يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

 يهود ليبيا : الأصول والجذور


أعلنت ليبيا أنّها ستعوّض يهود ليبيا الذين أجبروا على مغادرة ليبيا وترك ممتلكاتهم في ليبيا , و المصالحة الليبية اليهودية هذه تدعونا إلى تسليط الضوء على الوجود اليهودي في ليبيا .

عاش اليهود في المغرب العربي منذ عقود وأصبحوا في بعض الأقاليم المغاربية من أصحاب الشأن والنفوذ إلى درجة أنّهم كانوا يمسكون بالإقتصاد المغاربي وبرعوا في صياغة الذهب وبيعه , وعندما تعرضّ المغرب العربي إلى الإحتلال الفرنسي تعاونت الجالية اليهودية في المغرب العربي مع الإستعمار الفرنسي حيث رحل الكثير منهم إلى فرنسا عقب إندحار القوات الإستعمارية الفرنسية في المغرب العربي فيما إرتأى آخرون الإقامة في بلدان المغرب العربي .
وإذا كان الوجود العبري في كل من تونس و المغرب واضحا للعيان بمعابدهم وتجارتهم ومدارسهم و تمظهرات حياتهم , فإنّهم في ليبيا والجزائر و موريتانيا غير واضحي الملامح رغم وجودهم بقوة حتى في بعض دوائر القرار , ففي الجزائر مثلا ذاب العديد منهم في المجتمع الجزائري والبعض أخفى أصله اليهودي وتسللّ إلى دوائر القرار حيث كشف وزير الإقتصاد الجزائري ذات يوم بأنّ هناك عشرين يهوديا في وزارة الإقتصاد الجزائرية .
أما عن ليبيا فتشير بعض المصادر التاريخية إلى أنّ الوجود اليهودي في ليبيا يعود إلى العهد الفنيقي وتذهب هذه المصادر إلى أنّهم سكنوا في مدينة برقة الليبية منذ القرن السادس قبل الميلاد .
واليهود الذين تواجدوا لاحقا في ليبيا فهم يرجعون بأصولهم إلى موجات متتاليّة من المهاجرين اليهود من إسبانيا عقب الإضطهاد الديني الذي مارسه الإسبان على أتباع الديانات الأخرى أو فيما عرف بمحاكم التفتيش الإسبانية في نهاية القرن الخامس عشر .
و حسب المصادر الليبية و الجزائرية التاريخية فإنّه وفي سنة 1510 وعندما إحتلّت إسبانيا مدينة طرابلس الغرب فإنّ خارطة الوجود اليهودي في ليبيا بدأت تتغيّر وأستمّر هذا التغيّر بعد إستيلاء فرسان القديس يوحنا في مالطا على ليبيا وبعدها بسط النفوذ العثماني التركي على ليبيا .
ففي فترة الحكم الإسلامي لليبيا فإنّ التقديرات التاريخية أشارت إلى وجود 800 عائلة يهودية في طرابلس الغرب وإنتقلت بعد ذلك إلى واحة تاجوراء وإلى جبل غريان الليبي سنة 1510 .
وفي هذا السيّاق يشار إلى أنّ الطبيب الخاص لوالي طرابلس في ذلك الوقت كان اليهودي الحاخام شمّون لابي وكان لابي عميد الجالية اليهودية في ليبيا في أواسط القرن السادس عشر الميلادي وتمكنّ من نسج علاقات قوية مع دوائر القرار الليبي في ذلك الوقت .
ولم يتدفّق اليهود على ليبيا من تونس والمغرب و الجزائر و إسبانيا فحسب بل جاؤوها حتى من إيطاليا وفرنسا وبعض دول أوروبا , فعائلة كاردوزو اليهودية في ليبيا هي في الواقع عائلة إيطالية تزعمّت يهود الجرانة أو الإيطاليين اليهود القادمين من منطقة ليجورن غرب إيطاليا أي الجورنيم .
وقد لجأ يهود ليبيا فيما بعد إلى تعريب إسمائهم أو لبييّة أسمائهم من جعلها ليبيّة ومن أشهر العوائل اليهودية في ليبيا :
آل المسلاتي وزرقا وسلام وحجّاج و أوادي وتيار وخلفون وفلوس وفرفرا وفاتوري وأربيب وسيروسي وناحوم وتيتو وخلف الله وغيرها .
و مع مرور الأيام بدأ النفوذ اليهودي يقوى في ليبيا حتى بلغ ذروته مع الإحتلال الإيطالي لليبيا حيث تمكن اليهود من بناء مدارسهم الخاصة حيث يحصي الباحثون وجود 11 مدرسة دينية و 12 كنيسا يهوديا ليهود ليبيا في سنة 1185 .
وأشهر مدرسة كانت مدرسة صنائع و التي كانت تابعة لجمعية إليانس اليهودية الليبية , مع الإشارة إلى أنّ عددهم في هذا الوقت كان يبلغ حوالي 7500 يهوديّا في ليبيا .
وقد نجح الإيطاليون وعندما قاموا بإحتلال ليبيا من جلب اليهود الليبيين إلى صفهّم وتحديدا أولئك الذين نزحوا من إيطاليا وإلى ليبيا , وعلى الرغم من كل الإنجازات التي حققّها اليهود في ليبيا إلاّ أنّهم لم يكونوا ملتزمين بمبدأ الولاء الوطني حيث كان وجهاؤهم يشاركون في مؤتمرات الوكالة اليهودية العالمية التي كلفت لجنة من يهود ليبيا بدارسة السبل الكفيلة بدعم الدولة العبرية إنطلاقا من المغرب العربي .
وكان يشرف على تنظيم أمور الجالية اليهودية في ليبيا المجلس الطائفي اليهودي في مدينة طرابلس الغرب و الذي كان يتمتّع بإستقلالية كاملة و كان يحدد قيمة الضريبة التي يجب أن يدفعها كل يهودي ليبي للمجلس المذكور , كما كان لليهود الليبيين محاكمهم الخاصة التي عرفت بإسم محاكم الأحبار وكانت تتولى الأمور الزوجية والوراثة والخلافات بين الأشخاص وغير ذلك من الأمور وبعبارة أخرى لقد كانوا دولة داخل دولة بل كانوا يتمتعون بحكم ذاتي حقيقي .
وكانت المدارس اليهودية التلمودية تضطلع بمهامها في مختلف مراحل الدارسة , و قد برع بعضهم في إنشاء أسواق تجارية من قبيل سوق الترك والسوق التجاري الكبير في شارع إدريس الأول في طرابلس وسيطروا على مجمل التجارة الداخلية والخارجية في ليبيا .
وعلى الدوام كان رئيس الرابطة العالمية ليهود ليبيا رافائيلو فلاح يشيد بدور يهود ليبيا ويذهب رافائيلو فلاح رئيس الجالية اليهودية الليبية إلى القول بأنّ عدد يهود ليبيا يتجاوز 90 ألفا من اليهود وأنّ بعضهم سافر إلى كندا وأمريكا وإيطاليا والدولة العبريّة .
وقد بدأت مغادرة يهود ليبيا لليبيا عقب الحرب العربية- العبرية في سنة 1967 حيث غادر الكثير منهم ليبيا متوجها إلى الدولة العبرية , علما أنّ الدولة الليبية المستقلة وبقيادة الملك السنوسي وبعده العقيد معمّر القذافي ظلتّ تتعامل مع اليهود بنفس الإحترام و ربما كانوا أكثر نيلا لحقوقهم من المواطنين المسلمين الليبيين .
و يندرج إقدام العقيد معمر القذافي على فتح صفحة يهود ليبيا و تعويضهم في سياق تبييض وجه النظام الليبي وإرضاء اليهود يعّد الشرط الأساس للدخول إلى النادي الدولي الذي ترسم منحنياته واشنطن وتل أبيب .

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا