يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

اسلاميو امريكا

فجرّ المشهد العراقي بركان كل المتناقضات الفكرية و الثقافية والحركيّة و السياسيّة في العراق وفي العالم العربي كما أنّ تداعيات هذا المشهد وإفرازاته السياسية و الأمنية الطويلة المدى جعل الأرض تخرج كل أثقالها وتكشف عن كل العورات التي تلفّ واقعنا السياسي كما الفكري .
ومثلما أماطت الغارة الأمريكية الكبرى على العراق اللثام عن مثقفي المارينز و منظرّي عصر الأمبراطوريّة الأمريكية و فقهاء الدبّابة من ليبيراليين جدد و شيوعيين جدد و مستنيرين جدد و حداثيين و ما بعد حداثيين فقد أماطت اللثام عن فصيل واسع من الإسلاميين الذين كانوا في السابق يعتبرون أمريكا شيطانا أكبر وإذا بهم يتخندقون في الصفوف الأمامية في المعركة الأمريكوصهيونية على العراق والعالم العربي و الإسلامي .
و قد نجحت الأجهزة الأمنية الأمريكية في إقامة جسور تواصل وإختراق معظم الفصائل الإسلامية العراقية وهذا لا يعني أنّ الفصائل الإسلامية العراقيّة هي وحدها التي أقامت علاقات وطيدة بالإدارة الأمريكية و مؤسساتها الأمنية فهناك فصائل أخرى من دول أخرى مخترقة هي الأخرى أمريكيّا - .
و لا يمكن في هذه العجالة إحصاء مفردات الخارطة السياسية والحركيّة الشيعية في العراق ولكن يمكن الإشارة إلى المرجعية الشيعية بزعامة السيد السيستاني بإعتبارها إطارا فقهيا وسياسيّا ومرجعيا لشيعة العراق و المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق الذي كان يترأسّه السيّد محمود الهاشمي الشاهرودي قاضي القضاة اليوم في إيران والذي أعقبه في زعامة هذا المجلس الشهيد محمد باقر الحكيم و حزب الدعوة الذي يتزعمه السيد إبراهيم الجعفري والذي تحولّ إلى حزب دعوات في الواقع لكثرة المنشقين عنه وكل فريق منشّق أسسّ فصيلا في حدّ ذاته و منظمة العمل الإسلامي التي يتزعمها محمّد تقي المدرسي والتي كانت تتبع فقهيا المرجع الإسلامي محمد الشيرازي الذي كان محاصرا في إيران وتوفيّ فيها و هناك جماعات صغيرة كجند الإمام الحجّة و حركة العلماء المجاهدين و هناك الشيعة المستقلون الذين كان يمثلّهم مستشار الأمن القومي الحالي موفق الربيعي أو كريم شاهبور الإيراني كما يسميّه خصومه المعارضون .
مبدئيّا كل هذه الأطر الإسلامية الحركية وعندما يغوض الباحث في قراءة أدبياتها مثل ثقافة حزب الدعوة الذي يقع في جزئين أو كتيبات المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وغيرها من الكراسات لبقية الأحزاب يكتشف ما يلي :
كانت هذه التيارات تعتبر أمريكا شرا مطلقا و كفرا بواحا وعاصمة للكفر العالمي و الإباحية السياسيّة , و جزء كبير من هذه الحركات كان مرتبطا سياسيا وأمنيا بإيران وتحديدا في عهد الإمام الخميني ولذلك كان خطابها السياسي هو عينه الخطاب الإيراني في تلك المرحلة حيث أمريكا عدوة الشعوب وعدوة الإسلام و قتالها واجب شرعا وعرفا بحكم ما إقترفته وتقترفه في ديّار الإسلام .
و لعلّ هذه التيارات الإسلامية الشيعية التي جئنا على ذكرها كانت تختلف حول كل صغيرة وكبيرة حيث لكل فصيل مرجع فقهي معيّن فهذا يقلّد أبا القاسم الخوئي وذاك الخميني و ذاك محمد الشيرازي و غيرهم لكنّها كانت مجمعة على أنّ أمريكا لا تريد الخير للشعوب العربية و الإسلامية , بل حتى مستشار الأمن القومي العراقي عجبت لفرخ البطّ يعتلي نخلة ويرقى إلى العلياء وهو وضيع موفّق الربيعي كتب عشرات المقالات في ذمّ أمريكا عدوة الشعوب وهو الذي إستقبل لاحقا وبضحكة عريضة جي غارنر وبول بريمر و جورج بوش ثمّ مجرم هندوراس قاتل الثوّار في نيكارغوا والهندوراس نيجروبونتي . وقد تبينّ بالدليل القاطع أنّ وكالة الإستخبارات الأمريكية نجحت بشكل مدهش في إقامة جسور تواصل مع كل هذه الفصائل إلاّ ما ندر وقد خمسّت أمريكا جزءا كبيرا من أموالها المسروقة من العالم العربي والإسلامي لهذه التيارات التي حصلت على دعم كبير , و العجيب أنّ بعضها يتبجح أن أمريكا تدفع نقدا وعدا أي لا حاجة للصكوك والظروف البيضاء المغلقة , وبعض العمائم وصلت إلى العراق على متن الدبابة وهي تحمل أكياسا ملئ بالدولارات .
وهذا التناقض بين النظرية والتطبيق و المفهوم والمصداق بات ملازما لهذه التيارات الإسلامية المتأمركة والتي حملت في أدبياتها الفكرية على اليسار العربي والقومية العربيّة والليبيرالية العربية بإعتبارها تتميّز بالفجوة الواسعة بين النظرية والتطبيق .
وبعد أن كانت أمريكا عدوة الشعوب أصبحت في عرف الإسلام المتأمرك العراقي مثل النجاشي الذي حمى الدعوة الإسلامية في العهد الإسلامي الأول , وحصل بعض هؤلاء على فتوى تجيز لهم الإستعانة بظالم على ظالم على قاعدة اللهمّ إرم الظالمين بالظالمين وأخرجنا منهم سالمين .
و قد مارس زعماء هذه التيارات الكثير من النفاق و الريّاء عندما أخفوا على قواعدهم الحزبية الكثير من اللقاءات التي كانت تجري بينهم وبين ضبّاط الإستخبارات الأمريكية في فنادق بريطانيا وباريس والكويت وأمريكا , بل إنّ بعض الضبّاط الأمريكان كان يحلّ ضيفا على بعض هذه الشخصيات وكانت هذه الشخصيات تبدي إعجابها بالمطبخ العراقي الدسم الحمد للّه أننا نعيش في أوروبا ونعرف ما كان يجري بالتفاصيل في بيوتات من أصبحوا اليوم صنّاعا للقرار في العراق أو بالأحرى منفذي القرار الأمريكي في العراق .
وغير هذا التعامل مع أمريكا فإنّ هذه التيارات تنكرّت لأقدس مفردة تمحور حولها خطابها الفكري في مطلقه وهو إقامة دولة إسلامية في العراق تستهدي بهدي القرآن والسنة النبوية و تعاليم أهل البيت عليهم السلام , وحتى المرجعية الشيعية التي يفترض أنّها تنافح عن هذا المبدأ المقدسّ أهملت هذا المحور وبات الجميع وبقدرة قادر في العصر الأمريكي ديموقراطيين تعدديين ركلوا القرآن و السنة و أهل البيت بالنعال التي صممّها لهم
الأمريكي .
وعلى هؤلاء أن لا يعتبروا أنفسهم معصومين لأنّ السلطة مفسدة وعندما يكون المرء في المعارضة يتميّز بالطهر السياسي إلى حدّ ما وعندما يصبح في السلطة و تحيط به المتع من كل جانب يتحوّل إلى أطغى من صدّام حسين وساعتئذ عليه أن يتحمل النقد والنقد البنّاء , و أنا متأكد أنّ بعض إسلاميي العراق الذين باتوا نوابا للرئيس ووكلاء وزارة خارجية العراق قد رموا وراءهم دهريّا قول شيخ الفصاحة علي بن أبي طالب :
دنياكم هذه عندي كعفطة عنز , و كما قال محمد باقر الصدر في محاضرته عن حبّ الدنيا: لا تلوموا هارون الرشيد فإنّكم لو وصلتم إلى ما وصل إليه من دور فسيحة وجواري حسان لنسيتم الله كما نساه هارون الرشيد , لكن هل ما زال إبراهيم الجعفري مثلا يتذكر وصايا الشهيد محمّد باقر الصدر , إنها الدنيا أقبلت وعصر الغنائم قد أقبل والأبله هو من لا يرتب وضعه ومنصبه لكن لات حين مناص !!!

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا