يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

المغرب من الحسن الثاني و الى محمد السادس



كل الترتيبات السياسية التي قام بها العاهل المغربي الحسن الثاني قبل وفاته بأربع سنوات على الصعيد الداخلي والمغاربي و الدولي كانت في مجملها تهدف الى تسليم مقاليد المملكة لابنه محمد السادس بدون منغصات وحتى ينصرف نجله الى تولي الملك بدون ارباكات , ولعل كل الملفات الساخنة والملحة قد تم حلها في عهد الحسن الثاني و حلحلتها عدا ملف الصحراء الغربية الذي ما يزال ساخنا بسبب تشبث الجزائر بموقفها واصرارها على ضرورة قيام الدولة الصحراوية التي صرفت عليها الجزائر الكثير على الرغم من عجزها الاقتصادي وخصوصا في العشر سنوات الاخيرة.
و على الرغم من أن كل دوائر القرار والمؤسسات الدستورية في المغرب كانت مع تولي محمد السادس للعرش في الرباط ,الا ان هناك تحديات كانت في انتظار محمد السادس عشية توليه العرش , وعلى الرغم من دخوله المعترك السياسي باكرا الا أنه يفتقد الى الكثير من الحنكة السياسية والتجربة أيضا , والفترة التي قضاها مع والده في دائرة القرار كما يقول عارفون بالبيت المغربي غير كافية لانضاجه سياسيا بالاضافة الى أنه لم يكن مطلقا هو الذي يتخذ القرار بل كان أبوه المعروف بحنكته وراء كل صغيرة وكبيرة وكان محمد السادس يكتفي بالمعاينة فقط.
و لحد الان لم يتسن له ان يملأ الفراغ الذي خلفه والده وخصوصا لجهة التعاطي مع القضايا الداخلية المعقدة و المتداخلة , ومع ملف الصحراء الغربية, اذ أن الجزائر تجد في غياب الملك الحسن الثاني فرصة تاريخية لتفعيل مشروع دولة البوليساريو .
و يمكن حصر التحديات التي تواجه الملك محمد السادس في التحديات الداخلية وتحديدا في المجالين الاقتصادي والسياسي ,والتحديات الخارجية وتحديدا ملف الصحراء الغربية والشراكة مع الاتحاد الاوروبي والموقف من عملية السلام خصوصا وأن الملك المغربي الراحل كثيرا ما لعب دور ساعي البريد بين الدولة العبرية و بقية الدول العربية .
أما داخليا فعلى الرغم من أن معظم الاحزاب السياسية متوافقة على قواعد اللعبة ضمن الاقرار بأن الملك هو الملك و هو المحور الذي لا يمكن تجاوزه و لا يمكن اللعب السياسي الا تحت سقفه الا أن هناك كثيرا من التيارات السياسة لا تملك ضمانات , وكانت على الدوام عرضة للاضطهاد السياسيومن هذه التيارات ,التيار الاسلامي والتيار اليساري التي كانت محل ملاحقة واغتيل بعض رموزها في السبعينات والثمانينات , واذا كانت هذه التيارات لم تسلم مطلقا بحكم الملك الحسن الثاني فكيف بحكم نجله. ولعل لهذا السبب أبدى محمد السادس بعض الانفتاح على هذه التيارات على وجه التحديد ,وبدون الانفتاح الكامل سيعرف عهد محمد السادس العديد من التشنجات الداخلية خصوصا في ظل استمرار الازمة الاقتصادية والاجتماعية ..
والمغرب ورغم دخوله في اقتصاد السوق منذ سنوات الا أنه لم يحقق النتائج المرجوة منه ,فالهوة تزداد اتساعا بين الاغنياء و الفقراء والارتباط بصندوق النقد الدولي أيل الى الالتحام وبالتالي مزيد من شروط صندوق النقد الدولي التي ترهق كاهل المغرب.
