بقلم : زياد داود السلوادي
خاص بعرب تايمز
ziadamal@hotmail.com

ردّ على ابراهيم الجندي

قرأت مقالة الأستاذ ابراهيم الجندي المعنونة  " نهاية القران " وأودّ أن أردّ عليها راجياً من الإخوة القراء الرجوع الى المقالة المذكورة قبل قراءة ردّي هذا وذلك لتمام الفائدة .

قد يكون الأستاذ الجندي كاتباً صحفياً متميزاً في أمور بعيدة عن الدين والقرآن والتفسير ولا أدري مدى تميزه إن وجد ، ولكنه هنا أظهر جهلاً – والجهل هو ضلالة الفكر ومعرفة الأمور على غير حقيقتها – لم أكن أتخيل أن يصل الى هذا المستوى من الجهل كاتب كتب في عرب تايمز وربما في غيرها عشرات المقالات ، وقد كنت أودّ أن أقول إنه أظهر ضحالة في فهم الدين غير أن الضحالة لها بعض العمق وإن كان قليلاً ، وهو قد خلت مقالته السابقة الذكر من أي عمق مهما قل .

فأول ما بدأ به هو ذلك العنوان الذي يجذب القراء من المتدينين ومن غير المتدينين ( نهاية القرآن ) ، ثم بدأ مقدمة شبّه بها القرآن الكريم بلوحة ملونة رسمها ذيل حمار أجرب ليقوم أحد نقاد الرسم التجريبي بتمجيدها وعدّ مميزاتها تماماً كما يقوم الباحثون في القرآن الكريم بمحاولات لإظهار ما فيه من إعجاز . فما أعظم المشبه وما أقبح المشبه به ، وما أعظم ذنبك يا أستاذ ، وما أقبح ذوقك ! فإن كنت تقصد ما ذهبت اليه - بخاصة وأنك تقول : تعمّدت التصدير بهذه المقدّمة .... – فقد والله وقعت في شرّ عظيم أدعو الله أن يجيرك منه ، وإن كنت لا تقصد هذه الإساءة فاستغفر الله على قبح ذوقك وسوء ما ذهبت اليه من مثل سخيف .

أما قولك إن القرآن هو المطلق والعلم هو النسبي فهو هروب الى سفسطة السفسطائيين ، ومثل من يسأل ( هل للعدم وجود ؟ ) ، وكان أحرى بك أن تسأل نفسك أولاً هل اللغة هي من المطلق أم من النسبي ؟ فإن كانت من المطلق فنحن نستخدمها ونتكلم بها وإن كانت من النسبي فالله تعالى قد أنزل بها قرآنه . وخلاصة هذه النقطة أنك لم تقدم لنا شيئاً نحصله فيها .

وأما دليلك على أن الدين مجاله منحصر في الإيمان بالغيب فمردود عليك الحصر ، والآيات التي استشهدت بها من أول سورة البقرة ( ألم ، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) تقول إن هذا الكتاب هو ( هدى ) للمتقين ، أي أن الحصر – إن كان ثمة حصر – هو في ( هدى ) وليس في الإيمان بالغيب لأن الإيمان بالغيب إنما ذكر في الآية كصفة من صفات المتقين ومثله إقامة الصلاة والإنفاق . وهذا دليل آخر على فساد استشهادك .

وأما قولك إن الدين مبني على الإيمان والتصديق وإن العلم مبني على الشك والتجريب فقول فيه الكثير من ضحالة الفكر أيضاً . لأن الذي هو قائم على الشك والتجريب ليس العلم كعلم في حد ذاته ، بل محاولات العلماء لفهم هذا العلم ، فالعلم في حد ذاته هو حقائق مسلم بها ، ولكن العلماء لم يفهموها حق فهمها فهم يشكّون ويجربون مرة ومرة ومرات حتى يصلوا في النهاية الى يقين ثابت ليصبح هذا العلم عندهم من المسلّمات حتى ولو بعد مئات السنين وحتى لو اكتشفوا بعد مئة سنة أنهم كانوا مخطئين في فهم علم ما بطريقة ما فالخطأ ليس في الحقيقة العلمية ولكن في فهمهم الخاطىء لها ، وكذلك شأن الباحثين في إعجازات القرآن الكريم فقد يخطئون وقد يصيبون ولكن القرآن يظل حقيقة مسلماً بها ولا يستطيع باحث فيه أن يهدمه أو يمسه بسوء مهما أخطأ في استنباط معجزاته ، وتظل بحوثه نظرياتٍ مجردة ولو لمئات السنين .

وأما قولك إن الأديان لا يعيبها أن لا تحتوي على علم فقول مضحك ومعنى خائب لم توفقْ فيه مطلقاً ، فإن الحث على العلم قد ورد في القرآن الكريم في مئات الآيات ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير ) 20 العنكبوت . أليس هذا حثّ على علم التاريخ الطبيعي الذي برع فيه تشارلز دارون وجاء بنظرية النشوء والارتقاء وأقول برع فيه بغض النظر عما أصاب فيه وما أخطأ . وقوله تعالى ( هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ، ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون ) 5 يونس. أليس في ذلك حث على دراسة علم الفلك في قوله لتعلموا عدد السنين والحساب ثم في قوله يفصل الآيات لقوم ( يعلمون ) ؟؟؟ وقوله تعالى ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآياتٍ لقوم يعقلون ) 164 البقرة . لاحظ أولاً أن الآية تلفت نظر قوم ( يعقلون ) الى علومٍ شتى يتفرع من كل منها علوم أخرى كثيرة ، ثم استعرض العلوم التي ذكرت في الآية ، فالسماوات وهي الطبقات السبع المحيطة بالكرة الأرضية ( راجع البحث القيم للأستاذ عطية زاهدة والذي يفصل فيه هذه الطبقات والمنشور في عرب تايمز ) ثم الأرض وما فيها من علوم جيولوجيا وجغرافيا ثم اختلاف الليل والنهار وهو مفتاح علم الفلك ثم السفن التي تجري في البحر وما في ذلك من علم البحار الذي يدرّس في الكليات البحرية وكذلك قاعدة أرخميدس والطفو ثم علم الأرصاد الجوية ثم الزراعة والتربة ثم علم الحيوان وما يحتوي عليه من ثدييات وزواحف وحشرات وطفيليات ووحيدات الخلية والبكتيريا والفيروسات ...الخ ، ولو شئت لجئتك بمئات الآيات التي تحث على العلم ولكن المجال هنا لا يتسع لمثل هذا التوسع ، أوَبعد هذا كله تقول إن الأديان ليس فيها علم ؟؟؟

ثم تقول إن الدين هو للعبادة والتعبد فقط وتستشهد بالآية الكريمة ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) 56 الذاريات . واستشهادك في هذا الموقف يدل دلالة قاطعة على عدم فهمك لمعنى العبادة فأنت كما هو واضح من كلامك تظن أن العبادة شيء والبحث العلمي شيء آخر غيرها ، فلو كان معنى الآية كما فهمت أنت إذاً فالله يطلب منا أن نعتزل الدنيا وما فيها وأن نلتزم دور العبادة لا نخرج منها وهذا مخالف للفطرة التي فطر الله الناس عليها ، أما وإن الله أمرنا بالصدقة مثلاً فإن الصدقة تقتضي أن نعمل للحصول على المال والتصدق ببعضه وما لا يكون الواجب إلا به فهو واجب ، إذاً فالعمل الشريف عبادة أيضاً ، ووصية الله تعالى لنا بوفاء الكيل والميزان فيها أمر ضمني بالعمل والتجارة وقول الله تعالى ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) فيها أمر بالعمل ، وخلاصة القول إن معنى العبادة هو اتباع أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه في كل أمر من أمور حياتنا صغر أم كبر ، فإن فعلنا فنحن في عبادة الله ماضون .

أما استشهادك بالآية الكريمة ( ... اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا... ) 3 المائدة . وقولك فيها بالنص ( ولو لاحظنا سنجد أنه لم يقل الاسلام علما أو منهجا للحياة بل دين فقط ) قول يدل والله على جهل مطبق في اللغة العربية ولا أدري كيف تكتب مقالاتك الكثيرة باللغة العربية وأنت على هذا القدر من الجهل بها !!! فكلمة الدين مشتقة من دانَ يَدين ومعناها خضع لحكم وأدان يُدين أي أخضع غيره لحكم ، يقال أدان القاضي المتهمَ أي أخضعه لحكم ، ودين الله هو الخضوع لأوامره ودين الدولة هو دستورها وما يشتق منه من القوانين ولعل في قوله تعالى في قصة يوسف ما يشرح المعنى حين عبر عن نظام حكم الملك في مصر في عهد يوسف بقوله دين الملك (.... كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله .... ) 76 يوسف . ذلك أن يوسف أراد أن يأخذ أخاه الأصغر بنيامين فأمر غلمانه بأن يضعوا السقاية في رحل أخيه ليبدو كأنه سرقها وكان دين بني اسرائيل يعاقب السارق بأن يجعله عبداً لمن سرق منه ، بينما كان النظام في مصر آنئذ يعاقب السارق بطريقة أخرى ربما السجن مثلاً ، وكان يوسف يعرف الحكمين لأنه من بني إسرائيل أولاً ولأنه وزير في مصر ثانياً فافتعل هذا الأمر وسأل إخوته ما جزاء السارق ؟؟ ( قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين ) 75 يوسف . ( فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله .... ) 76 يوسف . أي لم يكن يوسف ليستطيع أن يأخذ أخاه بحسب القانون الذي وضعه الملك ، وقد سمّاه الله دين الملك . أذاً فالدين هو الخضوع لنظام حكم . انظر بعد هذا التفصيل كيف يبدو فهمك للكلمة سخيفاً ممجوجاً .فقوله ( ورضيت لكم الإسلام دينا.. ) أي منهاجا للحياة . وفي آية أخرى يقول تعالى ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا.. ) 48 المائدة. والشرعة تعبير عن القانون ومنها أخذ التشريع ، والمنهاج هو الطريق المستقيم . وحتى المنهاج لم تفهمها ونفيت أن يكون الله تعالى قد ذكرها !!!

وأما الطامة الكبرى فاستشهادك بآية كريمة ملأتها بالأخطاء وفسرتها حسب تعبيرك بخصوص السبب لا بعموم اللفظ وأنت في الواقع فعلت عكس ما قلت تماماً ثم فهمتها خطأ وفسرتها خطأً ، فالآية الكريمة وهذه هي صحتها لا كما كتبتها ( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مالهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ) 49 الكهف . والكتاب هنا ليس القرآن كما ذكرت بل هو كتاب كُــتبتْ فيه أعمال الناس في الحياة الدنيا ويعرض عليهم يوم الحساب وهو نفس الكتاب الذي ذكر في الآية الكريمة ( فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه ) 19 الحاقة . ( وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ) 25 الحاقة . ولو كان الكتاب هنا هو القرآن فلماذا ترى المجرمين خائفين مما جاء فيه ويقولون يا ويلتنا ؟؟ بل يقولون ذلك لأنهم وجدوا فيه كل أعمالهم السيئة التي عملوها في الدنيا ولم يترك الكتاب سيئة صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها عليهم وسجلها ، اقرأ الآية مرة أخرى لعلك تفهم .

أما حديثك عن الاستنساخ والذي لا أجد مبررا لذكره في سياق مقالتك فليس مطلوبا من أحد أن يرد على أسئلة ( عبيطة ) كأسئلتك ومع هذا فقد قال إبليس اللعين لله تعالى حين طرده الله من رحمته مثل ذلك وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك فقال ( ولأضلنّهم ولأمنينّهم ولآمرنّهم فليبتكنّ آذان الأنعام ولآمرنــّهم فليغيرنّ خلق الله ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبينا ) 119 النساء . ولاحظ هنا ذكر الأنعام التي من ضمنها الغنم والضأن ثم لاحظ كيف بدأ الاستنساخ بالنعجة المسماة دوللي . ثم لاحظ أن الذي أغوى العلماء بهذا العمل هو إبليس كما أغواهم من قبل بصنع القنابل الذرية واستخدامها ضد الإنسان ، ثم افهم معنى ( مشيئة الله ) حق الفهم من غير أن تقحمها في هذيانك دون فهم ، فمشيئة الله غير إرادة الله غير أمر الله غير قول الله ، وكل منها له معنى محدد وسأشرح ههنا مشيئة الله إن شاء الله ، فمشيئة الله هي أن يسمح الله للأشياء بالحدوث بناء على نظام الأسباب التي أوجدها الله تعالى ، فإذا ترك الله الأسباب تأتي بالمسبـَّبات دون تدخل فتلك مشيئته ، ومن معناها أيضاً أنك لا تستطيع فعل أي شيء دون أن يسمح لك الله بفعله ، أي أن الله تعالى يسمح لك بفعل ما نهاك عن فعله بشرط أن تأخذ بالأسباب التي تؤدي الى هذا الفعل لكي ينجح ، ولكن لا تفهم من ذلك أن هذا ( أمر الله ) لأن الله لا يأمر بالسوء ، ولكن هي مشيئة الله فقط .

وقد شاء الله أن تبدأ مقالتك المضلة بقولك : ( بداية أعترف أنني لا أفهم – ولن أفهم مستقبلاً – ما يسمى بالفن التشكيلي ) .ولقد تكون أصدق لو أنك بدأت هكذا : ( بداية أعترف أنني لا أفهم – ولن أفهم مستقبلاً ) وكفى .
 

لقراءة مقالات سابقة للكاتب انقر هنا