يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

صدام مجرم .... ولكن
الذين سلموا العراق للامريكان مجرمون ايضا

لا يشكّ عاقل مطلقا في أنّ صدام حسين الرئيس العراقي السابق مجرم وطاغية ومستبد وديكتاتور وربمّا يكون هو الطاغية الأبرز الذي جعلنا نغضّ الطرف عن كل طغاة التاريخ الذين أنتجهم تاريخنا الإسلامي أمثال يزيد بن معاوية والحجّاج بن يوسف الثقفي وغيرهما.
ولا يختلف إثنان في العالم العربي على أنّ الإستبداد السياسي وجد مرتعا حسنا في البلاد العربية و أنّ هذه البلاد من أقصاها إلى أدناها تعجّ بالطغاة العسكريين و الأمراء المستبدين الذين أثقلوا كاهل شعوبهم بكل أنواع البلاء والمصائب , ولا يوجد أيّ دولة عربية تتميّز عن أخرى فالإستبداد هو الثابت و المتغير في المغرب العربي كما في مشرقه , و لا فرق بين جمهورية أو مملكة أو مملكة دستورية فالرئيس العربي ملك و الملك رئيس وكلاهما يذّل شعبه جهارا نهارا , والمستبدون الذين نجوا بأنفسهم مؤقتا من العقاب الأمريكي هم الذين سلموا ظاهر الأرض وباطنها للأمريكان فحازوا بعض الرضا المؤقّت لأنّ أمريكا لا تعرف صديقا أبدا وما مثل شاه إيران ونورييغا والسادات عنّا ببعيد .
وإذا كانت جرائم صدّام حسين معروفة وواضحة للعيان ولا تحتاج إلى من يجادل فيها , فما هي جرائم الذين إستحضروا أمريكا إلى العراق وسلموها مقدرات العراق , ويحاكمون اليوم و تحت الوصاية الأمريكية للعراق المجرم صدّام حسين .
مبدئيّا أنا متأكّد أنّ التاريخ سيكررّ نفسه ذات يوم بناءا على قانون حركة التاريخ أو جدلية الثورات وسيحاكم الذين إستقدموا أمريكا وقواتها إلى العراق بتهمة الخيانة العظمى , وحتى نوفّر على القاضي المستقبلي إحصاء جرائمهم نوجزها في هذا السياق علما أنّ في العراق العديد من التيارات والقوى الوطنية المخلصة والتي غبط حقّها ودورها لأنّ موزّع الأدوار في العراق هي أمريكا أولا وأخيرا .
ومن جرائم العراقيين المتأمركين ما يلي :
- تسليم مقدرات العراق السياسية والإقتصادية و الأمنية والعسكرية للأمريكان , والإرتباط الوثيق بمخابرات محاور دولية و إقليمية وربمّا بعض الرسميين العراقيين الراهنين نجحوا إلى أبعد الحدود في نسج علاقات وثيقة مع المخابرات العالمية والعربية حتى تلك المتناقضة ظاهريا بدءا بالمخابرات الأمريكية والبريطانية و الكويتية والسعودية و الأردنية و الموساد الإسرائيلي وغيرها من الأجهزة الأمنية .
- السكوت المطبق عن جرائم فظيعة ضدّ الإنسان العراقي إقترفتها الأجهزة الأمنية الأمريكية و العبرية في العراق .
- تضخيم ظاهرة الزرقاوي لتلويث سمعة المقاومة العراقية الباسلة التي تحاول تطهير أرض العراق من نجاسة الأمريكان والصهاينة وهي الخطة عينها التي مارسها ديغول في الجزائر لضرب جبهة التحرير الوطني واللعبة نفسها مورست في العديد من الأقطار العربية والإسلامية التي كانت عرضة للإستعمار أو أذنابه الطغاة .
- العديد من الرسميين العراقيين الراهنين تلقوا رواتب شهرية وبإنتظام من الأجهزة الأمنية العالمية و هو أمر محرّم قانونيا وشرعيا وإنسانيا .
- بعض الرسميين العراقيين لا يمتون إلى العراق بصلة بل جاؤوا من دول مجاورة وتمكنوا بقدرة قادر من الوصول إلى دوائر القرار في العراق الحديث وبعضهم كان عميلا واضحا لجهاز أمني لدولة مجاورة للعراق .
- إرشاد القوات الأمريكية إلى بعض المواقع التي قصفها الأمريكان بحجّة وجود مواقع لصدّام فيها وقد أودت هذه الغارات الأمريكية بحياة آلاف الضحايا من المدنيين العراقيين والداّل على الشرّ كفاعله .
- تدمير الدولة العراقيّة ومؤسساتها بالكامل وإعادة بناء منظومة سياسية وفق الأجندة الأمريكية .
- تحويل العراق إلى قاعدة عسكرية أمريكية كبيرة ستكون منطلقا لتطويق سورية وبعض الدول التي تناقض الخطّ الأمريكي في العالم العربي والإسلامي .
- مساعدة الأمريكان في تعذيب العراقيين وإغتصاب العراقيّات في سجن أبي غريب وغيرها من السجون .
- تسهيل إستهداف العلماء العراقيين وقتلهم دون رفع الغطاء عن قاتليهم .
- الرسميون الراهنون والذين يملكون جنسيات أمريكية وأوروبية أبقوا زوجاتهم وأولادهم في الخارج مع رساميل ماليّة ضخمة إزدادت تترسّا بحكم العمالة للأمريكان و يعرضون الشعب العراقي للخطر الفظيع , للإشارة فإنّ الرسميين و تحت غطاء زواج المتعة وجدوا الفرصة سانحة لإنعاش نزواتهم مادامت زوجاتهم في أوروبا و البنت العراقية فقيرة وقد ترضى بنصف دولار من أجل الزواج المؤقّت .
- إرباك المنطقة العربية بالوجود الأمريكي الذي إزداد ضراوة مع الغزو الأمريكي للعراق و إلهاء الواقع العربي بعبئ آخر يضاف إلى العبئ الصهيوني الجاثم على الواقع العربي .
- التمهيد لتقسيم العراق فعليا و مماراة التمادي الأمريكي في محاباة الكردي حينا والشيعي حينا آخر و السني حينا ثالثا .
- الكذب على الشعب العراقي بأنّ عهد الحريّة قد حلّ وعهد الديموقراطية قد حان وعصر الخيرات قد آتى , فيما الرسميون الراهنون يجمعون الدولارات بنهم شديد وبقية الشعب العراقي مازالت تعاني الأمريّن .
- العمل الحثيث على أمركة العراق وإخفاء كافة الحقائق عن الشعب العراقي , حقائق تتعلّق براهن رسمييه وتاريخهم المشؤوم في خدمة الأجهزة الأمنية العالمية وكتابة التقارير حتى عن بعضهم البعض .
- كثير من الرسميين الراهنين وعندما كانوا في أوروبا كانوا يكتبون تقارير عن شخصيات عراقية لا يتفقون معها سياسيا الأمر الذي عرضّ بعضها للأذى الأمني و السياسي .
- عشرات الرسميين الراهنين كانوا يحصلون على مساعدات-السياسيون العلمانيون أو أموال الخمس - الحركات الإسلامية المتأمركة كحزب الدعوة و المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق لتوزيعها على المستضعفين العراقيين في السيدة زينب في سوريّة أو في قم الإيرانية وكان هؤلاء يودعون هذه المساعدات وهذه الزكوات في حساباتهم الخاصة , تماما كما كانت ثروة صدام محصورة فيه وفي بنيه .
والخلاصة أنّ الذاهب مجرم و القادم مجرم و كلما جاءت أمة لعنت الأمة السابقة , والذين إعتبروا أنّ هذه المحاكمة هي بداية لعصر الشعوب هم واهمون للغاية إنّها بداية للعصر الأمريكي هذا العصر الذي يحابي الطاغية الصهيوني و الطاغية العربي المتأمرك و يحاكم طاغية هو أنتجه وعليك أن تفتّش عن أمريكا في عراق البعث وفي عراق عملاء المارينز , فأمريكا هي البداية و هي الموضوع وهي الخاتمة , ومن الغباء بمكان أن نصدقّ أنّها محاكمة عادلة , ولا تهدف إلى إنساء العراقيين أنّ بلادهم ومقدراتهم بيّد أمريكا وعملائها العراقيين المتأمركين !!

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا