يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

العلاقات الجزائرية الإيرانيّة
Wednesday August 01, 2007


بعد قطيعة ديبلوماسية و سياسيّة أستمرّت قرابة عشر سنوات نجحت الإتصالات السريّة بين رسميين من إيران والجزائر في كواليس بعض العواصم العربية والغربية تؤتي ثمارها إلى درجة أنّ الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وخلال الندوة الصحفيّة المشتركة مع الرئيس الفنزويلي لدى زيارته في وقت سابق إلى الجزائر , أعلن أنّ الجزائر مستعدة أن تستقبل الرئيس محمد خاتمي في الجزائر وقد إستقبلته الجزائر فعليّا قبل أيام , وأستطرد قائلا أنّ الذي يجمع بين الجزائر وإيران هو الإيمان والإسلام والثقافة والمصير الواحد , وذكر بوتفليقة أنّ الاتصالات قطعت شوطا كبيرا وبقيت بعض الملفات الأمنية العالقة التي هي في طريقها للمعالجة , و زيارة خاتمي إلى الجزائر وقبلها زيارة بوتفليقة إلى طهران جاءت لترأب الصدع في علاقات مضطربة على مدى عشرية كاملة .
وقد مرّت العلاقات الجزائرية الإيرانية بمحطات تألقّت تارة و تدهورت باستمرار ذلك أنّ إيران بمشروعها الإسلامي لم تتحوّل إلى غول يخيف المشرق العربي و دول الخليج العربي , بل تحولّت إيران لدى انتصار ثورتها إلى غول يخيف حتى الدول المغاربية , إلى درجة أنّ العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني و في خطاب متلفز رفع صورة الإمام الخميني مؤسّس الجمهورية الإسلاميّة وعلقّ بقوله أنّ صاحب هذه الصورة هو المشكلة , في إشارة إلى الإضطرابات الطلابيّة في الثانويات والجامعات .
وإلى وقت قريب كانت العلاقات الديبلوماسية بين إيران ودول المغرب العربي مقطوعة (تونس , الجزائر , المغرب ) فيما ظلّت ليبيا وموريتانيا تحتفظان بعلاقات ديبلوماسية عادية مع إيران , وقد تمكنّت تونس في وقت مبكّر وقبل رجحان الكفة لصالح التيار الإصلاحي والتنويري في إيران من استئناف علاقاتها مع إيران وتمّ تبادل السفراء بين العاصمتين . كما أنّ المغرب عالجت معضلتها مع إيران في عهد العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني , وبقيت العلاقات الجزائرية الإيرانية مجمدّة لأسباب ترتبط مباشرة بالوضع السياسي والأمني في الجزائر .
وقد كانت العلاقات الجزائرية الإيرانيّة في عهد الشاه رضا بهلوي عادية ولم ترق إلى مستوى العلاقات المتميّزة والسبب في ذلك يعود إلى كون الجزائر في ذلك الوقت محسوبة على المحور الاشتراكي اليساري , فيما كانت إيران قاعدة أمريكية , وقاعدة متقدمة للغاية خصوصا وأنّ الاتحاد السوفياتي السابق كان على مرمى حجر من إيران , وهذا الاختلاف في موالاة المرجعيات الدولية تاريخئذ لم يحل دون التنسيق بين الجزائر وإيران في مسائل أسعار النفط وقضايا سياسية أخرى تهمّ البلدين , وفي سنة 1975 استطاعت الجزائر في عهد هواري بومدين أن تجمع بين شاه إيران ونائب الرئيس العراقي في ذلك الوقت صدّام حسين وكانت النتيجة اتفاقيّة الجزائر التي وضعت حدّا للخلاف الحدودي بين العراق وإيران . وربما هذه العلاقات الديبلوماسية هي التي أدّت بالجزائر إلى رفض طلب الإمام الخميني بالإقامة في الجزائر بعد أن جرى طرده من النجف في العراق , وبعد أن رفضت الجزائر طلب لجوئه توجّه إلى العاصمة الفرنسية باريس وذلك بعد رفض الكويت استقباله أيضا .
وبعد انتصار الثورة الإيرانية في شباط 1979 , تخوفّت الدوائر الجزائريّة من مشروع الثورة الإسلامية وإصرار المسؤولين الجدد في إيران على تصدير ثورتهم إلى العالم العربي والإسلامي , وأزداد تخوف الدوائر الجزائرية من المارد الإيراني الإسلامي بعد تجاوب الشارع الجزائري مع الثورة الإيرانية , وبعد الإشادات الإيرانية المتكررة بالثورة الجزائرية التي طردت الحلف الأطلسي من الجزائر , وبعد الإشادات بالحالة الإسلامية الجزائرية التي كانت مؤهّلة في زعم الإيرانيين أن تحققّ المعجزة الإسلامية في المغرب العربي .
وبناءا عليه أحيطت السفارة الإيرانية في الجزائر العاصمة بسياج أمني محكم و بات كل جزائري أو جزائرية يترددّ على السفارة الإيرانية للحصول على كتيبّات زعماء الثورة الإسلامية في إيران أو المنشورات الإيرانية عرضة للاعتقال و كان هؤلاء يعتقلون فور خروجهم من السفارة الإيرانية مباشرة , ويتمّ اقتيادهم إلى دوائر الأمن حيث يجري استجوابهم كما كان زائرو إيران من الجزائريين الذين يريدون معرفة ماذا يجري هناك يتعرضون للاعتقال بعد عودتهم إلى الجزائر .
وعندما تأسسّت الجبهة الإسلامية للإنقاذ وفوزها في الانتخابات البلدية والتشريعية في وقت لاحق دعمت إيران سياسيا وإعلاميا خطّ الجبهة الإسلامية السياسي , وحظيّ الدكتور عباسي مدني زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ باستقبال رسمي في إيران لدى زيارته لها , كما حظيّ باستقبال حار من مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئ , وهذا ما جعل الدوائر الجزائرية تتخوفّ من العلاقة الناشئة بين الحركة الإسلامية الجزائرية والثورة الإسلامية في إيران , وعندما ألغت السلطة الجزائرية الانتخابات التشريعية التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ أحتجّت إيران احتجاجا كبيرا على هذه المسلكية الطاغوتية كما سمتها طهران , كما أنّ طهران أعتبرت اغتيال الرئيس الجزائري محمد بوضياف بأنّه اغتيال طاغية , كما صرحّ بذلك أية الله جنتي في خطبة الجمعة في جامعة طهران .
وقد أعتبرت الجزائر هذا وغيره تدخلا سافرا في القضايا الداخلية الجزائرية وقطعت علاقاتها الديبلوماسية مع إيران وطردت الديبلوماسيين الإيرانيين من الجزائر , وخصوصا بعد أن ألقت المخابرات الجزائرية القبض على وزير جزائري كان يسرّب ملفات إلى السفارة الإيرانية في العاصمة الجزائرية . وبعد اندلاع الفتنة الجزائرية العمياء ظلّت الجزائر تتهمّ إيران والسودان بتقديم الدعم للجماعات الإسلامية المسلحة في الجزائر , لكنّ السلطات الجزائرية لم تكن تملك أدلة بهذا الخصوص , بل كانت تتلقّى ملفات جاهزة من المخابرات المصرية والتونسية وبعض الأجهزة الغربية .
و كانت الجزائر الرسمية تعتبر طهران أهم حليف لخصمها اللذوذ الحركة الإسلامية الجزائرية ولذلك كانت ترجئ باستمرار إعادة النظر في موقفها من طهران .
ومع انتقال إيران من الثورة إلى الدولة , و بداية تغليب لغة المصالح على لغة الإيديولوجيا , ومع ترميم العلاقات الإيرانية مع مختلف الدول العربية , بدأت الجزائر تراجع حساباتها وتستجيب لرسائل الرئيس الايراني محمد خاتمي , و نتيجة هذه الاتصالات الكواليسية لقاء تمّ بين عبد العزيز بوتفليقة ومحمد خامي في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة , و أعقب ذلك اللقاء سلسلة إنفراجات في العلاقات الثنائية بين الجزائر وإيران تنهي قطيعة دامت 10 سنوات . والرسميون الجزائريون يعتبرون أنّ الإيرانيين هم الذين بدأوا بتجاوز الخطوط الحمراء مغلبّين منطق الثورة على منطق الدولة , وهم الذين بدأوا في التدخل في الشؤون الداخلية الجزائرية , علما أنّه وكما يقول الرسميون الجزائريون فانّ الجزائر ساهمت في حلحلة الخلاف العراقي الإيراني في سنة 1975 , وساهمت في حلحلة أزمة الرهائن الأمريكان في طهران بالشكل الذي جنبّ إيران ضربة أمريكية قاضية كما كان يخططّ لها بريجنسكي , وساهمت في دعم حكومة مهدي بزركان بعد الثورة الايرانية .
وإذا كان مابين السعودية وإيران قد ذاب بسرعة فمن باب أولى أن يذوب مابين الجزائر وإيران كما يقول العارفون بالشأن الجزائري الذين يصرّون على القول أيضا أنّ زمن الإيديولوجيا ولىّ و زمن العولمة حلّ !

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا