يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

  ملف الإغتيالات السيّاسيّة في المغرب العرب !


أدّى فتح ملف المناضل السياسي المغربي المعارض المهدي بن بركة إلى إرباك واسع لدوائر القرار ليس في المغرب فحسب بل في تونس والجزائر وموريتانيا وليبيا , حيث هناك المئات من الشخصيات المغاربيّة المشابهة للمهدي بن بركة والتي تمّ تصفيتها في الداخل المغاربي وفي عواصم أوروبيّة متعددة مثل ألمانيا الغربية في ذلك الوقت وفرنسا و إسبانيا وايطاليا وغيرها من العواصم الغربيّة . وتأمل المعارضات في المغرب العربي إلى إعادة فتح كل ملفات التصفيات السياسية التي كان معارضون من الجزائر وليبيا وموريتانيا والمغرب وتونس عرضة لها وفي أحايين كثيرة كانت الأجهزة الأمنيّة الغربية تتواطأ مه الأجهزة الأمنية المغاربية على الرغم من الخلاف الإيديولوجي والسياسي الذي كان سائدا بين هذه العواصم الغربية التي سهلّت أجهزتها عملية التصفيات ودول المغرب العربي وتحديدا في فترات الستينيات والسبعينيات وحتى في بداية الثمانينيّات .


ففي الجزائر على سبيل المثال صفّت الأجهزة الجزائريّة محمّد خيضر في إسبانيا وكريم بلقاسم في ألمانيا وعلي المسيلي في فرنسا , والذين جرت تصفيتهم في الداخل لا يحصى عدهّم , وصفّت الأجهزة الليبيّة عشرات المعارضين الليبيين في بريطانيا وغيرها وأخر المختطفين من القاهرة كان منصور الكيخيا وزير خارجيّة ليبيا الأسبق الذي كان يحمل جواز سفر جزائري , وقد جرى اختطافه بمساعدة أجهزة عربيّة من القاهرة والى جهة مجهولة يعتقد أنّها ليبيا . وفي تونس تمكنّ نظام بورقيبة من تصفية عشرات الشخصيات السياسية التي كانت تعرف باليوسفيين نسبة إلى المعارض الرئيس للحبيب بورقيبة يوسف بن صالح الذي فرّ إلى الجزائر و أحتضنته القيادة الجزائريّة , وعندما كان زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي في الجزائر في أوجّ قوة الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ أوفدت المخابرات التونسية فرقة النمور السوداء المتخصصّة في الاغتيالات خارج تونس لتصفيّة الغنوشي , وتمّ إبلاغه بمشروع التصفيّة من قبل جهات جزائرية فغادر إلى الخرطوم ومنها إلى لندن حيث يقيم كلاجئ سياسي .

 و حسب معلومات أكيدة كثيرا ما كانت تتّم عملية التبادل المعلوماتي بين بعض الأجهزة المغاربيّة وأخرى مماثلة في الغرب من قبيل معلومات عن لاجئين سياسيين من الباسك في الجزائر والمغرب , أو أعضاء من الجيش الجمهوري في ليبيا وبالمقابل تحصل الدول المغاربيّة على معلومات دقيقة عن معارضين مغاربيين في فرنسا و إسبانيا . وفي موضوع المهدي بن بركة كان هناك تنسيق كامل بين المخابرات الفرنسيّة والمخابرات المغربيّة , وكانت المخابرات الفرنسية تزوّد المخابرات المغربيّة بأدقّ المعلومات عن بن بركة واتصالاته والشخصيات التي يلتقيها وتحركاته , وقد لجأ العاهل المغربي السابق الحسن الثاني إلى استثمار علاقاته الوطيدة بكبار الرسميين في فرنسا , والتي تؤكد معلومات أكيدة أنّه كان يستضيفهم للشهر والشهرين يقضونّها في بعض قصوره في الرباط ومنهم الرئيس الفرنسي الأسبق جسكار ديستان , ولا يمكن تصوّر خروج شخص من الحدود الفرنسية بالسهولة التي تمّت بها اختطاف المهدي بن بركة , وقد اعترف مقربون من الجنرال أوفقير الذي كان وزيرا للداخليّة قبل أن يقود عملية انقلاب ضدّ الحسن الثاني ولقيّ حتفه بعدها أنّ هناك ثلاثة أجهزة أمنيّة شاركت في اختطاف المهدي بن بركة وهي المخابرات الفرنسيّة والموساد الإسرائيلي والمخابرات الفرنسية وأنّ العاهل المغربي الحسن الثاني كافأ الموساد الإسرائيلي بكمّ هائل من المعلومات عن مجموعة كبيرة من الفصائل الفلسطينية ورجالاتها الذين كانوا يستخدمون أسماء حركيّة في العديد من العواصم الغربيّة .

 و لا يزال في المغرب مصير مائتين شخصية معارضة مجهولا ويطالب المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف بالكشف عنهم جميعا حتى لو أدى ذلك إلى محاكمة الحسن الثاني وهو في لحده , وفي فرنسا كشف ضابط مخابرات جزائري سابق ويدعى هشام عبّود أنّ رئيس ديوان الرئيس بوتفليقة الجنرال العربي بلخير هو الذي أصدر أمره بتصفية المعارض الجزائري في باريس علي مسيلي ومعروف أنّ لبلخير علاقات وطيدة بالأجهزة الفرنسية منذ كان ظابطا صغيرا في الجيش الفرنسي في عهد الجنرال شارل ديغول . ومازال الجزائريون يبحثون عن ستة ألاف معارض سياسي خطفوا على امتداد الأزمة الجزائرية ومازال مصيرهم مجهولا . وفي تونس يطالب مئات العوائل بالكشف عن أبنائهم المخطوفين والذين لا يعرف عنهم شيئا . و تخشى الدوائر المغاربيّة أن يؤدي الاسترسال في فتح ملفات الاغتيال السياسي في المغرب العربي الى مبادرة معارضين مغاربيين في أوروبا الى رفع دعاوى ضدّ الحكّام المغاربيين في محكمة بروكسل التي تستعد لمحاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون . وهذا التخوّف لم ينبعث من فراغ إذ توالت إلى عواصم المغرب العربي تقارير تفيد بأنّ هناك جماعات مغاربيّة معارضة بصدد إعداد ملفات مشفوعة بأدلّة وبراهين لتقديمها إلى المحكمة البلجيكيّة .


وقد دعا وزير خارجيّة بلجيكا زعيم جبهة القوى الاشتراكيّة الجزائري حسين آيت أحمد ليسمع منه عن حقيقة تورط الجيش الجزائري في المذابح الجزائريّة خصوصا في هذه المرحلة التي تبحث فيها الجزائر عن شراكة مع الاتحاد الأوروبي .


وإذا كان الفصل المتعلق بتورّط الأجهزة المغاربيّة في تصفية معارضيها مكشوفا , فهل تميط العواصم الغربيّة اللثام عن الأدوار الذي أضطلعّت بها أجهزتها في تصفية عشرات المعارضين المغاربيين لجأوا إلى الغرب للحصول على الأمان المفقود !!!!

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا