يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

أن تقول الحق في العالم العربي


يعتبر قول الحق في البلاد العربيّة و الإسلامية جريمة منكرة يعاقب عليها القانون عقابا صارما وشديدا , صحيح أنّ معظم الدساتير العربية التي وضعت فقط لتحصين السلطات القائمة وشرعنتها بألفاظ خشبية لا علاقة لها بالواقع البتّة لا تشير لا من قريب ولا من بعيد بالواقع إلى أنّ قائل الحق ومنتقد السلطات يجب أن يلقى أشدّ العقاب بل على العكس من ذلك هناك بنود دستورية تتحدّث عن حماية الدولة المصونة للفرد والمجموع و ما إلى ذلك من الأهازيج والأحجيات الدستورية التي لو إطلعّ عليها جحا لقال والله لقد تفوقّ عليّ الرؤساء العرب !!
و على إمتداد حركة التاريخ والإنسان كان قول الحق وتحديدا في وجه الظلمة والطغاة والجبابرة يؤدي إلى الشنق والقتل والمقصلة بإعتبار أنّ الطاغية يعتبر نفسه معصوما عن الخطأ والأقوى من كل الذين حواليه , ولم يسلم من القتل والشنق حتى الأنبياء والرسل الذين قضى العديد منهم قتلا وتقطيعا لأوصالهم .
وفي العصر المعاصر حيث تغني النظم العربية بالديموقراطية وكرامة المواطن والشرطة في خدمة الشعب وما إلى ذلك من الأغاني السلطوية المكررّة دوما , يتم التعامل مع قائل الحق والصارخ في وجه الظلمة بأساليب متعددّة وقد لا نتمكّن في هذه العجالة من الإحاطة بكل هذه الأساليب لأنّها ذات أصول وفروع وتشعبات لها أوّل وليس لها آخر .
وبمجرّد أن يدخل إسم قائل الحق ومزعج السلطات في حاسوب جهاز الأمن المركزي كشخص مقلق ومشوّش على السلطة إستراتيجيتها يظل هذا الشخص ملاحقا إلى يوم القيامة و إلى يوم يبعثون والحمد للّه أنّ للقيامة موازين أخرى غير موازين الطغاة في دار الدنيا .
ووجود الإسم في حاسوب الأجهزة الأمنية معناه حرمان هذا الشخص من كل الوظائف و الحقوق المدنية ويشعر قائل الحق هذا بأنّ حظّه تعيس ولا نصيب له في هذا المجال أو ذاك وأنّ عيونا ما تلاحقه , و الواقع أنّ أبالسة الأمن هم الذين عمموا إسمه على كل المؤسسات وغيرها بأنّ هذا الشخص غير مرغوب فيه ليشمله البلاء ويلاحقه حيثما حلّ , وعندما يحاول قائل الحق هذا الحصول على جواز سفر ويقدّم طلبا بذلك فإنّه ينتظر السنة تلو السنة ولا يحصل على جوازه ومعروف أنّ الأجهزة الأمنية في بلادنا هي التي توافق مبدئيا على منح هذا المواطن أو ذاك جواز سفر , صحيح أنّ الطلب يقدم إلى دائرة مدنيّة لكنّ الطلب يذهب فورا إلى الأجهزة الأمنية لتبثّ في الأمر , و يحدث أن يظل هذا المواطن المشمول برعاية الأجهزة الأمنية معلقا لسنوات عديدة دون أن يحصل على جواز سفر , وقد يحدث أن يكون لديه جواز سفر فيسحب منه بسبب مقالة أو كتاب فيظلّ ملاحقا من قبل الهواجس والمخاوف إلى أن يتضرر نفسيا وعندها ترتاح الأجهزة الأمنية لأنّها تصاب بغبطة إذا جنّ أحد المفكرين المعترضين على سياساتها لأنّها ساعتها ستقول أنّ ما يقوله هذا هو محض جنون والمجنون مرفوع عنه القلم , ويحدث أن تعتقل الأجهزة الأمنية بعض مزعجيها الفكريين فتعرضّهم لعذاب خاص يسببّ لهم أمراضا نفسية خطيرة و في أحيان كثيرة الجنون أو قد تغسل ذاكرتهم لينسوا الكليات والجزئيات التي عرفوها في حياتهم .
وعلى رغم إدعاء العديد من السلطات العربية بأنّها تكرّس الديموقراطية وتحترم حقوق الإنسان خوفا من أمريكا التي تهددهم بهذه الورقة إلاّ أنّها ما زالت تتفننّ في الإعتقالات والتعذيب والتدمير الذاتي , وعندما ننتقل إلى ما يلمّ بقائل الحقّ نكتشف عجائب أخرى في الدنيا غير العجائب التي حدثونا عنها , فالأجهزة الأمنية تختار فصيلة المعذبين لقائلي الحق والذين مجملهم من أبناء الزنا أو اللقطاء الذين ربتهم الدولة ليكونوا أبناء لها أو عتاة المجرمين القتلة الذين أطلقوا سراحهم مقابل أن ينضموا إلى الأجهزة الأمنية
وينفذّوا مشاريعها بدم بارد وقد حدث ذلك في معظم البلاد العربية .
وفي المعتقل يتم تعرية قائل الحقّ هذا وتجريده من ثيابه كاملة و يطعن في رجولته و مروءته ويطلب منه أن يركع أو يسجد وهو في حالة عريّ و أحيانا تحدث أشياء تقشعّر لها الأبدان , و حتى يتمّ تكسير شخصية قائل الحق سواء كان كاتبا أو مبدعا فتارة يتهّم بالإرهاب و أنّه ينسّق مع مجموعة إرهابية وكل ذلك بدون دليل وبينة و أحيانا يتهم بأنّ له علاقة بجهة أجنبية تتآمر على أمن الدولة وبعد كل هذه العذابات يعرض على قائل الحق أن يكون مخبرا للسلطة يكتب لها التقارير ويشي لها بآراء وتحركات الأحرار الذين تصنفهّم الأجهزة الأمنية في خانة الأعداء .
وكثيرا ما يلوذ هذا المعذب وذاك بالمنفى يتسكّع في شوراع هذه العاصمة أو تلك , و هنا أيضا تستمر الطامة , فإذا كان قائل الحق هذا الحرّ في عاصمة عربية والرسميون العرب متعاونون على الإثم والعدوان و لا يتعاونون على البر والإحسان فإنّ عاصمة بلاده تقول للعاصمة العربية الأخرى سنسلمكم شخصا يعارضكم من مواطنيكم مقابل تسليمنا هذا الذي نريده أو نعذبّ لكم هذا الذي يقلقكم مقابل أن تعذبوا هذا الذي يقلقنا , ويتم تبادل الصفعات و الخدمات على أعلى المستويات , و إذا كان قائل الحق هذا يقطن في الغرب توجّه حكومة بلاده ملفا مزورا ملفقا للأجهزة الأمنية الغربية وفيه أنّ قائل الحق هذا قد يكون إرهابيا وقد تعرّت العديد من العواصم العربية عندما طولبت من قبل الدوائر الغربية بالدليل على ما تقول فتراجعت القهقرى و سقطت ورقت التوت عنها !
وإذا كانت درجة قائل الحق خطيرة فإنّه يصفى بكاتم صوت و يتهم بدمه مجموعات أخرى تحارب السلطات , ويبقى القول أن السلطات العربية تملك من الوسائل ما لا يملكها إبليس في إخراس أهل الحق .
ومع كل أسلحة الدمار الشامل التي تستخدمها هذه السلطات العربية في سحق المواطن سنقول الحق أمام كل الطغاة , حتى لو كلفنا ذلك أرواحنا وأجسادنا .
تنام والمظلوم يدعو عليك ........وعين الله لم تنم
 

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا