يكتبها: ابراهيم الجندي
صحفي مصري مقيم في واشنطن

elgendy64@yahoo.com




السبّوبة!


تذكرنى قضية توريت أو تأبيد الحكم فى مصر وليبيا واليمن- وقبلهم المغرب والاردن وسوريا - بما يسمى بالسبّوبة ، والسبّوبة لمن لا يعرف معناها عبارة عن مشروع خاص يستثمره صاحبه دون مشاركة الاخرين !!ا
وحالة حكامنا العرب فى علاقتهم بالشعوب لا تختلف كثيرا عن علاقة المسثمر السابق الاشارة اليه ، وفى حالة مصر وهى اكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، يعيش المواطن المصرى بين خيارين لا ثالث لهما.. اولهما: التجديد للرئيس مبارك ، وثانيهما التوريث لجمال ابنه ، وليس مطروحا خوض الرئيس الذى تقدم به السن ويعانى الامراض، او ابنه حديث السن والخبرة بالعمل السياسى ،لأية انتخابات ضمن مرشحين اخرين، اعتمادا على ان ملايين المصريين الموجودين ليسوا جديرين بمجرد الترشيح للمنصب !!ا
بالطبع هناك أحزاب ورقية انشأها النظام وتتعامل مع الوطن ايضا بمنطق السبّوبة ، فهى تعارض حسب عرف غير مكتوب وخطوط حمراء بينها وبين النظام، لتثبيت وضعه امام المجتمع الدولى من ناحية، ولأقناع الرأى العام المحلى بأهمية دورها من ناحية ثانية، واصدار صحف تنطق باسمها من ناحية ثالثة!!ا
الامر لا يختلف كثيرا فى ليبيا التى يوزع حاكمها الملايين من اموال الشعب الان كتعويضات عن جرائم اعترف بارتكابها ، فقط لمجرد بقاؤه فى السلطة وثوريثها لابنه من بعده !!ا
كذلك الوضع فى اليمن التى اصبح من المسلم به توريث السلطة فيه وغير مطروح بالمرة ان يتقدم احد للترشيح امام الرئيس او ابنه ، والمؤكد ان الامر كان سيتكرر فى العراق مع صدام وعدى او قصى لولا التدخل الاميريكى الذى افسد السبّوبة هناك وازال النظام كله !!ا
وأفضل من عبّر صراحة عن منهج السبّوبة فى التعامل مع الوطن هو الراحل انور السادات ، حيث كان دائما ما يردد قائلا ، جيشى .. شعبى .. اولادى .. وهذ يفسر جيدا نظرة الحاكم للعلاقة بينه وبين شعبه ، ولم يشذّ عبد الناصر عن القاعدة ، فقد سألوه ذات مرة عن ضرورة التعجيل بعمل شىء معين لا اتذكره ، وكانت اجابته .. ولماذا نستعجل وامامنا عشرين سنة فى الحكم !!ا
وعندما عرضت اميريكا على صدام ان يتنحى عن الرئاسة ويرحل لتجنيب شعبه الحرب، قال لن أترك العراق الا كوما من التراب، وحينما سئل الرئيس مبارك فى مؤتمر صحفى عن رأيه فى العرض الاميريكى على صدام، أجاب منزعجا وغاضبا .. مفيش رئيس يتنحى ابدا !!ا
وحتى جمال مبارك حينما اجتمع مع اساتذة جامعة القاهرة ودار الحوار حول ضرورة الغاء قانون الطوارىء ، أجاب قائلا .. انه لا يجب الانسياق وراء كلام رجل الشارع ، الامر الذى يعنى سيادة منطق الابعاد والاقصاء فى العلاقة بين الحكام او من يعدّون للحكم وبين الشعوب !!ا
لقد وجهت اسرائيل ضربة مؤخرا الى سوريا قتلت خلالها من تعتقد انه ضمن ناشطى حركة حماس واعتمدت فى تلك الضربة على هشاشة النظام وضعفه من الداخل وافتقاره للشرعية ، واقتصر رد فعل النظام على دعوة مجلس الامن للاجتماع وبحث الاعتداء الاسرائيلى ، وهددت اسرائيل بالمزيد ولم يجرؤ الحكم- المستأسد فقط على المواطن السورى المقموع - على مجرد البعبعة والجعير التى تعودنا منه عليها عقب كل ضربة ، وفى هذا الصدد أذكر اننى التقيت السفير السورى فى اجتماع هنا بواشنطن وسألته .. هل لدى النظام الحالى أى خطة ولو سلمية لتحرير الجولان ولو منقوصة السيادة على غرار ما حدث فى سيناء؟
وكانت اجابته ان ظروف البلاد صعبة الان !!ا
أعتقد ان الضربة الاسرائيلية القادمة ستكون للنظام المصرى للفت انظار العالم الى مشكلة جديدة حتى تنتهى من تصفية القضية الفلسطينية عن أخرها هذه المرة ، اعتمادا على عدم شرعية النظام وافتقاره لأية شعبية او قوة اقتصادية (يرجى مراجعة تصريح الدكتور عاطف عبيد رئيس وزراء مصر السابق للزميلة سناء السعيد فى صحيفة الاسبوع الصادرة السابع والعشرين من سبتمبرالحالى والذى قال فيه حرفيا ..كنت أدور على البنوك مع وزير الشئون الاقتصادية لكى احصل على مائتى الف دولار لتسديد قسط لانه لو تأخر24 ساعة لتوقفت المعونة الاميريكية)..هل يمكن لدولة فى حجم مصر ان تصل لهذا المستوى ؟
أعجبنى مشهد من مسرحية للفنان محمد صبحى وكان يقوم فيها بدور الحاكم ،حينما قال سوف اطلب الشعب فى التليفون ، بس على الله يكون موجود !!ا
الجانب الاخر للمشكلة هو الشعوب العربية نفسها التى استكانت
وماتت ونسيت انها موجودة اصلا وأدمنت الالم والشكوى ، فلدينا حكام ساديين طغاة وشعوب ماسوشية تستعذب الذل والاهانة !!ا
الحل من وجهة نظرى المتواضعة فى مصر على الاقل هو ان تبدأ النقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدنى- بعيدا عن الاحزاب التى تملك اجندة مصالح مع النظام - فى اعلان رفضها التجديد للرئيس مبارك لفترة رئاسة خامسة ، وان تبدأ كل نقابة الاضراب عن العمل يوما كل شهر كتعبير سلمى عن رفضها له ولمجمل سياساته التى ادت الى خراب الوطن وتخريب المواطن ، وان تطالبه بتقديم اقراربذمته المالية هو وزوجته واولاده بعد ربع قرن فى السلطة !!ا
نحن لا نطالب بثوره لأنها لن تحدث اساسا ، وان حدثت فسوف يسودها الغوغاء والرعاع وهم بالملايين وسيقفز عليها الاسلاميين الامر الذى سيقود البلاد الى الحجيم !!ا
اننى اخاطب فئة التكنوقراط كالصحفيين والاطباء والمهندسين والمحامين .....الخ ان يقوموا بعمل سلمى هو الاضراب ، وأن تكون اجندتهم مكونة من جملة واحدة ( لا لمبارك وابنه ) حتى لا تتشتت جهودهم وحتى يثبتوا موقفهم امام الشعب، فان نجحت محاولاتهم كان بها وان فشلت فكفاهم شرف المحاولة !!ا
وبهذه المناسبة يجب الا ننسى ان الرئيس مبارك تراجع عن تطبيق قانون حبس الصحفيين عام 1995 بعد اقرار القانون منه شخصيا، وحينما ناقشه الزميل مجدى حسين بمعرض الكتاب عن ضرورة الغاء القانون .. أجاب.. القانون صدر وخلاص نحن لا نبيع لبّ .. ومع ذلك تراجع امام وحدة وتكتل الصحفيين وعددنا فى حينه لم يتعدى الثلاثة الاف صحفى ، ان النظام لا يجرؤ على سجن الالاف من اعضاء النقابات ولو فعلها ستكون نهايته كنظام السادات ،المسئولية على اكتافكم امام الوطن والتاريخ فهل نبدأ ام نبدد جهودنا واعمارنا فى الخلاف ؟
 

لقراءة المقالات السابقة لابراهيم الجندي انقر هنا