يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE


 عالمنا العربي بين طاغيّة بلسان عربي و طاغية بلسان إفرنجي !


أصبح عالمنا العربي الباحث دوما عن الخلاص مضطربا في صياغة مشروعه السياسي الذي لم تتشكّل أبعاده رغم إنقضاء عقود على إستقلال الجغرافيا العربية والإسلامية عن الحركة الإستعمارية المباشرة والتي عاودت الظهور مع بداية الألفيّة الثالثة في المشهد الأفغاني والمشهد العراقي .


ومنذ بروز الكيانات السياسية العربية على شكلها الحالي وهي موزعّة بين تيارين لا ثالث لهما , تيار الطاغوت العربي والإسلامي المحلي حيث تمكنّ طاغية هنا وطاغية هناك ممن أنتجتهم العسكريتاريّا العربية و الإسلامية أقصد بالإسلامية جغرافيا العالم الإسلامي أيضا من مصادرة كل المقدرات بل ومصادرة المستقبل بكل ما فيه من تفاصيل , وراح هذا الطاغية يصيغ التوجهات السياسيّة والإقتصادية والثقافية والإستراتيجية و الأمنية والعسكرية دون أن تكون بطانته من أهل الفكر الناضج , و على الدوام كانت بطانة الطاغيّة طغاة وعسكريون وأمنيون من سنخه , ونجح الطاغية المحلي ذي اللسان العربي من إرباك واقعنا وتعطيل عقولنا وربمّا أبلغ نجاح حققّة هو إقامة المقابر وتجميع الجماجم في رفوف خاصة تحت الأرض وتشييد المعتقلات والسجون وفتح بيوت الدعارة والعهر و إقامة نوادي القمار وعلب الليل لتعفين القيم والمبادئ وبذلك أنتج شبابا متعفنا لا يفرّق بين الديكتاتورية والديموقراطية , بين الحريّة والإستعباد , بين المشاركة في صناعة القرار و تنفيذ الأوامر بالحرف بدون مناقشة , وقد نجح هذا الطاغية المحلي ذي اللسان العربي من تحطيم الإنسان العربي ومسخه و تفكيك خصائصه الداخلية و الخارجية على السواء , إلى درجة أصبح معها تعاطي جرعة من المخدرات أفضل من رؤية الرئيس العربي في الشاشات الصغيرة لدى بعض الشباب العربي الذين بلغوا سنّ الخمسين ولم يجدوا لا بيتا ولا زوجة , ثمّ ما الحاجة إلى إنجاب الأولاد إذا كان الطاغية العربي أنجب ما يكفي من الأولاد والذين سيرثون الدولة والوطن على السواء .


وأقام الطاغية المحلي ذي اللسان العربي أوشج العلاقات وأقوى الروابط وأمتن الجسور مع الطاغية العولمي والكوكبي ذي اللسان الإفرنجي و الإنجليزي والذي تمثلّه أمريكا اليوم , و من هذا الطاغية إستمدّ الطاغية المحلي ذي اللسان العربي شرعيته وقوته وأسلحته و وسائل التعذيب والطرق الأمنية والإستخباراتيّة , وظلّ الطاغية الكوكبي الأمريكي على وجه التحديد يغذي الطاغية المحلي بأسباب القوة و المنعة والمكنة وكان في المقابل يجني ثروات ونفطا ومعادن ويورانيوما و فوسفاتا وحديدا و أدمغة مهاجرة ومهجرّة وملفات أمنية وإستخباراتية طازجة ودسمة تتعلق بأدق التفاصيل ولا يمكن لهذا الطاغيّة العالمي أن يحصل عليها حتى لو غرس ملايين العيون في أوطاننا .


و بفضل هذا الطاغية العولمي والمستعمر الجديد كبر طاغيتنا المحلي ذي اللسان العربي المبين فبات هذا الطاغية يتمادى في قتله وطغيانه و يدشنّ المقبرة تلو المقبرة على قاعدة أنّ الآخرة خير من الدنيا , وما دام الطاغية العولمي يحصل على ما يريد فإنّه كان يغضّ الطرف عن الطاغية المحلي , بل كان يدينه نهارا و يبعث إليه وسائل التعذيب ليلا , يدينه من خلال الناطق الرسمي له ويدعمه من خلال رجال الأمن والإستخبارات و الدسائس الذين كان يبعثهم إلى بلاط الطاغية المحلي لإنقاذه من مؤامرة هنا ومحاولة إنقلابيّة هناك .


وفي بعض الأحيان كان الطاغية العولمي الأمريكي هو الذي يختار الطاغية المحلي ويوصله إلى سدّة الرئاسة ويمكن له في الأرض ويفرضه على البلاد والعباد , وحتى إذا تمّت الإطاحة بهذا الطاغية كان الطاغية العالمي الأمريكي يعيّن آخر مادام يملك خزانا من العملاء الموالين له في العمود الفقري للدولة المؤسسّة العسكريّة .


وحتى إذا جعل الطاغية المحلي المدعوم بالطاغية الكوكبي الشعوب تكفر بكل القيم والشرائع , و حتى إذا أخرجهم من أطوارهم , وأجهز على عقولهم , و أربك تفكيرهم راحوا يستنجدون بالطاغية العالمي الكوكبي الأمريكي الذي هو أصل بلائهم و أرضية بذور طغاتهم , و الواقع أنّ الطاغية العالمي كان يخططّ ويبرمج ويضع الإستراتيجية تلو الإستراتيجية لكي تؤول الأمور إلى هذه المرحلة وهي الإستنجاد بالطاغية الكبير .


و عندما أسقط الطاغية الكوكبي الطاغية المحلي فرح الناس لحظات , و أكتشفوا بعد برهة أنّ طاغيتهم المحلي ذي اللسان العربي المبين هو فرع من فروع هذا الطاغية العالمي الكوكبي , بل هو من سنخه وإمتداد له , ووظيفة الطاغية المحلي أن يمهّد الأرض ويعّد الأنفس لإستقبال الطاغية الكوكبي و جعله مقبولا ومشروعا .


و توزعّت نخبنا ومثقفونا وشعراؤنا بين تأييد الطاغية المحلي و تأييد الطاغية العالمي , فيما مازال العالم العربي يبحث عن نفسه عساه يجد خياره الثالث البعيد عن مدلهمّات الطاغية المحلي و مكر الطاغيّة العالمي !!!

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا