يكتبها: ابراهيم الجندي
صحفي مصري مقيم في واشنطن

elgendy64@yahoo.com


 

الله .. ليس واحدا !!
Wednesday August 01, 2007


الانسان العربى يعيش اما نافيا أو منفيا ، ولا اعنى بالنفى الاعتقال والسجن فقط بالمنافى الكثيرة التى تذخر بها بلاد العربان، وانما أعنى بالنفى الغاء الطرق الانسانية للتفاهم والحوار واستخدام المنطق وتحكيم العقل والقانون الى نفى الاخر بطرق مختلفة ، تبدأ بالسب والاتهام بالخيانة والعمالة والكفر ، وتمر بالضرب والسجن والسحل ، وتنتهى بالقتل والتفجير.

 قد يمارس النفى سلطة أو تنظيم سياسى أو دينى أو فرد عادى .. كل حسب سلطته وقدرته على نفى الآخر وقمعه ، فالأساس فى عملية النفى هو القوة والسلطة والقدرة على التنفيذ وليس الحق والقانون .

 لقد حزنت لمقتل المخرج الهولندى فان جوخ الذى أخرج فيلما يشوه صورة المرأة المسلمة بتصويوها تزنى مع أهلها ، بالاضافة لكتابة بعض آيات القرآن على أماكن حسّاسة من جسدها ، وما أحزننى هو أن قاتله فشل فى الرد عليه والتحاور معه سواء من خلال تكذيب فيلمه وذلك بعرض الواقع السعيد والحرية التى تحياها المرأة المسلمة (التى تعيش الذل بكل انواعه) أو على الأقل اللجوء الى القضاء فى بلد المخرج نفسها .

 تلك هى الطرق الطبيعية للاعتراض والتعامل مع الاخر بشكل راقى، واذا لم ينصفه القانون يمكنه أن يغادر ذلك البلد الذى لا يحترم ديانته الى بلد آخر يقدس الديانات أو يعود الى وطنه دون قتل .

 لكن ما حدث هو أن شابا مغربيا حاصلا على الجنسية الهولندية أى مكث سنوات طويلة فى هولندا ولم تؤثر فيه الحضارة الغربية التى تقوم على الحوار فى الأساس ، الأمر الذى يؤكد للعالم أن المسلم قنبلة موقوته جاهزة للانفجار فى أى وقت ، وأن أى حضارة لا تؤثر فى عقله وغير قادرة على تغيير سلوكه ، ولنا أن نتخيل نتائج قتل المخرج ...

أولها : شهرة مخرج مجهول ليس له قيمة لم يسمع عنه أحد من قبل .

 وثانيها : زيادة حدة التعصب ضد العرب والمسلمين فى هولندا خصوصا والغرب عموما .

 وثالثها: ضياع حياة الشاب نفسه ، بالاضافه الى بقاء الفيلم (سبب الجريمة ) وزيادة الاقبال عليه !ا
على المستوى الدينى فان جوخ يعبد الها آخر غير اله المغربى وهذا حقه ، لأنه لو كان يعبد اله القاتل لما صنع الفيلم اصلا ، والهه قادرعلى عقابه يوم القيامة وحرقه فى النار(ببنزين وسخ ) بل وسلخه عقابا له على ما اقترفت يداه .

 من ناحيه ثانية فان اله المغربى لم يعطه توكيلا لقتل الهولندى ، فى النهاية يمكن لأى من الالهين عقابه بل والتنسيق بينهما فى تعذيبه حتى لا يكررها هذا الوغد ، فهو فى النهاية مواطن بسيط ولن تختلف الالهة بسببه خصوصا فى التعذيب!!


ما حدث من الشاب المغربى هو نوع متقدم من نفى الاخر بطريقة لا علاقة لها بالانسانية والتحضر والرقى ، ولو قتل كل منا من يختلف معه فى الرأى أو الدين لأصبحنا فى غابة !!


هناك امثلة عديدة لنفى الاخر ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ..

* تزوير الانتخابات البرلمانية فى مصر على مدار ربع قرن بأحكام قضائية نهائية .

*  خطف صحفيين فرنسيين فى العراق للضغط على الحكومة الفرنسية لالغاء قرارها بمنع الحجاب وفى ذلك ما فيه من محاولة لنفى ارادة دولة حرة ذات سيادة .

*  منع امرأة فى البحرين من اعتلاء مسجد لالقاء خطبة الجمعة ، على الرغم اننى لا اعرف نصا دينيا يمنع ذلك ، فاذا كنا سمحنا للمرأة بالعمل كقاضية ومذيعة وطبيبة فالأجدر بنا السماح لها باعتلاء المنبر وعدم نفى ارادتها .

*  مصادرة مجلة المنبر فى الكويت لأنها حسب تصريح السلطات تهجمت على ام المؤمنين عائشة  وكان الاولى بدل النفى والمصادرة مناقشة ما نشرته المجلة ودحضه بالدليل والبرهان لفض القراء من حولها وبالتالى سوف تتوقف من تلقاء نفسها ، لكنها الوصاية على عقل الانسان فى النهاية ، ثم هل هناك ما يمنع ان يقتنع الانسان بما نشرته المجلة ، وربه سوف يحرقه بعد الموت ان كان على خطأ ( السلطات على الارض بدأت تحل محل الالهة فى السماء فيما يخص العقاب ).

*  حبس الزميلين جهاد نصرة ونبيل فياض فى سوريا .

*  حبس الدكتور سعد الدين ابراهيم فى مصر.

*  مصادرة الازهر للكتب التى يختلف مع افكارها وكأن اصحاب اللحى لديهم توكيلا من الله بالنفى والمصادرة نيابة عنه .

*  الاحكام التى صدرت بتفريق نصر ابوزيد عن زوجته ونوال السعداوى عن زوجها ودعوى تفريق اسامة انورعكاشة عن زوجته .

 كلها محاولات للنفى باستخدام سلطة القضاء ، اعتقال الالاف من المعارضين السياسيين فى جميع بلاد العربان هو تعبير عن فشل الحوار ونفى ارادة الاخر حسب قوة السلطة وجبروتها ، ومقابر صدام الجماعية خير مثال ، برنامج كل حزب سياسى ( على افتراض وجود أحزاب أصلا) يؤكد انه دون سواه الذى يملك الحل السحرى لمشاكل البشر ، حتى الاديان تنفى بعضها البعض ، فالاولى تؤكد لتابعيها انهم فقط الجنس السامى الآرى والباقى حيوانات ، والثانية ترى انها الوحيدة من بين الديانات التى تتميز بالسماحة والمحبة ، والثالثة تقسم انها الخاتمة وتلغى ما قبلها لأنه محرف ، وعلى اتباع كل ديانة عدم اتباع الاخرى لأن من سيتحول لن يدخل الجنة وغالبا سيحرقه الهه يوم القيامة !!ا
علينا ان نؤمن بحق الآخر فى الاختلاف معنا فى السياسة واللون والفكر والجنس والعقيدة ، الفيصل هو الحوار والعقل والمنطق والقانون وليس القتل والمصادرة والنفى ، فالنفى لا يدمر المنفى فقط وانما النافى أيضا
 

لقراءة المقالات السابقة لابراهيم الجندي انقر هنا