يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

كيف تتعامل السلطة الجزائرية مع الاحزاب الاسلامية


تعتبر الأحزاب الاسلاميّة الجزائرية جزءا من الواقع السياسي الذي كان متلونّا ومتنوعّا بعد استقلال الجزائر في 05 تموز-يوليو عام 1962 ولم تعرف الحركة الاسلاميّة الجزائريّة ذلك الانقسام الذي تمرّ به اليوم , بل كانت متوحدة في كل تفاصيل عملها وكان التلاقي بين رموز هذه الحركة يتم باستمرار لمناقشة صيرورة الدعوة الاسلاميّة في الجزائر ومستقبلها , وفي هذه اللقاءات كان يجتمع الدكتور عباسي مدني مع محفوظ نحناح , وعبد الله جاب الله مع علي بن حاج , ولم تكن المسافات السياسية بعيدة بين هؤلاء ولعلّ حظر السلطة للأحزاب الاسلاميّة بشكل كامل وملاحقة رموز الحركة الاسلامية و الزجّ بهم في السجون هو الذي ألغى الحواجز بين التيار الاسلامي في الجزائر قبل عهد التعدديّة السيّاسية . وبعد اقرار التعدديّة السياسيّة في الجزائر بعد خريف الغضب في 05 تشرين الأول أوكتوبر 1988 , كان شيوخ الحركة الاسلامية الجزائرية وعلى رأسهم أحمد سحنون يرون ضرورة وحدة الصف وأن يكون للاسلاميين حزب واحد يلتفون حوله , وبالفعل شهد مسجد الأرقم في منطقة شوفاليي ومسجد السنة في باب الوادي بالجزائر العاصمة اجتماعات لبلورة هذه الفكرة لكن هذه الاجتماعات انتهت بعدم الموافقة على فكرة التيار الواحد وانبرى كل شخص من رموز التيار الاسلامي الى تشكيل حزب خاص به , هذا عدا عن التيارات الاسلامية المسلحّة التي بدأت مع مصطفى بويعلي سنة 1978. وتأسسّت على التالي حركة النهضة الاسلامية برئاسة عبد الله جاب الله والجبهة الاسلاميّة للانقاذ بقيادة عباسي مدني وعلي بلحاج وحركة حماس بقيادة محفوظ نحناح بالاضافة الى عشرة أحزاب اسلامية صغيرة ونخبوية . وكان لكل حزب اسلامي موقفه من السلطة الجزائرية كما أنّ السلطة الجزائرية حاولت استمالة بعض هذه التيارات اليها في محاولة لخلق تصدع فيما بينها . فأختارت الجبهة الاسلامية للانقاذ خطّ المواجهة وحركة حماس خطّ الموالاة فيما اختارت حركة النهضة الاسلامية خطّ المداهنة وبعد اقصاء عبد الله جاب الله عنها تحولت حركة النهضة الى خطّ الموالاة .


ولعزل الجبهة الاسلامية للانقاذ ومنعها من الاستعانة السياسية ببقيّة الأحزاب الاسلاميّة قامت السلطة الجزائرية باعطاء حركة حماس والنهضة حصّة صغيرة في الحكم ومازالت هذه الحصة من نصيب الحركتين الى يومنا هذا , وكانت هذه الحصة كفيلة بجعل هذه الأحزاب الاسلامية التي صار بعض أعضائها وزراء في كل الحكومات الجزائرية المتعاقبة , تدعم السلطة الجزائرية قلبا وقالبا , الى درجة أن حركة حماس عندما خيّرت في الانتخابات الرئاسيّة بين أحمد طالب الابراهيمي المقرّب من الاسلاميين وعبد العزيز بوتفليقة المقرّب من العسكريين أختار محفوظ نحناح وبشكل علني وصريح عبد العزيز بوتفليقة . ولما حاول عبد الله جاب الله ترك خط الموالاة أقصيّ من زعامة حزبه وأعقبته قيادة جديدة تؤمن بالسلطة أكثر ممّا تؤمن بمشروعها الاسلامي والذي حدث لعبد الله جاب الله يذكّر بالذي حدث مع عبد الحميد مهري الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني السابق الذي أقصيّ من الحزب بتخطيط من الدوائر الخاصة وبتنفيذ من عبد القادر حجّار رجل الجهات الخاصة في حزب جبهة التحرير الوطني . وبهذه الطريقة نجحت السلطة الجزائرية في شقّ الحركة الاسلامية الجزائرية التي كانت ذات يوم موحدّة الى درجة أنّ تصريحات سعيد سعدي زعيم التجمّع من أجل الديموقراطيّة البربري باتت لا تختلف عن تصريحات محفوظ نحناح اذ كلاهما يحمّل عباسي مدني زعيم الجبهة الاسلامية للانقاذ جزءا كبيرا ممّا يجري في الجزائر . وتشعر السلطة الجزائريّة بكثير من الارتياح لهذا الجوّ السياسي العام خصوصا وأنّها كانت منذ انطلاقة الفتنة الجزائريّة تبحث عن شرعية ما من التيارات الاسلامية تبررّ لها مسلكيتها السياسيّة تجاه التيارات الاسلاميّة الأخرى التي تؤمن بضرورة اقامة الدولة الاسلاميّة الجزائريّة على أنقاض النظام الحالي . وكلما تستشعر الأحزاب الاسلامية الواقعة في خطّ الموالاة أنّ حصتها مهددّة بالانقراض لجأت الى رفع شعار المعارضة فتعاود السلطة طمأنتها بأنّ حصتها محفوظة وتعود كل الأمور الى مجاريها .


انّ الفتنة الجزائرية لم تنعكس فقط على أرواح الناس وممتلكاتهم بل انعسكت على الأداء السياسي لكل القوى السياسية الجزائرية التي باتت تعتبر أنّ الفتنة القائمة في الجزائر هي ظرف ملائم للربح المادي والسياسي وفي كل الاتجاهات .


ويعتبر بعض العارفين بالبيت الجزائري أنّ الحصّة التي منحت للاسلاميين المعتدلين هي مؤقتة وحتى هذه التيارات الاسلامية المعتدلة تعي أنّها حاجة سياسة مؤقتة للسلطة وبعدها يكون لكل حادث حديث !

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا