يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

 صحفيو الأمة و صحفيو الطغاة
هذا المقال هو إضافة وإستدراك لما يكتبه الزميل
 أسامة فوزي عن صحفيي البترودولار



عندما يغوص الباحث في قراءة تاريخنا العربي وتحديدا تاريخ الملوك والولاة والأمراء يكتشف أنّ ملوك العرب السابقين ورغم طغيانهم وجبروتهم و تسلطهم و إحتكارهم للصفراء والبيضاء فقد كانوا يأنسون بالعلم الشرعي والعلم الدنيوي .


و كان لبعضهم آراء في البلاغة و النحو و التفسير والأصول و الشعر والنثر و أنساب العرب و فروق اللغة و فقهها و الفلك و الحساب وما إلى ذلك من فنون العلوم التي كانت سائدة تاريخئذ , وكان مداحّوهم من الشعراء والكتاب – صحفيو ذلك الزمان – قد يجدون منقبة في هذا الملك أو ذاك فيركزّون عليها في شعرهم ونثرهم , و كثيرا ما كان الملوك والأمراء يطلبون من الكتّاب والشعراء أن يمدحوهم ويمجدونهم بقريض الشعر و دروب الفصاحة التي ضلع فيها العرب بلا منازع .


وكان هؤلاء الملوك يجازون هؤلاء المداحين بكثير من الدنانير و الذهب و الفضة وأحيانا كان الجزاء جاريات روميات أو فارسيات يهبها هذا الملك أو ذاك لذلك الذي برع لفظه و حسن معناه في المدح وتضخيم الذات .
وفي مقابل المداحين كانت هناك نخبة من المنتقدين لسرقة أموال المسلمين الولاة الذين أضاعوا دين محمد وداسوا على قدسية الإسلام و أدعوا أنّهم أوصياء الله في الأرض الذين كانوا يعتبرون الراد عليهم كالراد على الله ورسوله , وكان مصير هؤلاء القتل والتسميم والشنق والرمي من الطوابق العليا وكل ذلك كان يتمّ بفتاوى يجهزّها علماء البلاط والسلطان حسب الطلب الأميري .


وعلى الرغم من أنّ المشهد السياسي التاريخي والراهن واحد تقريبا إلاّ أنّ الفرق الحسّاس جدا بين ملوك التاريخ وملوك ورؤساء الراهن هو أنّ الآخرين جهلاء أميون لا يقرؤون ولا يكتبون ولا يفقهون , لم يقرؤوا كتابا في حياتهم , وحتى تقارير رؤساء مخابراتهم هناك من يتلوها عليهم , و رغم أنّ الرؤساء المتأخرين إخوة الجهالة إلاّ أنهم مع ذلك تمكنوا من تسخير حفنة من الكتّاب والصحفيين يمجدون عظمتهم و يقدسون فعالهم السيئة طبعا ويقدمونهم للناس كمخلصّين ومنقذين وملهمين و موهوبين و مكلفين من قبل المولى عز وجلّ في إدارة شؤون البلاد والعباد .


وهنا يجب أن نشير إلى أنّه لا يوجد رئيس عربي واحد يعد خطابه من تلقاء نفسه , وحتى عندما يلقي هذا الرئيس خطابه فإنّه يرفع المجرور ويكسر الفاعل المرفوع ويسكنّ المتحرك , وطرائف الرؤساء العرب في مجال الأخطاء النحوية تصلح أن تتحول إلى كتاب على وتيرة المستطرف في كل فنّ مستظرف للأبشيهي , وليكن الكتاب المعاصر بعنوان ظرف الرؤساء العرب .


و قد سمعت رئيسا عربيا ذات يوم كان يلقي خطابه على جمع غفير من النساء بمناسبة عيد المرأة فقال في خطابه : أيهّا النساء جئت اليوم لأجامعكنّ , فأشار عليه مستشاره من الخلف بضرورة تصحيح الخطأ فقال الرئيس عفوا عفوا جئت لأجتمع بكنّ ....


و في يوم من الأيام كان هناك رئيس عربي يقرأ خطابا كتب له بأسطر كبيرة فوصل إلى عبارة ونشكر المعلم على حسن سلوكه وكان ذلك في عيد المعلم فقرأها فخامة الرئيس ونشكر المعلم عليّ حسن سلوكة ظنّا منه أنّ هناك معلما يدعى علي حسن سلوكة وبين السلوك كصفة و سلوكة كمفرد علم ضاعت معالم ثقافتنا العربية .


وللأسف الشديد فإنّ رؤساء العرب مثلما حرموا من جمال الوجه والخلقة و المظهر الشخصي المتكامل فقد حرموا من نعمة البيان والفصاحة والبداهة والفكر , فهذا يتمتم وذاك يهذي وذلك يعوي كما تعوي الذئاب و لكن عوى الذئب فأستأنست بالذئب إذ عوى وتكلم الرئيس العربي فكدت أطير بل وأموت , ولا أدري إذا إطلعّ رؤساء العرب على ما قاله صاحب البخلاء الجاحظ : اللحن في الكلام كالجدري في الوجه .


ورغم أن رؤساءنا لا يفرقّون بين التي والذي و بين كان وكأن و بين المؤنث والمذكّر و المفرد والجمع إلاّ أنّهم كما أسلفت سخروا مجموعة من الصحفيين و الكتاب يسبحون بحمدهم ويقدسون لهم في محاولة لتغليف عيوبهم التي تحتاج إلى جبال الهملايا لتغطيتها , و راح هؤلاء الدجالون والكذابون يمدحون هذا الرئيس وذاك الرئيس فجلعوا من الأعمى زرقاء اليمامة مبصرا ومن السمين الثخين الصقر الكاسر ومن القصير النخلة الباسقة ومن الجبان الرعديد إبن بجدتها وحامي الحمى ومن ذي الشعر المجعّد الريحانة الشهم ومن الجاهل التافه جامع المعقول والمنقول وما إلى ذلك من الأوصاف التي حظي بها جهلاء القرن الواحد والعشرين حكامنا بإمتياز !


ومقابل هذا النفاق وهذا التملق صدرت الأوامر العلوية إلى الجهات كل الجهات بإحتضان هؤلاء المنافقين والكذابين والدجالين والسحرة وفتح وسائل الإعلام المرئية والسمعية والمكتوبة لهم حتى بتنا نشاهد التفهاء تضجّ بهم الفضائيات وكل ما يملكونه من علم هو بعض الإنشاء الخالي من المعلومات و المغرض في ديماغوجية السلطة , ومنح هؤلاء كل التسهيلات للحصول على فيلات وسيارات وإمتيازات وما شابه ذلك كثير .
ومقابل هؤلاء المشوهين نخبة من الصادقين الذين رفضوا متاع السلطان بإعتباره عابر , و قرروا تسخير أقلامهم وبيانهم في فضح الطغاة و الجبابرة و فسادهم الذي تخرّ له الجبال تصدعّا , وكان مآلهم الحرمان من كل شيئ حتى من جواز السفر , وما زلت أتذكّر عندما صادرت الأجهزة الأمنية الجزائرية جواز سفري وإستدعاني نائب وزير الداخلية في ذلك الوقت فقال لي : أطلب ما تريد نعطيك , فقلت له إعطني جواز سفري التعيس , فقال عجبت لك نغريك فتطلب الجواز فقط , و كان ذلك آخر جواز سفر يمنح لي , حيث بعدها بقيت أتسكّع في المنافي العربية بلا جواز سفر وحتى هذا الجواز اليتيم سحبه مني مدير الأمن العام اللبناني الأسبق ريمون روفائيل بإتفاق مع السلطات الجزائرية لأنّ مقالاتي في جريدة اللواء والسفير اللبنانيتين كانت تزعج الجزائر .


وهناك صحفيون قتلوا ورموا من الطائرات إلى حرّ الصحراء حيث قضوا نحبهم ومنهم من جننّ بأجهزة خاصة , و ربما طرق السلطة في إخراس أهل الحق تحتاج إلى حلقات لا إلى حلقة واحدة .

 
ويبقى القول أنّ صحفيي الأمة المنتصرين للحق ضايقتهم السلطات حتى في أرزاقهم وبإعتبارهم يعتاشون من خلال أقلامهم فقد صدرت القرارات بعدم نشر أي شيئ لهم , فلجأ بعضهم إلى أعمال مغايرة للوظيفة الإبداعية و كل ذلك تحت قاعدة الضرورات تبيح المحظورات !


وكنت أتمنى لو حذى بعض رؤسائنا حذو الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران الذي كنت أنتقد سياسته كثيرا خصوصا وقد شغل منصب وزير الداخلية أثناء الثورة الجزائرية وكان ذبّاحا لثوّار الجزائر بإمتياز , فلما أتمّ متيران قراءة رواية ماركيز الكاتب الكولومبي الشهير مائة عام من العزلة , إتصل بماركيز هاتفيا ليناقشه في كتابه الذي أعجب به .


فهل سمعنا بأنّ رئيسا عربيا إتصل بمثقف ليناقشه في موضوع كتاب معين !


نعم سمعنا أنّ هذا الرئيس إتصل بالمطربة الفلانية ومنحها الجنسيّة – كلا المعنيين جائز في الجنسية وذو اللبّ يفهم بالإشارة – وسمعنا أيضا أنّ هذا الرئيس إستضاف هذه الراقصة في قصره المنيف , لكن من قال أنّ الثقافة العربية الراهنة ليست أخت الرقص والطبل والمزمار كما يوهمنا بذلك حكام أدمنوا أغاني الكذب على شعبوهم المستضعفة و التي رقصّوها من ويلاتهم وجبروتهم !!

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا