يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

صراع العمائم في ايران الى اين؟



تعيش ايران هذه الايام حالة مخاض عسيرة للغاية يشكل استمرارها خطرا استراتيجيا وفي الصميم على مستقبل المشروع الايراني الذي أرسى دعائمه الامام الخميني الراحل.


وتكمن خطورة الصراع الايراني الراهن في أنه يدور بين المنتمين الى المدرسة الواحدة و الذين تجمعهم وحدة الرؤية و المعتقد و يختلفون فقط في المسلكية السياسية و آليات الأداء في مختلف المجالات .و اذا كان الصراع بين أصحاب المشروع الاسلامي و المشروع العلماني , أو أصحاب المشروع الاسلامي والمشروع الفارسي القومي , أو أصحاب المشروع الاسلامي و المشروع التغريبي في ايران له ما يبرره و يفسره و يجعله واضح المعالم , وبالنتيجة هو افراز طبيعي من افرازات الصراع الفكري والحضاري , فان ما لا يفسر وبالاحرى ما يجعل الأمر على غاية من الخطورة هو تطور الصراع بين أصحاب المدرسة الواحدة و المدرسة الاسلامية تحديدا .


ان الخارطة الاسلامية الايرانية التي كانت في مرحلة الثورة واحدة , باتت في مرحلة الدولةمنشطرة الى خرائط أبرزها خارطة الاصلاحيين و خارطة المتشددين و بين الخارطتين تقف مجموعة لا حد لها من الخرائط السياسية والعقائدية التي هي في اطار التبلور والبحث عن مكان تحت القباب الايرانية , و اذا كان الصراع بين الاسلاميين الاصلاحيين و الاسلاميين المتشددين قد بدأ نظريا و فكريا تحت قباب الحوزة العلمية في مدينة قم الايرانية و بقية الحوزات العلمية في طهران ومشهد وأصفهان ,و تحت قبة مجلس الشورى الاسلامي في طهران و في دواوين العلماء و بيوتاتهم ,فان هذا الصراع اليوم بدأ يتخذ طابع العمل المنظم المصحوب بحالة العنف وهو المؤشر الخطير الذي قد يزلزل الثورة الايرانية من الداخل.


و يروي أحد الخبراء كيف أن أكثر من خبير سياسي و أمني أمريكي اجتمعوا في مكان ما من البيت الأبيض عقب أزمة الرهائن لمناقشة موضوع انهاء المارد الايراني ,فأقترح بريجنسكي صاحب كتاب مبدأ القوة و مستشار الأمن القومي الأسبق أن يتم قصف طهران بشكل مكثف واذا استدعى الأمر فبالسلاح الكيميائي تقصف طهران ,و أعترض على هذا الأمر الداهية الأمريكي هنري كيسنجر الذي قال : علينا بالتغلغل والتسلل في عمق الثورة ونخرها من الداخل ,و كان كيسنجر يطرح نظرية عامل الوقت لافراغ الثورة الايرانية من محتواها .و معنى ذلك كما يفسر أحد الخبراء بالشؤون الايرانية أن مجاهدي خلق , أو أنصار الشاه رضا بهلوي وعائلته ,أو العلمانيين لو حاولوا القيام بأي خطوة ضد النظام الايراني فان كل خطواتهم ستبوء بالفشل لأسباب عديدة منها ؛الشارع الايراني مازال لحد الان ورغم الهفوات السياسية المقترفة مع العمامة ومع النظام الاسلامي , و من جهة أخرى فان النظام الايراني مازال قويا و بامكانه أن يسقط أي محاولة انقلابية . و أضمن وسيلة لاسقاط المشروع الايراني هو نخره من الداخل و تفجير أزرار الانفجار بين كل المتناقضات ضمن النسيج الاسلامي الواحد .


و هذا ما بدأ يرتسم في الخارطة الايرانية , وما يزيد الوضع قلقا وخطورة هو أن كلا من المتشددين والاصلاحيين لهما امتدادات داخل الدوائر الحساسة كالمخابرات والجيش ووزارة الخارجية والداخلية و حتى داخل مؤسسة الحرس الثوري ,ومعنى ذلك أن كل تيار يملك مقومات قوته و الضرب بيد من حديد عند الضرورة , غير أن بعض الخبراء في الداخل الايراني فيرون أن مقاليد القوة المفصلية برمتها مازالت بيد تيار خط الامام او المتشددين بعبارة اخرى الذين يشعرون بان الاصلاحيين الذين كانوا في المرتبة العاشرة قبيل وبعيد الثورة الايرانية باتوا اليوم في المواقع الأمامية و سيسحبون البساط من تحت المتشددين بعد حين وهذا ما جعل هذا التيار يشرع فيما يعرف بعملية تصحيح المواقع.


ومنذ انتصار الثورة الايرانية سنة 1979 والى يومنا هذا حدثت العديد من الانقلابات على صعيد المعادلات السياسية في ايران ,و حتى الشارع الايراني الذي كان في صف المتشددين بات في مطلقه مع الاصلاحيين و هي الورقة التي يراهن عليها دعاة التجديد والانفتاح والعقلانية الذين ارتفع رصيدهم بعد اخفاق المتشددين اقتصاديا وسياسيا والذين يحاولون تفعيل مشروع اسلامي ذي نظرات انفتاحية أكثر .


و يبقى القول أن الذي يقف وراء تيار التشدد عمامة تماما كما يقف وراء تيار الاصلاح عمامة والذي يعمل على الايقاع بين العمامتين لا يهمه الاصلاح أو التشدد بقدر ما يهمه احراق هذه العمائم برمتها و التمكين لتاج الطاووس , وليس بالضرورة أن يكون طاووسا بل تكفي القلنسوة وربطة العنق .

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا