د. مصطفى عبد العال
كاتب مصري مقيم في لندن
mostafaabdelaal@hotmail.com

الاحتضار
د. مصطفي عبد العال


لاشك عندي ان الانظمة العربية بتنوعاتها الملكية والرئاسية والتوريثية تحتضر, وقد لايحزن احد علي احتضارها ومن ثم موتها, الا ان الخطر لايكمن في حزننا او فرحنا لموتها بل فيما يمكن ان تقوم به اثناء الاحتضار وقبل الموت, وما يمكن ان ينتج عن ذلك حتي فيما بعد موتها وعلنا و بغض النظر عن المواقف الايديولوجية والوطنية والطائفية ننجح في توصيف تلك المرحلة الشديدة الاهمية والحساسية والتي نتصور اننا نعيشها حتي وان تعامينا عن وجودها, وقد يكون من المفيد بداية ان ننظر الي الوضع الدولي والاقليمي الذي يضيق الحلقات حول عنق الانظمة العربية وتذكيرا باهمية النظر دون التخفي وراء شعارات ايديولوجية او وطنية او طائفية قد تحمل صراخا كثيرا وتعاني من انعدام للفهم او للضمير الانساني فلايضيراصحابها ومنظريها ان تنهار الاوطان طالما استمروا في ممارسة العهر السياسي متشدقين بمواقفهم المبدئية سياسية كانت او وطنية او طائفية, نعود لنقول ان الوضع الدولي والاقليمي يساهم في خنق هذه الانظمة ليس لكونها انظمة وطنية محاربة للاستعمار والامبريالية كما تتشدق بل لان المناخ الدولي اصبح عاجزا عن التعامل مع ضخامة التحجر السياسي والفكري في المنطقة ولعل ما يوضح ذلك اشكال العلاقة بين القطب الدولي الوحيد المتمثل في الولايات المتحدة واصدقائها وحلفائها في المنطقة فابالرغم من حجم الصداقة وقوة التحالف الا ان تصلب شرايين الانظمة العربية ادي الي حدوث احتقانات شعبية وطائفية داخل المجتمعات المحكومة بانظمة صديقة للامريكان هذه الاحتقانات تقلل من فرص نجاح الخطط الامريكية للمنطقة وبالتالي تدفع بالولايات المتحدة الي التفكير في احلال انظمة بديلة تنجح في تخفيف الاحتقان وتساعد علي سريان الدماء داخل هذه المجتمعات وبالتالي تسهيل مرور المشاريع الامريكية, من هذا المنطلق يمكننا فهم المشاركة الامريكية في تسريع احتضار الانظمة العربية رغم العلاقات (الاخوية) التي تربط بين زعماء هذه الدول واخيهم السيد بوش اذا ان الحكام العرب لم يفهموا حتي الان ان هذه العلاقات الاخوية لايمكن ان تسيطر علي العلاقات الاقتصادية والامنية والتي تقع في المقام الاول بالنسبة للدول الطبيعية بالمعني التقني لمفهوم الدولة وليس المعني العربي الذي هو خليط من مفاهيم الاسرة والقبيلة والعلاقات العبودية واذا ما انتقلنا من الموقف الامريكي _الدولي الي الموقف الاقليمي لوجدنا ان دولا مثل اسرائيل وايران وتركيا مع مراعاة الفوارق بين شكل ونوع العلاقات العربية مع كل منهم هذه الدول تحاول وبجدية الانخراط في الواقع الدولي فاسرائيل علي عنصريتها العضوية المتغلغلة في كينونتها
يمكن ملاحظة محاولتها التعامل مع مشاكلها الطائفية خصوصا مع العرب الاسرائيليين بشكل يسهل لها المرور داخل الصيغ الدولية التي تشكل عماد المشروع التبشيري الغربي المطروح علي الدنيا علي لسان السيد بوش عريف الكرة الارضية ولعل النظر الي الاحتفاء بالجاسوس عزام بعد عودته(للوطن) ما يوضح ذلك رغم عدم التفات المحللين العرب اليه واهتمامهم بالموقف الثوري او الرجعي للنظام الحاكم في مصر دون ان ينظروا لما فعلته اسرائيل من اجل الافراج عنه وكيف استقبلته بعد عودته رغم عدم انتمائه حتي الان للديانة اليهودية, اما ايران فانها تحاول هي ايضا الانخراط في المنظومة الدولية عبر محاولتها لامتلاك الاسلحة الرادعة التي يمكن ان تقلل من احتمالات التعامل معها كدولة قابلة او مستدعية للاجتياح الامريكي, كذلك تركيا التي تحاول وبكل امكانياتها ان تلتحق بالاطار الاقتصادي الغربي لتتفادي السقوط في منظومة الدول المستباحة, الدول الثلاث مع اختلافاتها الشكلية والعميقة في علاقاتها بالمنطقة العربية سوف تساعد علي تسريع احتضار الانظمة العربية سواء من باب العداء او من منطلق تاكيد المغايرة والتميز عن الانظمة المحتضره, يلي هذا التصور للمناخ الدولي والاقليمي اهمية النظر الي الواقع العربي الداخلي والذي يعاني من ارتباك خطير يمكن تشخيصه عبر تحليل الافعال وردود الافعال تجاه حالة الاحتضار فالانظمة العربية ومعارضيها تتراوح افعالهم وردود افعالهم تجاه هذا الواقع عبر مجموعة من التصورات التي قد تبدأ باستعداد بعض القائمين علي الانظمة المحتضره علي ترتيب امكانيات القفز من السفينة الغارقة علي النمط الذي تم مع ديكتاتور شيلي الجنرال بينوشيه وذلك عبر افراغ الخزينة العامة في حساباتهم السويسرية في مقابل الرحيل عن السلطة مع ضمان عدم الملاحقة القضائية ثاني هذه التصورات مبني علي حجم احتقار الانظمة لشعوبها والذي قد يدفعها الي التيقن من ان هذه الشعوب ليست الا جماعات من البلهاء يمكن الاستمرار في التعامل معهم عبر خطابات حماسية فاقدة للمعني وللدلالة في نفس الوقت الذي يتم فيه التفاوض مع الامريكان من اجل تقديم كل ما يمكن في مقابل عدم تشيجيع فكرة التخلص من هذه الانظمة
التصور الثالث هو جزء من التصور العربي العام للانظمة العربية والذي يرتكز علي مبدأ ان الزمن هو خير علاج وبالتالي فان مايجب عمله هو بذل الجهد من اجل استمرار الحال كما هو انتظارا الي ان تنتهي الفترة الثانية والاخيرة لادارة الرئيس بوش وتأتي ادارة اخري تتفهم الواقع السياسي العربي وبالتالي لا تطالب باصلاحات ولا تمارس الغزو العسكري, اوان يأتي وباء يحصد الشعوب العربية ويبقي الحكام في قصورهم المنيعة ليتفاوضوا مع بشر اخرين من اجل اعمار الاوطان, او حتي ان تقوم الساعة فينتهي كل شيئ دون ان يذهبوا عن كراسيهم.
اتساقا مع هذه المناخات الدولية والاقليمية وتلك التصورات العربية يبقي علينا ان ننظر الي دور النخب خارج السلطة وهذه تعاني من مشكلة اساسية ترتكز علي وعيها النسبي بفشل الانظمة الا انها ولاسباب في بنيتها اضافة لاسباب متعلقة بالمناخ السياسي العربي في عمومه لاتمتلك اي تصور لامكانية وصولها الي السلطة وبالتالي فان المساحة الوحيدة التي تتصور انها متاحة امامها هي اقناع الانظمة باشراكها في السلطة عبر استبعاد الاشخاص الاكثر جهالة في اروقة السلطة واستخدامهم هم بديلا عنهم ولان الانظمة العربية علي جهالتها قد خبرت النخب العربية المعارضة نتيجة لطول فترة التعامل بينهما فان هذه الانظمة تعلم ان النخب يمكن استرضائها بالفتات كما يسهل ارعابها بالبطش لذا فانها تظل تتعامل مع هذه النخب باسلوب الترهيب والترغيب المرتكز اساسا علي اهمية تعميق الهوة السياسية والطائفية والوطنية بين اطراف هذه النخب حتي لايتبادر الي ذهنها انها يمكن ان تشكل قوة بديلة عن الانظمة.
الاستثناء الوحيد داخل هذه النخب هو تلك الاطراف التي تعول علي الدعم الخارجي من اجل ازاحة الانظمة ومشكلة هذه الاطراف تكمن في الصعوبة التي تجدها في تجميل وجه الخارج الداعم لها وخصوصا الامريكي منه اضافة الي كونها مضطرة الي القبول بالشروط الخارجية التي ترتكز علي مبدأ تبادل المصالح وليس الفعل الخيري او الاخلاقي.
وهكذا نجد ان حالة احتضار الانظمة يمكن ان تؤدي الي احتضار الاوطان وهذا ليس خارج عن المنطق اذا ان العرب انظمة وشعوبا ونخبا قد استمروا ولفترات طويلة يختزلون الاوطان في حكامها فعندما بدأت لحظات احتضار هذه الانظمة اصبحت الاوطان نفسها مهددة بالاحتضار فهل يمكن ان تنجح النخب المعارضة في التحرك بسرعة لاحداث فصل بين الاوطان وانظمتها المحتضرة اضافة الي المشاركة في انتقال هذه الانظمة من حالة الاحتضار الي واقع الموت قد تظهر الايام القادمة امكانية هذا وقد تؤكد انعدام الامكانية ايا كانت النتائج فالذي لاشك لدي فيه اننا مقبولون علي حالات احتضار يتبعها موت لكن السؤال المعلق هو عن حجم وضخامة الاحتضار والموت القادمين.