يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

 دعوة لحكامنّا المتعبين جدّا بالإستقالة


على مدى عقود من الزمن أبلى حكامنا العرب الطيبون جدّا بلاءا حسنا , فقد كانوا يوصلون الليل بالنهار ويحرمون أنفسهم من متع العيش في سبيل إسعاد المواطن العربي , وقد نجحوا إلى أبعد الحدود في تحقيق العدل والمساواة والكرامة والسكن والصحة وحياة أفضل لكل المواطنين العرب , وفي ظرف وجيز تمكنوا من القضاء على الظلم و الإجهاز على منظومة المخابرات التي تتلذذّ بتعذيب المواطنين وزجوا بكل القساة العتاة في سجون خاصة , و في المقابل أطلقوا سراح كل الأبرياء والمظلومين وأخلوا كل الزنزانات العامة والإنفرادية , و رفعوا حالات الطوارئ بكل أشكالها و رفعوا القيود عن الإعلام و الحرية الصحفيّة , كما فسحوا المجال للتعدديّة السياسيّة و أقرّوا مبدأ التداول على السلطة ومبدأ حكم الشعب لنفسه , وقاموا بإرجاع كل الدبابات و العساكر إلى الثكنات , و أخلوا الشوارع من مناظر العسكريتاريا والمخبرين , و دعموا الوضع البرلماني وأتاحوا للنوّاب أن يناقشوا الوضع الحكومي والمسلكية السياسية للرئيس بكل حريّة ودون غرفة ثانية للمخابرات تلاحق وتملي في آن واحد .


وبعد أن نجح حكامنا في إيجاد مناخ سياسي عادل وتعددي إنصرفوا إلى الثقافة فخصصوا لها ميزانية ضخمة وقرروا أن تكون الأولوية للثقافة والفكر لا للرقص والفن العفن , و أقسموا بالله أن لا تتحول أراضي الكنانة العربية إلى مراقص الفنانة , وحرروا الثقافة من الأدلجة والديماغوجية ولغة الخشب الحزبية الحاكمة , فأزدهر المسرح والرواية والقصيدة وبات الحرف العربي مزهوا بملابس من مختلف التيارات الفكرية في عرس بهيج لحرية الفكر , وجزى الله حكامنا خيرا أيضا عندما قرروا أن يخرجوا من حالة الأمية الحضارية وأمية الكتابة والقراءة والبيان التي كانوا عليها وقرروا مجددا الإلتحاق بمدارس محو الأمية ووقفوا جنبا إلى جنب مع الفلاح والميكانيكي وبائع الخضروات ليتعلموا لأنّه من قال أنا عالم فهو جاهل , وبعد أن بدأوا يستشعرون بلذاذة العلم قرروا أن تركّز فضائياتهم على الثقافة والفكر والشعر وترقية الإبداع وأعطوا أوامر لمدراء أجهزتهم الإعلامية أنّه لا نريد مجونا ورقصا خليعا وغناء الحب للمطربين العرب الذين لم يعرفوا الحب في حياتهم والذين لا يصمد زواجهم أكثر من أسبوع , وقررّ بناءا عليه حكامنا العرب الطيبون أن يتم إستحضار الأدباء والكتاب والشعراء وطلائع الأمة للمشاركة في ترقية الوعي الحضاري , و أصدروا قرارا بملاحقة الرسميين المنضوين تحت عباءة الحكم الذين يسرقون الآثار والمخطوطات ويبيعونها للإرادات الغربية .


وقرروا جزاهم الله خيرا أن يزيلوا صورهم من الدنانير والدراهم لينقشوا بدلا عن صورهم صور أبي العلاء المعري و إبن خلدون والفارابي وأبي الطيب المتنبي وغيرهم من أساطين حضارتنا العربية المجيدة . وبعد أن رقوّا المشروع الثقافي إنطلقوا إلى المشروع الإقتصادي فقرروا إرجاع كل الأموال التي سرقوها إلى الشعب , وقرروا إستخدام أموالهم الخاصة لقضاء الديون التي رتبوها حتى على أجيالهم المستقبليّة , و قرروا توزيع الثروات توزيعا عادلا وعلى رأس هذه الثروات النفط , كما أصدروا قرارا جمهوريّا بالقضاء الكامل على سكنات المقابر والبيوت القصديرية , ووهبوا لكل مواطن بيتا محترما وكريما , وخصصوا مساعدة إجتماعية للعوائل الفقيرة , كما قرروا تزويج الشباب والشابات للقضاء على الزنا التي لطالما مارسوها وروجوا لها , كما قرروا توزيع الأراضي على الفلاحين لإستثمارها و الرقي بالزراعة , وفي ظرف ثلاثين سنة وعشرين سنة وعشر سنوات - كل حاكم عربي ومدة حكمه تمكنّ الحكام العرب من إحقاق النهضة السياسية والثقافية والإقتصادية , وعندما تأكدّ لهم أنّهم حققوا النهضة الشاملة , وأنهم باتوا يملكون قاعدة عسكرية وصناعية قويّة قرروا التوجه إلى فلسطين لتحريرها والتوجه إلى الدول العربية والإسلامية المحتلة من قبل المستعمرين الأمريكان وتحديدا في أفغانستان والعراق وتحقق لهم ذلك فحرروا بلادنا قاطبة من الإحتلالين الصهيوني و الأمريكي , و أسترجعوا عزتنا المفقودة وكرامتنا المهدورة ومجدنا الضائع ودورنا المفقود , وقد بذل حكامنا العرب مجهودات قلّ نظيرها وأبلوا في سبيل الله والوطن بلاءا حسنا , والحمد لله سيورثون أجيالنا المستقبليّة أوطانا بدون ديون وبدون إحتلال وبدون أمية وبدون جوع وبدون ظلم وبدون إستبداد.


فجزاهم الله خير الجزاء , و بعد هذا العناء والتعب والجهاد والنضال والإستماتة من أجل المقدسّات يجب أن يستقيلوا و يتقاعدوا و والله وبالله وتالله فبعد إقدامهم على التقاعد ستقول شعوبهم : الحمد لله الذي أذهب عنّا الرجس !

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا