع الزمني من الكلام الفضفاض المطاط
الأجوف ( كالدعاء الذي هو وسيلة العاجز ، ويسميه مخ العبادة ، وكتهديدات أسامة
بن لادن لأمريكا ، وما يود أن يعقده من صلح مع أوروبا ، وحماس التي صرحت بأنها
ستزلزل إسرائيل ، وما إلى ذلك من كلام مرسل ) .
أليست هي الكلامولوجيا العربية العاجزة أمام التكنولوجيا الغربية المتنامية
؟!!!
إن أمريكا اليوم تخاف من " الدعاء " خصوصا دعوات المشايخ والأئمة والدعاة
وأولياء الله الصالحين ، تخاف من أن يدعو عليها " الإسلاميون الإرهابيون " دعوة
وزنها يبلغ ألفين كيلو جراما تزلزل أمريكا ، بل وتزلزل حلفاءها !!!!!! إنها
الكلامولوجيا الخادعة ، وأصحابها المخدوعون الواهمون الحالمون . " اللهم انصرنا
على اليهود وأعوانهم ، وزلزل الأرض تحت أقدامهم ، وجمد الدماء في عروقهم ،
اللهم عليك بهم ....................الخ " .
|