د . خالد منتصر - القاهرة
خاص بعرب تايمز
khmontasser2002@hotmail.com

العلم بين المعمل والمسجد
خلافات فقهية في مسائل علمية



* يحلو للبعض النظر الى القضايا العلمية بمنظار الدين وتأخذهم النشوة حين يستطيعون جر العلم من المعمل الى المسجد ويبدأون فى محاسبته بالنصوص الفقهية بدلاً من المعادلات الرياضية ،وينسون فى غمرة هذا الحساب أن منهج العلم مختلف عن منهج الدين، وهذا لا يعيب كليهما ولا يعنى بالضرورة أن النقص كامن فى أحدهما، فالمقارنة لا محل لها ومحاولة صنع الأربيسك "العلمدينى" بتعشيق هذا فى ذاك محاولة محكوم عليها بالفشل مقدماً، فالعلم هو تساؤل دائم ،أما الدين فيقين ثابت، العلم لا يعرف إلا علامات الاستفهام ، والدين لا يمنح إلا نقاط الاجابة ، كلمة السر فى العلم هى القلق أما فى الدين فهى الاطمئنان ، هذا يشك وذاك يحسم .

وكل القضايا العلمية المعلقة والتى تنظر الاجابات الشرعية لن تجد هذه الاجابات لسبب بسيط هو أن من عرضوها منتظرين الاجابة قد ضلوا الطريق فالاجابة تحت ميكروسكوب العالم وليست تحت عمامة الفقيه ،ولنحاول أن نقوم برحلة عبر أحراش هذه العلاقة المعقدة ما بين العلم والفقه ، وأن نطل سريعا على عينه من هذه القضايا حتى نعرف كم هو مختلف منهج العلم عن منهج الدين ،ولنعرف أيضاً أننا كثيراً مانطرق الباب ونظل منتظرين أن يجيب علينا أحد ويفتح لنا الباب ،ولكننا فى النهاية نفاجأ بأننا قد طرقنا الباب الخطأ فى الوقت الخطأ .

* وتقتضى الأمانة العلمية أن نعرض للقطات سريعة من تاريخ هذه العلاقة فى الغرب والتى حسمت هناك منذ وقت طويل باقتناع الفريقين بان لكل منهما مجاله، فالقسيس هناك حدوده جدران الكنيسة لا يفتى فى العلم ،والعالم هناك لا حدود لطموحه وليس مطلوبا منه منح صكوك الغفران ،ومرجعنا السريع فى علاقة الدين بالعلم فى الغرب هو الكتاب القيم والذى صدر منذ عدة أشهر عن دار الهلال وهو من تأليف الفيلسوف برتراند راسل وترجمة د. رمسيس عوض تحت عنوان" الدين والعلم" ،وفيه يعرض المؤلف لبعض المعارك التى إشتعلت بين رجال الدين والعلم ،والتى للأسف فى معظم الأحيان راح ضحيتها علماء قتلوا او أحرقوا او أجبروا على التوبة ولكن كان ولابد من هذا الثمن حتى تتطور الحضارة ،وأعتقد أن سبب تقدمهم وتأخرنا فى هذا المجال، هو أننا لم ندفع ثمن العبور من بوابة الحضارة حتى هذه اللحظة .

والصراع بين الكتاب المقدس والعلم الحديث فى الغرب كان صراعاً محتدماً بين مرجعية النصوص وقوة ودقة الملاحظة والمشاهدة والتجربة ،وأولى لقطات هذا الصراع هو نظرية دوران الأرض ،وأول ابطاله هو كوبرنيكوس والذى قال عنه لوثر "إنه نصاب يحاول ان يبين ان الارض هى التى تدور وليس السماوات أو الشمس والقمر" ،وكان مصدر هذه التهمة هو الاستناد إلى بعض آيات الكتاب المقدس مثل الآية التى تخبرنا بان يوشح أمر الشمس وليس الأرض ان تقف فى مكانها ، والاية رقم 1 من المزمور 93 والتى تقول "أيضا تثبتت المسكونة لا تتزعزع" ،أما المصدر الخفى والحقيقى هو خوف القساوسة والكهنة وغضبهم من ان إقصاء كوكب الأرض عن وضعه المركزى سيقصى الإنسان هو الاخر عن وضعه المميز فى الكون .

أما البطل الثانى فهو جاليليو وتلسكوبه الذى جر عليه المتاعب وأضاف اربعة أجرام سماوية اخرى فوق السبعة الذين آمن بهم القدماء فحدث الانزعاج والرفض لأن هذا لا يستقيم مع إشارات الكتاب المقدس ،لأن الاجرام السبعة هى الشمعدانات السبعة التى تحدث عنها سفر الرؤية ،وكانت نتيجة هذا الهجوم ترقية قسيس دومنيكانى بسبب موعظة ألقاها حول نص الكتاب المقدس القائل "وانتم يا سكان الجليل لماذا تقفون محملقين فى السماء؟" ،ذهب منها الى ان الهندسة رجس من الشيطان وأنه ينبغى إستبعاد علماء الرياضة باعتبارهم مؤلفى كل الهرطقات ،وقد دخل علماء الجيولوجيا والاحياء فى جدل عنيف مع رجال اللاهوت حول قصة سفينة نوح وأتى استبنط منها اللاهوتيون أن كل الحيوانات الموجودة حالياً تنتمى إلى أنواع تمثلت فى الحياة فى سفينة نوح ،وبذلك فالأنواع ثابتة لا يطرأ عليها التغيير أو التبديل وكان أى شك فى ذلك خاصة من علماء البيولوجيا المؤمنين بالتطور كفيلاً بإلصاق تهمة الكفر ،وجاء اكتشاف امريكا ليحير اللاهوتيين فأمريكا كانت أبعد ما تكون عن الجبل الذى وجدت عليه سفينة نوح ومع ذلك فقد عثر فيها على حيوانات كثيرة ليس لها وجود فى الأماكن التى تحتل مركزاً وسطاً، فكيف استطاعت هذه الحيوانات السفر إلى هذه الأماكن النائية ؟! ،وتلقى داروين معظم الهجوم حتى أنه وصف من قبل المتعصبين من رجال الدين بأنه الرسول الذى يدعو الى عبادة القذارة"

وبعد الفلك والجيولوجيا جاء الصراع مع علم الطب والذى كان اكثر احتداما وعنفاً، ففلسفة المرض عند رجال الدين القدامى هو أنه عقاب من الله ،وقد ذهب القديس أو غسطين إلى ان جميع أمراض المسيحيين ترجع إلى الشياطين وكان للقديسين منزلة كبيرة فى جلب الشفاء فعلى سبيل المثال نجد أن الناس ظلوا لقرون كثيرة يعتقدون فى قدرة عظام القديسه روزاليا المحفوظة فى بليرمو بإيطاليا على شفاء الأمراض، ولكن عندما قام عالم تشريح دنيوى بفحص هذه العظام اكتشف أنها بقايا عظام ماعز !! .. وقد أفلت هذا العالم لحسن الحظ من الحظر الذى كان قد اجرى على علم التشريح والذى اعتبره القساوسة مانعاً ضد بعث الأجسام من الموت ،وإمتدت الخزعبلات من الأمراض الجسمية الى الأمراض النفسية والتى إرتبطت بالسحر إعتمادا على الأية 18 فى اصحاح 22 من سفر الخروج والتى تقول "ولا تدع ساحرة تعيش" ،ومن الأشياء الطريفة فى تاريخ هذه المحظورات، والتى تجعلنا نقول ما أشبه اليوم بالبارحة وما أشبه اقول القساوسة القدامى بأقوال الشعراوى الحالية والذين قالوا ما يشبه قوله عن غسيل الكلى انه تأجيل لمشيئة الل،ه فقد وقفوا ضد تلقيح الجدوى لدرجة قيام قسيس انجليكانى بنشر موعظة جاء فيها ان قروح ايوب ترجع دون شك الى ان الشيطان قام بتلقيحه، واشترك كثير من قساوسة اسكتلندا فى اعداد بيان جاء فيه ان التلقيح يعتبر "محاولة لإصابة حكم الله وتقديره بالارتباك"، وقال احد القساوسة عن مرض الجدرى " اذا كنا قد ابتلينا بمرض الجدرى فإن ذلك يرجع الى ما مارسناه من عربدة فى الشتاء الماضى فقد انغمسنا فى شهوات الجسد لدرجة اثارت غضب الله" !! .. وحتى التخدير واكتشافه الذى انقذ البشريةمن الآلم واتاح الفرصة لأعقد العمليات الجراحية ان تجرى فى أمان كامل ، حتى هذا الاكتشاف لم ينج من تدخل رجال الدين الذين إعترضوا حين حاول أحد الأطباء سنة 1847 ان يستخدم التخدير فى حالات الولادة ،وذكروا الآية 16 فى الاصحاح الثالث من سفر التكوين والتى تقول "بالوجع تلدين اولادك"..

وقد قصدت أن اذكر بعضاً من الصراع بين رجال العلم ورجال الدين فى الغرب كى أؤكد بان الخلاف بينهما هنا فى الشرق لا يرجع إلى طبيعة كامنه فى عقلنا الشرقى أو فى ديننا الاسلامى ولكن الخلاف يرجع الى ما قلته سابقا عن الاختلاف بين طبيعة العلم وطبيعة الدين وبان أى خلط متعسف يؤدى بالقطع الى مثل هذه المعارك التى تؤخر وتعوق مسيرة التقدم * والان ندخل على المعارك وهى كثيرة فى مجتمعنا الاسلامى، ولنبدأ بعلم الفلك والذى يتحكم فى كثير من طقوسنا الدينية كمواقيت الصلاة وصوم رمضان ورؤية هلال بداية الشهور الهجرية الخ ،وكلنا يعرف ويتوقع وها هو رمضان الماضى قد أنذرنا بان مشكلة تحديد بداية الشهر لم ولن تحسم ،هل هى برؤية العين ام بحساب العلم الفلكى ؟ وتظل البلاد الاسلامية أسيرة التخبط والانقسام .

* والحمد لله فأمتنا لا ينقصها الانقسام ،فهى منقسمة أصلاً سياسياً واقتصادياً، ولكن الإنقسام الدينى يأتى ليكمل الحلقة ، ولكن المفاجأة ان ما نتحدث عن من تحديد لبداية الشهور الهجرية هو ترف شديد وأمنية حالمة بل ومستحيلة، لأنه لابد من أن نعرف أنه يوجد من لا يعترفون ببديهية علم الفلك الأساسية من أصله ،وهى أن الارض تدور حول الشمس والتى اثبتها كوبرنيكوس وحوكم من اجلها جاليليو حتى اصبحت من اساسيات المعرفة الإنسانية ككل وليس علم الفلك فقط ،ولنقرأ أسويا فتوى الشيخ الإمام عبد العزيز باز حتى نحكم بأنفسنا .. يقول الشيخ الامام عبد العزيز بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والإرشاد فى المملكة العربية السعودية فى عام 1976

"القول بان الشمس ثابته وان الأرض دائرة هو قول شنيع ومنكر، ومن قال بدوران الأرض وعدم جريان الشمس فقد كفر وضل ويجب ان يستتاب وإلا قتل كافراً ومرتداً ويكون ماله فيئاً لبيت مال المسلمين" ، ونأتى هنا الى مسألة المنهج التى تحدثنا عنها فى السابق ونسأل الى ماذا استند الشيخ بن باز فى فتواه .. هل استند الى رأى اهل العلم وهم فى هذه الحالة علماء الفلك ؟ .. والواقع لا ،فهؤلاء العلماء كفره ولكنه إستند الى القرآن الكريم والأحاديث وكتب السلف الصالح ،وهذا المنهج الذى يلوى عنق النصوص لإستخراج الحقائق العلمية طالما هاجمه الكثيرون حتى من بين علماء الدين أنفسهم ،ولنراجع هجوم الدكتوره بنت شاطئ على التفسير العلمى للقرآن للدكتور مصطفى محمود ، أما عن هذه الأدلة التى قدمها بن باز فيما بعد سنة 1982 فقد كانت كالتالى "أولاً الدلالة على جريان الشمس والقمر فقد استند بن باز الى بعض الأيات القرآنية مثل قوله تعالى "وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى" ، "والشمس تجرى لمستقر لها" ، "وسخر لكم الشمس والقمر دائبين" ، "فلا اقسم برب المشارق والمغارب" ويقول بن باز فى تفسيره أن الجرى فى لغة العرب هو السير والإنتقال من مكان الى مكان ،فالشمس جارية اى سائرة متنقلة من منزله واما ما استمده من الأحاديث الشريفة لإثبات صحة فتواه فهو أن النبى صلى الله عليه وسلم قال يوماً أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا الله ورسوله اعلم ،قال ان هذه تجرى حتى تنتهى الى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها إرتفعى وإرجعى حيث جئت الخ" ، ثم يضيف الإمام بن باز بأن الشمس سقفها ليس بكروى وإنما هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة ،ثم يؤكد الإمام بن باز انه كان من جملة الناس الذين شاهدوا بعيونهم وأبصارهم سير الشمس وجريانها قبل ان يذهب بصره وهو فى سن التاسعة عشر من عمره

كانت هذه عينة من الأدلة على جريان الشمس والقمر ،أما أدلة ثبوت الأرض فقد جمعها بن باز فى أولاً الأيات القرآنية مثل "جعل لكم الأرض قرارا" ، "جعل لكم الأرض مهادا" ، "الذى جعل لكم الأرض فراشا" ، "وألقى فى الأرض رواسى ان تميد بكم" ومن تفسيراته ان كون الأرض فراشا مشروط بكونها ساكنة لأنها لو كانت متحركة لما كانت فراشا على الإطلاق ، وثانياً الأحاديث النبوية الشريفة ومنها الحديث الذى يقول" لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال عليها فاستقرت " ومن هنا استخلص بن باز ان الحديث النبوى قد اثبت ثبوت الأرض ، وبذلك اكتملت ملامح فتوى تكفير جاليليو وتلاميذه والتى لم يتنازل عنها بن باز حتى الأن

والقضية العلمية الأخرى التى تعرضت لخلافات فقهية شديدة هى قضية "اطفال الانابيب" والإخصاب الصناعى" وكان السؤال الذى اثار القلق هو متى تبدأ الحياة ؟ ،وقد تعددت الاجابات على هذا السؤال الشرعى العويص والذى إستغرق جدلاً لم يحسم حتى الآن وكانت أكبر مظاهر هذا الجدل فى مؤتمرى "الإنجاب فى ضوء الإسلام" و "بداية الحياة الانسانية ونهايتها فى المفهوم الاسلامى" واللذين عقدا فى الكويت عامى 1983 و 1985، وقد إنقسم الفقهاء فى مناقشتهم لموضوع بداية الحياة إلى ثلاث فرق ، الفريق الأول يرى أن الحياة تبدأ من لحظة الإخصاب ويعتمد على قوله تعالى " خلقنا الانسان من نطفه" وانه اذا اثبت ان المرأة حامل يحفظ حق جنينها الشرعى فى الميراث ، والفريق الثاني يرى ان الحياة تبدأ بعد نفخ الروح وذلك استناداً الى الحديث الشريف الذى يقول "إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن امه اربعين يوما ، ثم علقه مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع : أجله ، ورزقه وشقى هو أم سعيد ثم ينفخ فيه الروح الخ " ثم نصل الى الفريق الثالث الذى يحاول ان يوفق بين الرأيين فيذهب الى ان الحياة لا تبدأ منذ الاخصاب وانما لحظة "العلوق" وهو إلتصاق البويضه الملقحة بجدار الرحم ،وتأتى أهمية الإجابة على هذا السؤال من انه بتبنى رأى فريق وتفضيله على رأى الفريق الأخر تتأثر أبحاث أطفال الأنابيب وتنقلب من النقيض الى النقيض، فمثلاً إذا تبنينا الرأى الأول وهو ان الحياة تبدأ منذ لحظة التقاء الحيوان المنوى بالبويضة فإن هذا يعنى انه لايمكن اجراء تجارب على البويضة الملقحة التى هى عمار ابحاث اطفال الأنابيب وتتوالى الأسئلة التى بلا اجابة مثل ما الذى يمكن ان نفعله بالأجنة التى تم تجميدها ؟ ،وماذا نفعل فى البويضات الملقحة الفائضة ؟ وهل يحق للزوجة التى توفى زوجها أن يزرع فى رحمها بويضتها الملقحة بمنى زوجها المتوفى؟ وهذه المسألة الأخيرة بالذات رفضها الشرع لأنه يرى أنه بمجرد وفاة الزوج تنتهى العلاقة الزوجية وبالتالى يعتبر الزوج المتوفى أجنبيا ،ومثل هذه القضية عشرات القضايا المماثلة فى صعوبتها والتى أثارتها قضية أطفال الأنابيب التى جرت الفقهاء الى سباق محموم اتضح انه فخ ملئ بالاف الألغاز والمتاهات ..

واذا كان سؤال متى تبدأ الحياة هو الذى أثار الجدل واللغط فى قضية اطفال الأنابيب، فإن سؤال متى تنتهى الحياة او ما هو الموت الشرعى؟ هو السؤال الذى عطل قضية نقل الأعضاء وزرعها من حديثى الوفاه حتى هذه اللحظة ؟! أما ما هى الفتاوى التى اجهضت قانون زرع الأعضاء فأكثرها شهرة وتأثيرا فتوى الشيخ الشعراوى بعدم جواز نقل الأعضاء الادمية من انسان لانسان على اعتبار ان الأعضاء ملك لله ولا يجوز للانسان ان يتصرف فيما لا يملكه، أما الفتوى الرسمية التى اعطت ثقلا لفتوى الشعراوى فقد كانت فتوى شيخ الأزهر السابق الشيخ جاد الحق على جاد الحق والتى نشرتها جريدة اللواء الاسلامى فى 6 مايو 1993 والتى تقول" الموت علامته سكوت الأعضاء وهمودها ويؤكد هذا أن الله امر عباده ألا يأكلوا من الذبيحة او يقطعوا شيئا من اعضائها او يتعجلوا بالسلخ قبل ان تموت بالذبح فإذا كان الله قد امر بعدم قطع شئ من البهيمة قبل ان تموت وتبرد حركتها فأولى بذلك الإنسان الذى كرمه الله حيا وميتا ، إن الموت الذى تنبنى عليه الأحكام الشرعية لا يتحقق الا بمفارقة الروح للجسد وبهذه المفارقة تتوقف جميع اجهزة الجسد وتنتهى مظاهر الحياة من تنفس ونبض وتماسك عضلات وغير ذلك ،وانتهى فضيلته إلى انه "يعتبر قتلا لهذه النفس قطع اى جزء من جسد المريض المحتضر قبل التيقن من موته بتلك العلامات الشرعية" .

ومما هو معروف انه مع هذه العلامات الشرعية التى ذكرها شيخ الأزهر السابق ستفشل اى عملية لزرع الأعضاء حتما لأنها تتطلب ان يكون القلب نابضا فى معظم هذه العمليات ، وما زالت هذه الفتاوى هى صاحبة الصوت الأعلى برغم الفتاوى المبيحة مثل فتوى شيخ الأزهر الحالى والمفتى السابق د. سيد طنطاوى وأيضا فتوى الشيخ يوسف القرضاوى ..

والقضية الأخرى وهى قضية مرضى "الترانسكس" او الخنثى النفسية والتى نعرض فيه للأدلة الشرعية التى اعتمد عليها الفقهاء فى منع أجراء عمليات تحويل الجنس واهم هذه الأدلة هو الحديث الشريف والذى رواه البخارى عن ابن عباس قال "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء" .. وحديث آخر هو "لعن النبى صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" وحديث ثالث يقول" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجوا المخنثين من بيوتكم" وقد امتنع جراحو التجميل وجرمت نقابة الأطباء هذه العمليات بناء على ما سبق استنتاجه من الأحاديث بعد ان كانت مثل هذه العمليات تجرى فى مصر وبمنتهى السهولة وبدون اى قلق او ضجة او إدانة وتجريم لأن المسألة طبيا هى جسد يعلن عن نفسه بأنه ذكر ومخ يلح عليه انت أنثى، وهنا لاحل بعد فشل العلاج النفسى الكامل الا الجراحة .

اما اكثر القضايا العلمية اثارة وسخونة وجدلاً، فهى قضية الختان والتى ازدادت حدة المناقشات حولها فى الأونة الأخيرة وخاصة بعد فيلم السى . إن . إن الشهير والذى تحركت وزارة الصحة بعده وبناء على اضطراب اجتماعى وحيره اكتنفت جميع الطبقات فطلبت رسمياً من فضيلة المفتى السابق د. طنطاوى إصدار فتوى رسمية لحسم قضية الختان حتى تتمكن الوزارة من إعداد مشروع قانون ينظم او يمنع هذه العملية بما لا يتعارض مع الشريعة أعلن فضيلته هذه الفتوى التى قال فيها" عن ختان الإناث لم يرد بشأنه حديث يحتج به وإنما وردت آثار، حكم المحققون عليها بالضعف ومنها حديث "الختان سنة للرجال مكرمة للنساء" وحديث لا تنهكى فإن ذلك احظى للمرأة واحب للرجل" وقد ذكر هذه الاحاديث جميعها الإمام الشوكانى فى كتابه نيل الأوطار وحكم عليها بالضعف ،وذكر قول الامام بن المندر " ليس فى الختان خبر يرجع اليه ولا سنة تتبع وهكذا فإن جميع احاديث ختان المرأة ضعيفة معلوله مخدوشة لا يصح الاحتجاج بها" ،ثم يضيف فضيلته ان من الأدلة على أنه عادة وليس سنة ان معظم الدول الاسلامية التى تزخر بالعلماء والفقهاء لا تلتزم بالختان ،ولكن هل انتهت المسألة عند هذا الحد ؟ ،الواقع ان شيخ الأزهر السابق جاد الحق لم يدع الفرصة تمر وخرج على الجميع بفتوى مفاجئة يقرر فيها ان ختان الاناث من شعائر الاسلام وان تركه يوجب القتال وان عدم ختان البنات يؤدى بهن الى الانحراف وانه لا يجوز ترك الفصل فى القضية للأطباء لأن الطب يقوم على العلم والعلم متغير ، وأدت هذه الفتوى المفزعة بالدكتور على عبد الفتاح وزير الصحة السابق الى التراجع عن القرار الذى كان يعد له بمنع ختان الاناث تماماً حتى فى المستشفيات الى أن تولى الدكتور سلام وزارة الصحة وأصدر قراره الحاسم بالمنع ،والذى جعل بعض الأطباء وعلى رأسهم د. منير فوزى يرفعون قضية يطالبون فيها بمنع هذا القرار، ودفع ايضا بعضو فى مجلس الشعب لأن ينادى بإصدار قانون يبيح ختان الإناث ،وكان الطرفان الطبيب وعضو مجلس الشعب مستندين الى فتوى شيخ الأزهر السابقة .

وهكذا تتداخل المسائل وتتشابك القضايا وتتعقد الاستنتاجات والقرارات، وللأسف فإن هذا التداخل والتعقد والتشابك والاضطراب يؤذى العلم والدين على السواء فيقف العلم مكتوف الأيدى مكبلاً مشلولاً تنقصه الجرأة والمبادرة ،يعانى من الخوف ومن سطوة العادات والتقاليد والأحكام الأخلاقية وفى المقابل يوضع الدين فى مكان غير مكانه وينزل من عليائه وقدسيته ليطالب بالتحكيم فى قضايا علمية يضار منها بسطاء الناس، والذين للأسف يغضبون من الأحكام الفقهية ويعاملونها على انها هى الدين ،فيتهمونه بما ليس فيه وبما ليس مطلوباً منه ،وبهذا المنطق يحدث التصادم بدلاً من التكامل ،ويحدث الشقاق بدلا من الوفاق والخاسر فى النهاية هو الانسان الذى هو فى الحقيقة الهدف والغاية للدين والعلم .

لقراءة مقالات اخرى للدكتور خالد منتصر انقر هنا