يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

 حكامنّا صمّ بكمّ عميّ و هم لا يعقلون !


على الرغم من أنّ الزلزال العراقي يعّد من أبرز الأحداث السياسيّة في مطلع الألفيّة الجديدة , وعلى الرغم من أنّ الطغيان والتجبّر والديكتاتورية والقمع والتسلطّ والتعذيب والتشريد وسرقة أقوات الناس - وما إلى ذلك من الصفات التي ميزّت الحكم العراقي بزعامة أبي المقابر صدّام حسين - هو الذي أفضى إلى هذا الزلزال الذي تجسدّ في إنهيار كافة الدفاعات العراقية و إنهيار المقاومات المزعومة و في ظرف أيّام وصلت الدبابات الأمريكيّة إلى بغداد لتمرغّ تمثال صدام حسين في التراب و كذلك نظامه وجيشه ورجال إستخباراته الذين كانوا لعنهم اللّه يستأسدّون على الرجال والأطفال والنساء والشيوخ فيقتلون بالجملة والمفرّق إرضاء لأبي المقابر صدام حسين , ولعلّ برنارد لويس في كتابه مستقبل الشرق الأوسط قد أشار إلى هشاشة الدفاعات العربية بقوله أنّ حملة صغيرة لنابليون بونابرت على مصر أكدّت للغرب أنّ العالم العربي قابل للإحتلال بدون صعوبة تذكر .
وبدل أن يتعظّ حكامنا من الحالة العراقية فيعملون على إعدام كافة العوامل والمسببّات التي أفضت إلى الزلزال العراقي إلاّ أنّ ما حدث في العراق لم يحرّك ساكنا لدى دوائر القرار في عالمنا العربي , فلم نسمع عن إقدام الحكومات العربية على إجراء مصالحات شاملة مع المعارضات كل المعارضات , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب أصدروا عفوا شاملا وأطلقوا سراح كافة المعتقلين السياسيين وغيرهم من رجال وكهول ونساء وشيوخ وتقليص عدد السجون والمعتقلات والمقابر الجماعية , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب أصدروا قرارا بتقليم أظافر رجال المخابرات القمعيين والمعذبين و الظالمين وتحريم الإعتقال إلاّ بأمر من القضاء , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قررّوا التنازل عن مبدأ السلطة لنا إلى الأبد وأقروا مبدأ التداول على السلطة و تمكين الشعب من إختيار حكاّمه ومشروعه السياسي , ولم نسمع بأنّ السلطات العربية أصدرت قرارا يقضي بإعادة كافة المنفيين والمهجرّين والمنبوذين في أرصفة أوروبا وأمريكا , و لم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قرروا تخصيص ثروات الأوطان للشعوب وتمكين هذه الشعوب من الثروات المسلوبة والكفّ عن سرقة أقوات الناس , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب أصدروا أوامرهم إلى الجيوش والأجهزة الأمنية بترك الشارع حرا طليقا والكف عن تدخّل هذه الجيوش والأجهزة في رسم ملامح المشهد السياسي وترك السياسة للسياسيين , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قرروا إعتقال أي رجل مخابرات يؤذي أو يعذبّ مواطنا أو ينتهك حرمته و مواطنته ويذلّه ويدوس على رقبته , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قد أبعدوا أولادهم و أقربائهم من ولاية العهد والخلافة المرتقبة و العبث ببنات الفقراء و أعراض الناس وفرضهم ظلما وعدوانا على الناس كقادة مستقبليين , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قد وضعوا دساتير تحكمّ الشعب في صناعة مصيره ورسم سياساته كل سياساته .
ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قد إتعظّوا لما جرى لصديقهم صدّام حسين وبالتالي حماية الأوطان من أن ينتهي بها المطاف إلى الإستعمار و الإحتلال وقررّوا إرجاع أموال الشعوب المسروقة الموضوعة في حسابات غربية وتوزيعها مجددا على الفقراء والمستضعفين , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قرروا الشروع في مرحلة جديدة لا علاقة لها بماضيهم العفن والمتعفن المملوء بالقمع والديكتاتورية و الديماغوجيّة ولغة الخشب , ولم نسمع بأنّ الرؤساء العرب قد قرروا تحطيم تماثيلهم في الشوارع العامة وإلغاء العملات التي تحمل صورهم الباليّة , ولم نسمع بأنّهم قرروا وضع مناهج تربوية جديدة لا مكان فيها لبطولاتهم وإنتصاراتهم وإنقلاباتهم ودسائسهم وإستبدالها بمناهج عقلانية واعية تصنع الغد المشرق .
ولم نسمع بأنّهم قرروا الفصل بين السلطات القضائيّة و التنفيذية والتشريعية , و منح الفرصة للأكفاء والموهوبين و المقتدرين لإدارة شؤون الدولة , ولم نسمع بأنّ كبراءنا قد تابوا توبة نصوحا لله وتركوا أكل السحت و المال الحرام و أقوات الأجيال الراهنة والأجيال المستقبلية , ولم نسمع بأنهم قرروا الإحتفاظ بزوجة شرعية واحدة حفاظا لهم من الأيدز و السارس الأمريكي .
و لم نسمع بأنّ رؤساءنا قرروا أن يكون العدل هو المبدأ الذي تستند عليه الدولة , و لم نسمع بأنّهم تعهدوا أمام شعوبهم بأنّ أولادهم وزوجاتهم إذا سرقوا أقوات الناس فحدّ السرقة سيقام عليهم في الساحات العامة .
ولم نسمع بأنّهم قرروا رفع الحيف عن شعوبهم وعدم التعامل مع أمريكا , وعدم التوافق مع أمريكا في ظلمنا وتحقيرنا والإستخفاف بعقولنا في مقابل أن يقدموا لأمريكا كل ما تريد من أوطان ومقدرات و خيرات على قاعدة الظلم مقابل الركوع لأمريكا , وإحتقار الشعوب مقابل الرضوخ المطلق لأمريكا .
لكن رغم الإنصياع المطلق لأمريكا فإنّ هذه الأخيرة ستبدأ بقصّ شوارب حكامّنا , تمهيدا لإستعباد أوطاننا والعجيب أنّ أمريكا و بعد الزلزال العراقي وقبل مدّها يدها إلى شوارب حكامنّا لقصّها وحلقها فإنّ حكامنّا الودودين الطيبين مع أمريكا بادروا وقصّوا وحلقوا شواربهم , ولم نسمع بأنّهم إخشوشنوا في وجه أمريكا مثلما يخشوشنون صبح مساء في وجه شعوبهم المستضعفة التي ملّت النظر إلى وجوههم بشارب وبدون شارب !!! !

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا