محمد تامالت
كاتب وصحفي جزائري مقيم في لندن
mohamed-tamalt@maktoob.com

المقاومة العراقية الشريفة
 أجمل وردة تخفر نعش عرفات

 


ألتمس لعرفات عذر القلب وعذر العقل وإن أخطأ, ومن ذا الذي لا يخطئ. يلتمس له قلبي ألف عذر وهو الذي ظل إلى آخر نفس من أنفاسه المتعبة غصة في حلوق بني صهيون وذكرى سوداء تلاحق شارون أب الإرهاب إلى قبره التعيس, ويلتمس له عقلي مليون عذر لأنه صمد حتى النهاية ولم يبع الرفاق من أحمرهم إلى ألحاهم.

عرفات مات ومن ذا الذي لا يموت, قبل موته قالوا إنه باع قضيته مقابل غزة وأريحا, قالوا إنه كان مجرد عميل لعبد الناصر الذي قالوا عنه كذلك إنه كان عميلا للأمريكان, وليقولوا ما شاؤوا. لكن مجرد رفض الرجل الغرق في أسن اتفاقية كامب ديفيد الثانية يشفع له ويضحد ما يقولون. كان بإمكان أبي عمار أن يركع تحت قدمي مادلين أولبرايت أو أن يتحول إلى وكيل لكلينتون وسيده باراك في شبه الدولة التي تعطى له لكنه لم يفعل, لم يفعل لأنه لم يكن يرغب في أن يلعنه أطفال فلسطين لأنه تنازل باسمهم عما لا يملك, تنازل عن حقهم في العودة.

لو كان عرفات يريد الإحتفاظ بالزعامة كما يدعون لفعل كما يفعل كل الحكام العرب, كان يمكن أن يتسلق على جثت المقاومين أو أن يجعل من الحركات الموازية ل "فتح" جسورا تقربه أكثر من حلم التتويج ملكا على فلسطين إن كان هذا حقا هو حلمه. وليُجب المتربصون لم لم يفعل. قد نعيب على الرجل ديكتاتوريته, وقد نعيب عليه سعيه لاحتواء الحركات الموازية من أيام جورج حبش إلى أيام أحمد ياسين, وقد نغضب لأنه قبل بشبه دولة حلا يحفظ للفلسطينيين حقهم في توجيه المقاومة من الداخل, لكننا بلا شك لا نستطيع أن نقول إن قبوله بهذا الحل كان لنية مسبقة في التآمر على شعبه.

لا أعتقد أن عرفات أيد صدام مثلا طعنا للكويت التي لا شك أنها ساعدته كثيرا, إنني أتصور أنه بنى موقفه على حسابات هي نفسها تلك التي بنى عليها موقفه من الدولة الفلسطينية. قد لا نتفق معه ولا يجب أن نتفق بالضرورة في كل شيئ, وقد نلومه ونقاطعه ونكون نحن المحقين, لكننا وفي النهاية نفهم أن هدف الرجل لم يكن إقامة الدولة وإلا كان أقامها تحت راية كونداليسا رايس وجورج الصغير: إن هدفه كان ألا تنطفئ جذوة العز والمقاومة في نفوسنا, جذوة قد تشتعل في القدس ويعم خيرها نواقشوط لتشعر بلفح حرها المبارك الفلوجة.

أخال هؤلاء الذين يجتهدون في البحث عن المعاذير اللقيطة لنزع الشرعية عن المقاومة الشريفة في أرض النهرين ويتدثرون بالقضية الفللسطينية كي لا يظهر عريهم في بلدانهم, يكررون ما فعل آباؤهم وأجدادهم مع فلسطين. بالأمس ماطلوا وماطلوا حتى تمكن الاستدمار من الحرم الثالث واليوم يماطلون ويماطلون حتى يتمكن من الحرمين منطلقا من حواضر بني العباس. لهؤلاء, متآمرين كانوا أو متهافتين, أقول: إذا كنتم تحبون فلسطين حقا فإن أجمل وردة يمكن أن تلقوها على قبر عرفات هي دعمكم للمجاهدين.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب انقر هنا