يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

حكامنّا هم المسيخ الدجّال
لكن أمريكا لا يمكن أن تكون المهدي المنتظر أبدا !



هل أتاك حديث الحكّام و العسكر , هم سبب زمننا الأغبر وعلة تخلفنا المدمّر , جمعوا كل أموال الدنيا بالحرام والميسر , و حولوا شعوبهم إلى قطيع أغبر , وفتحوا السجون لكل حرّ من الظلم متدمّر , وفتحوا المواخير لبغاة العهر وقتلوا كل مثقف متطهّر ثمّ قرأوا من القرآن ما تيسر...........................
لا يختلف إثنان في العالم العربي أنّ حكامنا جنوا علينا وعلى راهننا ومستقبلنا وعلى إقتصادنا وسياستنا ونهضتنا و تاريخنا وجغرافيتنا بجهلهم وديكتاتوريتهم وعمالتهم و عشائريتهم وظلمهم وبطشهم وسجونهم وجلاديهم ورجال مخابراتهم وجيوشهم وأجهزة التعذيب التي تفننوا في إستيرادها من كل مكان , ولقد أصيب بعض حكامنا بسرطان المقعد لكثرة ما جلس على كرسي الحكم رافضا أن يفسح المجال لغيره حتى لو كان هذا الغير ذا كفاءة فكرية وسياسية و حنكة في إدارة الأمور . وقد أصبح حكامنا بإمتياز مثل فرعون مصر الذي قال يوما كما ورد في القرآن الكريم : لا أريكم إلاّ ما أرى ...
ولا شكّ أنّ حكامنا يتحملون مسؤولية كاملة ومطلقة في كل التدهور الذي آل إليه واقعنا العربي في كل تفاصيله , فالمقدرات كلها بأيديهم و أدوات الأمر والنهي كلها بأيديهم , وما به تتحققّ التنميّة كلها بأيديهم , فحولوا الدولة إلى شركة فأعطوا للإبن نصيبا وللزوجة نصيبا و للخال نصيبا وللعشيقة التي يزني بها الحاكم في فيلاته الخاصة نصيبا وللموالي الذي يلحس الأقدام نصيبا , فيما أعطوا الشعب مواعظ وعلموه كل آيات الصبر والصابرين والدعاء لولاة الأمور بالحفظ والرعاية اللهم أحفظ ولاة أمورنا وما إلى ذلك من الأدعية علما أنّ الفقهاء يشترطون في وليّ الأمر أن يكون تقيّا ورعا صائنا لدينه راغبا في ربّه معرضا عن الدنيا , فأين هذه الصفات من ولاة أمورنا اليوم !!
و قد درجت العادة أن نقدمّ التعازي لعوائل الشهداء الأبرار , للعوائل التي فقدت عزيزا , لكن يجب أن نخرج عن هذه العادة قليلا , و نقدّم أحرّ التعازي لشعوبنا العربيّة و الإسلامية في موت حكام العرب والمسلمين , في موت كرامتهم ونخوتهم ورجولتهم ومروءتهم وعدلهم أيضا , نقدمّ التعازي لشعوبنا العربية و الإسلامية في موت حكوماتنا العربية الصعلوكة التي عجزت عن تسيير بلدية ناهيك عن دولة , والتي طحنت المواطن العربي طحنا والتي تحولت من سلطة تنفيذية إلى سلطة أمنية قمعية تلاحق الأبرياء , وتسلب الإنسان العربي إنسانيته.
وفي الوقت الذي وصل فيه الفرنجة إلى بلادنا على حد تعبير أجدادنا , تقيم العديد من الحكومات العربية ليالي الأنس والطرب التي يحييها المطربون الحشاشون هنا وهناك , ولا تنوي الحكومات العربية إنساء المواطن العربي فقده لأمنه السياسي والإقتصادي والحضاري فحسب , بل هي محتفية بقرب قدوم السيدّ الأمريكي بجحافله ليسوس المنطقة مباشرة بعد أن كان يسوسها عبر الحكام الموظفين في الإدارة الأمريكية .
و إشكالية مسؤولية الحكّام في تدهور أوضاعنا كل أوضاعنا عريقة جدا في خطابنا الفكري بشقيه القومي والإسلامي , و هي مطروحة بشكل مباشر وغير مباشر في أمهات المراجع والكتب الفكرية والتاريخية , نجدها في تاريخ إبن عساكر و في الإمامة والسياسة لإبن قتيبة و في مقدمة إبن خلدون وفي الفرق بين الفرق للأسفراييني البغدادي , وفي أخبار البلدان للبلاذري وفي أقوم المسالك في أحوال الممالك لخير الدين التونسي وفي طبائع الإستبداد للكواكبي وفي العقد الإجتماعي لمونتسكيو والأمير لميكيافيلي , و قد دشنّا خطابنا الفكري بهذه الإشكالية في مطلع القرن الماضي وفي مطلع القرن الحالي , وما زالت هذه الإشكالية سارية المفعول .
بطبيعة الحال فإنّ الحديث عن دور الحكّام في مسؤولية تردّي أوضاعنا يصبح أكثر إلحاحا مع الإنتكاسات الكبيرة التي نعيشها هذه الإيّام .
و الذي يتحمل مسؤولية الضياع العام والشامل وبفصاحة وإيجاز هم حكامنا وولاة أمورنا الذين نصفهم جاهل وثلثهم زير نساء والثلث الباقي أحفاد السفّاح العباسي , و السبب بسيط ومنطقي فكل المقدرات بأيديهم الجيوش والأجهزة الأمنية والميزانيات الضحمة و النفط الأسود وكل أدوات السلطة وآليات تحويل القرار إلى فعل .
وفي كل الثقافات والفلسفات فإنّ وزر الكبراء أشدّ وأعظم من وزر بقية الرعيّة , أليس في ثقافتنا الإسلامية ما يؤكّد أنّ الحاكم يطول وقفه بين يدي الله , أليس المخفون يجتازون الصراط بسرعة البرق , وهل يملك المثقف المقهور والمواطن المسلوبة حقوقه ما يملكه الحاكم .
والنكبة التي تسببّ فيها حكامنّا تفرعت إلى : نكبة سياسية ونكبة ثقافية ونكبة إقتصادية و نكبة عسكرية ونكبة إجتماعية و نكبة أمنية ونكبة حضاريّة شاملة .
و على الرغم من أنّ حكامنا أصبحوا مسيخا دجّالا فلا يمكن البتةّ أن نعولّ على أمريكا لإسقاطهم وإستئصالهم من واقعنا كل واقعنا , فأمريكا هي المسيخ الأكبر الذي غرس المسيخ الأصغر لإستخدامه عند الحاجة , وكما قال كيسنجر يوما سياستنا قائمة على تقسيم البلدان وإيجاد بؤر توتر هنا وهناك لنتدخل دوما , فواشنطن لا يمكن أن تكون المهدي المنتظر و الذي يراهن عليها إنما يراهن على السراب , إنّه سؤال برسم مليار و ربع مسلم تريد أمريكا قيادتهم كما تقاد النعاج !!

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا