يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

المؤسسات التي تعنى
بتشريح الاسلام في الغرب



من الملفات المفتوحة والساخنة في الغرب ملف الاسلام وعلاقته بالغرب ومستقبله وديناميكيته الماضية والراهنة والمستقبليّة , و تولي دوائر القرار ومراكز الدراسات الاستراتيجية والاستشرافية حيزا كبيرا من اهتماماتها للاسلام وكل ما يرتبط به من ثقافات واجتهادات وحركات و مسلكيات سياسية واجتماعية وكل ما يمت اليه بصلة من قريب أو بعيد وقد ازدادت الاهتمامات بالاسلام بعد الأحداث التي عصفت بأمريكا . و في الغرب خمس اتجاهات أو مدارس تضطلع بعملية تشريح الاسلام لتحقيق أهداف قريبة المدى ومتوسطة المدى وبعيدة المدى , و هذه المدارس هي المدرسة الأمنية وهي الملتصقة بدوائر الأمن القومي ومكافحة الارهاب , وتقوم هذه المدرسة بتشريح كامل ودقيق وتفصيلي للحركات الاسلامية وتحديدا تلك التي لها قواعد في الغرب كالجماعة الاسلامية المسلحة الجزائرية , والجماعة الاسلامية المصرية وحزب الله اللبناني و حركتي حماس والجهاد الاسلامي الفلسطينيتين وحزب الدعوة العراقي و جماعة أسامة بن لادن و عشرات التنظيمات الاسلامية التي لها قواعد في الغرب أو تحاول التحرك في العواصم الغربية ضمن حيّز الحرية الموجود .

وتتعاون الأجهزة الأمنية الغربية فيما بينها لرصد تحركات الأشخاص المشتبه بانتمائهم الى هذه الجماعات ,وقانون الاتحاد الأوروبي في بعض بنوده ينص على ضرورة التنسيق الأمني وتبادل المعلومات والتعاون قائم في أعلى مستواه في هذا المجال , وتستعين هذه الأجهزة بخبراء من العالم العربي والاسلامي في فهم المنطلقات الفكرية و الفقه الخاص بهذه الحركات وأفاق تفكيرها واستراتيجياتها , وغرض هذه الأجهزة من تشريح حركات الاسلام السياسي هو الحفاظ على الأمن القومي ومنع تكرار ما يحدث في العالم العربي والاسلامي على أراضي الغرب , و الحؤول دون تحويل الغرب الى قواعد للراغبين في الاطاحة بنظمهم واقامة مشاريع فكرية وسياسية في العالمين العربي والاسلامي مغايرة للعلمانية الغربية وقد تكون هذه المشاريع معادية للغرب بالأساس , ويجري ها هنا التنسيق كاملا مع الأجهزة الأمنية العربية للحصول على معلومات عن الأشخاص والتنظيمات الاسلامية ,والأرشيف الأمني العربي دائما مفتوح للغربيين خصوصا فيما يتعلق بالخصوم الاسلاميين .

 لكن لم يسبق للأجهزة الأمنية الغربية أن تعاملت مع الاسلاميين على أراضيها بالطريقة التي يتعامل بها معهم رجال المخابرات العرب , فما دام هؤلاء في نطاق المعارضة الفكرية والسياسية فلا أحد يستطيع أن يطالهم لأنّ حرية التعبير مكفولة في كل الدساتير الغربية , لكن في حال أراد أحدهم التلاعب بالأمن القومي الغربي فيكون بذلك قد جنى على نفسه ,لأن الأمن القومي مقدّس في الغرب . والمدرسة الثانية هي المدرسة المرتبطة بوزارات الهجرة ودوائر الاندماج حيث لدى هذه الدوائر مراكز للبحث والدراسات و تضطلع هذه المراكز بتشريح ثقافة المسلمين وعاداتهم و تقاليدهم والغرض منها ليس أمنيا على الاطلاق بل الغرض منها فهم المسلمين عن قرب في محاولة لادماجهم في المجتمعات الجديدة المستقبلة لهم ولوضع قوانين تتماشى مع توجهات المسلمين و لتجنيب المجتمعات الغربية التصادم مع من يمثلون الظاهرة الاسلامية الوافدة , وتستعين هذه الدوائر أيضا ببعض الباحثين العرب والمسلمين , ولها أيضا باحثوها الأصليون والذين يقومون في أحايين كثيرة بزيارات الى عواصم عربية واسلامية لفهم أسلوب حياة المسلمين وعاداتهم وتقاليدهم .


والمدرسة الثالثة هي المدرسة الأكاديمية والتي قوامها مجموعة كبيرة من المستشرقين والباحثين في قضايا العالم العربي والاسلامي ومجموعة من المعاهد والكليات التي تعنى بالحضارة الاسلامية و الحوار الاسلامي- الغربي , وتضم هذه المدرسة ثلات اتجاهات اتجاه منصف للحضارة الاسلامية ومتفهم للخلل الحاصل في حياة المسلمين والفرق الشاسع بين مسلكيات المسلمين و تعاليم الاسلام السمحة , واتجاه حاقد يهمه الانتصار لمنطلقاته الايديولوجية ويحمّل الاسلام كل خيبات العالم العربي والاسلامي ويصوره أنه الخطر المحدق بالمنظومة الغربية , واتجاه ثالث عقلاني واقعي يحاول تفسير الأمور تفسيرا ابستمولوجيّا وعلميّا .


والمدرسة الرابعة قوامها مجموعة من مراكز الدراسات الخاصة والتي تسوّق منتوجها البحثي لحساب وزارات خارجية ودوائر قرار ودوائر حساسة وحسب الطلب, وتوظف هذه المراكز خليطا من الباحثين من مختلف الجنسيات والبلدان , ويمكن القول أن السرعة هي طابع الدراسات عن الاسلام السياسي التي تصدر عن هذه المراكز ذات البعد التجاري .


والمدرسة الخامسة و قوامها مراكز محدودة لبعض أصحاب النفوذ الديني من مسيحيين ويهود , والغرض منها اشعال نار الفتنة بين المسلمين والمسيحيين بالنسبة للفريق الأول , ورسم منهجية علمية للتنصير من خلال فهم المسلمين وكيفية التسلل الى عقلياتهم بالنسبة للفريق الثاني .


و يبقى القول أن المسلمين في الغرب صحيح أنهم تخلصوا من قمع سلطاتهم وباتوا يعيشون في وضع سياسي واقتصادي متميّز , الاّ أنّه ومما لا شك فيه أنّهم قد أصبحوا حقل تجارب في مختبرات الأفكار والدراسات ومن خلالهم تمكنت الدوائر الغربية وبامتياز الغوص في شعور ولاشعور مليار مسلم موزّعين بين طنجة وجاكرتا , وكل ذلك تم لها بأبخس الأثمان !

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا