يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

هذا ما سيقرره القادة العرب



لأنّ المشهد السياسي العربي بات يجمع بين الدراما والكوميديا , فلا بأس أن تكون بعض مقالاتنا ضربا من الكوميديا والتي هي أقرب إلى الحقيقة والواقع أيضا .

قررّ القادة العرب الذين سيعقدون قمة يتيمة في تونس أن تكون قراراتهم هذه المرّة على مستوى تطلعات شعوبهم , كما قرروا أنّ تكون هذه القرارات كفيلة بإنهاء حالة اليأس العربي الضارب أطنابه في كل مكان والذي أصبح ينتج حالات إنتحار غريبة في أكثر من موقع عربي .
لكن وقبل إتخاذهم لتلك القرارات الخطيرة قررّ القادة العرب أن يتوبوا إلى الله تعالى توبة نصوحا فلا ظلم ولا إحتقار و لا سرقة و لا إغتصاب للسلطة و الجواري الحسان بعد اليوم و لا ركوع لأمريكا ولا سجود إلاّ للواحد القهّار , وقرروا أن يتوضأوا بماء زمزم بدل دماء شعوبهم المستصعفة المحتقرة المهانة المذلولة المنتكسة بفعل ظلم ولاة الأمور العرب, و قد لاذوا بهذه الخطوة التوبة النصوح حتى إذا رمتهم أمريكا وإسرائيل بصواريخها سيكونون في طليعة الشهداء الأبرار الأحياء عند ربهم .
وقد قررّ الحكام العرب ما يلي :
مقاطعة أمريكا مقاطعة كاملة وقطع النفط والغاز الطبيعي عنها وتشكيل جيش عربي موحدّ لدحر الأمريكان في العراق و الصهاينة في فلسطين المحتلة , كما قررّ الحكام العرب وإنتقاما لشهداء رفح وجنين أن يفتحوا كافة الحدود للإستشهاديين و الغيارى على أمتهم للتوجّه إلى أرض الجهاد وقررّ هؤلاء الحكام توفير كافة المعدات اللوجستية و المستلزمات للنهوض بمبدأ الدفاع عن الأمة , كمّا قرروا تشكيل فرق طيارين إستشهاديين يدكدكون تل أبيب ومؤسسات السيادة فيها و ملاحقة أجهزتها العسكرية من جيش الدفاع الشعبي والموساد والشين بيت هذه الأجهزة التي تذبح من الوريد إلى الوريد الشعب الأعزل في فلسطين , كما قررّ القادة العرب إلغاء كافة الخلافات القطرية و تشكيل قيادة عربية موحدة تتولى مواجهة أمريكا وإسرائيل بشكل جماعي , و زيادة في التفاعل مع قضايا الأمة قررّ الحكام العرب أن يهجروا الموائد الفاخرة من لحوم مشوية و خرفان محمرة و ويسكي معتقة وأن يأكلوا الخبز الجاف وبعض زيت الزيتون الغذاء الرسمي لملايين الفقراء العرب .
ومثلما حصروا معركتهم مع أمريكا والكيان الصهيوني وقرروا ضرب أمريكا في الصميم وتطهير العراق من نجاسة الأمريكان و فلسطين المحتلة من نجاسة الصهاينة , فقد قرروا أيضا إطلاق سراح الحريّة المعتقلة في زنزانات رجال مخابراتهم وأجهزتهم الأمنية و معها مئات الآلاف من معتقلي الرأي و المعتقلين السياسيين الذين أعتقل الكثير منهم لشبهات واهية أو لتأففّ هذا من ظلم الحاكم وفجوره .
كما قرروا إعطاء الضمانات للصحافة و الأحزاب السياسية والمعارضين السياسيين و قرروا فتح الحدود لكل الراغبين بالعودة إلى الوطن ليعيشوا نعمة الحرية , وفي سابقة هي الأولى من نوعها قررّ الحكام العرب الكشف عن كل خرائط المقابر الجماعية الموجودة في الصحارى والقفار والهضاب و تطوعوا بالكشف عن أسماء أصحاء الجماجم المحروقة و المثقوبة بمعدات الحاكم العربي الخارقة .
وقد أخذت الحميّة العربية بحكامنا فقرروا إلغاء الحدود العربية وتوحيد الأقطار العربية من بغداد وإلى تطوان وتمّ تصميم علم واحد ونشيد وطني واحد : بلاد العرب أوطاني !
وبعد أن قرروا توحيد الجيوش العربية تحت هيئة أركان عربية واحدة حددوا ساعة الصفر في بداية تطهير العراق من دنس ونجاسة الأمريكان , كما قرروا تحديد ساعة الصفر لرمي إسرائيل إلى البحر بعد أن توافقوا على مقاطعتها سياسيا وإقتصاديا وثقافيا ورياضيا وأمنيا.
وتواعدوا فيما بينهم أنّه وبعد تحرير الواقع العربي من ديكتاتوريتهم و العراق من الإحتلال الأمريكي وفلسطين المحتلة من الإحتلال الإسرائيلي أن يسلموا أنفسهم لشعوبهم للإقتصاص منهم عما فعلوه خلال سنيّ حكمهم المشؤوم , وبعد ذلك إعتذروا إلى شعوبهم عن ظلمهم وسمجهم وخبثهم و قهرهم وظلمهم .
وبعد كل هذه القرارات الخطيرة قرروا أخذ فترة إستراحة لمدة نصف ساعة لمواصلة صناعة القرارات المصيرية , وبعد أن عاد كل رئيس عربي إلى جناحه , جلس فورا أمام الهاتف وطلب الرئاسة الأمريكية و جهاز المخابرات الأمريكية قائلا لهما : هذا ما جرى في قمة تونس المشؤومة وهذا ما يفكرّ فيه الرؤساء العرب وأصبحت الأجندة برمتها على مكتب الرئيس الأمريكي والأجهزة الأمنية الأمريكية , وكانت الرئاسة الأمريكية والأجهزة الأمنية الأمريكية مضطرّة إلى فتح عشرين خطّ هاتفي , لأنّ كل الزعماء العرب أرسلوا تقاريرهم الخاصة إلى أسيادهم في واشنطن !!
وتلك هي المفارقة العربية .

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا