يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

 تونس بين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي !


وصل الجنرال زين العابدين بن علي الى الحكم في تونس في خضمّ ظروف محليّة وأقليمية ودولية اتسمّت بكثير من الاضطراب والتعقيدات , وجاء استيلاء زين العابدين بن علي على الحكم في تونس كردّة فعل على الافلاس الذي منيّت به سياسة الحبيب بورقيبة والذي أوصل تونس الى ذروة السقوط السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي .
فالتبعيّة للشركات الغربية ازدادت حدّة في العهد البورقيبي , ومافتئ الحبيب بورقيبة يعلن عن ولائه المطلق للغرب . وفي عهده اندلعت التظاهرات والمواجهات والاضرابات العامة في كافة المرافق الاقتصادية , وفي عهده جرى اعتقال المئات من الناشطين السياسيين من مختلف الانتماءات الحزبية والسياسية وزجّ بهم في غياهب السجن .وكانت قوات الجيش والأمن تمارس أبشع عمليات القمع , وحتى ثورات الرغيف والخبز تمّ قمعها وكأنّه لا يحق للناس التعبير عن جوعهم اطلاقا .وكان بورقيبة ومعه النخبة الحاكمة يتصوّرون أنّ العلمانية التغريبية ستجلب لتونس الكثير من الرخاء والتقدم والازدهار والرقيّ , والذي حدث أنّ هذا المنهج البورقيبي قاد تونس الى الهاويّة .وقد تبع الانهيار الاقتصادي انهيارات أخرى على الصعيد الثقافي والاجتماعي والسياسي حتى باتت السلطة محل انتقاد من كل التيارات السياسية التونسية بمختلف مشاربها وانتماءاتها الايديولوجية . وكان التغيير من خارج السلطة أشبه بالمستحيل بسبب قوة النظام الأمنية من جهة وتشتّت المعارضة من جهة أخرى . وعندما كان نجم الحبيب بورقيبة آخذا في الأفول , كان نجم أخر يسطع في سماء السياسة التونسية وهو نجم زين العابدين بن علي .والجنرال زين العابدين بن علي الذي لم يكن معروفا سوى في الكواليس الأمنية التونسية تمكنّ من التدرّج وبشكل سريع في المنظومة الأمنية التونسية حتى أصبح أحد أقرب المقربين الى الحبيب بورقيبة الذي عينّه في أكثر المناصب حساسة وخطورة .
والنقلة الكبيرة التي حققّها زين العابدين بن علي كانت غداة عودته من الولايات المتحدة الأمريكية حيث كان يواصل تكوينه الأمني وتخرجّ كضابط من احدى الكليات الأمنية والاستخباراتية الأمريكية , وفور رجوعه الى تونس تمّ تعيينه وزيرا للداخلية وأوكلت اليه معظم الملفات الثقيلة ومن جملتها ملف حركة النهضة الاسلامية في تونس التي كان يتزعمها راشد الغنوشي .
وتولّى زين العابدين بن علي مناصب أخرى خولّته الاطلاع بدقة على تفاصيل الحكم في تونس , وكان بين الحين والأخر يبادر الى اتخاذ القرارات وخصوصا عندما أشتدّ مرض الحبيب بورقيبة , الذي بدأت يداه ترتعشان , وبدأ يقدم على تصرفات مخلة بالحياء أحيانا و كانت زوجته وسيلة بن عمّار تحاول أن تلعب دور المتنفذ الأول وحسب بعض المعلومات الدقيقة فانّها لعبت دورا ما في اقصاء محمد مزالي من رئاسة الحكومة التونسية , وقد أعترف هو بالدور الخطير الذي كانت تضطلع به وسيلة بن عمّار زوجة الرجل الأول في تونس .
وبسبب مرض الحبيب بورقيبة دخلت تونس في مهبّ العاصفة حيث بدأت تفقد شيئا فشيئا مركزية القرار الذي توزعّ بين مجموعة أجنحة لا يجمعها الاّ المصالح والمنافع الكثيرة.
وهذا الضعف الذي ألمّ بالسلطة التونسية وبداية بروز مراكز القوة ساهم في تسهيل مهمة زين العابدين بن علي في الامساك بزمام الأمور والاستحواذ على الحكم .
وكان واضحا منذ بداية بروز زين العابدين بن علي على الساحة السياسية الرسمية أنّ هذا الرجل سيلعب دورا مهما في تاريخ تونس المعاصر .
وقد ولد الرئيس زين العابدين بن علي في 13 أيلول سبتمبر 1936 في بلدة حمام سوسة التي لا تبعد عن مدينة المونستير مسقط رأس بورقيبة سوى 24 كلم , وقد تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط في مدارس البلدة وتابع دراسته الثانوية في معهد سوسة التقني , وبعد المرحلة الثانوية درس بن علي في الجامعة الهندسية الالكترونية ثمّ التحق بالكلية العسكرية في تونس , وقد تابع دورات متخصصة في مدرسة سان سيير العسكرية , وفي مدرسة المدفعية في شالون سيرمان وكلا المدرستين تقع في فرنسا .
وقد انضمّ الى المدرسة العليا للمخابرات والأمن في الولايات المتحدة الأمريكية وتخرجّ منها بامتياز . وقد تسلمّ زين العابدين بن علي الأمن العسكري في تونس من سنة 1958والى سنة 1974 , وعينّ ملحقا عسكريا في السفارة التونسية في المغرب من عام 1974 والى سنة 1978 , وفي سنة 1978 أستدعيّ من موقعه كملحق عسكري ليتولىّ موقع مدير عام الأمن الوطني في تونس الى غاية سنة 1980 .
و في هذه الفترة كان عمليا يقوم بمهمات وزير الداخلية , لأنّ ضاوي حنّا بلية الذي كان يشغل هذا المنصب لم يكن قادرا في الواقع على حمل أعباء هذه الوزارة .
وقد جرى تعيين زين العابدين بن علي سفيرا لتونس في بولندا من سنة 1980 والى سنة 1984 ورافق عن كثب أحداث وارسو التي كان وراءها النقابيون وعلى رأسهم ليش فاليسا . وعلى اثر ثورة الخبز في تونس سنة 1984 أستدعيّ بن علي من وارسو ليشغل ثانية منصب مدير عام الأمن الوطني وفي نفس السنة بتاريخ 29 تشرين الأول أكتوبر تمّ تعيين زين العابدين بن علي كاتب دولة وكيل وزارة للأمن الوطني .
و سنة 1985 جرى تعيينه وزير دولة للأمن في مكتب رئيس الوزراء محمد مزالي , وفي سنة 1986 عيّن وزيرا للداخلية وظلّ في منصبه هذا حتى تولىّ رئاسة الوزارة في مطلع تشرين الأول أكتوبر 1986 فجمع بين منصب الوزير الأول ووزير الحكومة فضلا عن تولّيه الأمانة العامة للحزب الاشتراكي الدستوري الحزب الحاكم .
وفي 07 تشرين الثاني نوفمبر 1987 استولى زين العابدين بن علي على الحكم في تونس وأصبح يعرف برجل النظام القوي الذي أطاح بالمجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة .
وزين العابدين بن علي رجل عسكري محترف اصطفاه بورقيبة منذ سنوات ليكون قبضته الحديدية في مواجهة خصومه والأزمات التي حلّت بنظام الحبيب بورقيبة , وكانت النتيجة أن أزيح بورقيبة نفسه عن الحكم . و قد وصفته صحيفة فرنسية بقولها : أنيق المظهر , حليق الذقن دائما , في الواحد والخمسين من عمره عندما أستولى على الحكم , يجلس برصانة ويتحدث الانجليزية والفرنسية اضافة الى العربية ومحسوب على الغرب قلبا وقالبا .
وقال أحد الوزراء التونسيين عن زين العابدين بن علي أنّ هذا الأخير سيضع حدّا لتنافر الألوان و الأصوات لا يتكلم الاّ عندما يكون لديه شيئ يقوله , انّه يعي ايجاد حلول لها , استتباب الاستقرار والأمن العام وأمن المواطنين وحماية أرزاقهم ومقدراتهم و انّه يعي دروس الحياة ولديه طموح ويعرف مايجب عمله , واذا ما ساء الحظ وغاب الرئيس فليس هناك خوف من المستقبل .
وغداة توليّه الرئاسة قال زين العابدين أنّ برنامجه يكمن في بناء مجتمع مزدهر ومنفتح ومتسامح ويسوده السلام .وقد أدهش هذا الانقلاب الأبيض العديد من العواصم الغربية والعربية الى درجة أنّ بعض العواصم المعنية بتونس اعتبرت أنّ ما حدث هو انقلاب لصالح المخابرات الأمريكية في المغرب العربي خصوصا وأنّ بن علي أكمل تكوينه الأمني والمخابراتي في الولايات المتحدة الأمريكية وعاد بعدها الى تونس ليتولىّ فيها مناصب حساسة وخطيرة .
والهدف من هذا الانقلاب كما فهمته بعض العواصم المعنية بالملف التونسي هو القضاء على الوجود الفرنسي في المغرب العربي . وقد أثبت زين العابدين بن علي انضباطا كبيرا في خدمة النظام التونسي وتميزّ بطول الباع في المرحلة البورقيبية , وفي بيانه الأول وعد بأن ينقذ تونس من الانهيار الاقتصادي والسياسي ووعد بوضع برنامج متماسك يسمح لتونس بأن تصبح دولة ديموقراطية حقا دولة , الحريات الأساسية والنقابية وحرية التعبير والرأي والصحافة .وقد لاقى هذا الطرح ترحيبا من قبل المعارضة بشكل عام , وحتى المعارضة الاسلامية بزعامة راشد الغنوشي أبدت ترحيبها بالتغيير المبارك في تونس . وبالفعل بدأ زين العابدين بن علي حكمه بكثير من الانفتاح على المعارضة وأطلق سراح العديد من سجناء الرأي والسجناء السياسيين من مختلف التنظيمات والانتماءات الايديولوجية .وحتى الاسلاميون الذين حملوا السلاح ضدّ نظام الحبيب بورقيبة من عناصر طلائع الفداء الاسلامي أطلق سراحهم وصدرت في حقهم قرارات العفو , وتمّ العفو عن عناصر حزب التحرير وغيرهم .لكنّ هذا الانفتاح لم يدم طويلا وشهر العسل لم يستمر طويلا مع المعارضة اذ سرعان ما تبينّ أن العهد الجديد مناور وليس صاحب ثوابت وهو الأمر الذي جعل الطبقة السياسية في تونس والمعارضة منها على وجه التحديد ترى أنّ الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي هما في الواقع وجهان لعملة واحدة , فالتغيير الحاصل لم يطاول النهج السياسي بل طاول الأشخاص والوجوه لا أكثر ولا أقلّ , والديموقراطية التي وعد بها زين العابدين بن علي كانت حكرا على الحزب الدستوري الحاكم ومن يدور في فلكه. وازاحة الحبيب بورقيبة عن الحكم وكما وصفها بعض الخبراء التونسيين كانت تندرج في سياق الخطوات الضرورية للحفاظ على النظام , فتمّت التضحية بشخص أنهكه المرض ليبقى النظام سليما بعيدا عن مخاطر الانهيار . وبناءا عليه فالتغيير الذي حصل هو تغيير شكلي وليس مركزيّا و لأجل ذلك بقيت الأزمة السياسية تراوح مكانها في تونس وحتى في العهد العابديني الجديد .

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا