يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

الغارة الفرانكوفونية على المغرب العربي


على الرغم من أن الدول المغاربية مجتمعة قد نالت استقلالها السياسي قبل ثلاثين سنة و حظيت بالفكاك التام عن السيطرة الأستعمارية الفرنسية الا أن المتأمل في المشهد الثقافي والسياسي والاقتصادي والحضاري بشكل عام يدرك أن الحركات الاستقلالية في المغرب العربي لم تحقق أهدافها الكبرى والمركزية , خصوصا اذا علمنا أن اللغة الفرنسية مازالت سيدة الموقف في دول المغرب العربي و أن كبريات الصحف المؤثرة ناطقة باللغة الفرنسية و عدد مشاهدي القنوات الفرنسية من خلال الهوائي المقعر-البرابول- من سكان المغرب العربي تجاوز السبعين بالمائة حسب ما تذهب اليه دراسة فرنسية والتي أوصت بوضع خطّة ميدانية لربط سكان المغرب العربي بوسائل الاعلام الفرنسية المرئية منها على وجه الخصوص .والأخطر من ذلك فأن بعض القنوات ذات الارتباط باللوبي اليهودي على دراية بهذه الاحصائية تتعمد بث أفلام خليعة موجهة الى المغرب العربي الأمر الذي ساهم في تعفين الواقع الاجتماعي خصوصا في ظل أزمة السكن و احجام الشباب والشابات عن الزواج بسب تردي الوضع الاقتصادي و أزمة السكن التي أصبحت شبحا ضاريا في المغرب العربي .


وتعتبر المراكز الثقافية الفرنسية في المغرب العربي من أنشط المراكز في الترويج للثقافة الفرنسية والتمكين للغة فولتير .وفي الوقت الذي تباع فيه في المغرب العربي كل الاصدارات الثقافية والفكرية من كتب ومجلات ودوريات و أشرطة سمعية بصرية فرنسية والتي تقوم النظم باستيرادها فان نسبة ما يستورد من العالم العربي من مطبوعات عربية لا يتجاوز العشرة 10 بالمائة و يضطلع بهذه المهمة خواص في الأغلب مع قيود لها أول وليس لها أخر .وهذا الأمر جعل الانتليجانسيا الفرنسية في المقدمة لجهة اطلاعها على المستجدات والجديد في مجال العلوم والثقافة والفكر أما النخبة العربية فهي تناضل في سبيل احقاق التواصل بينها وبين الانتليجانسا المشرقية.


وعلى صعيد الاعلام المغاربي الناطق بالفرنسية والذي يتلقى الدعم المادي مباشرة من السفارات الفرنسية في المغرب العربي و من الجهات السياسية والاقتصادية النافدة و من منظمة الفرانكفونية العالمية التي تقف وراءها فرنسا , فانه أكبر شاهد على مدى السيطرة الفرنسية ,ففي الجزائر مثلا من بين اثنى عشر صحيفة يومية اثنتان منها فقط ناطقة باللغة العربية أما بقية الصحف فكلها ناطقة باللغة الفرنسية ومن هذه الصحف الوطن , ليبرتي ,هوريزون , التريببيون , المجاهد , لوسوار دالجيري , وغيرها و معظم الاعلانات تذهب الى هذه الصحف الفرانكوفونية أما الصحف العربية من قبيل الخبر والشعب فهي تعيش الظنك المادي وقلة المادة الاعلانية التي يتم توزيعها لاعتبارات أيديولوجية ,هذا عدا عن فترة بث نشرة الأخبار باللغة الفرنسية وقناة اذاعية بكاملها ناطقة باللغة الفرنسية ,وهذا الأمر ينطبق على تونس والمغرب وموريتانيا وليبيا الى حد معين. و في موريتانيا على سبيل المثال فعلى الرغم من أن مظاهر القبيلة والبدائية مازالت سائدة في موريتانيا الا أن الفرنسة هي الطاغية على مقومات الوضع الثقافي والاقتصادي والسياسي .


و تجد الثقافة العربية نفسها محاصرة من قبل الفرانكوفونية و البربرية و الثقافة الأمريكية الزاحفة مع العولمة والكوكبية ذات الصبغة الأمريكية فقط .ولم تقم وزارات الثقافة في المغرب العربي بخطوات ملموسة في سبيل تكريس الثقافة العربية و الرقي بها في مختلف المجالات , بل ان هذه الوزارات برعت في شيئ واحد فقط وهو اقامة حفلات الطرب و دعوة المطربين من كل حدب وصوب من الجيل القديم والجديد والذي لم يوجد بعد و تسخير ميزانيات وزارت الثقافة على هذه الأمور الأمر الذي أنعكس سلبا على الثقافة العربية و جعل الثقافات الأخرى وتحديدا الفرنسية تتقدم بسرعة الصاروخ خصوصا وأن وراءها دولة تعد الخامسة عالميا فهي تردف هذه الثقافة بكل أسباب التفوق و بالاضافة الى ذلك فان هذه الدولة تملك استراتيجية ثقافية و تخصص للثقافة أضعاف ما تخصصه لوزارة الدفاع. و حتى الطرب المغاربي لم يسلم من اللوثة الفرانكفونية حيث بات مألوفا أن يغني مطرب من المغرب العربي أغنية هي خليط من اللهجة المحلية واللغة الفرنسية .ويقول المدافعون عن هذه التوجهات الثقافية أنها ضرورات العولمة والكوكبية والانفتاح الحضاري.


لكن السؤال المركزي الذي يجب طرحه و تكرار طرحه هو لماذا العولمة تقتضي أن نتخلى نحن عن قيمنا وشخصيتنا فيما هم يتمسكون بقيمهم ويصدرونها الينا بعناوين براقة !

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا