يحي ابو زكريا
كاتب وصحافي جزائري مقيم في السويد
YAHYA.B@COMHEM.SE

متى يعلن القذافي عن
سر اختفاء موسى الصدر؟



كلفّت المصالحة الليبية الأمريكية والليبية الغربية الجماهيرية الليبيّة ملايير الدولارات دفعتها ليبيا عدّا ونقدا للولايات المتحدة الأمريكية التي سبق لها وأن شنّت غارات جويّة حربية على ليبيا دون أن تعترف بخطأ ما ودون أن تدفع تعويضات لليبيا عن الأضرار الجسمية التي ألحقتها بليبيا ماديّا ومعنويّا , كما أنّ ليبيا ستدفع تعويضات مشابهة لألمانيا وفرنسا وبذلك تكون ليبيا قد أغلقت مجموعة من الملفات الثقيلة التي كانت بحوزة الإرادات الدولية الغربية والتي كانت تضغط بها على ليبيا إلى أن تحققّ لها ما تريد وخصوصا بعد الإحتلال الأمريكي للعراق وبداية عصر أمريكي جديد قوامه الهجوم بدل الدفاع , و تغيير الأنظمة وتحديدا تلك التي لا تيممّ وجهها سياسيّا شطر واشطن .
وإذا كان من حق العواصم الغربية أن تطالب ليبيا بحقوق مواطنيها كاملة غير منقوصة , رغم أنّ الغرب وبإعتراف الكتاب الأخضر الذي وضعه العقيد معمّر القذافي ظلّ ينهب خيرات و ثروات العالم العربي و الإسلامي على إمتداد الحركة الإستعمارية و مراحل إحتلال الغرب لبلادنا ووصولا إلى نهب هذه الخيرات من خلال الحكومات الوطنية العميلة التي صنعها الغرب على عينه لتكمل تكريس المشروع الإستعماري الكولونيالي بأدوات وطنية عربية و إسلامية .


ومثلما يعمل العقيد معمّر القذافي على إغلاق كافة الملفات العالقة بين بلاده وبين عواصم الإرادات الدولية , هذه الإرادات التي لطالما تحدّاها العقيد معمّر القذافي محملاّ إيّاها وزر التداعيات الخطيرة في المشهد السياسي العربي والإسلامي , فيجب عليه وبالتوازي مع ذلك أن يغلق بعض الملفات العالقة ذات العلاقة بالجغرافيا العربية و الإسلامية , ولعلّ أبرز ملف في هذا السيّاق هو ملف إختفاء السيد موسى الصدر رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان و مؤسسّ أفواج المقاومة الوطنية في لبنان حركة أمل التي يترأسّها راهنا المحامي نبيه برّي رئيس البرلمان اللبناني .


ومن المفارقات العجيبة أنّ ذكرى إختفاء موسى الصدر تتزامن مع ذكرى الفاتح من سبتمبر أيلول أي تاريخ إنقلاب العقيد معمّر القذافي على السنوسي حاكم ليبيا في مرحلة الستينيات .


وكان الإمام موسى الصدر الذي ولد في مدينة قم المقدسّة الإيرانية في سنة 1928 قد وصل إلى لبنان سنة 1960 ليتولى توجيه الطائفة الشيعية عقب وفاة السيّد عبد الحسين شرف الدين صاحب التصانيف المشهورة ككتاب المراجعات مع شيخ الأزهر سليم البشري وغيرها , وتولى في سنة 1969 رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان حيث ساهم بالنهوض بالعديد من المؤسسّات الثقافية والإجتماعية والمهنية والتربويّة و تحديدا في الجنوب اللبناني الذي كان ساحة مستباحة للغطرسة الصهيونية والتي تحدّاها الإمام موسى الصدر متحالفا في ذلك مع فصائل المقاومة الفلسطينية التي كانت ترى فيه رمزا نضاليّا كبيرا .


وبالإضافة إلى ذلك كان أحد مؤسسّي حركة الحوار الإسلامي المسيحي مع المطران الكاثوليكي غريغوار حدّاد و من أبرز مواعظه كلمة ألقاها في كنيسة الكبوشيين أثناء صيّام عيد الفصح سنة 1964 في لبنان .


ونظرا لشخصيته المتألقة وثقافته الواسعة فقد أصبح موسى الصدر شخصية يشار إليها بالبنان حيث كانت تخطب ودّه العديد من العواصم العربية , ومنها طرابلس الغرب التي وجهّت إليه دعوى لم يعد بعدها لا إلى وطنه لبنان ولا لأهله الذين ظلوا يتابعون أخباره ويتصيدون أي معلومة يلقيها هذا الديبلوماسي الليببي الهارب أو ذاك .


وحسب المصادر الجزائرية الرسمية فإنّ الإمام موسى الصدر غادر الجزائر متوجها إلى ليبيا وفي ليبيا لم يرشح عنه أي خبر حيث ضرب حصار كامل عن الأسرار الكامنة وراء خطفه والأسباب الموضوعية التي أدّت إلى خطفه , علما أنّه لم يكنّ يتحرك في الساحة اللبنانية ضدّ أي نظام عربي بعينه بل ركزّ قضيته على أمرين إثنين في لبنان وهما التصدي للكيان الصهيوني الذي كان يستبيح جنوب لبنان بحجّة وجود مقاومة فلسطينية فيه , و مطالبة الدولة اللبنانية ذات التركيبة المارونية الطائفية العنصرية تاريخئذ بالإعتراف بحقوق الشيعة في لبنان وإنصافهم سواء على صعيد إدماجهم في لعبة صناعة القرار السياسي اللبناني أو توفير الخدمات الضرورية لقراهم وأريافهم التي مازال الكثير منها يشكو الإهمال إلى يومنا هذا الأمر الذي أوعز لكثيرين اللجوء إلى زراعة المخدرات والإتجّار بها وتحديدا في مناطق البقاع اللبناني والجنوب اللبناني على حدّ سواء .


وربما لن يسلم ضمير القذافي بدفع الديّة بملايير الدولارات للغربيين , بل إنّ هذا الضمير يجب أن يواصل التوبة السياسية بالإعلان عن مصير موسي الصدر ومرافقيه , وبعد ذلك أيضا الكشف عن ملفات الليبيين المخطوفين والمقتولين على شاكلة منصور الكيخيا وأقرانه ,و من تمّ توضيح ملابسات إغتيال فتحي الشقاقي زعيم تنظيم الجهاد الفلسطيني في مالطا الذي خرج قبل إغتياله من ليبيا بجواز سفر ليبي .


وحتى لا يكون الدم الغربي أشرف من الدم العربي والمسلم فعلى معمر القذافي أن يريح حقبتنا التاريخية الراهنة من همّ البحث المتواصل عن أسرار وقضايا وحده العقيد يملك الكلام عنها .
فهل يتكلّم العقيد !!!

لقراءة مقالات يحي ابو زكريا السابقة انقر هنا