و قد لا يجد الملك الشاب ما يفعله في هذا المجال خصوصا وأن المغرب يفتقد الى وفرة الطاقة من نفط وغاز , وحتى المراهنة على الشراكة مع الاتحاد الاوروبي أو دول جنوب اوروبا لن يجدي في حل المعضلة الاقتصادية ذلك ان السمة الغالبة للا قتصاد المغربي هي الاستهلاك وليس التصنيع والانتاج ,وحتى اذا لجأ الملك الشاب الى تفعيل قطاع السياحة فان هذا لا يكفي وحده في تحقيق الازدهار الاقتصادي , فان مصر السباقة الى صناعة قطاع السياحة ما استطاعت ان تحقق النقلة في اقتصادها الا بالشيء القليل فقط ..
اما التحديات الخارجية التي تعترض الملك الشاب فتكمن في مشكلة الصحراء الغربية , فالرسميون في الجزائر يريدون ان تقوم لجبهة البوليساريو دولة ,تريح الجزائر من بعض المطامع المغربية القديمة في صحراء تندوف الجزائرية
و من جهة أخرى فان الجزائر كانت تطمح على الدوام أن يكون لها منفذ على المحيط الاطلنطي وهذا يتسنى لها في حال تأسيس دولة البوليساريو.
و رغم حنكة الملك الراحل وسعة علاقاته الدولية لم يتمكن من احراز أي نصر على صعيد القضية الصحراوية, وتنص وجهة النظر المغربية على ان الصحراء الغربية هي منطقة مغربية و هي معضلة افتعلها الاستعمار الاسباني لدى مغادرته المغرب ومن بعد الاسبان الفرنسيون الذين مكثوا في المغرب العربي أكثر من قرن ونصف .
وليس من السهولة احراز تقدم باتجاه اغلاق هذا الملف الذي بقي ربع قرن بدون تسوية , كما ان القضايا المرتبطة بهذا الملف مازالت عالقة فعلى سبيل المثال يوجد في السجون المغربية العديد من الضباط الجزائريين الذين كانوا الى جنب المقاتلين الصحراويين في حربهم مع المغرب.
كما أن المغرب اتهم الجزائر بالضلوع في تفجيرات عرفها المغرب, وكانت المغرب قد انسحبت من منظمة الوحدة الافريقية التي تتراسها الجزائر حاليا ,وذلك بسبب اعتراف هذه المنظمة بجبهة البوليساريو.
اما اتحاد المغرب العربي المشلول منذ عشر سنوات تقريبا فلا يمكن تصور احيائه , وحتى اذا عاد الى دائرة الضوء فكل قرارته ستظل حبرا على ورق.
اما الشراكة مع الاتحاد الاوروبي فمعروف أن هذا الاخير كان يرفع ورقة حقوق الانسان المنتهكة في الرباط, وعلى الرغم من
ان الرباط قامت بتحسين صورتها في هذا المجال الا أن الطريق ما زالت طويلة حتى تقتنع العواصم الغربية بأن الدمقرطة أصبحت سيدة الموقف في الرباط.
وعلى صعيد علاقات المغرب مع بقية الدول سواء الدولة العبرية والمحاور الدولية الاخرى,فلا شك كما يقول عارفون بالبيت المغربي أن ثقافة الحسن الثاني الواسعة و خبرته القديمة اهلته ان يجيد لعبة التوازنات , والملك الجديد في حاجة الي وقت للحصول على بعض هذه المواصفات ولن يكون كما كان والده في واقع الملقي وفي الاغلب سيكون في موقع المتلقي .والعلاقة مع الدولة العبرية ستستمر متطورة في عهد محمد السادس, بسبب نفوذ الجالية اليهودية في المغرب ,وبسبب وجود مستشارين يهود في دوائر البلاط الملكي الى وقتنا هذا .و يبقى القول أن الملك الحسن الثاني كان يحلم ان تعود سبتة ومليلة الى السيادة المغربية الا أن اصرار اسبانيا على أنهما ملك لاسبانيا من شأنه تعقيد الازمة وعلى الارجح فانه لن يكون في وسع محمد السادس استرجاع سبتة ومليلة وجزيرة البقدونس المعروفة بجزيرة ليلى .

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا