يكتبها: ابراهيم الجندي
صحفي مصري مقيم في واشنطن

elgendy64@yahoo.com


 

ضحايا الأديان


أعلنت وفاء قسطنطين فى اجتماعها مع وفد القساوسة انها لم تتعرض لأية ضغوط للدخول الى الاسلام ، وانها اختارته بمحض ارادتها( وأنها لم تكن تتخيل أن تحدث كل هذه الضجة بسببها ) الأمر الذى يدحض كل دعاوى اختطافها واجبارها على اعتناق الدين الجديد ، ويؤكد أن التظاهرات الغاضبة التى انطلقت والاصابات التى وقعت فى صفوف الشرطة، وغضب البابا، ودعاوى المنظمات المسيحية فى الخارج ليس له أساس من الصحة ، والسؤال الآن .. ماذا لو قررت وفاء الخروج من الاسلام والعودة الى دينها مرة أخرى ؟؟
أعتقد أن الاجابة الجاهزة على لسان كل مسلم .. يطبق عليها حد الردة لأنها دخلت الاسلام بارادتها من ناحية ولأنه الدين الحق من ناحية ، بالاضافة أن الى ان قطع رقبتها هو العقاب الطبيعى للمرتد حسب حديث النبى .. من بدّل دينه فاقتلوه .. بالاضافة الى ان دخول
الحمّام (أقصد الاسلام ) ليس كالخروج منه ..كأنها وقعت فى المصيدة !!ا
نحن امام حالتين ..أولهما : أن تخسر وفاء أولادها فلذات أكبادها وزوجها وكل ماضيها وحياتها وذكرياتها بسبب تركها للمسيحية ، وثانيهما : قطع رقبتها ان هى تركت الاسلام وعادت لدينها !!ا
اذن وفاء ضحية حقيقية على مذبح الأديان ، أحسب أن الوضع الطبيعى الانسانى هو أن تعود وفاء الى زوجها وأولادها وتمارس ما تشاء من طقوس وشعائر اسلامية أو مسيحية ، ولكن هيهات .. دينها الجديد يمنعها من الارتباط بمسيحى حتى لو كان زوجها الذى تحبه ، أما بالنسبة لزوجها فهو مسيحى وقس مخلص للسيد يسوع وبناء عليه طردها من قلبه لأنها تركت دين الحق واعتنقت دينا آخر !!ا
مشكلة وفاء أنها مارست انسانيتها وحريتها فى مجتمع عديم الانسانية و الحرية والكرامة ، مجتمع لا يؤمن الا بالاله الواحد والرأى الواحد والدين الواحد والطريق الواحد والحزب الواحد !!ا
لماذا تتصارع الأديان وتابعيها على ضم المزيد اليها ؟ هل ستنهار اذا تركها بعض تابعيها ؟ واذا كانت ستنهار .. فهل هى جديرة بالاتباع ، ناهيك عن الاحترام ؟
ما هو حجم القهر والغضب والغصة الذى تركه تحول وفاء الى الدين الجديد فى حلق زوجها وأولادها بل وفى صدر كل مسيحى فى مصر وخارجها ؟
ما هو حجم الفرحة والسعادة فى نفس كل مسلم الان ؟
ما الذى سيكسبه الاسلام بدخول وفاء وما الذى ستخسره المسيحية بخروجها ؟
هل هى مبارزة بين الاديان على حسابها ؟
عندما انتقلت ناهد محمود متولى من الاسلام الى المسيحية حدث العكس .. فرحة مسيحية عارمة وغضب وقهر اسلامى بنفس الدرجة ؟
سيل من الرسائل تلقيته من الاخوة المسيحيين بأنحاء العالم ، بالاضافة للمكالمات التليفونية ردا على مقالى السابق بعنوان الكهنة .. تؤكد معظم الرسائل أن الدين أيا كان نوعه هو قرين التطرف بلا منازع !!ا
ان الاهتمام المبالغ فيه من الطرفين بهذه القضية انما يعنى ان المجتمع المصرى تم تفريغه من مضمونه تماما ، فالمفترض أن المجتمع يعيش مرحلة مفصلية فى حياته .. رئيس يحاول التجديد لنفسه أو التوريث لابنه ، تدهور اقتصادى وبطالة بالملايين ، فساد على كل المستويات ، فوضى فى كل شىء .. ومع ذلك لم يشغل الجميع سوى المسكينة وفاء قسطنطين !!ا
هل رأيتم مستوى التفاهة والانحدارالذى وصلنا اليه؟
ان قضية تحول وفاء كشفت وبجدارة أن مطالبة المسيحيين باعادة مصر الى المسيحية بعد أن فتحها العرب الاجلاف وفرضوا عليها ثقافتهم ، دعوى حق يراد بها باطل ، فاذا كنتم أقمتم الدنيا ولم تقعدوها حتى الان بسبب تحول سيدة واحدة الى دين آخر ، فماذا ستفعلون بنا ان أصبحت مصر فى أيديكم ، أجزم انكم ستكونون أكثر عنفا وشراسة من الاجلاف العرب وثقافتهم البدوية ، لقد تخلصت أوربا وأمريكا من حكم الكنيسة والكهنوت ووضعتهما فى مزبلة التاريخ ، ولذلك بنوا حضارتهم على أساس علمانى انسانى وانطلقوا الى الامام ، وأنتم تودون العودة بنا الى الخلف .. هل تريدون استبدال دين بدين .. كلا وألف كلا ، تعالوا معا نضع الاديان فى جحورها ونغلق عليها للأبد ونبنى بلدنا بالعلم والقانون ، اننى
أحسب أن الحل يتكون من جزأين .. أولهما : اقرار قانون الحرية الدينية والذى يسمح لأى انسان بالانتقال من دين الى آخر أو حتى الكفر بكل الاديان دون أن يناله أى عقاب ، تطبيقا للمبدأ القانونى بعدم ازدواج العقوبة ، حيث أن كل اله سوف يحرق المخالفين من أتباعه يوم القيامة ، وهذه العقوبة تكفى فى الآخرة ، ولا داعى لعقوبة من البشر فى الدنيا !!ا
وثانيهما : البحث عن حلول جذرية لمشكلة الفقر الذى هو بالأساس الأب الشرعى للغيب والخرافة ، بالاضافة لألغاء المقررات التعليمية الحالية واستبدالها بأخرى تهتم بالعلم أساسا ، باختصار .. الأديان مجالها المطلق وحياتنا مجالها النسبى ، ويستحيل اسقاط المطلق على النسبى ، الأديان مجرد عقائد ولا تصلح لأكثر من ذلك!

لقراءة المقالات السابقة لابراهيم الجندي انقر هنا