يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

 الصحفيون الذين يقبضون من الطغاة طغاة أيضا



على إمتداد حياتي الصحفية في الجزائر والعالم العربي والغرب تعرفت إلى العديد من الصحفيين الجزائريين والعرب والذين بات بعضهم بين عشية وضحاها من أهل النعمة والترف ويعيشون في بحبوحة من العيش تاركين وراءهم شعارات من قبيل نصرة المستضعفين وفضح الطغاة وإستخدام القلم للإنتصار للقضايا الكبرى , والأغرب أنني عملت مع بعض أرباب الصحف كانت صحفهم تقوم على بعدين الإسلام والعروبة , وكانوا يمتطون الشبح و لديهم عشرات الحسابات هنا وهناك في مختلف العواصم التي يترددون عليها , وهناك من كان يفطر مع نظام عربي ويتغذى مع آخر و يتعشى مع ثالث وهلمّ جرّا ..


وكثيرا ما كانت الأجهزة الأمنية في الوطن العربي تسعى لإقامة علاقات مع صحفيين وتتحقق الخدمة المتبادلة يحصل على إثرها الصحفي على إمتيازات و عطاءات من الأموال المسروقة من الشعوب المستضعفة , وقد أحسنت النظم العربية في إستخدام العديد من الصحفيين والأقلام ومن خلال هؤلاء الصحفيين الطغاة أيضا مررت السلطات عشرات المشاريع والرؤى وتحولّ الصحفيون إلى مروضين , يروضّون الإنسان العربي لصالح الطغاة والقبول بكل ما يصدر عنهم .


وقد وقع تداخل بين المال والصحافة , وبين الأجهزة الأمنية ودوائر السلطة والصحافة , إلى درجة أنّ الصحافة لم تصبح سلطة رابعة بقدر ما أصبحت حصان طروادة السلطة والتي كانت تشرعن ما تقدم عليه هذه السلطة من خلال توجيهات الصحافة و تبريرات الصحافة , وحصل الصحفيون الذين خانوا أمتهم ومبادئهم على فيلات وسيارات وعلاوات ومناصب و أضواء هنا وهناك ومرافقة للسيد الرئيس في رحلاته الإستجمامية إلى الدول الغربية وغيرها , و إذا كان هذا وضع الصحافة الرسمية فإنّ صحف المعارضة لم تسلم من الإختراق من قبل الأجهزة الأمنية الغربية والسفارات العربية حيث وصلت المبالغ التي حصل عليها بعض رؤساء التحرير إلى حدود الخيال وكل ذلك كان يتم تحت عنوان هديّة و دعم لهذه الصحيفة وتلك , ومازلت أتذكّر كيف حصل رئيس تحرير جريدة عربية مرموقة على مبلغ ثلاثين مليون دولار من رئيس عربي , وأخر كان ينتظر في البلاط الأميري يومين ليحضى بمقابلة الأمير أو ولي العهد ليحصل على حصته من أقوات الشعوب المسروقة , وهناك من حصل على سيارة وهناك من حصل على بيت وإمتلأت بطون العديد من الصحفيين من الحرام , ويستوي في هذا أصحاب كل الإتجاهات , والذي أعجب له أنّ الماركسي كان يقبض من دولة ليبيرالية و الإسلامي من دولة ماركسية أو إشتراكية والقومي من دولة قطرية , وبسطاء الناس عندما يقرأون بعضا من هذه الصحف يحلو لهم ما يرد فيها ولا يعرفون أنّها جزء من ألاعيب الأجهزة الأمنية التي تنص إستراتيجيتها على إستراتيجية اللاإستراتيجية .


و قد سألني أحد الصحفيين العرب لماذا لم تستقّر في صحيفة معينة فأجبته بأنّ مصيبتي أنني أعرف أكثر من غيري وأحيانا تكون المعرفة وكثرة المعلومات مضرّة , ولهذا إنتهى بي المطاف في شمال العالم , وعلم الله لو أنني أفتح كل الملفات وأتكلم بشكل مباشر لأنهارت الكثير من الأسماء , وكثير ما كان بعض رؤساء تحرير يعترضون على أمريكا سياستها وبعد ذلك يتغذون مع السفير الأمريكي في عاصمة بلادهم , وكان يعمل معي صحفي عربي في جريدة مرموقة فسألت عنه يوما فقيل لي إشترى بيتا رائعا في أحد أحياء لندن الراقية وقد كان بالكاد يجد قوتا لأولاده .


وكثيرا ما أفسد المال الرسمي العربي المسروق من أفواه المستضعفين الذمم وقد دخل على خط الصحافة العربية والإعلام العربي المرئي مال الإستخبارات الأمريكية حتى بتنا نسمع عن صحفيي ومثقفي الإستخبارات الأمريكية العرب . وعندما يدمن الصحفي العربي المال الحرام يحلو له ذلك خصوصا وأنّه عندما يحضى برضا السلطات فإنّه يدخل في دائرة إمتيازاتها ونعمها و للسلطة نعيم وبريق خاص كثيرا ما ينطلي على الذين لا يتقون الله ولا يؤمنون حقيقة باليوم الآخر , لكن إذا لم يفضحهم الحاضر فسوف يفضحهم التاريخ والمستقبل , وفي هذا السياق أقول لا فرق بين هذا الطاغية وذاك الطاغية , فإذا كان الصحفي يعيب على حركة الظلم في هذا الموقع العربي عليه أن يعيب الظلم في أي مكان و لا فرق هنا بين الطاغية صدّام حسين المعتوه المجرم وبقية الطغاة فكلهم في الظلم عرب !


والصحفي الشحّاذ الذي يقبض هدية أو عطيّة من طاغية مستبد أو من جهاز أمني قمعي هو صحفي طاغ أيضا بل كلب وحقير , لأنّه خان أهم سمة في المهنة وهي عدم بيع المبادئ الكبرى التي لأجلها قام الفكر الحق والثقافة الحقّة .


ولا يجب أن نلعن الطغاة الذين صادروا حياتنا ومقدراتنا , بل علينا أن نلعن أي صحفي قبض أي مبلغ حتى لو كان ضئيلا من أي طاغية كان في المشرق العربي أو المغرب العربي , وعلينا أن نلعن أي صحفي يمجّد الظلم و يسكت عن الظالمين بل ويشرعن ظلمهم , كما فعلت حفنة من الصحفيين مع صدام حسين أبي المقابر أو مع أمريكا مخترعة المقابر , أو أي طاغية وجد على وجه البسيطة , فالحرّ يجب أن يبقى ويموت حرّا , ولعن الله أموال كل الطغاة إذا كانت ستخرس الحق .


وما زلت أتذكّر عندما كنت محاصرا في وطني الجزائر ممنوعا من السفر , إلتقيت بوزير الداخلية الجزائر في ذلك الوقت فقال لي : أطلب ما تريد نعطيك , فقلت له إعطني جواز سفري , فقال لي عجيب أمرك أعرض عليك الدنيا وتريد المنفى , فقلت له أن ألقى ربي منفيّا خير لي من أن ألقاه خائنا مجرما في زمرة المجرمين , ومنذ عقدين وأنا أجول الأمصار مات الكثير من أهلي وإبني الكبير , ورغم كل ذلك يستحيل أنّ أقول لأيّ طاغية كائن من كان : أنت رمز العدالة , كما حدث مع طغاة العالم العربي , ومن هذا المنطلق فكل صحفي يقبض من الطغاة هو طاغية وعلينا أن نلعنه كما نلعن الطغاة .
 

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا