يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

الأخضر الإبراهيمي
 من خدمة الجنرالات إلى خدمة الإرادات


من الأسباب المباشرة و المركزية التي أدّت إلى تفوّق الغرب على العالم العربي والإسلامي هو قدرة هذا الغرب على تسخير أشخاص من أبناء جلدتنا يتحدثون لغتنا العربية ويدينون بديننا الإسلامي و ينحدرون من أصول عربية وإسلامية لا غبار عليها لخدمة إستراتيجياته في العالم العربي والإسلامي و تقف أمريكا على رأس المحور الغربي في الإستفادة القصوى من الشخصيات التي تنتمي شكلا إلى العالم العربي والإسلامي ومضمونا وقلبا إلى أمريكا , ولأمريكا إحتياط هائل من هؤلاء الشخصيات في كافة المجالات السياسية والإقتصادية و الثقافية والإجتماعية والأمنية و الإستخباراتية في البلاد العربية والإسلامية , فهناك سياسيو وكالة الإستخبارات الأمريكية ومثقفو الإستخبارات الأمريكية و عيون وجواسيس الإستخبارات الأمريكية , ولأنّ هذه المسألة تحتاج إلى بحوث تفصيلية متعددة فلنحصر المنطلق الذي جئنا على ذكره في المشهد العراقي وفيمن كلفته جمعية الأمم المتحدة بإعادة صياغة المشهد السياسي في العراق الأخضر الإبراهيمي .


لقد أكدّت الأحداث العراقية والجميع يعلم أنّ لي موقف قديم وتاريخي من الطاغية صدام حسين لعنه الله في الدنيا والآخرة , أقول هذا حتى لا يقال إن المثقفين العرب داهنوا صدام حسين أنّ وكالة الإستخبارات الأمريكية نسجت علاقات مع كل الشرائح العراقية والطوائف العراقية ففي داخل الدائرة السنية لها رجال وداخل الدائرة الشيعية لها رجال وداخل الدائرة الكردية لها رجال , و مدّت يدها إلى المشتغلين بالسياسة و الدين على حدّ سواء , وكنت سابقا ألوم محمد مهدي الجواهري الذي قال في مذكراته أنّ الإحتلال البريطاني في العراق كان على علاقة وطيدة ببعض البيوتات العلمية الشهيرة في النجف الأشرف , و جاء الإحتلال الأمريكي للعراق ليؤكّد مقولة الجواهري .


وقد نجحت وكالة الإستخبارات الأمريكية في نسج علاقات مع معظم المعارضين العراقيين في الخارج ومنهم لا على سبيل الحصر رئيس الحكومة المؤقتة إيّاد علاوي الذي عينته أمريكا في هذا المنصب لكنّ كلف الأخضر الإبراهيمي بالقيام بهذا التعيين ليقال أنّ جمعية الأمم المتحدة هي التي تولت أمر صياغة حكومة العراق الأمريكية المؤقتة .


وفي هذا السيّاق نترك المشهد العراقي لنتغلغل قليلا في شخصية الأخضر الإبراهيمي الذي إرتبط إسمه بمعظم الترتيبات الأمريكية للعالم العربي والإسلامي في لبنان وأفغانستان والعراق.


ينتمي الأخضر الإبراهيمي أو كان ينتمي إلى الديبلوماسية الجزائرية في أوج عزها و تألقّها في بداية السبعينيات عندما كان يشرف على هذه الديبلوماسية رئيس الجزائر الحالي السيّد عبد العزيز بوتفليقة , هذه الديبلوماسية التي جعلت رجلا مثل الصحفي الفرنسي جاك لاكوتور يقول ذات يوم في جريدة لوموند الفرنسية أنّ الجزائر باتت مكة الأحرار و حركات التحرر في العالم العربي , وعلى الرغم من ثقافته الفرانكفونية فإنّ الأخضر الإبراهيمي مزج ثقافته الفرانكفونية بالثقافة الإنجلوسكسونية عندما كان سفيرا للجزائر في بريطانيا وهي بداية إرتباطه بالمحور الغربي الليبيرالي والإرادات الدولية .


ساهم الأخضر الإبراهيمي مع جنرالات الجزائر في الإطاحة بإختيار الشعب الجزائري في كانون الثاني / جانفي 1992 وساهم في إلغاء الإنتخابات التشريعية التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بمعظم المقاعد البرلمانية في الإنتخابات التشريعية التي جرت في الجزائر في 26 كانون الأول ديسمبر 1991 - وكان في ذلك الوقت عضوا في المجلس الأعلى للأمن الذي كان يضمّ الرجل الأقوى في الجزائر في ذلك الوقت الجنرال خالد نزار رئيس المؤسسّة العسكرية و الجنرال العربي بلخير وزير الداخلية وأحد أبرز أعضاء حزب فرنسا في الجزائر وسيد أحمد غزالي رئيس الحكومة المعيّن من قبل العسكر وقررّ هؤلاء إلغاء الإنتخابات وتعيين محمد بوضياف رئيسا للجزائر وفرضوا حالة الطوارئ وألغوا إختيار الشعب وحظروا الجبهة الإسلامية للإنقاذ وأرسلوا عشرات الآلاف من أنصار التيار الإسلامي إلى صحراء رقّان وتندوف , وكان الأخضر الإبراهيمي الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية أحد مبرمجي مرحلة الفراغ الدستوري و الرئاسي وبالتالي يتحمل هو وخالد نزار كل النكبات التي حلّت بالجزائر والمهم عندهم أن لا يصل التيّار الإسلامي إلى السلطة في الجزائر .


و بعد أن قام بهذا الدور خير قيام لحساب الجنرالات غادر الإبراهيمي الجزائر وإختار الإقامة في عاصمة الوحي الفرانكفوني باريس مع زوجته غير الجزائريّة , وإنضم بعد ذلك إلى جمعية الأمم المتحدة لتقديم خدمات لأمريكا تحت غطاء الأمم المتحدة .


وقد تمكن في أفغانستان أن ينفذّ الأجندة الأمريكية بحذافيرها تحت غطاء الأمم المتحدة وساهم في تشكيل حكومة أمريكية المحتوى أفغانية الظاهر ,وكوفئ بتمديد تعامله مع الأمم المتحدة لإستنساخ نفس الحالة الأفغانية في العراق , و لكونه يتمتع بحسن الإقناع وليونة الحديث فهو الأقدر في نظر واشنطن على تعريب المشروع الأمريكي في العراق .


وحتى لا يقول المواطنون العراقيون و معهم العرب والمسلمون و معهم دول محور الإستضعاف أنّ أمريكا وتحديدا جهاز الإستخبارات الأمريكية هو الذي يصيغ سياسة العراق و نظام العراق السياسي ودستور العراق يكلفّ الإبراهيمي الذي يحمل صفة رسمية من الأمم المتحدة بهذه المهمّة وينفذّ كل الأجندة الأمريكية وهو الذي تربطه علاقات وطيدة بالكواليس الأمريكية و يتقن كيف يترجم القول الأمريكي إلى فعل على الأرض سواء في أفغانستان أو في العراق , وقد أتقن لعبة تنفيذ الأوامر الأمريكية بغطاء الأمم المتحدة , و بهذا الشكل يتوهمّ صغار العقول أنّ الأمم المتحدة هي التي ترتب البيت العراقي وليس وكالة الإستخبارات الأمريكية .


ومن خلال قناع الأخضر الإبراهيمي نجحت أمريكا في تمرير مشروعها في العراق ونجحت في تعيين أعضاء المخابرات الأمريكية أعضاء في حكومة العراق الجديدة , و الخدمة الكبيرة التي قدمها الإبراهيمي للأمريكان هو أنّه نجح في حرمان التيار الإسلامي العراقي بشقيه السني والشيعي من أن يكون ذا مستقبل سياسي في العراق , تماما كما حرم الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية من التمتع بإنتصارها الساحق في الإنتخابات التشريعية الملغاة التي جرت في 26 كانون الأول ديسمبر 1991 .


إنّ ما قدمّه الأخضر الإبراهيمي للأمريكان لم يقدمّه أي عميل عربي للإرادات الدولية فهو الذي تمكنّ بإمتياز من ترجمة كل الأجندة الأمريكية السياسية والإستراتيجية في المشهد الأفغاني ثمّ حاليّا في المشهد العراقي .


وإني أتوقّع جازما أنّ أمريكا ستكافئ الأخضر الإبراهيمي بتعيينه أمينا عاما لجمعية الأمم المتحدة بعد عهد كوفي عنان , خصوصا بعد أن نجح في أمركة جمعية الأمم المتحدة أو بالأحرى في تعميم وتأميم الأمركة !!

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا