|
أبطال العرب فى فن
الانسحاب
يقف عقلى أمام أمور فى منتهى البساطة واجماً ولا يريد أن يتحرك ويفهمها مثل كل
الناس من حولى، أحاول تحريكه بالجاز مرة، وبالبنزين مرة، وبالـ"زق" مرات، حتى
أننى ربطته مرة بحمارين يجروه!، ورغم ذلك لا يريد أن يفهم إطلاقاً!!..لذلك
دائما ما كنت أطرد من الفصل فى المدرسة لأننى كنت دائم السؤال عن أمور أراها
غير مفهومة، بينما هم يرونها دليل صارخ على غباوتى!..وكان كثيرا ما يمتد غبائى
لبقية الطلاب، فتزداد الأسئلة فى صورة وباء معد، يحل بجميع الطلاب، ويجد المدرس
نفسه مطالبا إما بالرد على أسئلتهم، أو بطرد الفصل، وطبعا كان يستسهل طرد الفصل
كله!..ولهذا كنا فى معظم الأحيان نظل فى فناء المدرسة ولا ندخل الفصل توفيرا
للمجهود من ناحية ومن ناحية أخرى نحجز مكانا قبل أن يزدحم الفناء بالفصول
المطرودة كل يوم!
ومن الأمور التى كانت تحيرنى وأراها غير مفهومة، أن أرى تهليلا وتكريما لأحد
رياضيينا، فردوا له الصفحات والمقالات تتحدث عن بطولته لأنه انسحب..(أى والله
انسحب!) ..من البطولة الرياضية العالمية التى كان مرشحا لها دون أن يلعب مباراة
واحدة!
كيف ينسحب؟....وكيف يكون بطلا ؟!!..يردون عليك:
- طبعاً بطل، ولكنه بطل قومى !!...فقد أوقعته القرعة أمام لاعب إسرائيلى...فرفع
يديه إلى أعلى فورا وخرج إلى بيته منسحباً!
- يا للعار !!...هى ناقصة انسحابات؟...انسحبنا فى 48 وتركنا لهم نصف
فلسطين...وانسحبنا فى 67 وتركنا لهم النصف الآخر وعليهم سينا والجولان فى عرض
خاص!!....وانسحبنا من أمامهم فى كل المحافل الدولية العلمية والثقافية، ولم
يتبق لنا سوى الرياضة، كنا نتمنى أن نحقق فيها نصرا معنويا ولو بسيطا، ثم ننفخه
على يد خبرائنا فى علم النفخ، ربما وارينا به جبل الهزائم الذى يلاحقنا!
فيصيحون فى وجهى :
- هل غباؤك هذا طبيعى؟..أم مستورد من بلاد تركب المعيز؟! ...هل تريد أن يضع
عربى شريف يده فى يد صهيونى ويسلم عليه؟
- يضع يده فى يده...يضعها فى عينه...يضعها على قفاه.....ليس هذا هو
المهم...المهم أن المباراة ما هى إلا مواجهة بين دولتين لمعرفة من الأفضل
والأقدر على صناعة البطل.....انسحابنا إعلان صريح بأننا الأسوأ....ونتوقع
الهزيمة...ولهذا جرينا من أمامهم بأقصى سرعة طبقا للمثل الذى يقول ( الجرى نصف
المجدعة) ويكمله البعض (والنصف الآخر أن تشتم وأنت بتجرى)...هل البطولة هى أن
يكون لسانك أطول من قفاك وأنت بعيد، وعند أول مواجهة تقول (أنا عيّل)!!.
هل لو كان هذا البطل متأكدا من فوزه....وأنه قادر على تلقين هذا الإسرائيلى
درسا فى فنون اللعبة، ويخرج من المباراة منتصرا و معلنا أنه الأقوى..هل كان
تردد ولو للحظة فى خوض المباراة؟..أليس هذا هو الانتصار القومى الحقيقى؟..أم
أننا ساعتها كنا سنضربه بالنعال لأنه تجرأ وكسر مبدأ الأشاوس فى الانسحاب؟!.. و
إذا بذل هذا البطل أقصى جهده ثم لم يحالفه التوفيق.. ألا يكفيه هنا شرف
المحاولة، فربما فاز فى المحاولة التى تليها ويحقق ما يتمناه ونتمناه!
لكن للأسف، عندما يكون الشخص متأكدا من أنه سيصاب بهزيمة منكرة فإنه يؤثر
الانسحاب....والهروب من المواجهة...تماما كما فعل ويفعل الكثير من زعماءنا
المبجلين، وأراه لا يستحق من قومه سوى وصفا واحدا....الجبان الذى خذل
أهله....ولكن أن يصنع قومه منه بطلا !! هذا ما لا أفهمه، وأعلن بأعلى صوتى عن
عدم فهمه حتى لو طردونى هذه المرة من حفلة لنانسى عجرم!
أتخيل الآن رياضيا إسرائيليا يخرج من بيته متوجها إلى المنافسة على بطولة
دولية، وتخرج أمه لتودعه وتدعو له " روح يا بنى يا شلولح (إسمه كده)..ربنا يوقع
فى سكتك المنافسين كلهم عرب...ينسحبوا واحد واحد، وتاخذ الكأس لإسرائيل وترجع
لنا منصور"!!
يرجع بى خيالى إلى الوراء أيضا وأتخيل موقفا للمسلمين فى عصورهم الأزهى، وقد
فرضت عليهم إحدى المواجهات مع اليهود، وكما كان متبعا وقتها يخرج يهوديا ويصيح
ألا من مبارز؟...ماذا كان يمكن أن يحدث لو صاح المسلمون جميعا فى صوت واحد "
لا..لا..إحنا مخاصمينكم " ويتجهون جميعا نحو خيامهم للخلف دُر منسحبين..وهناك
يتشاجرون على من كان أول المنسحبين ليكتبوا فيه المعلقات التى تمجد بطولته!..هل
كان من الممكن حدوث هذا؟
لقد فكرت فى إحدى المرات أن أبحث عن بطولة دولية فى أى رياضة يكون فيها
إسرائيليا، وأشترك بها على الفور، و(أغمز) من بيده القرعة بنص دولار ليضعنى
أمامه فى أول مباراة، ثم أعلن انسحابى فى مؤتمر صحفى كبير، فأولادى يتمنون أن
يروا صورة والدهم بطلاً ولو لمرة واحدة ويسمعون هتافات الجماهير فى كل مكان "
المسحوب أهه..أهه"!!
من المقلق أنه مع تزايد مفهوم العولمة ستكثر بلا شك مواجهات الشعوب فى كل
المجالات، وبالتالى سيزداد عدد الانسحابات العربية، وأتوقع أن ينشئ العرب بطولة
جديدة بين بعضهم البعض ليتفاخرون بأكبر عدد من المنسحبين..بل بسرعة الانسحاب
نفسها، فهذا انسحب بسرعة 300ميل فى الساعة وذلك انسحب ولم يتم العثور عليه حتى
الآن!...أما أكثرهم بطولة فقد كان ذلك الذى انسحب ثم رمى نفسه فى بئر عميقة
ليضمن عدم مواجهة أى إسرائيلي بعد ذلك!
وللأسف يحدث هذا فى وقت تشتعل فيه النيران وتتوهج كلما قابل رياضى عربى أخاه من
قطر شقيق، فى مباراة ودية لا قيمة لها وكأنهم فى معركة حربية !...أى ينسحبون
أمام إسرائيل ويتقاتلون فى مباراة ودية فيما بينهم!!!...ألا ترون معى أن هناك
علاقة بين ما يحدث رياضيا وما يحدث سياسيا؟!!..ويا ليت الأمر كان سياسيا
فقط..بل اقتصاديا وفكريا وعلميا وحتى فى الأمور التافهة مثل برنامج ستار
أكاديمى الذى صنع انتصارات قومية كبرى ستسجل فى كتب التلبيخ وليس التاريخ.
إن المواجهات التى ستقابل العرب كثيرة وقادمة بلا شك فى جميع المجالات، ونريد
أن نرى أبطالاً للعرب لا ينسحبون، بل يتشوقون للمواجهات، ويحققون الانتصار تلو
الآخر، علميا وثقافيا وفكريا واقتصاديا قبل أن يكون رياضياً، وليست هذه دعوة
للتطبيع أبدا بل التطبيع هو المعاملة التى تخلو من أى نوع من أنواع المواجهه،
ومن أى فرصة لإثبات أنفسنا تفوقنا، ولسنا برفض التطبيع وبالاشتياق للمواجهة
نكون قوما داعين للعداوة ورافضين للسلام حبا فى العداء، ولكننا نرفض أى سلام أو
تطبيع قبل استرداد كافة حقوقنا المسلوبة، لأنه بدون ذلك يصبح السلام
استسلام..والتطبيع تطبيخ.! |